3 ذي الحجة, 1447
كما حذّر من زمنٍ يصبح فيه الستر مهددًا! إذ تُخفي أبسط الأشياء وسائل تسجيل ورصد خفية تكشف ما كان مستورًا داخل البيوت.
كما استقرأ -بعبقرية فذة- واقع عصرنا الراهن، حينما وصفه بالطابع الآلي، والجفاف العاطفي، والزحام المرهق للأعصاب؛ مِمّا يجعله أقل إنسانية وأكثر توترًا، وبالتالي تنعكس ظلاله القاتمة على الإنسان؛ مِمّا يجعله يتساءل بشوقٍ عارم عن “أيام زمان”ويشتعل حنينًا إلى بساطة وهدوء تلك الأيام. يُعرض على الملأ يتحوّل تلقائيًا إلى مقياس للمقارنة، مِمّا يولّد الحسد عند البعض؛ بسبب الأنانية والشعور بالنقص من جانب، والغيرة وعدم الرضا بالقسمة والنصيب من جانب آخر؛ ما ينتج عنه امتلاء القلب بالضغينة تجاه الآخرين الذين يمتلكون ما يفتقده.
والنفوس التي تقتات على التباهي لا تدرك أنها تغذي عدوًّا صامتًا في صدور الآخرين، وتزرع الحقد الذي لا يطفئه شيء.
وهكذا تتضاعف الأمراض النفسية، كالقلق من نظرة الآخر، ثم التعلق بالتصفيق، لتبلغ ذروتها في الهوس بالظهور، والخوف من النسيان.
وبدلًا من أن تكون المشاعر منبعًا للاتصال الإنساني العميق، تصبح وقودًا لصناعة وهمية لا تنتهي. ومعها تتأكد الحقيقة المُرّة التي يعيشها إنسان هذا العصر، وهي أنه ما لم يحرر قلبه من وهم المنصّات، لن يذوق طعم الراحة والسكينة.
حسنًا.. ما أشدَّ حاجتنا اليوم إلى استعادة عفوية العاطفة، وبراءة الشعور التي أرهقها الزيف.
وما أحرانا أن نعيش أفراحنا وأحزاننا في كنف من يستحقون، وليس في حضرة العابرين خلف الشاشات.
وما أجمل أن نحمي أسرار قلوبنا، وأن نصون أعماقنا من أعين الفضول، وأن نُبقي بعض ما فينا بعيدًا عن استهلاك منصات وسائل التواصل الرقمية.