8 ذي الحجة, 1447

أَهَمِّيَّةُ التَّصْرِيحِ لِلْحَجِّ

﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾

إِنَّ الحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئاتِ أَعْمالِنَا، مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.﴿يَٰٓأَيُّهَا ‌ٱلنَّاسُ ‌ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 21]

أَمَّا بَعْدُ: ‎ فَالحَمْدُ للهِ الَّذِي بَلَّغَنا هَذِهِ الْأَيَّامَ المبارَكَةَ، وَبَلَّغَنا أَعْظَمَ أَعْمَالِ البِّرِّ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَهُوَ الْحَجُّ، وَجَعَلَهُ رُكْنًا مِنْ أَرْكانِ الإِسْلامِ مَعَ الِاسْتِطاعَةِ، وَجَعَلَ فِيهِ مَنَافِعَ شَتَّى، أَعْظَمُها تَحْقِيقُ التَّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاصِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالْبَرَاءُ مِنَ الشِّرْكِ، وَالحَمْدُ للهِ الَّذِي شَرَّفَ هَذِهِ الْبِلَادَ الطَّيِّبَةَ الْمُبَارَكَةَ -الْمَمْلَكَةَ الْعَرَبِيَّةَ السُّعُودِيَّةَ- قِيَادَةً وَشَعْبًا، بِخِدْمَةِ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، فَقَامَتْ بِمَسْؤُولِيَّتِهَا هَذِهِ خَيْرَ قِيَامٍ، فَوَفَّقَها اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي وَضْعِ الْأَنْظِمَةِ وَالتَّعْلِيمَاتِ الَّتِي تَهْدِفُ إِلَى خِدْمَةِ الْحُجَّاجِ وَالْعُمَّارِ وَالزُّوَّارِ، مُنْذُ اسْتِقْبالِهِمْ إِلَى أَنْ يَتِمَّ حَجُّهُمْ بِسَلامٍ؛ لِيَفُوزُوا بِحَجٍّ مَبْرُورٍ وَذَنْبٍ مَغْفُورٍ، وَيَعُودُوا سالِمِينَ غانِمِينَ إِلَى أَهْلِهِمْ.

وَمِنْ تِلْكَ التَّنْظِيماتِ الَّتِي تُيَسِّرُ شَعِيرَةَ الْحَجِّ: إِلْزامُ حُكُومَتُنا المبارَكَةُ كُلَّ مَنْ أَرادَ الحَجَّ مِنَ المواطِنِينَ وَالمقِيمِينَ وَالقادِمِينَ مِنْ خارِجِ الممْلَكَةِ، بِاسْتِخْراجِ تَصْرِيحٍ لِلْحَجِّ، وَهَذا شَرْطٌ لازِمٌ، وَقَدْ أَوْضَحَتْ: هَيْئَةُ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الذَّهَابُ إِلَى الْحَجِّ دُونَ أَخْذِ تَصْرِيحٍ، وَيَأْثَمُ فَاعِلُهُ. فَالِالْتِزَامُ بِالتَّصْرِيحِ يُحَقِّقُ مَصَالِحَ جَمَّةً مِنْ جَوْدَةِ الْخِدْمَاتِ الْمُقَدَّمَةِ لِلْحُجَّاجِ فِي أَمْنِهِمْ وَسَلَامَتِهِمْ وَسَكَنِهِمْ وَإِعَاشَتِهِمْ، وَيَدْفَعُ مَفَاسِدَ عَظِيمَةً، كَالْاِزْدِحَامِ وَالتَّدَافُعِ وَالْاِفْتِرَاشِ فِي الطُّرُقَاتِ مِمَّا يُعِيقُ تَنَقُّلَاتِهِمْ وَتَفْوِيْجِهِمْ، وَقَدْ يُؤَدِّي –لا سَمَحَ اللهُ- إِلَى التَّهْلُكَةِ.

وَالْاِلْتِزَامُ بِاسْتِخْرَاجِ التَّصْرِيحِ لِلْحَجِّ هُوَ مِنْ طَاعَةِ وَلِيِّ الْأَمْرِ فِي الْمَعْرُوفِ، يُثَابُ مَنِ الْتَزَمَ بِهِ، وَيَأْثُمُ مَنْ خَالَفَهُ، وَيَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ الْمُقَرَّرَةَ مِنْ وَلِيِّ الْأَمْرِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ الْتِزَامَ الْحَاجِّ بِالْأَنْظِمَةِ وَالتَّعْلِيمَاتِ دَاخِلٌ فِي تَقْوَى اللهِ فِي أَدَاءِ نُسُكِ الْحَجِّ، وَفِي تَعْظِيمِ حَرَمِ اللهِ وَحُرُمَاتِهِ وَمَشَاعِرِهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ‏﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]. وَإِذَا لَمْ يَتَمَكَّنِ الْمُكَلَّفُ مِنِ اسْتِخْرَاجِ تَصْرِيحِ الْحَجِّ، فَإِنَّهُ فِي حُكْمِ غَيْرِ الْمُسْتَطِيعِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ‏﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.

عِبادَ اللهِ: اِعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللهُ أَنَّ التَّقَيُّدَ بِهَذِهِ التَّعْلِمياتِ وَالْأَنْظِمَةِ الَّتِي وُضِعَتْ لِخِدْمَةِ الْحَجِيجِ وَحِمايَتِهِمْ إِنَّما هَدَفُها إِتْمامُ الشَّعِيرَةِ بِصُورَةٍ آمِنَةٍ مُنَظَّمَةٍ، فَتِلْكَ الْأَعْدادُ الْهائِلَةُ مِنَ الْحُجَّاجِ إِنْ لَمْ يَتِمَّ تَنْظِيمُ تَحَرُّكاتِها بِشَكْلٍ جَيِّدٍ فَسَيُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى حَوادِثَ كارِثِيَّةٍ، كَالتَّدافُعِ وَالِاخْتِناقاتِ الَّتِي قَدْ تُهَدِّدُ سَلامَةَ الحَجِيجِ، وَتُؤَثَّرُ عَلَى سَيْرِ المناسِكِ؛ فَيَجِبُ عَلَى مَنْ يَسَّرَ اللهُ لَهُ الْحَجَّ هَذا الْعامَ أَنْ يَبْتَعِدَ عَنِ الْجِدالِ وَالرَّفَثِ وَالْفُسُوقِ؛ والزِّحامِ، وَمُخالَفَةِ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ سُبْحانَهُ في كِتابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلى الله عليه وسلم، وأن لا يخالف ولاة الأمر فيما اتخذوه من تنظيمات فَإنها إِنَّمَا وُضِعَتْ لِتخدم الصَّالِحِ الْعَامِّ، ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196].فَلَا يَجُوزُ الذَّهابُ إِلَى الحَجِّ بِلا تَصْرِيحٍ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ مُخالَفَةً لِأَمْرِ وَلِيِّ الْأَمْرِ الَّذِي أَصْدَرَ هَذِهِ التَّعْلِيماتِ؛ لِتَحْقِيقِ المصالِحِ الْعُلْيَا فِي الحَجِّ، قالَ تَعالَى: ﵟيَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ ‌أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖﵞ [النساء: 59]، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَطاعَنِي فَقَدْ أَطاعَ اللهُ، وَمَنْ عَصانِي فَقَدْ عَصَى اللهَ، وَمَنْ يُطِعْ الْأَمِيرَ فَقَدْ أَطاعَنِي، وَمَنْ يَعْصِ الْأَمِيرَ فَقَدْ عَصانِي» [صحيح على شرط الشيخين].

فاللَّهُمَّ يَسِّرْ لِلْحَجِيجِ حَجَّهُمْ، وَتَقَبَّلَهُ مِنْهُمْ، وَارْضَ عَنْ كُلِّ مَنْ يُساهَمَ فِي إِتْمامِ هَذَهِ الشَّعِيرَةِ الْمبارَكَةِ.

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتَجِبْ لَكُمْ، إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الكَرِيْمُ.

 

﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبارَكَ عَلَيْه وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ:

عِبادَ اللهِ: إِنَّ مِنَ المحاذِيرِ الْعَظِيمَةِ فِي الحَجِّ بِلا تَصْرِيحٍ أَنَّهُ لا يَقْتَصِرُ ضَرَرُهُ عَلَى صاحِبِ المخالَفَةِ، بَلْ يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهِ؛ فَيُسَبِّبُ الزِّحَامِ الشَّدِيدَ فِي المشاعِرِ، وَيُؤْذِي الحَجَّاجَ، وَيُعِيقُ الْخَدَماتِ، وَيُشْغِلُ الجِهاتِ الْأَمْنِيَّةَ وَالصِّحِّيَّةَ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ الضَّرَرِ المتَعَدِّي، وَهُوَ مُحَرَّمٌ شَرْعًا، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قالَ صلى الله عليه وسلم: «لا ضَرَرَ وَلا ضِرارَ» [حكم الألباني: قوي بالطرق]

عِبادَ اللهِ: إِنَّ هَذِهِ المواسِمَ الْعَظِيمَةَ المبارَكَةَ أَيَّامُ مِنَحٍ وَمِنَنٍ مِنْ رَبِّنا عَزَّ وَجَلَّ، وَفُرَصٌ جَدِيدَةٌ لِلتَّوْبَةِ وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِ سُبْحانَهُ، وَهِيَ أَشْبَهُ بِمَحَطَّاتِ تَنْقِيَةٍ وَتَطْهِيرٍ لِأَعْمالِنا، وَمَيْدانٌ لِلتَّنافُسِ وَالِاسْتِكْثارِ مِنَ الْخَيْرِ.

هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]

‎اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.