29 رجب, 1447

الصيادون الماهرون

د. عبدالله بلقاسم

 

 

في أواخر عمر والدي (رحمه الله وجميع المسلمين)

ذهبنا لإحدى العيادات الخاصة في جدة وفي مواقف السيارات ونحن نحاول مساعدة الوالد في النزول ووضعه في عربة الركوب حيث لم يعد قادرا على المشي.

 

ومعي إخوتي وهم يشفقون من إيلامه بالحمل، وبينما نشعر بالحيرة والتوتر، مَرّ شاب ذو جسد رياضي.

وقد سمعنا ورآنا ملتفين على الوالد

فتقدم بلطف وقال لي:

هل يمكنني مساعدتكم؟

قلت: تفضل.

فطلب منا أن نتأخر جميعاً.

 

تأخرنا .. فتقدم بهدوء وحمله برفق وسهولة بين يديه، مع أن أبي تام الخلقة رحمه الله ممتلئ البدن، ووضعه في كرسي المشي.

ومضى..!

 

مر الآن أكثر من إحدى عشرة سنة، ولدي في كل مرة هاتف يحثني على الدعاء له.

 

إنهم قناصة الأجور.. وصيادو الثواب الذين يلتقطون اللحظة السانحة ويتحسسونها في الطرقات، ومختلف الأحوال ..

إنهم مثل الصياد الذي يراقب المشهد من بعيد، ويخطط، ثم يتقدم ويضع بصمته ويرحل…

 

روح الصياد متوثبة على الدوام، لكنها هادئة وفطنة، تلتقط المشهد كاملاً ولا تدخل في الصورة حتى تعرف أين مفتاح الكنز ..؟

 

تأمل في قصة موسى عليه السلام

كيف راقب المشهد؛

1- وَجَدَ عَلَیۡهِ أُمَّةࣰ مِّنَ ٱلنَّاسِ یَسۡقُونَ

2- ووجد من دونهم امرأتين تذودان…

 

ولم يدخل بعد في المشهد حتى

سأل: ما خطبكما..؟

لقد أصبحتْ الصورة مكتملة

والحياة تنتظر قصةً خالدة ..!

 

﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاۤءَ مَدۡیَنَ وَجَدَ عَلَیۡهِ أُمَّةࣰ مِّنَ ٱلنَّاسِ یَسۡقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمۡرَأَتَیۡنِ تَذُودَانِۖ قَالَ مَا خَطۡبُكُمَاۖ قَالَتَا لَا نَسۡقِی حَتَّىٰ یُصۡدِرَ ٱلرِّعَاۤءُۖ وَأَبُونَا شَیۡخࣱ كَبِیرࣱ﴾ ..

 

لذا عش بروح الصياد،

وراقب مظان الأجور العظيمة، وميادين الحسنات الجارية… في الطريق والمسجد والسوق والمدرسة وغيرها من حيث لا تدري …

 

فالكنوز منثورة في الحياة وبين الأحياء .

فقط تنتظر القناص الماهر، وروحه الوثابة لينقض عليها بلا تأخير ..

حيث يضع بصمة الذكرى الخالدة في القلوب والنفوس والحياة …

 

وأنا متأكد أنكم تعرفون مئات القصص عن هؤلاء الصيادين..!!!