16 صفر, 1448
شُكْرُ النِّعَمِ وَلُزُومُ الجَماعَةِ وَأَثَرُهُما في حِفْظِ الْأَوْطانِ وَالْأَمْنِ وَالْإِيمانِ
﴿الخُطْبَةُ الْأُوْلَى﴾ 17/2/1448هـ
الحَمْدُ للهِ وَاهِبِ النِّعَمِ، وَدَافِعِ النِّقَمِ، أَحْمَدُهُ عَلَى نِعَمِهِ وَأَفْضَالِهِ، أَسْبَغَ عَلَيْنَا النِّعَمَ وَأَتَمَّهَا، وَدَفَعَ عَنَّا كَيْدَ الكَائِدِيْنَ، وَمَكْرَ الحَاسِدِيْنَ، فَلَهُ الحَمْدُ فِي الأُوْلَى وَالآخِرَةِ، وَمِنْهُ نَطْلُبُ العَفْوَ وَالـمَغْفِرَةَ، وَلَا حَوْلَ لَنَا وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَالتَّابِعِيْنَ لَهُمْ بِإحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ. أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوْا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَامْتَثِلُوا قَوْلَهُ جَلَّ فِي عُلَاهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102].
أَيُّهَا الـمُسْلِمُوْنَ: لَقَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْنَا فِي هَذِهِ البِلَادِ الْمُبارَكَةِ بِنَعَمٍ عَظِيْمَةٍ، وَمِنَنٍ وَآلَاءٍ جَسِيْمَةٍ، لَا نُحْصِي لَهَا قَدْرًا، وَلَا نُحِيْطُ بِهَا شُكْرًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾[لقمان:20] وَقالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾[النحل:18] وَإِنَّ أَعْظَمَ نِعَمِ اللهِ تَعَالَى عَلَيْنَا نِعْمَةُ الإسْلَامِ وَالسُّنَّةِ، وَإِقَامَةِ شَرْعِ اللهِ فِي الأَرْضِ، وَنِعْمَةُ الأَمْنِ فِي الأَوْطَانِ، وَالصِّحَّةِ فِي الأَبْدَانِ، وَتَوْفِيْرِ كَثِيْرٍ مِنْ أَسْبَابِ العَيْشِ الكَرِيْمِ، واجْتِمَاعِ الكَلِمَةِ وَوَحْدَةِ الصَّفِّ، فَنَحْنُ وَللهِ الحَمْدُ نَعِيْشُ فِي أَمْنٍ وَأَمَانٍ، وَرَاحَةٍ وَاطْمِئْنَانٍ، وَهَذَا غَايَةُ مَا يَتَمَنَّاهُ كُلُّ إِنْسَانٍ عَاقِلٍ، قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ؛ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا» أخرجه الترمذي بإسناد حسن. إِنَّ اجْتِمَاعَ الكَلِمَةِ وَوَحْدَةَ الصَّفِّ، وَلُزُومَ الجَمَاعَةِ، لَيْسَتْ مَصَالِحَ دُنْيَوِيَّةً فَحَسْبُ، بَلْ هِيَ عِبَادَةٌ يَتَقَرَّبُ بِهَا العَبْدُ إِلَى رَبِّهِ، وَأَصْلٌ مِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، دَلَّتْ عَلَيْهِ نُصُوصُ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الأُمَّةِ، قَالَ الإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: “وَنَرَى الجَمَاعَةَ حَقًّا وَصَوَابًا، وَالفُرْقَةَ زَيْغًا وَعَذَابًا”، وَقَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ -رَحِمَهُ اللهُ-: “أُصُولُ السُّنَّةِ عِنْدَنَا: التَّمَسُّكُ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَالاِقْتِدَاءُ بِهِمْ، وَتَرْكُ البِدَعِ، وَلُزُومُ الجَمَاعَةِ”؛ وَلِهَذَا أَمَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عِبَادَهُ بِالاِجْتِمَاعِ، وَنَهَى عَنِ التَّفَرُّقِ، فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]. فَهَذِهِ النِّعَمُ تَسْتَوْجِبُ الْمُحَافَظَةَ عَلَيْهَا، وَعَدَمَ الْإِصْغَاءِ إِلَى دُعَاةِ الْفِتْنَةِ، أَوْ مُرَوِّجِي الشَّائِعَاتِ، أَوْ مَنْ يَسْعَوْنَ إِلَى تَمْزِيقِ الصَّفِّ.
إِنَّ مَنْ تَأَمَّلَ أَحْوَالَ الْأُمَمِ مِنْ حَوْلِنَا، أَدْرَكَ أَنَّ الْأَمْنَ إِذَا زَالَ، زَالَتْ مَعَهُ مَصَالِحُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَتَعَطَّلَتِ الْمَسَاجِدُ، وَالْمَدَارِسُ، وَالْأَسْوَاقُ، وَتَفَرَّقَتِ الْأُسَرُ، وَضَاعَتِ الْحُقُوقُ، وَوَقَعَ النَّاسُ فِي الْخَوْفِ وَالْجُوعِ، كَما قالَ تَعالَى: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: 4]. فَالْأَمْنُ نِعْمَةٌ لَا يَعْرِفُ قَدْرَهَا إِلَّا مَنْ فَقَدَهَا، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: “نِعْمَتَانِ مَجْهُولَتَانِ: الصِّحَّةُ وَالْأَمَانُ”؛ وَلِذَلِكَ كَانَ مِنْ وَاجِبِ الْمُسْلِمِ أَنْ يُحَافِظَ عَلَى أَمْنِ وَطَنِهِ، وَأَنْ يَكُونَ عَوْنًا عَلَى الْخَيْرِ، وَسَدًّا فِي وَجْهِ كُلِّ دَعْوَةٍ إِلَى الْفَوْضَى، أَوِ الْفُرْقَةِ، أَوْ نَشْرِ الشَّائِعَاتِ، أَوْ إِثَارَةِ الْفِتَنِ.
عِبَادَ اللَّهِ: لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ مَا يَقُومُ بِهِ رِجَالُ الْأَمْنِ، وَالْمُرَابِطُونَ عَلَى حُدُودِ الْبِلَادِ، وَمَنْسُوبُو الْقِطَاعَاتِ الْعَسْكَرِيَّةِ وَالْأَمْنِيَّةِ، مِنْ جُهُودٍ عَظِيمَةٍ فِي حِفْظِ الْأَمْنِ، وَحِمَايَةِ الْمُقَدَّسَاتِ، وَصِيَانَةِ الْأَرْوَاحِ وَالْمُمْتَلَكَاتِ، فَجَزَاهُمُ اللَّهُ خَيْرَ الْجَزَاءِ، وَوَفَّقَهُمْ وَسَدَّدَهُمْ، وَأَعَانَهُمْ عَلَى أَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَمِنَ الْوَفَاءِ لَهُمُ: الدُّعَاءُ لَهُمْ، وَالتَّعَاوُنُ مَعَهُمْ، وَاحْتِرَامُ الْأَنْظِمَةِ الَّتِي تُحَقِّقُ مَصَالِحَ النَّاسِ، وَتَدْفَعُ عَنْهُمُ الْفَوْضَى وَالْفَسَادَ، كَمَا أَنَّ مِنْ حَقِّهم علينا أَنْ نُقَدِّرَ جُهُودَهُمْ، فَهُمْ -بَعْدَ تَوْفِيقِ اللهِ- سَبَبٌ فِي حِفْظِ الأَمْنِ، وَاسْتِقْرَارِ المجْتَمَعِ، وَصِيَانَةِ الأَرْوَاحِ، وَالممْتَلَكَاتِ.
وَلَئِنْ تَحَدَّثْنَا عَنْ هَذِهِ النِّعَمِ العَظِيْمَةِ؛ فَحَرِيٌّ بِنَا أَنْ نَحْمَدَ اللهَ تَعَالَى عَلَى مَا هَيَّأَ لَنَا فِيْ هَذِهِ البِلَادِ الـمُبَارَكَةِ الـمَمْلَكَةِ العَرَبِيَّةِ السُّعُوْدِيَّةِ مِنْ أَحْدَاثٍ وَرِجَالٍ جَعَلَهُمْ اللهُ بِفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ أَسْبَابًا لِحُصُوْلِ هَذِهِ النِّعَمِ، فَهَذِهِ البِلَادِ أُسِّسَتْ عَلَى التَّقْوَى مُنْذُ نَشْأَتِهَا الأُوْلَى، وَهَكَذَا اسْتَمَرَّ الحَالُ عَلَى هَذَا الـمِنْوَالِ فِي الدَّوْلَةِ السُّعُوْدِيَّةِ الُأْوَلى وَالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ، إِذْ أَسَّسَ الـمَلِكُ عَبْدُالعَزِيْزِ بْنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ فَيْصَلٍ آلِ سُعُودٍ رَحِمَهُ اللهُ هَذَا الكَيَانَ الكَبِيْرَ عَلَى العَقِيْدَةِ الصَّحِيْحَةِ السُّنِّيَّةِ السَّلَفِيَّةِ، وَتَحْكِيْمِ الشَّرِيْعَةِ، وَالأَمْرِ بِالـمَعْرُوْفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الـمُنْكَرِ، ثُمَّ وَحَّدَ الملِكُ عَبْدُالعَزِيْزِ رَحِمَهُ اللهُ هَذِهِ البِلَادَ الشّاسِعَةَ بِمَعُوْنَةِ آبَائِنَا وَأَجْدَادِنَا مِنْ رِجَالِهِ الـمُخْلِصِيْنَ، فَتَوَحَّدَتْ هَذِهِ البِلَادُ تَحْتَ رَايَةٍ وَاحِدَةٍ هِيَ رَايَةُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُوْلُ اللهِ، وَسَخَّرَ الـمَلِكُ الـمُوَحِّدُ رَحِمَهُ اللهُ مُقَدَّرَاتِ الدَّوْلَةِ وَإِمْكَانِيَّاتِهَا لخِدْمَةِ الحَرَمَيْنِ الشَّرِيْفَيْنِ، وَتَحْقِيْقِ َالعَدْلِ، وحَرِصَ عَلَى اجْتِمَاعِ كَلِمَةِ الـمُسْلِمِينَ وَتَوْحِيْدِ الصَّفِّ، وَأَنْ يَعِيْشَ النَّاسُ فِي حَيَاةٍ كَرِيْمَةٍ، مَعَ تَحْقِيْقِ اللُّحْمَةِ بَيْنَ الرَّاعِيْ وَالرَّعِيَّةِ، ثُمَّ سَارَ عَلَى هَذَا النَّهْجِ أَبْنَاؤُهُ البَرَرَةُ -رَحِمَهُمْ اللهُ تَعَالَى- وَهَا نَحْنُ اليَوْمَ فِي هَذَا العَهْدِ الزَّاهِرِ عَهْدِ خَادِمِ الحَرَمَيْنِ الشَّرِيْفَيْنِ الـمَلِكِ سَلْمَانَ بِنِ عَبْدِالعَزِيْزِ وَوَلِيِّ عَهْدِهِ مُحَمَّدٍ بْنِ سَلْمَانَ حَفِظَهُمَا اللهُ تَعَالَى، حَيْثُ يَبْذُلَانِ جُهُوْدًا عَظِيْمَةً فِي خِدْمَةِ الإِسْلَامِ وَالـمُسْلِمِيْنَ دَاخِلِيًّا وَخَارِجِيًّا، وَمَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ لَا يَشْكُرُ اللهَ، وَمِنْ شُكْرِ اللهِ أَنْ نَشْكُرَ وُلَاةَ أَمْرِنَا -وَفَّقَهُمْ اللهُ- عَلَى جُهُودِهِمُ الـمَشْكُوْرَةِ، وَمَا يَبْذُلُونَهُ لِحِفْظِ الأَمْنِ والاسْتِقْرَارِ فِي شَتَّى رُبُوْعِ البِلَادِ وَحُدُوْدِهَا.
أَيُّها المسْلِمُونَ: إنَّ النِّعَمَ لَا تَدُوْمُ إِلَّا بِالشُّكْرِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾[إبراهيم:7] فَتَذَكَّرُوا -رَحِمَكُمُ اللَّهُ- دَائِمًا أَنَّ النِّعَمَ لَا تَدُومُ إِلَّا بِالشُّكْرِ، وَأَنَّ الْمُجْتَمَعَاتِ لَا تَسْتَقِرُّ إِلَّا بِالْإِيمَانِ، وَأَنَّ الْأُمَمَ لَا تَنْهَضُ إِلَّا بِالْعِلْمِ، وَالْعَمَلِ، وَالْعَدْلِ، وَالِاجْتِمَاعِ؛ فَاشْكُرُوا رَبَّكُمْ عَلَى نِعَمِهِ، وَاسْتَقِيمُوا عَلَى طَاعَتِهِ، وَأَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِهِ، وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ، وَاحْذَرُوا الْفِتَنَ، فَإِنَّهَا إِذَا أَقْبَلَتْ لَمْ يَعْرِفْهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ عَرَفَهَا الْجَمِيعُ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ الضَّرَرُ قَدْ وَقَعَ.
عِبادَ اللهِ: لَا رَيْبَ أَنَّ كُلَّ ذِيْ نِعْمَةٍ مَحْسُوْدٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَا نَحْنُ فِيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ وَأَمْنٍ وَلُحْمَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ فَرِيْدَةٍ وَاجْتِمَاعِنَا عَلَى طَاعَةِ وَلِيِّ أَمْرِنَا لَا يَرُوْقُ لِلْأَعْدَاءِ بَلْ يَقُضُّ مَضَاجِعَهُمْ، لِذَلِكَ نَظَّمُوْا حَمْلَاتٍ شَعْوَاءَ مَشْبُوَهَةً وَكَاذِبَةً لِتَشْوِيْهِ سُمْعَةِ بِلَادِنَا وَمُؤَسَّسَاتِهَا وَرُمُوْزِهَا، وَسَعَوْا جَاهِدِيْنَ فِي زَرْعِ الفِتَنِ مِنَ الشَّهَوَاتِ وَالشُّبُهَاتِ لِتَفْرِيْقِ الكَلِمَةِ وَشَقِّ الصَّفِّ، فَتَارَةً بِتَرْوِيجِ ِالـمُخَدِّرَاتِ وَتَزْيِيْنِ الشَّهَوَاتِ وَالمعَاصِيْ وَالمنْكَرَاتِ، وَتَارَةً بِاسْمِ الـمُسَاوَاةِ وَالحُرِّيَّاتِ، وَتَارَةً بِالتَّحَزُّبَاتِ وَالفِرَقِ والجَمَاعَاتِ، وصَدَقَ الشَّاعِرُ إِذْ يَقُوْلُ:
النَّاسُ حُسَّادُ الـمَكَانِ العَـــــالِيْ *** يَرْمُوْنَهُ بِدَسَــــــــائِسِ الأَعْمَــــــالِ
وَلَأَنْتَ يَا وَطَنِيْ الكَريْمُ مَنَــــارةٌ *** فِي رَاحَتَيْكَ حَضَـــــارَةُ الأَجْيَالِ
لَا يَنْتَمِيْ لَكَ مَنْ يَخُوْنُ وَلَاءَهُ *** إنَّ الوَلَاءَ شَهَـــــــــادَةُ الأَبْـــــطَالِ
يَا قِبْلةَ التَّارِيْـــــخِ يَا بَلَدَ الهُدَى *** أَقْسَمْتُ أنَّكَ مَضْرَبُ الأَمْثَالِ
فَاحْذَرُوا يَا عِبَادَ اللهِ مِنْ كَيْدِ الأَعْدَاءِ، وَانْشُرُوا الوَعْيَ الصَّحِيْحَ بَيْنَ أَهْلِيْكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ وَأَقَارِبِكُمْ وَمَعَارِفِكُمْ، وَاسْأَلُوا اللهَ الحِمَايَةَ وَالِحفْظَ مِنْ الفِتَنِ وَالشِّرْكِ وَالشِّقَاقِ والنِّفَاقِ، إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالقَادِرُ عَلَيهِ.
عباد الله: وَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ حِفْظِ الجَمَاعَةِ: السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لِوُلَاةِ الأَمْرِ؛ اِمْتِثَالًا لِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم، لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنِ اجْتِمَاعِ الكَلِمَةِ، وَاسْتِقْرَارِ المجْتَمَعِ، وَحِفْظِ الحُقُوقِ، وَإِقَامَةِ المصَالِحِ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59]. وَلِذَلِكَ كَانَ مِنْ وَاجِبِ المسْلِمِ أَنْ يُحَافِظَ عَلَى أَمْنِ وَطَنِهِ، وَأَنْ يَكُونَ عَوْنًا عَلَى الخَيْرِ، وَسَدًّا فِي وَجْهِ كُلِّ دَعْوَةٍ إِلَى الفَوْضَى، أَوْ الفُرْقَةِ، أَوْ نَشْرِ الشَّائِعاتِ، أَوْ إِثَارَةِ الفِتَنِ.
أَيُّها المسْلِمُونَ: لَقَدْ أَصْبَحَتْ وَسَائِلُ التَّوَاصُلِ اليَوْمَ مَيْدَانًا وَاسِعًا، يَنْتَقِلُ فِيهِ الخَبَرُ إِلَى مَلَايِينِ النَّاسِ فِي لَحَظَاتٍ، وَلِذَلِكَ جَاءَتِ الشَّرِيعَةُ بِأَصْلٍ عَظِيمٍ يَحْفَظُ الْمُجْتَمَعَاتِ مِنَ الفَوْضَى، قالَ تَعالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]. وَقالَ سُبحانَهُ: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]. فَلَا تَكُنْ يَا عَبْدَ اللهِ جِسْرًا تَعْبُرُ عَلَيْهِ الإِشَاعَاتُ، وَلَا وَسِيلَةً لِنَشْرِ مَا يُفَرِّقُ الصَّفَّ أَوْ يُثِيرُ القَلَقَ، فَإِنَّ الكَلِمَةَ أَمَانَةٌ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «كَفَى بِالمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَكَمْ مِنْ كَلِمَةٍ أَشْعَلَتْ فِتْنَةً، وَكَمْ مِنْ إِشَاعَةٍ أَفْسَدَتْ قُلُوبًا، وَكَمْ مِنْ خَبَرٍ مَكْذُوبٍ أَحْدَثَ اضْطِرَابًا بَيْنَ النَّاسِ، قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]؛ فَاحْذَرُوا -عِبادَ اللهِ- مِنْ إِعادَةِ نَشْرِ كُلِّ ما يَرِدُ إِلَيْكُمْ، فَإِنَّ المسْلِمَ مَسْؤُولٌ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ عَنْ كَلِمَتِهِ.
حَفِظَ اللهُ بِلَادَنَا وَأَمْنَنَا وَوُلاةَ أَمْرِنا مِنْ كُلِّ سُوءٍ.
أقولُ قُولِيْ هَذا.. واستَغْفِرُ اللهَ العظيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فاستغفِرُوهُ، إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيْمُ.
﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾
الحَمْدُ للهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ وَأَسْتَغْفِرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً تُنْجِينَا يَوْمَ نَلْقَاهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ وَاقْتَفَى أَثَرَهُ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللهِ فِي أَزْمِنَةِ الفِتَنِ: لُزُومُ كِتَابِهِ، وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم، وَجَمَاعَةِ المسْلِمِينَ، وَتَحْقِيقُ الأُخُوَّةِ الإِيمَانِيَّةِ، وَالبُعْدُ عَنْ أَسْبَابِ النِّزَاعِ وَالاِخْتِلَافِ.
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ نِعْمَةَ الأَمْنِ، وَوَحْدَةَ الصَّفِّ، وَاجْتِمَاعَ الكَلِمَةِ، لَا تَحْفَظُهَا الشِّعَارَاتُ، وَإِنَّمَا يَحْفَظُهَا الإِيمَانُ الصَّادِقُ، وَالعِلْمُ النَّافِعُ، وَالعَمَلُ الصَّالِحُ، وَالتَّعَاوُنُ عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى، وَإِنَّ الاِنْتِمَاءَ الحَقِيقِيَّ أَنْ يَكُونَ المسْلِمُ مُخْلِصًا لِدِينِهِ، مُحِبًّا لِوَطَنِهِ، قَائِمًا بِحُقُوقِ مُجْتَمَعِهِ، نَاصِحًا لِإِخْوَانِهِ، مُحَافِظًا عَلَى أَمْنِ بَلَدِهِ، بَعِيدًا عَنْ كُلِّ مَا يَضُرُّ بِأُمَّتِهِ أَوْ يُثِيرُ الفَوْضَى بَيْنَ أَبْنَائِهَا، إِنَّ حُبَّ الْوَطَنِ الَّذِي نَشَأَ فِيهِ الْإِنْسَانُ، وَأَلِفَ أَرْضَهُ، وَانْتَفَعَ بِخَيْرَاتِهِ، وَحَفِظَ لَهُ دِينَهُ وَأَمْنَهُ، هُوَ أَمْرٌ جِبِلِّيٌّ، وَإِذَا انْضَبَطَ بِضَوَابِطِ الشَّرْعِ كَانَ مِنَ الْوَفَاءِ وَالْإِحْسَانِ، وَيَظْهَرُ ذَلِكَ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى مُقَدَّرَاتِ الْوَطَنِ، وَالْقِيَامِ بِالْوَاجِبَاتِ، وَاحْتِرَامِ الْأَنْظِمَةِ الَّتِي تُحَقِّقُ الْمَصْلَحَةَ الْعَامَّةَ، وَالْإِسْهَامِ فِي الْبِنَاءِ وَالْإِصْلَاحِ، وَاجْتِنَابِ كُلِّ مَا يَضُرُّ بِالْمُجْتَمَعِ أَوْ يُخِلُّ بِأَمْنِهِ وَاسْتِقْرَارِهِ؛ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» قُلْنَا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «للهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ المسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَمِنَ النَّصِيحَةِ لِأَئِمَّةِ المسْلِمِينَ الدُّعَاءُ لَهُمْ بِالتَّوْفِيقِ وَالسَّدَادِ، وَإِعَانَتُهُمْ عَلَى الخَيْرِ، وَاجْتِمَاعُ الكَلِمَةِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ بِصَلَاحِهِمْ صَلَاحًا لِلْبِلَادِ وَالعِبَادِ، قَالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: “لَوْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ لَجَعَلْتُهَا لِلسُّلْطَانِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا صَلَحَ السُّلْطَانُ صَلَحَ العِبَادُ وَالبِلَادُ”
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56] اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الخلفاء الراشدين، وعن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ ومن تبعهم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ احْفَظْ جُنُودَنا المرابِطِينَ، وَرِجالَ أَمْنِنا في كُلِّ مَكانٍ، اللَّهُمَّ سَدِّدْ رَمْيَهُمْ، وَثَبِّتْ أَقْدامَهُمْ، وَاحْفَظْهُمْ بِحِفْظِكَ، وَاكْتُبْ لَهُمُ الْأَجْرَ وَالمثُوبَةَ، وَاجْزِهِمْ عَنْ وَطَنِهِمْ وَأُمَّتِهِمْ خَيْرَ الْجَزاءِ، اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ الْمَلِكَ سَلْمَانَ بْنَ عَبْدِالْعَزِيزِ، وَسُمُوَّ وَلِيِّ عَهْدِهِ الْأَمِينِ الْأَمِيرَ مُحَمَّدَ بْنَ سَلْمَانَ بْنِ عَبْدِالْعَزِيزِ – حَفِظَهُمَا اللَّهُ –، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُمَا لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمَا لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى، اللهم آمين آمين.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.