14 جمادي أولI, 1447

رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ

الخُطْبَةُ الأُوْلَى

الْحَمْدُ لِلَّهِ المنَّانِ، وَلَا يُمَنُّ عَلَيْهِ، مَنَّ عَلَيْنَا فَهَدَانَا، وَأَطْعَمَنَا وَسَقَانَا، وَكُلَّ بَلَاءٍ حَسَنٍ أَبْلَانَا، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَ مِنَ الجُوعِ، وَسَقَى مِنَ الْعَطَشِ، وَكَسَى مِنَ الْعُرْيِ، وَهَدَى مِنَ الضَّلَالَةِ، وَبَصَّرَ مِنَ الْعَمَى، وَفَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِهِ تَفْضِيلًا، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

أَحْمَدُهُ تَعَالَى وَأَشْكُرُهُ، وَأَسْتَعِيْنُهُ وَأَسْتَغْفِرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ َنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى سَائِرِ الأَنْبِيَاءِ وَالـمُرْسَلِيْنَ، وَرَضِيَ اللهُ عَنْ آلِ بَيتِهِ وَصَحَابَتِهِ وَالتَّابِعِيْنَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوْا اللهَ عِبَادَ اللهِ حَقَّ التَّقْوَى، وَتَمَسَّكُوا مِنَ الْإِسْلَامِ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، كَمَا أَمَرَنَا رَبُّنا فِي قَوْلِهِ تَعالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102].

أَيُّهَا الـمُسْلِمُوْنَ: في آيَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ كِتابِ رَبِّنا تَكَرَّرَ دُعاءٌ عَلَى لِسانِ نَبِيِّ اللهِ سُلَيْمانَ عليه السلام في سُورَةِ النَّمْلِ، وَعَلَى لِسانِ عِبادِ اللهِ المؤْمِنِينَ فِي سُورَةِ الْأَحْقافِ، وَالَّتِي لَنا مَعَها وَقْفَةٌ، فَفِيْها وَصِيَّةُ رَبِّنا، وَتَذْكِرَةٌ بِنِعَمِهِ عَلَيْنا، وَتُعَلِّمُنا كَيْفَ نَدْعُوهُ سُبْحانَهُ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ إِحۡسَٰنًاۖ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ كُرۡهٗا وَوَضَعَتۡهُ كُرۡهٗاۖ وَحَمۡلُهُۥ وَفِصَٰلُهُۥ ثَلَٰثُونَ شَهۡرًاۚ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗ قَالَ ‌رَبِّ ‌أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَٰلِحٗا تَرۡضَىٰهُ وَأَصۡلِحۡ لِي فِي ذُرِّيَّتِيٓۖ إِنِّي تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ﴾ [الأحقاف: 15].

‌﴿أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ﴾ أَيْ: أَلْهِمْنِي وَاجْعَلْنِي أُقَابِلُها بِالشُّكْرِ، فَالشُّكْرُ مِنْ أَعْلَى الْمَنَازِلِ، فَوْقَ مَنْزِلَةِ الرِّضَا وَزِيَادَةٌ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَرْضَى بِقَضاءِ رَبِّهِ، ثُمَّ يَرْتَقِي فَيَشْكُرُ، وَالشُّكْرُ نِصْفُ الْإِيمَانِ؛ فالْإِيمَانُ نِصْفَانِ: شُكْرٌ، وَصَبْرٌ. وَشُكْرُ النِّعْمَةِ اسْتِعْمَالُها فِي الطَّاعَةِ، وَكُفْرانُ النِّعْمَةِ: اسْتِعْمَالُهَا فِي الْمَعْصِيَةِ، فَكُلُّ خَيْرٍ يُفْعَلُ طَلَبًا لِمَرْضاةِ اللَّهِ شُكْرٌ.

مُسْتَهَلُّ الْآيَةِ الْوَصِيَّةُ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالْوالِدَيْنِ، سَبَبُ وُجُودِنا فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ؛ بِالْإِحْسانِ إِلَيْهِما، وَبِرِّهِما، قالَ تَعالَى: ﴿وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ إِحۡسَٰنًاۖ﴾، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ التَّعَبَ وَالنَّصَبَ الَّذِي يُعانِيهِ الْوالِدانِ، خاصَّةً الْأُمَّ: ﴿حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ كُرۡهٗا وَوَضَعَتۡهُ كُرۡهٗاۖ وَحَمۡلُهُۥ وَفِصَٰلُهُۥ ثَلَٰثُونَ شَهۡرًاۚ﴾، الْكُرْهُ وَالْكَرْهُ: التَّعَبُ وَالْأَلَمُ، وَفِصالُهُ: فِطامُهُ، وَمَجْمُوعُ مُدَّةِ الْحَمْلِ وَالرَّضاعِ ثَلاثُونَ شَهْرًا، سَنَتانِ مِنْها مُدَّةُ الرَّضاعِ الْكَامِلِ، يَبْقَى مِنَ الثَّلاثِينَ شَهْرًا سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَهِيَ أَقَلُّ مُدَّةٍ لِلْحَمْلِ الَّذِي يَعِيشُ مَعَهُ المولُودُ. ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗ قَالَ ‌رَبِّ ‌أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ﴾ بَلَغَ أَشُدَّهُ؛ أَيْ: تَناهَى عَقْلُهُ، وَكَمُلَ فَهْمُهُ وَحِلْمُهُ، يَقُولُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: “إِذَا بَلَغَ الْعَبْدُ أَرْبَعِينَ سَنَةً نادَى مُنَادٍ مِنَ السَّماءِ أَنْ دَنا الرَّحِيلُ فَأَعِدَّ زَادًا” فَعَلَى الْعَبْدِ إِذَا بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً أَنْ يُجَدِّدَ التَّوْبَةَ لِلَّهِ تَعالَى، وَيَعْتَرِفَ بِأُلُوهِيَّتِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ، وَيَسْتَعِينَ بِهِ سُبحانه لِلْقِيامِ بِالْعِبادَةِ، وَمِنْ أَعْظَمِها الشُّكْرُ ﴿‌رَبِّ ‌أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ﴾، فَالتَّوْفِيقُ في الْعِبادَةِ فَضْلٌ وَنِعْمَةٌ مِنَ اللهِ.

﴿أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ﴾ أَعْظَمُ النِّعَمِ الْهِدايَةُ لِلْإِسْلامِ وَالتَّوْحِيدِ، ثُمَّ تَأْتِي النِّعَمُ الدُّنْيَوِيَّةُ، وَذِكْرُ الْوالِدَيْنِ هُنَا تَكْثِيرًا لِلنِّعَمِ، وَالْإِنْعامُ عَلَى الْوالِدَيْنِ إِنْعامٌ عَلَى أَوْلادِهِمْ، فَالمؤْمِنُ يَسْأَلُ رَبَّهُ التَّوْفِيقَ لِلْقِيامِ بِشُكْرِ نِعْمَتِهِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ.

﴿وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَٰلِحٗا تَرۡضَىٰهُ﴾: أَيْ: أَلْهِمْنِي وَوَفِّقْنِي أَنْ أَعْمَلَ فِي حَياتِي عَمَلًا صالِحًا تَرْضاهُ، فَجَمَعَ بَيْنَ أَنْواعِ الشُّكْرِ المطْلُوبَةِ: الشُّكْرِ بِاللِّسانِ، وَالِاعْتِرافِ وَالمحَبَّةِ بِالْقَلْبِ وَالِانْقِيادِ وَالطَّاعَةِ بِالْجَوارِحِ، وَقَوْلُهُ: ﴿صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾: لَيْسَ كُلُّ عَمَلٍ ظاهِرُهُ الصَّلاحُ يَرْضاهُ اللَّهُ تَعالَى، بَلْ لا بُدَّ لِلْأَعْمالِ مِنْ صِدْقِ الْإِخْلاصِ، وَالمتابَعَةِ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

﴿وَأَصۡلِحۡ لِي فِي ذُرِّيَّتِيٓۖ﴾ أَيْ: لا تَجْعَلْ يارَبِّ صَلاحِي مَقْصُورًا عَلَيَّ؛ بَلِ اجْعَلِ الصَّلاحَ سَارِيًا في ذُرِّيَّتِي، راسِخًا فِيهِمْ؛ فَصَلاحُ الْآباءِ يُورِثُ صلاحَ الْأَبْناءِ.

﴿إِنِّي تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ﴾ المؤْمِنُ يَخْتِمُ دُعاءَهُ بِتَجْدِيدِ التَّوْبَةِ، وَالِاسْتِسْلامِ للَّهِ تَعالَى فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَقَدَرِهِ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالَى: “هَذَا فِيهِ إِرْشادٌ لِمَنْ بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً أَنْ يُجَدِّدَ التَّوْبَةَ وَالْإِنابَةَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَيَعْزِمَ عَلَيْها” فَيَنْبَغِي لِمَنْ بَلَغَ الْأَرْبَعِينَ فَضْلًا عَمَّنْ جاوَزَها أَنْ يَنْتَبِهَ لِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ.

وَالْآيَةُ تَضَعُ بَيْنَ أَيْدِيْنا ما يُحَقِّقُ سَعادَةَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ: وَهِيَ التَّوْفِيقُ لِعِبادَةِ شُكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نِعَمِهِ الشَّرْعِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، وَالتَّوْفِيقُ لِلطَّاعَةِ الَّتِي يَرْتَضِيْها سُبْحانَهُ، وَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبابِ السَّعادَةِ صَلاحُ الذُّرِّيَّةِ وَهِدايَتُهُمْ صِراطَ اللَّهِ المسْتَقِيمَ، وَالتَّوْفِيقُ إِلَى عِبادَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمُقْتَضَياتِ صِفاتِهِ، وَآثارِها، وَمِنْها صِفَةُ الرِّضا في قَوْلِهِ تَعالَى: ﴿صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾.

عِبادَ اللهِ: نَسْتَفِيدُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَهَمِّيَّةَ هَذَا الدُّعاءِ؛ فَإِنَّهُ تَكَرَّرَ مَرَّتَيْنِ فِي كِتابِ اللَّهِ تَعالَى، وَكَذَلِكَ أَهَمِّيَّةَ أَنْ يَسْأَلَ المؤْمِنُ رَبَّهُ التَّوْفِيقَ إِلَى الشُّكْرِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالَى: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾، وَأَنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلَى الْخَلْقِ لا تُحْصَى، كَمَا أَفَادَ قَوْلُهُ: ﴿نِعْمَتَكَ﴾ عُمُومَ النِّعَمِ؛ لِأَنَّهُ مُفْرَدٌ مُضافٌ، وَأَنَّ أَعْظَمَ هَذِهِ النِّعَمِ نِعْمَةُ الْإِسْلامِ، وَيَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَسْتَشْعِرَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الْعَظِيمَةَ، وَيَحْمِدَ رَبَّهُ سِرًّا وَعَلانِيَةً، وَتُرَسِّخُ الْآيَةُ حَقَّ الْوَالِدَيْنِ؛ فَهُمَا أَحَقُّ مَنْ يُشْكَرُ بَعْدَ اللَّهِ تَعالَى؛ لِقَوْلِهِ تَعالَى: ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾، وَمِمَّا يُسْتَفادُ: عَلَيْنا أَنْ نَسْأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ التَّوْفِيقَ لِمَا يُرْضِيهِ مِنَ الْأَعْمالِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالَى: ﴿تَرْضَاهُ﴾، فَقَبُولُ الْأَعْمالِ مَشْرُوطٌ بِصَلاحِها، أَي: الِاتِّباعِ، وَالْإِخْلاصِ لِوَجْهِهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾، وَنَسْتَفِيدُ: إِثْباتَ صِفَةِ (الرِّضَا) للهِ تَعالَى، وَهِيَ صِفَةٌ فِعْلِيَّةٌ، وَمِنْ فَوائِدِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَبْذُلَ ما فِي وُسْعِهِ لِلتَّقَرُّبِ إِلَى رَبِّهِ بِالْأَعْمالِ، وَالْأَقْوالِ، وَالْأَخْلاقِ الَّتِي تُرْضِيهِ سُبْحانَهُ؛ لِأَنَّ الرِّضَا صِفَةٌ فِعْلِيَّةٌ، وَالصِّفاتُ الْفِعْلِيَّةُ تَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ؛ فَمَتَى وُجِدَ سَبَبُ الرِّضَا وُجِدَ الرِّضَا، وَمِنْ فَوائِدِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: صَلاحُ الذُّرِيَّةِ مِنْ أَوْلَوِيَّاتِ المؤْمِنِ؛ وَمِنْ دُعاءِ إِبْراهِيمَ عليه السلام: ﴿‌وَٱجۡنُبۡنِي ‌وَبَنِيَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ﴾ [إبراهيم:35]؛ لِأَنَّ صَلاحَ الذُّرِّيَّةِ يَعُودُ بِالنَّفْعِ عَلَى الذُّرِّيَّةِ وَالْوالِدَيْنِ وَالمؤْمِنِينَ جَمِيعًا، وَيُسْتَفادُ كَذَلِكَ: مِنْ أَعْظَمِ ما يُتَوَسَّلُ بِهِ الْعَبْدُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ، وَكُلَّمَا كَثَّرَهُ الْعَبْدُ كَانَ أَرْجَى لِلْإِجابَةِ، قالَ تَعَالَى: ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ﴾، ﴿وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِين﴾، وَأَنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبابِ قَبُولِ الدٌّعاءِ التَّوْبَةَ مِنَ الذُّنُوبِ: ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ﴾، وَنَسْتَفِيدُ مِنَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ إِشْهادَ الْإِنْسانِ لِنَفْسِهِ بِالْإِيمانِ، أَوْ بِالْإِسْلامِ، أَوِ التَّصْدِيقِ لَا يُعَدُّ مِنَ الرِّياءِ، وَلَا سِيَّما فِي الِاتِّباعِ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى الْإِقْرارِ للهِ تَعالَى، وَالْخُضُوعِ وَالتَّذَلُّلِ لَهُ، وَهَذا مِنْ أَعْظَمِ أَنْواعِ التَّوَسُّلِ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ؛ لِأَنَّ الْإِسْلامَ هُوَ الِاسْتِسْلامُ فِي ظاهِرِ الْعَبْدِ وَباطِنِهِ للهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.

رَبَّنا كَمْ مِنْ نِعْمَةٍ أَنْعَمْتَهَا عَلَينا قَلَّ لَكَ عِنْدَهَا شُكْرُنا، وَكَمْ مِنْ بَلِيَّةٍ ابْتَلَيْتَنا بِهَا قَلَّ لَكَ عِنْدَهَا صَبْرُنا، فَيَا مَنْ قَلَّ شُكْرُنا عِنْدَ نِعْمَتِهِ فَلَمْ يَحْرِمْنا، وَيَا مَنْ قَلَّ صَبْرُنا عِنْدَ بَلَائِهِ فَلَمْ يَخْذُلْنا، وَيَا مَنْ رَآنا عَلَى الذُّنُوبِ الْعِظَامِ فَلَمْ يَفْضَحْنا، وَلَمْ يَهْتِكْ سِتْرَنا، وَيَا ذَا الْمَنِّ وَلَا يُمَنُّ عَلَيْهِ، وَيَا ذَا النِّعْمَةِ الَّتِي لَا تَحَولُ وَلَا تَزُولُ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَجْمَعِينَ.

قَدْ قُلتُ مَا سَمِعْتُمْ.. وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيْمُ.

 

الخُطْبَةُ الثَّانِيةُ

الْحَمْدُ للهِ عَلىَ رِزْقِهِ وَفَضْلِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ.

أَمَّا بَعْدُ فَاتَّقُوا اللهَ عَبَادَ اللهِ، وَأَطِيْعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يُجَدِّدَ تَوْبَتَهُ، وَإِنابَتَهُ إِلَى اللَّهِ خاصَّةً إِذَا بَلَغَ سِنَّ النُّضْجِ، وَكَمُلَ مِنْ عُمُرِهِ أَرْبَعُونَ عامًا، فَالتَّوبَةُ تَجُبُّ ما قَبْلَها، قالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها تابَ اللهُ عَلَيْهِ» [أخرجه مسلم]

وَاعْلَمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ حِينَ يَدْعُو رَبَّهُ أَنْ يَخُصَّ وَالِدَيْهِ بِدَعْوَةٍ، وَذاكَ مِنْ بِرِّهِما، وَقَدْ عَلَّمَنا رَبُّنا الدُّعاءَ لَهُمَا فِي كِتابِهِ الْكَرِيمِ؛ فَقالَ تَعالَى: ﴿وَقُل ‌رَّبِّ ‌ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾[الإسراء: 24]، وَقالَ عَلَى لِسانِ نَبِيِّهِ نُوْحٍ عليه السلام: ﴿رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لِي ‌وَلِوَٰلِدَيَّ﴾ [نوح: 28] وَعَلَى المؤْمِنِ كَذَلِكَ أَنْ يَخُصَّ ذُرِيَّتَهُ بِدَعْوَةٍ؛ فَإِنَّ هَذَا النَّفْعَ يَعُودُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ جَمِيعًا بِالصَّلاحِ في الدُّنْيا، وَالْأُنْسِ وَالِاجْتِماعِ بِهِمْ في جَنَّاتِ النَّعِيمِ، قالَ تَعالَى: ﴿رَبِّ ٱجۡعَلۡنِي مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ‌ذُرِّيَّتِيۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ دُعَآءِ ۝ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ يَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡحِسَابُ﴾ [إبراهيم: 40، 41]، قالَ صلى الله عليه وسلم: «ثَلاثُ دَعَواتٍ لا تُرَدُّ: دَعْوَةُ الْوالِدِ لِوَلَدِهِ، وَدَعْوَةُ الصَّائِمِ، وَدَعْوَةُ الْمُسافِرِ» [صححه الألباني].

 

هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.