25 ذي الحجة, 1447
تربية الأبناء 26/12/1447هـ
﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾
الْحَمْدُ للهِ تَفَرَّدَ بِكُلِّ كَمَالٍ، وَتَكَرَّمَ بِجَزِيلِ النَّوَالِ، فَلَهُ الْحَمْدُ فِي كُلِّ حَالٍ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلَهُ الشُّكْرُ عَلَى جَزِيلِ الْإِنْعَامِ وَالْإِفَضالِ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، تَنَزَّهَ عَنِ الْأَنْدَادِ وَالْأَمْثَالِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، الْمَوْصُوفُ بِأَجْمَلِ النُّعُوتِ وَأَشْرَفِ الْخِصَالِ صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ خَيْرِ صَحْبٍ وَأَكْرَمِ آلٍ، وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الْمَآلِ. أَمَّا بَعْدُ عِبَادَ اللهِ: فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: قالَ تَعالَى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى :49، 50]، مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ، نِعْمَةُ الْوَلَدِ، وَلَا سِيَّما الْوَلَدُ الصَّالحُ، فَقَدِ امْتَنَّ اللهُ سُبْحانَهُ عَلَى سائِرِ خَلْقِهِ بِذَلِكَ فَقالَ تَعالَى: ﴿وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [النحل: 72].وَالنَّفْسُ الْبَشَرِيَّةُ جُبِلَتْ عَلَى حُبِّ الْأَوْلادِ وَالذُّرِّيَّةِ الصَّالِحَةِ، قالَ تَعالَى عَنْ زَكَرِيَّا عليه السلام: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء﴾ [آل عمران: 38]. إِنَّ الذُّرِّيَّةَ الصَّالِحَةَ مَطْلَبُ الْأَنْبِياءِ وَالصَّالِحِينَ فِي كُلِّ زَمانٍ وَمَكانٍ، فَقَدْ دَعا إِبْراهِيمُ عليه السلام ربَّه فَقالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ [إبراهيم:40]، وَوَصَفَ سُبْحانَهُ عِبادَهُ المؤْمِنِينَ: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:74]، فَالذُّرِّيَّةُ الصَّالِحَةُ مِنْ أَعْظَمِ ما يُقِرُّ اللهُ بِهِ أَعْيُنَ الْوَالِدَيْنِ فِي الدُّنْيا، وَمِنْ أَعْظَمِ ما يَمْتَدُّ نَفْعُهُ لَهُما بَعْدَ مَوْتِهِما، قَالَ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» [رواه الترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح].
عِبادَ اللهِ: التَّرْبِيَةُ مَشْرُوعُ أُمَّةٍ، والنَّاشِئَةُ هُمْ دُرُوعُ الْوَطَنِ، وَهُمْ بِفَضْلِ اللهِ تَعالَى -إِنْ أَحْسَنّا تَرْبِيَتَهُمْ- بُنَاةُ الْغَدِ وَرِجَالُهُ، وَمُفَكِّرُوهُ وَسَوَاعِدُهُ، وَمُسْتَوْدَعُ أَمَانَاتِ الْوَالِدَيْنِ وَالمعَلِّمِينَ وَالْمُرَبِّينَ، فَأَوْلَادُنَا ثِمَارُ قُلُوبِنَا، وَعِمَادُ ظُهُورِنَا، وَفِلْذَاتُ أَكْبَادِنَا، وَأَحْشَاءُ أَفْئِدَتِنَا، وَهُمْ قُرَّةُ الْأَعْيُنِ، وَبَهْجَةُ الْحَيَاةِ، وَأُنْسُ الْعَيْشِ، بِهِمْ يَحْلُو الْعُمْرُ، وَعَلَيْهِمْ تُعَلَّقُ الْآمَالُ، وَبِبَرَكَةِ تَرْبِيَتِهِمْ يُسْتَجْلَبُ الرِّزْقُ، وَتُتَنْزَّلُ الرَّحَمَاتُ، وَيُضَاعَفُ الْأَجْرُ، وَهُمْ مَعَ التَّرْبِيَةِ سَبَبٌ لِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ، قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ فِي الْجَنَّةِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ: أَنَّى لِي هَذِهِ؟! فَيَقُولُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ» [رواه ابن ماجه، والإمام أحمد].
عِبادَ اللهِ: الْأَبْناءُ أَمانَةٌ عَظِيمَةٌ وَمَسْؤُولِيَّةٌ شَرْعِيَّةٌ في أَعْناقِ آبائِهِمْ وَأُمَّهاتِهِمْ، وَإِنَّ اللهَ تَعالَى سائِلُهُمْ عَنْ هَذِهِ الْأَمانَةِ، قالَ تَعالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾، قال صلى الله عليه وسلم: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» [متفق عليه]، فَصَلاحُ الْأَبْناءِ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ، وَإِهْمالُهُمْ وَالتَّفْرِيطُ في تَرْبِيَتِهِمْ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبابِ الْحَسْرَةِ وَالنَّدامَةِ في الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَعُولُ» [رواه الحاكم في المستدرك، وقال الذهبي: على شرط البخاري ومسلم]، وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ حُقُوقِهِمْ عَلَيْنا أَنْ نَغْرِسَ فِيْهِمْ مُنْذُ الصِّغَرِ عَقِيدَةَ التَّوْحِيدِ، تَثْبُتُ بِها قُلُوبُهُمْ، وَتَسْكُنُ إِلَيْهَا نُفُوسُهُمْ، وَتَنْشَرِحُ بِها صُدُورُهُمْ، فَرَبُّوا أَوْلادَكُمْ عَلَى تَقْوَى اللهِ وَخَشْيَتِهِ وَمُرَاقَبَتِهِ، فَيُنَشَّؤُونَ عَلَى الرُّجُوعِ إِلَى رَبِّهِمْ، وَلَا يَخَافُونَ إِلَّا ذَنُوبَهُمْ، اجْعَلُوا طَاعَةَ اللهِ لَهُمْ دِثَارًا، وَالْخَوْفَ مِنْهُ شِعَارًا، وَالْإِخْلَاصَ لَهُ زَادًا، وَالِاقْتِداءُ في ذَلِكَ بِالْأَنْبِياءِ وَالصَّالِحِينَ، قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [سورة البقرة:132]، وَهَذَا لُقْمانُ يُوصِي ابْنَهُ: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة لقمان:13]، نَعَمْ إِنَّ أَعْظَمَ مِيرَاثٍ يَتْرُكُهُ الْوَالِدَانِ لِأَبْنَائِهِمْ هُوَ الِاسْتِقَامَةُ عَلَى دِينِ اللَّهِ.
عِبَادَ اللَّهِ: إِيَّاكُمْ وَالتَّفْرِيطَ فِي مُتَابَعَةِ الْأَبْنَاءِ وَتَرْكَهُمْ فَرِيسَةً لِلْمُؤَثِّرَاتِ الْفِكْرِيَّةِ وَالسُّلُوكِيَّةِ الْمُنْحَرِفَةِ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْنَا مُتَابَعَتُهُمْ دِرَاسِيًّا وَسُلُوكِيًّا، وَمَعْرِفَةُ أَصْحَابِهِمْ؛ فَالصَّاحِبُ سَاحِبٌ، وَأَصْدِقَاءُ السُّوءِ يُفْسِدُونَ عَلَى الْمَرْءِ دِينَهُ وَخُلُقَهُ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ، وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ، كَحَامِلِ الْمِسْكِ، وَنَافِخِ الْكِيرِ» [متفق عليه]، فَلْنَحْذَرْ أَنْ تَسْتَحْوِذَ أَدَوَاتُ التَّوَاصُلِ وَالْمَوَاقِعُ الِافْتِرَاضِيَّةُ عَلَى أَبْنائِنا، وَلْنَبُثَّ فِيهِمُ الْوَعْيَ فَلَا يُصَدِّقُوا كُلَّ صُورَةٍ، وَلَا يَسْتَسْلِمُوا لِكُلِّ تَغْرِيدَةٍ، وَلَا يَقْبَلُوا كُلَّ مَعْلُومَةٍ فَفِي كَثِيرٍ مِنْهَا مَوَاطِنُ الْخَلَلِ والزَّلَلِ.
إِنَّ الْعِنَايَةَ بِالْأَبْنَاءِ وَحِفْظَهُمْ مِنَ الِانْحِرَافِ مَسْؤُولِيَّةٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْأُسْرَةِ وَالْمَدْرَسَةِ وَسَائِرِ مُؤَسَّسَاتِ الْمُجْتَمَعِ، وَإِنَّ التَّعَاوُنَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ صُوَرِ التَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، قالَ تَعالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [سورة المائدة:2]، وَإِنَّ في تَرْبِيَتِهِمْ إِحْسَانٌ وَطَاعَةٌ وَأَجْرٌ، فَإِنَّ مِنَ الذُّنُوبِ مَا لَا يُكَفِّرُهُ إِلَّا هَمُّ الْأَوْلَادِ، وَالتَّعَبُ عَلَى تَرْبِيَتِهِمْ.
رَبَّنا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمامًا.
أقُولُ قَوْلِي هَذَا.. وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾
الْحَمْدُ للهِ وَفَّقَ مَنْ شَاءَ لِمَكارِمِ الْأَخْلاقِ، وَهَدَاهُمْ لِمَا فِيه فَلَاحُهُمْ يَوْمَ التَّلاقِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبارَكَ عَلَيْه وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحابِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [سورة البقرة:281].
أَيُّهَا المسْلِمُونَ: إِنَّ تَرْبِيَةَ الْأَبْنَاءِ يُعَدُّ مِنْ أَصْعَبِ الْأُمُورِ، وَأَكْثَرِهَا تَكْلِفَةً، لَكِنَّ النَّجَاحَ فِي تَرْبِيَتِهِمْ هُوَ فَوْزُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يُعِينُ عَلَى تَرْبِيَةِ النَّشْءِ اللُّجُؤُ إِلَى اللَّهِ بِالدُّعَاءِ، فَإِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ بِيَدِ اللَّهِ، التَّوْفِيقُ بِيَدِهِ وَحْدَهُ سُبْحَانَهُ، وَلَنْ يَنْصَلِحَ حَالُ عَبْدٍ إِلَّا إِذَا امْتَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالصَّلَاحِ؛ وَلِهَذَا يَجِبُ عَلَى الْأَبَوَيْنِ أَنْ يَعْتَنِيَا بِأَمْرِ الدُّعَاءِ لِلْأَبْنَاءِ وَالِاجْتِهَادِ فِي هَذَا الْأَمْرِ، وَالْإِلْحَاحِ عَلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، ثُمَّ الْأَخْذُ بِأَسْبَابِ التَّرْبِيَةِ الصَّحِيحَةِ، وَمِنْ أَعْظَمِ وَسَائِلِ التَّرْبِيَةِ وَأَنْجَحِهَا التَّرْبِيَةُ بِالْقُدْوَةِ، فَالْأَبْنَاءُ بِحَاجَةٍ إِلَى قُدْوَاتٍ لَا إِلَى نُقَّادٍ، جَالِسُوهُمْ، صَادِقُوهُمْ، تَحَدَّثُوا إِلَيْهِمْ، فَرِّغُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ أَجْلِهِمْ، أَعْطُوهُمْ مِنْ وَقْتِكُمْ خَيْرٌ لَهُمْ مِنْ إِعْطِائِهِمْ مِنْ أَمَوالِكُمْ، وَاسْتَثْمِرُوا فِيهِمْ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَسْتَثْمِرُوا لَهُمْ، كُونُوا لَهُمْ قُدْوَةً في حِكْمَةِ الْعَقْلِ، وَعِفَّةِ اللِّسَانِ، وَصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَطَهَارَةِ الْيَدِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ، وَالطِّفْلُ يَتَأَثَّرُ بِالْجَوِّ الْعامِّ لِلْأُسْرَةِ، فَلْتَكُنْ بُيُوتُنا هادِئَةً، قَلِيلَةَ الْخِلَافِ، تَسُودُها الْمَحَبَّةُ وَالْوِئامُ وَحُسْنُ الْإنْصَافِ، وَعَدَمُ تَتَبُّعِ الْعَثَرَاتِ، وَالْتِمَاسُ الْأَعْذَارِ، وَاحْتِمَالُ الْأَذَى، وَابْتَعِدُوا أَيُّها الْأَفاضِلُ عَنْ كَثْرَةِ اللَّوْمِ، وَرَفْعِ الصَّوْتِ وَالمقَارَنَةِ بِالْآخَرِينَ، وَاحْرِصُوا عَلَى التَّفَاهُمِ بَيْنَ الْوَالِدَيْنِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ ما يُهَيِّئُ بِيئَةً نَفْسِيَّةً جَيِّدَةً لِتَرْبِيَةِ جِيلٍ مِنَ النَّاشِئَةِ عَظِيمٍ.
أَيُّها المؤْمِنُونَ: إِنَّ تَرْبِيَةَ الْأَوْلادِ لا يَقْتَصِرُ خَيْرُها عَلَى الْأُسْرَةِ، بَلْ هُوَ حُبٌّ لِأَعْظَمِ بُقْعَةٍ وَأَعْظَمِ وَطَنٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، إِنَّها بِلادُ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، مَهْدُ الْإِسْلامِ، فَالْأَمْرُ يَحْتَاجُ إِخْلَاصًا وَعَمَلًا وَبِنَاءً وَتَعَاوُنً وَحِمَايَةً وَأَمَانَةً وَاحْتِرَامًا، نَحْتاجُ جِيلًا قَوِيًّا فِي بَدَنِهِ وَعَقْلِهِ، رِجَالًا حُرَّاسًا لِلْعَقِيدَةِ وَالْوَطَنِ، يَقِفُونَ فِي وَجْهِ أَعْدَائِهِ المتَرَبِّصِينَ وَالْحاقِدِينَ عَلَيْهِ، نُرِيدُ جِيلًا يَحْفَظُ لِوُلَاةِ الْأَمْرِ حَقَّهُمْ مِنَ الطَّاعَةِ وَالمحَبَّةِ وَالنُّصْحِ وَالدُّعَاءِ وَصِدْقِ الْوَلَاءِ، جِيلًا يَنْبُذُ الْعَصَبِيَّةَ بِكُلِّ أَشْكَالِها، مِنْ قَبَلِيَّةٍ وَمَنْاطِقِيَّةٍ وَطَائِفِيَّةٍ، جِيلًا يُحافِظُ عَلَى الممْتَلَكَاتِ وَالمرَافِقِ الْعامَّةِ، وَيَسْلُكُ سَبِيلَ الرُّشْدِ، وَتَرْشِيدِ الصَّرْفِ وَالِاسْتِهْلَاكِ، جِيلًا يَتَعَوَّدُ مُنْذُ نُعُومَةِ أَظْفَارِهِ عُلُوَّ الْهِمَّةِ؛ فَمَنْ شَبَّ عَلَى شَيْءٍ شَابَ عَلَيْهِ.
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56] اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الخلفاء الراشدين، وعن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ ومن تبعهم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ اللَّهُمَّ إِنَّا اسْتَوْدَعْنَاكَ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، فَأَصْلِحِ اللَّهُمَّ شُؤُونَهُمْ وَاشْرَحْ صُدُورَهُمْ، وَيَسِّرْ أُمُورَهُمْ، واحْفَظْهُمْ بِعَيْنِكَ الَّتِي لَا تَنَامُ، وَاكْلَأْهُمْ بِرِعَايَتِكَ، وَاصْرِفْ عَنْهُمْ كُلَّ سُوءٍ وَمَكْرُوهٍ. اللَّهُمَّ اجْعَلْهُمْ هُدَاةً مُهْتَدِينَ، غَيْرَ ضَالِّينَ وَلَا مُضِلِّينَ، اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قُلُوبَهُمْ عَلَى دِينِكَ، وَاجْعَلْهُمْ قُرَّةَ عَيْنٍ لِوَالِدِيهِمْ، وَذُخْرًا لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْبِتْهُمْ نَبَاتًا حَسَناً، وَحَبِّبْ إِلَيْهِمُ الْإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِهِمْ، وَكَرِّهْ إِلَيْهِمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ، اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.