22 ذي القعدة, 1447
الإمام المحدّث، والعالم الفقيه، وأحد أعلام الحديث في العصر الحديث، الشيخ محمد أحمد بن عبد القادر القلاوي الشنقيطي ثم المدني رحمه الله
وُلد سنة 1904م في موريتانيا، ونشأ في بيت علم، فحفظ القرآن الكريم منذ صغره، ولازمه حفظًا وتلاوةً حتى صار له فيه شأن عجيب؛ إذ كان يختمه كل ليلة قرابة سبعين سنة، ثم لما تقدّم به العمر كان يختمه كل ثلاثة أيام.
نشأ في المحاظر الشنقيطية، وتلقّى العلم على كبار شيوخها، ومن أبرزهم الشيخ يحظيه بن عبد الودود، فدرس الفقه المالكي وأصوله، واللغة العربية وعلومها، ثم غلب عليه الاشتغال بالحديث وعلومه حتى صار إمامًا يُشار إليه فيه.
هاجر إلى المدينة النبوية في منتصف عمره، واستقر بها مجاورًا مسجد النبي ﷺ، بعد أن باع ما يملك في بلده رغبةً في القرب من الحرم، وهناك ذاع صيته بين طلبة العلم، وعُرف بحلقته العلمية قرب باب الرحمة، حيث لازم مكانه سنين طويلة.
كان آيةً في علم الرجال وعلل الحديث، حتى قال عنه الإمام محمد الأمين الشنقيطي:
“ما قدم أحدٌ من موريتانيا أعلم بالسنة منه”.
وكان يحفظ كتاب تهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر العسقلاني حفظًا متقنًا، مع استدراكات وتعقبات كثيرة من سعة اطلاعه، وكان إذا سُئل عن حديث ساق أقوال الأئمة في علله، وتكلّم في إسناده بكلام واسع يدل على رسوخ قدمه في هذا الفن.
عُرف بشدة تعظيمه للسنة، وإنكاره على الخطأ فيها، ولم يكن يرضى باللحن في القراءة ولا بالتساهل في الرواية، وكان سريع الانفعال إذا رأى مخالفةً ظاهرة، ومع ذلك فقد كان صادقًا في نصحه، شديد الغيرة على الدين.
عُرض عليه التدريس في الجامعة الإسلامية بالمدينة، كما عرض عليه الشيخ عبد العزيز بن باز أن يتجنس ليُتاح له التدريس، فاعتذر عن ذلك، وبقي على زهده واستقلاله، يعيش عيشةً بسيطة، يُعان من بعض أهل العلم؛ حتى إن الشيخ ابن باز كان يرسل له مبلغًا شهريًا، وكان الشيخ محمد الأمين الشنقيطي يواسيه كذلك.
وكان رحمه الله عابدًا زاهدًا؛ كثير التهجّد، طويل القيام، دائم الصيام، لا يُرى إلا قارئًا للقرآن أو مشتغلاً بالعلم، يحمل تمرات يفطر عليها مع ماء زمزم، ملازمًا العبادة إلى آخر عمره.
ومع اشتغاله بالحديث، كان مالكي المذهب، إلا أنه يقدّم الدليل من السنة إذا صحّ، ويسير في ذلك على طريقة أهل الحديث، مع توقير الفقهاء وذمّ الطعن فيهم، وكراهية الخوض في الفتن أو المسائل التي لا ثمرة لها.
قلّ أن يكتب لانشغاله بالمطالعة والمراجعة، ولم يترك إلا رسائل يسيرة، أكثرها في الحديث وعلله، ومن أشهرها رسالة في تضعيف حديث النور المنسوب إلى عبد الرزاق.
وكان كثير الدعاء أن يموت في المدينة النبوية ويُدفن بها، فاستجاب الله له؛ فتوفي بها سنة 1998م، وصُلّي عليه في المسجد النبوي، ودُفن بالبقيع
رحم الله هذا الإمام، فقد كان مثالًا للعالم الرباني، جمع بين الحفظ، والعبادة، والغيرة على السنة، حتى صار علمًا من أعلامها في هذا العصر.
✍️ سير أعلام المعاصرين