3 ذي القعدة, 1447

أَحْكَامُ الشِّتَاءِ 28/6/1447ه
﴿الخُطْبَةُ الْأُوْلَى﴾
إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَخَلِيلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا*يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أَمَّا بَعْدُ عِبادَ الله: فَأُوْصِيْكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ جَلَّ فِي عُلَاهُ، وَالتَّقْوَى أَنْ تَعْمَلَ بِطَاعَةِ اللهِ عَلَى نُوْرٍ مِن اللهِ، تَرْجُو ثَوَابَ اللهِ، وَأَنْ تَتْرُكَ مَعْصِيَةَ اللهِ عَلَى نُوْرٍ مِن اللهِ تَخَافُ عَذَابَ اللهِ، ﴿فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصۡلَحَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ﴾. [الأعراف: 35].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: إِنَّ فِي تَصَرُّفِ الْأَيَّامِ واخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَفُصُولِ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ لَعِبْرَةً وآيةً، قَالَ اللَّهُ عز وجل:﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾[آل عمران:190،191]. وَفِي هَذَا تَذْكيرٌ لِلْمُسْلِمِ فِي فَتَراتِ عُمُرِهِ، وَتَقَلُّبِ أَحْوَالِهِ، وذَهابِ أَيّامِهِ وَأَعْوامِهِ؛ فَيَتَنَبَّهَ إِنْ كانَ غَافِلًا، وَيَتُوبُ إِنْ كانَ عاصِيًا، وَيَتَعَرَّضُ لِنَفَحاتِ رَبِّهِ قَبْلَ لِقائِهِ.
عِبَادَ اللهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّها، فَقَالَتْ: يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ، نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ فِي الحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الزَّمْهَرِيرِ» رواه مسلم.
ثُمًّ اعْلَمُوا -حَفِظَكُمُ اللهُ- أَنَّ لِلشِّتَاءِ أَحْكَامًا شَرْعِيَّةً وَآدابًا نَبَوِيَّةً، وَسُنَنًا مَرْعِيَّةً، يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَتَحَرَّاهَا لِتَكْتَمِلَ عِبَادَتُهُ، وَيَتِمَّ لَهُ أَجْرُهُ وَثَوَابُهُ، وَيَقْتَدِي بِسُنَّةِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم. قَالَ اللهُ عز وجل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾[المائدة:3]. فَلَا يُعْذَرُ الـمُسْلِمُ بِجَهْلِهِ لِلْأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ اَلْجَليَّةِ.
فَمِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ: جَوَازُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ مَعَ شِدَّةِ الْبَرْدِ إِذَا كَانَ مَصْحُوبًا بِرِيَاحٍ شَدِيدَةٍ، أَوْ ثُلُوجٍ عَائِقَةٍ، أَوْ أَمْطَارٍ غَزِيرَةٍ، وَمَنْ جَمَعَ عَلَى غَيْرِ تِلْكَ الْحَالَةِ فَإِنْ كَانَ جَمْعَ تَقْدِيمٍ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ الثَّانِيَةَ، وَإِنْ كَانَ جَمْعَ تَأْخِيرٍ فَإِنَّهُ صَلَّى الْأُولَى فِي غَيْرِ وَقْتِهَا، وَهُوَ آثِمٌ.
وَمِنْ أَحْكَامِ الشِّتَاءِ: أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُسْبِغَ الْوُضُوءَ وَلَا يَتَسَاهَلَ؛ لِأَنَّهُ مَعَ شِدَّةِ الْبَرْدِ قَدْ يَلْبَسُ لِبَاسًا ثَقِيلًا لَا يَسْتَطِيعُ مَعَهُ إِيْصَالَ الْمَاءِ إِلَى أَعْضَائِهِ، فَيَكُونُ وُضُوْؤُهُ غَيْرَ تَامٍّ، رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَوْمًا تَّوَضَّؤوا، وَلَمْ يَمَسَّ أَعْقابَهُمُ الْمَاءُ، فَقَالَ: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» [رواه البخاري ومسلم].
عِبَادَ اللهِ: رَوَى مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى المَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى المَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّباطُ» رواه مسلم. قَالَ النَّوَوِيُّ رحمه الله: “وَإِسْباغُ الوُضوءِ إِتْمامُهُ، وَاَلْمَكارِهُ تَكونُ بِشِدَّةِ البَرْدِ وَأَلَمِ الجِسْمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ”. ولَا بَأْسَ مِنْ تَسْخينِ الْمَاءِ لِدَفْعِ بَرْدِهِ؛ لِيَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الْعِبادَةِ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ حُصولِ الثَّوابِ، قَالَ الشَّيْخُ اِبْنُ عُثَيْمينَ رحمه الله: (أَنْ يَشُقَّ الْإِنْسانُ عَلَى نَفْسِهِ، وَيَذْهَبَ يَتَوَضَّأَ بِالماءِ الْبارِدِ، وَيَتْرُكَ السَّاخِنَ، أَوْ يَكُونَ عِنْدَهُ مَا يُسَخِّنُ بِهِ الماءَ، وَيَقُولُ: أُرِيدُ أَنْ أَتَوَضَّأَ بِالماءِ الْبارِدِ؛ لِأَنالَ هَذا الْأَجْرَ، فَهَذا غَيْرُ مَشْرُوعٍ؛ لِأَنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء:147]، فَالْإِنْسانُ لَيْسَ مَأْمُورًا وَلَا مَنْدُوبًا إِلَى أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشُقُّ عَلَيْهِ وَيَضُرُّهُ، بَلْ كُلَّمَا سَهُلَتْ عَلَيْهِ الْعِبادَةُ فَهُوَ أَفْضَلُ، لَكِنْ إِذَا كَانَ لَا بُدَّ مِنَ الْأَذَى وَالْكُرْهِ فَإِنَّهُ يُؤْجَرُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ بِغَيْرِ اخْتِيارِهِ).
وَمِنْ أَحْكامِ الشِّتاءِ: أَنَّهُ يُكْرَهُ التَّلثُّمُ فِي الصلاةِ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ أَوْ عِلَّةٍ، رَوَى أَبُو داودَ وَغَيْرُهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنِ السَّدْلِ فِي الصَّلاةِ، وَأَنْ يُغَطِّي الرَّجُلُ فاهُ. وَمِنْ أَحْكامِ الشِّتاءِ: جَوازُ لُبْسِ القُفَّازَيْنِ لِبَرْدٍ وَنَحْوِهِ.
وَمِنْ أَحْكامِ الشِّتاءِ: الدُّعاءُ عِنْدَ هُبُوبِ الرِّيحِ؛ كانَ صلى الله عليه وسلم إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ قالَ: «اللهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا، وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ» [رواه مسلم]. وَمِنْ آدابِ الشِّتاءِ: أَنَّهُ لا يَجُوزُ سَبُّ الرِّيحِ؛ فَهِيَ مُسَخَّرَةٌ وَمُذَلَّلَةٌ لِمَا خُلِقَتْ لَهُ، وَهِيَ مَأْمُورَةٌ بِما تَجِيءُ بِهِ مِنَ الرَّحْمَةِ أَوِ الْعَذَابِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «‌الرِّيحُ ‌مِنْ ‌رُوحِ اللَّهِ، تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ، وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَلَا تَسُبُّوهَا، وَسَلُوا اللَّهَ خَيْرَهَا، وَاسْتَعِيذُوا بِهِ مِنْ شَرِّهَا» [رواه أبو داود، وغيره]. وَمِنْ أَحْكامِ الشِّتاءِ: التَّسْبِيحُ عِنْدَ سَماعِ الرَّعْدِ، كانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ تَرَكَ الحَدِيثَ، وَقالَ: «‌سُبْحَانَ ‌الَّذِي ‌يُسَبِّحُ ‌الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ، وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ»، ثُمَّ يَقُولُ: «إِنَّ هَذَا لَوَعِيدٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ شَدِيدٌ» [أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وسنده صحيح]. وَمِنْ آدابِ الشِّتاءِ: الدُّعاءُ عِنْدَ رُؤْيَةِ السَّحابِ وَنُزُولِ المطَرِ، كانَ صلى الله عليه وسلم إِذَا رَأَى السُّحُبَ فِي السَّماءِ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا» فَإِنْ مُطِرَ قَالَ: «‌اللَّهُمَّ ‌صَيِّبًا ‌هَنِيئًا» [أخرجه أبو داود بسند قوي]، وَعِنْدَ البُخاريّ: «‌اللَّهُمَّ ‌صَيِّبًا ‌نَافِعًا»، وَعِنْدَ البُخاريّ وَمُسْلِمٍ: «‌مُطِرْنَا ‌بِفَضْلِ ‌اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ»، والدُّعاءُ عِنْدَ نُزُولِ المطَرِ لا يُرَدُّ؛ قالَ صلى الله عليه وسلم: «‌ثِنتانِ ‌لا ‌تُرَدّانِ -أو: قَلَّما تُرَدّانِ- الدُّعاءُ عِندَ النِّداءِ، وتَحتَ المَطَرِ» [رواه الحاكم، وحسنه الألباني]، وَكَانَ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَمْطَرَتِ السَّماءُ كَشَفَ ثَوْبَهُ حَتَّى يُصِيبَهُ المطَرُ، فَقالَ الصَّحابَةُ: يا رَسُولَ اللهِ لِمَ صَنَعْتَ هَذا؟ قال: «إِنَّهُ ‌حَدِيثُ ‌عَهْدٍ ‌بِرَبِّهِ» [رواه مسلم]، وَإِذَا زادَ المطَرُ، وَخَشِيَ الضَّرَرَ، كانَ صلى الله عليه وسلم يَدْعُو: «اللَّهُمَّ ‌حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالظِّرَابِ، وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ» [رواه البخاري]
وَمِنْ أَحْكامِ الشِّتاءِ: إِطْفاءُ النَّارِ وَأَدَواتِ التَّدْفِئَةِ قَبْلَ النَّوْمِ، فَقَدِ احْتَرَقَ بَيْتٌ بِالمدِينَةِ عَلَى أَهْلِهِ بِاللَّيْلِ، فَقالَ صلى الله عليه وسلم: «‌إِنَّ ‌هَذِهِ ‌النَّارَ إِنَّمَا هِيَ عَدُوٌّ لَكُمْ، فَإِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ» [أخرجه البخاري ومسلم]، وَمِنْ أَحْكامِ الشِّتاءِ: عَدَمُ سَبِّ الحُمَّى، فَقَدْ دَخَلَ صلى الله عليه وسلم عَلَى أُمِّ السَّائِبِ رَضِيَ اللهُ عَنْها فَقالَ: «مَا لَكِ؟ يَا أُمَّ السَّائِبِ أَوْ يَا أُمَّ الْمُسَيِّبِ ‌تُزَفْزِفِينَ؟» قَالَتْ: الْحُمَّى، لَا بَارَكَ اللهُ فِيهَا، فَقَالَ: «لَا تَسُبِّي الْحُمَّى، فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ، كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ» [رواه مسلم]، فَالحُمَّى تُكَفِّرُ الخَطايا، وَفِي الشِّتاءِ تَكْثُرُ الحُمَّى، وَعَلَى المسْلِمِ أَنْ يَأْخُذَ بِأَسْبابِ الْعِلاجِ، وَيَحْتَسِبُ مَرَضَهُ عِنْدَ اللهِ عز وجل. وَمِنْ أَحْكَامِ الشِّتَاءِ: الرُّخْصَةُ فِي الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ فَيَنْبَغِيْ عَلَى الـمُسْلِمِ أَنْ يَتَعَلَّمَ شُرُوْطَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَسَحَ فِي مَوْضِعٍ أَوْ وَقْتٍ ﻻَ يَجُوزُ لَهُ الْـمَسْحُ فِيْهِ فَالصَّلَاةُ غَيْرُ صَحِيحَةٍ.
وَشُرُوْطُ الْـمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَرْبَعَةٌ: أَنْ يَكُونَ الْخُفُّ طَاهِرًا، وَأَنْ يَلْبَسَ الْخُفَّ عَلَى طَهَارَةٍ، وَأَنْ يَكُونَ فِي الْـمُدَّةِ الْـمُعْتَبَرَةِ شَرْعًا، وَأَنْ يَكُونَ فِي الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ.
وَالْـمُدَّةُ الْـمُعْتَبَرَةُ شَرْعًا هِيَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ لِلْمُقِيمِ، وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا لِلْمُسَافِرِ، وَمَنْ كَانَ مُقِيمًا ثُمَّ سَافَرَ فَإِنَّهُ يَمْسَحُ مَسْحَ مُسَافِرٍ، وَمَنْ كَانَ مُسَافِرًا ثُمَّ أَقَامَ فَإِنَّهُ يَمْسَحُ مَسْحَ مُقِيمٍ، وَتَبْتَدِئُ مُدَّةُ الْمَسْحِ بَعْدَ أَوَّلِ مَسْحَةٍ بَعْدَ حَدَثٍ، وَإِنِ انْتَهَتْ مُدَّةُ الْمَسْحِ وَمَا زَالَ الْعَبْدُ عَلَى طَهَارَةٍ جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى أَنْ يُحْدِثَ، وَأَنْ يَكُونَ فِي الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ، ﻻَ فِي الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ، وَمَنْ كَانَ لَابِسًا لِلْخُفِّ عَلَى طَهَارَةٍ فَإِنَّ الْأَفْضَلَ لَهُ الْمَسْحُ، كَمَا رَجَّحَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الـمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ رضي الله عنه قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ، فَأَهْوَيْتُ لِأَنْزَعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: «دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا. [رواه البخاري]، وَمِنْ أَحْكامِ الشِّتاءِ: جَوازُ المسْحِ عَلَى الْعَمائِمِ الْمُحَنَّكَةِ، أَيِ الْمُحْكَمَةِ عَلَى الرَّأْسِ، مِنَ الصَّعْبِ نَزْعُها، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم مَسَحَ عَلَى الْعِمامَةِ [أخرجه الترمذي]، وَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الْقُبَّعاتُ وَخِمارُ المرْأَةِ مِمّا يَصْعُبُ نَزْعُهُ مِنْ عَلَى الرَّأْسِ، أَمَّا الْغُتْرَةُ، وَالشِّماغُ، وَالطَّاقِيَّةُ، وَالطَّرْبُوشُ مِمَّا يَسْهُلُ نَزْعُهُ فَلا يَصِحُّ المسْحُ عَلَيْها.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الْكَرِيْمُ.
﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبارَكَ عَلَيْه وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ: عِبَادَ اللَّهِ: وَمِنْ آدَابِ الشِّتَاءِ: اسْتِثْمَارِ الْوَقْتِ فِي طَاعَةِ اللهِ، قال الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: “نِعْمَ زَمَانُ الْـمُؤْمِنِ الشِّتَاءُ، لَيْلُهُ طَوِيْلٌ يَقُومُهُ، وَنَهَارُهُ قَصِيْرٌ يَصُومُهُ”. وَهَذَا مَعْنَى قوله صلى الله عليه وسلم: «الْغَنِيْمَةُ الْبَارِدَةُ الصَّوْمُ فِي الشِّتاءِ» [رواه الترمذي وهو حديث صحيح]. فَحَرِيٌّ بِنَا صيامُ الْأَيَّامِ الْفَاضِلَةِ كَالِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيْسِ أَوِ الْأَيَّامِ الْبِيْضِ، وَقِيَامِ اللَّيْلِ وَلَوْ بِرَكْعَاتٍ يَسِيْرَةٍ، فَلَعَلَّ بِهَا نجاةُ الْعَبْدِ يَوْمَ القِيَامَةِ.
وَمِنْ أَحْكَامِ الشِّتَاءِ: الْإِكْثارُ مِنْ شُكْرِ اللَّهِ عز وجل عَلَى نِعْمَةِ وَسائِلِ التَّدْفِئَةِ مِنْ مَلابِسَ وَأَجْهِزَةٍ وَأَبْنِيَةٍ، الَّتِي قَدْ حُرِمَ مِنْهَا الْكَثِيرُ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافىً فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيْزَتْ لَهُ الدُّنْيا» [رواه الترمذي وحسنه الألباني]. وهُنَاكَ إِخْوَانٌ لَنَا لَا يَجِدُونَ وَلَا الْقَلِيلَ مِنْ هَذَا، فَتَصَدَّقْ أَيُّهَا الـمُؤْمِنُ بِبَعْضِ الْـمَلَابِسِ النَّظِيْفَةِ الْـمُنَاسِبَةِ لِمِثْلِ هَذِهِ الْأَجْوَاءِ، أَوْ خَصِّصْ مَبْلَغًا يَسِيرًا مِنَ الْـمَالِ لِمَا يُسَمَّى بِكِسْوَةِ الشِّتاءِ، فَإِذَا وَجَدْتَ مُحْتَاجًا أَعْطَيْتَهُ إِيَّاهَا، فَمَنِ اسْتَطاعَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِلِباسٍ جَدِيدٍ فَإِنَّهُ بِإِذْنِ اللَّهِ عز وجل لَهُ مِنَ الْأُجُورِ مَا ﻻَ يَخْطُرُ لَهُ عَلَى بَالٍ، قالَ تَعالَى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران 92]. وَالـمُؤْمِنُ يُحِبُّ العَطَاءَ وَالْبَذْلَ، قال صلى الله عليه وسلم: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا”، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا» [رواه الطبراني، وصححه الألباني].
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]
‎اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الخلفاء الراشدين، وعن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ ومن تبعهم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.