10 محرم, 1448

أَهَمِّيَّةُ حُسْنِ الْعِشْرَةِ وَبَذْلِ الْمَعْرُوفِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ 11/1/1448هـ

﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾

إنَّ الحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَتُوبُ إِلَيْهِ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرورِ أَنْفُسِنا وَسَيِّئاتِ أَعْمالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعينَ. أمَّا بَعدُ فاتَّقُوا اللهَ تَعالَى، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:1]

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ مِنْ نِعَمِ اللهِ الْعَظِيمَةِ عَلَيْنَا أَنْ شَرَعَ لَنَا الزَّوَاجَ، وَجَعَلَهُ رَابِطًا وَثِيقًا بَيْنَ الْجِنْسَيْنِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَلِنِعْمَةِ الزَّوَاجِ فَوَائِدُ لَا تُحْصَى، وَمِنْ ذَلِكَ: الزَّوَاجُ سُنَّةُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَهُوَ الْفِطْرَةُ السَّلِيمَةُ الَّتِي خَلَقَ اللهُ تَعَالَى النَّاسَ عَلَيْهَا، وَتَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ الْإِنْسَانِيَّةُ فِي قَضَاءِ الْوَطَرِ بِالْحَلَالِ، وَبِهِ تَتَحَقَّقُ الرَّغْبَةُ فِي الْوَلَدِ الصَّالِحِ، وَبِهِ غَضُّ الْبَصَرِ وَإِحْصَانُ الْفَرْجِ، وَالزَّوَاجُ عِبَادَةٌ وَطَرِيقٌ إِلَى جَمْعِ الْحَسَنَاتِ وَالصَّدَقَاتِ؛ لِامْتِثالِهِ أَمْرَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَالتَّأَسِّي بِهِ وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ» [مسلم:1006]، وَفِي الزَّوَاجِ تَكْثِيرٌ لِلْأُمَّةِ؛ امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ؛ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ» [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ]، وَبِالزَّوَاجِ تُحَصَّنُ الْمَرْأَةُ الْمُسْلِمَةُ، وَتُحْفَظُ نَفْسِيًّا وَاجْتِماعِيًّا وَمالِيًّا، وَالزَّوَاجُ يُقَوِّي التَّرَابُطَ بَيْنَ النَّاسِ بَعْضِهِمْ الْبَعْضِ؛ قالَ تَعالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان:54]، وَالزَّوَاجُ يُسَاعِدُ عَلَى الِاسْتِقْرَارِ النَّفْسِيِّ وَالِاجْتِمَاعِيِّ، وَيُسَاعِدُ عَلَى التَّقَدُّمِ الْعَمَلِيِّ وَالْعِلْمِيِّ، وَيُقَوِّي الْمُسْلِمَ عَلَى الْإِقْبَالِ عَلَى اللهِ تَعَالَى، وَيَجْعَلُهُ مُنْتِجًا مُتَفَاعِلًا مَعَ مُجْتَمَعِهِ، وَبِالزَّوَاجِ يُولَدُ الْوَلَدُ الصَّالِحُ الَّذِي يَكُونُ امْتِدَادًا لِعَمَلِ أَبِيهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، بِصَلَاحِهِ وَدُعَائِهِ، قَالَ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»، [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ]، وَالزَّوَاجُ فِيهِ سَكَنٌ وَمَوَدَّةٌ وَرَحْمَةٌ، وَهُوَ طَرِيقَةٌ مِنْ طُرُقِ تَحْصِيلِ السَّعَادَةِ وَرَاحَةِ الْبَالِ، خَاصَّةً إِذَا كَانَتِ الزَّوْجَةُ صَالِحَةً وَالزَّوْجُ تَقِيًّا، وَلِذَلِكَ رَغَّبَ الْإِسْلَامُ فِي الزَّوَاجِ وَحَثَّ عَلَيْهِ، وَحَثَّ عَلَى تَيْسِيرِهِ، وَتَسْهِيلِ أَسْبَابِهِ، قَالَ تَعَالَى :﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: 32]، وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «يا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمِ الْبَاءَةَ فَلَيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُ لِلْبَصَرِ وَأَحْصِنُ لِلْفَرَجِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]. وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ: » وذكر منهم: «وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ« [أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ] قَالَ أَبُو بِكْرٍ الصَّدِيقُ رضي الله عنه:” أَطِيعُوا اللهَ فِيمَا أَمْرَكُمْ بِه مِنَ الزَّوَاجِ يُنْجِزْ لَكُم مَا وَعْدَكُمْ مِنَ الْغِنَى”، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: “اِلْتَمَسُوا الْغِنَى فِي النِّكَاحِ”، وَقَدْ أَنْكَرَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمُغَالِينَ فِي الْمُهُورِ، فَلَمَّا جَاءَهُ رَجُلٌ يَسْأَلُهُ فَقَالَ: إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ مِنَ الْفِضَّةِ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ؟! كَأَنَّمَا تَنْحِتُونَ الْفِضَّةَ مِنْ عُرْضِ هَذَا الْجَبَلِ، مَا عِنْدَنَا مَا نُعْطِيكَ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. وَقَدْ زَوَّجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رَجُلًا بِمَا مَعَهُ مِنَ الْقُرْآنِ، فَقَالَ: «هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا؟» قَالَ: مَا أَجِدُ شَيْئًا، فَقَالَ: «الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ»، فَلَمْ يَجِدْ، فَقَالَ: «أَمَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ؟»، قَالَ: نَعَمْ سُورَةُ كَذَا وَكَذَا وَسُورَةُ كَذَا، لِسُوَرٍ سَمَّاهَا، فَقَالَ: «قَدْ زَوَّجْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].

عِبادَ اللهِ: إِنَّما يَكُونُ الْبَيْتُ سَعِيدًا إِذَا تَصافَتِ الْقُلُوبُ، وَتَغافَلَتْ عَنِ الْعُيُوبِ، وَعَمِلَتْ بِما يُرْضِي عَلَّامَ الْغُيُوبِ، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:97]، كَمْ هُوَ جَمِيلٌ وَعَظِيمٌ أَنْ يَتَبادَلَ الزَّوْجانِ صِدْقَ المشاعِرِ، فَيُدْرِكُ كُلٌّ مِنْهُما مَكانَتَهُ فِي قَلْبِ صاحِبِهِ، مَشَاعِرُ صادِقَةٌ تَنْبُعُ مِنْ قَلْبٍ لَا يَتَصَنَّعُها، وَمِنْ نَفْسٍ تَتَلَذَّذُ بِإِبْدائِهَا، وَتَعْتَزُّ بِها، مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ، فَذاكَ مُتْعَةُ الحَياةِ.

فَلْنَتَعَرَّفْ عِبادَ اللهِ عَلَى بَعْضِ سِماتِ الْعِشْرَةِ الطَّيِّبَةِ الَّتِي أَوْصانا بِها رَبُّنا فِي كِتابِهِ، قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:19]، وَالْعِشْرَةُ بِالْمَعْرُوفِ تَشْمَلُ: حُسْنَ الْخُلُقِ، وَطِيبَ الْكَلَامِ، وَجَمِيلَ الْمُعَامَلَةِ، وَالتَّقْدِيرَ الْمُتَبَادَلَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ.

عِبَادَ اللهِ: لِكَيْ تُرَفْرِفَ السَّعَادَةُ عَلَى عُشِّ الزَّوْجِيَّةِ، لَا بُدَّ أَنْ يَتَعَاوَنَ الزَّوْجَانِ فِي أُمُورِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَتَرْبِيَةِ الْأَبْنَاءِ، قَالَ ابْنُ عُثَيْمِينَ -رَحِمَهُ اللهُ-: “يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ فِي مُعَاشَرَتِهِ لِزَوْجَتِهِ بِالْمَعْرُوفِ، أَلَّا يَقْصِدَ السَّعَادَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ فَقَطْ، بَلْ يَنْوِيَ مَعَ ذَلِكَ التَّقَرُّبَ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَهَذَا أَمْرٌ نَغْفُلُ عَنْهُ كَثِيرًا، فَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِي مُعَاشَرَتِهِ لِزَوْجَتِهِ بِالْمَعْرُوفِ، قَصْدُهُ أَنْ تَدُومَ الْعِشْرَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ، وَيَغِيبُ عَنْ ذِهْنِهِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ تَقَرُّبًا إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَهَذَا كَثِيرٌ، وَإِذَا نَوَيْتَ ذَلِكَ حَصَلَ لَكَ الْأَمْرُ الثَّانِي، وَهُوَ دَوَامُ الْعِشْرَةِ الطَّيِّبَةِ، وَالْمُعَامَلَةِ الطَّيِّبَةِ، وَكَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلزَّوْجَةِ”، وَعَلَى الزَّوْجَيْنِ أَنْ يَتَحَلَّيَا بِصِفاتٍ مِنْها: كِتْمانُ السِّرِّ، وَسِتْرُ الْعُيُوبِ، وَالمعامَلَةُ بِالْإِحْسانِ وَالرَّحْمَةِ وَالصَّفْحِ وَالْغُفْرانِ؛ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «لا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً ، إنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَر» [رواه مسلمٌ]، وَكَذَلِكَ الزَّوْجَةُ إِنْ كَرِهَتْ مِنْ زَوْجِها خُلُقًا، رَضِيَتْ مِنْهُ آخَرَ، وَمِمّا يَنْبَغِي أَنْ يَلْتَزِما بِهِ: السُّكُوتُ عَمَّا يَسُوءُ، وَنَشْرُ ما يَسُرُّ مِنْ ثَناءٍ، وَحُسْنُ الْإِصْغاءِ، وَالدَّعْوَةُ بِأَحَبِّ الْأَسْماءِ، وَالشُّكْرُ عَلَى الْإِنْجازِ، وَحُسْنِ الصَّنِيعِ، وَتَرْكُ الْمِراءِ، وَالذَّبُّ فِي الْغَيْبَةِ، وَالنُّصْحُ بِلُطْفٍ، وَالدُّعاءُ بِظَهْرِ الْغَيْبِ، والرِّفْقُ فِي التَّعامُلِ، فَالرِّفْقُ ما كانَ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَما نُزِعَ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ، والتَّسامُحُ، وَهُوَ أَعْلَى مَراتِبِ الْقُوَّةِ، ولَيْسَ ضَعْفًا، وَنَقاءُ الْقَلْبِ لَيْسَ عَيْبًا، وَهُوَ مَعَ حُسْنِ النِّيَّةِ عِبادَةٌ وَدِينٌ، مَنْ سامَحَ ارْتاحَ قَلْبُهُ، وَمَنْ رَضِيَ بِالْقَدَرِ باتَ سَعِيدًا، وَمَنْ حاسَبَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ خَسِرَ كُلَّ شَيْءٍ، وَلا يَتَواضَعُ إِلَّا مَنْ كانَ وَاثِقًا بِنَفْسِهِ، وَلا يَتَكَبَّرُ إِلَّا مَنْ كانَ عالِمًا بِنَقْصِهِ، وَعَلَى كُلِّ طَرَفٍ ذِكْرُ جَوانِبِ الْخَيْرِ وَالْإِيْجابِيَّاتِ لِلطَّرَفِ الْآخَرِ، وَاحْذَرُوا الْحُكْمَ عَلَى المقاصِدِ وَالنِّيَّاتِ، وَاحْذَرُوا الْغَضَبَ فَإِنَّهُ رِيْحٌ عاتِيَةٌ، تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ، ولا تَنْتَظِرُوا السَّعادَةَ حَتَّى تَبْتَسِمُوا، وَلَكِنِ ابْتَسِمُوا حَتَّى تَمْلَأَ السَّعادَةُ بُيُوتَكُمْ وَقُلُوبَكُمْ، وَقُدْوَتُنا نَبِيُّنا صلى الله عليه وسلم ، أَوْصانا بِحُسْنِ الْعِشْرَةِ فَقالَ: «أَلَا وَاسْتَوصُوا بِالنِّساءِ خَيْرًا فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٍ عِنْدَكُمْ» [رواه الترمذيُّ وقال: حديثٌ حَسَنٌ]، كَمَا أَوْصَى الزَّوْجاتِ، سَأَلَ صلى الله عليه وسلم اِمْرَأَةً قائِلًا لَها: «أَذاتُ زَوْجٍ أَنْتِ؟»، قالَتْ: نَعَمْ، قالَ: «كَيْفَ أَنْتِ لَهُ؟»، قالَتْ: ما آلُوهُ، أَيْ: لا أُقَصِّرُ في حَقِّهِ، إِلَّا ما عَجَزْتُ عَنْهُ، قالَ: «فانْظُرِي أَيْنَ أَنْتِ مِنْهُ، فَإِنَّما هُوَ جَنَّتُكِ وَنارُكِ» [رواه الإمام أحمد]، وَكانَ صلى الله عليه وسلم مَعَ زَوْجاتِهِ أُمَّهاتِ المؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُنَّ نَمُوذَجًا فَرِيدًا في الموَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ، يَسْتَمِعُ إِلَيْهِنَّ، وَيُراعِي مَشاعِرَهُنَّ، وَيُمازِحُهُنَّ، وَيَتَسابَقُ مَعَهُنَّ، وَيُساعِدُهُنَّ في أَعْمالِ الْبَيْتِ، وَيَعْدِلُ بَيْنَهُنَّ في كُلِّ شَيْءٍ، يَعْفُو وَلا يُعَنِّفُ، وَلا يَضْرِبُ، يُشاوِرُهُنَّ وَيَحْتَرِمُ رَأْيَهُنَّ، وَيُعَبِّرُ عَلانِيَةً عَنْ حُبِّهِ إِيّاهُنَّ، قالَ عَنْ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها: «إِنِّي قَدْ ‌رُزِقْتُ ‌حُبَّهَا» [رواه مسلم]، وَسُئِلَ مَرَّةً: ‌مَنْ ‌أَحَبُّ ‌النَّاسِ ‌إِلَيْكَ؟ قَالَ: «عَائِشَةُ» [رواه الترمذي، وابن ماجه]، وَهُنَّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُنَّ ضَرَبْنَ المثَلَ الْأَعْلَى في حُبِّهِ صلى الله عليه وسلم وَالتَّفانِي في خِدْمَتِهِ، فَهَذِهِ خَدِيجَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْها تُواسِيهِ بِمالِها وَنَفْسِها؛ حَتَّى أَقْرَأَها رَبُّها السَّلامَ عَلَى لِسانِ جِبْرِيلَ عليه السلام وَبَشَّرَها: « بِبَيْتٍ فِي الجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ، وَلَا نَصَبَ” [متفق عليه].

مَلَأَ اللهُ بُيُوتَنا تُقًى وَهُدًى وَعِفَّةً وَسَعادَةً، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِهَدْيِ كِتابِهِ، وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.

أَقُولُ قُوْلِي هَذا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسائِرِ المسْلِمينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ وَخَطِيئَةٍ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾

الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأُصَلِّيْ وَأُسَلِّمُ عَلَى رَسُولِهُ الدَّاعِيْ إِلَى رِضْوانِهِ، أَمَّا بَعدُ فَاتَّقُوا اللهَ حَقَّ التقوى، قالَ تَعَالَى: ﴿وَٱتَّقُواْ يَوۡما تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡس مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ﴾ [البقرة: 281].

عِبَادَ اللهِ: مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي تُثِيرُ الْمَشَاكِلَ فِي الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ النَّفَقَةُ، وَقَدْ عَالَجَ الْإِسْلَامُ ذَلِكَ، وَجَعَلَ الْمَالَ جَانِبًا مُعْتَبَرًا فِي الزَّوَاجِ، وَجَعَلَ النَّفَقَةَ حَقٌّ لِلزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا، فِي حُدُودِ الِاسْتِطَاعَةِ، وَأَوْصَاهُ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهَا، وَعَدَمِ التَّضْيِيقِ عَلَيْهَا حَالَ السَّعَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطَّلَاقُ:7]، كَمَا أَمَرَ الزَّوْجَةَ بِحِفْظِ زَوْجِها في مالِهِ وَنَفْسِها، وَمُرَاعَاةِ ظُرُوفِهِ وَعَدَمِ تَكْلِيفِهِ مَا لَا يُطِيقُ، مَعَ حِفْظِ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَعَدَمِ أَخْذِ مَالِ أَحَدِهِمَا إِلَّا بِرِضَاهُ، وَصِيَانَةِ الْأَسْرَارِ الزَّوْجِيَّةِ، وَتَعْزِيزِ قِيَمِ الِاحْتِرَامِ وَالتَّقْدِيرِ الْمُتَبَادَلِ بَيْنَ أَفْرَادِ الْأُسْرَةِ.

هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56] اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الخلفاء الراشدين، وعن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ ومن تبعهم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.