26 شوال, 1447
📌أسرة آل الشيخ الكريمة ريادة علمية وتاريخ ديني واوطني ممتد
تعد أسرة آل الشيخ من أبرز الأسر النجدية العريقة، وهي الأسرة التي تنتسب إلى الشيخ الإمام المجدد المصلح محمد بن عبد الوهاب-رحمه الله تعالى-، وقد سميت بهذا الاسم نسبة إلى جدها محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن مشرف بن عمر بن معضاد بن ريس بن زاخر بن محمد بن علوي بن وهيب بن قاسم بن موسى بن مسعود بن عقبه بن سنيع بن نهشل بن شداد بن زهير بن شهاب بن ربيعه بن أبي سود بن مالك بن حنظله بن مالك بن زيد مناة بن تميم التميمي. وهو من المشارفة آل مشرف من المعاضيد من فخذ آل زاخر من قبيلة الوهبة من بني حنظلة من قبيلة بني تميم؛ فيقال له (المشرفي) نسبة إلى جده مشرف وأسرته آل مشرف، ويقال: (الوهيبي) نسبة إلى جده وهيب. أما والدته؛ فهي ابنة محمد بن عزاز المشرفي الوهيبي التميمي.
وقد انطلق الإمام بدعوته من الدرعية في قصة يطول ذكرها، والحقيقة أن أسرة آل الشيخ كانت لها زعامة دينية ووجاهة سياسية، وإذا قلنا وجاهة سياسية فإننا نعني بذلك ارتباطها الوثيق بالكثير من الأحداث السياسية، سواء كان ذلك في نجد أو في غير نجد، في حين أن هناك الكثير من الأسر العلمية الأخرى كانت لها شهرة علمية سواء في التدريس أو في التأليف. وسأحرص قدر المستطاع فيما يتعلق بأسرة آل الشيخ أن أسلط الضوء فقط على الجانب العلمي، إلا في بعض الإشارات السياسية الضرورية أو المتعلقة بتاريخها في تأسيس الدولة السعودية الأولى أو الثانية أو الثالثة.
والمشكلة الثانية المتعلقة بأسرة آل الشيخ أن هذه الأسرة، منذ عهد جدها الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- إلى يومنا هذا، قد برزت منها العديد من الأسماء ممن عُرفوا بالعلم، ولو أنني اقتصرت على ذكر هؤلاء الأعلام من العلماء البارزين لاحتاج الأمر إلى عدة مقالات ؛ فكيف وأنا مضطر هنا إلى أن أنقض شرطي وهو أنني ملزم بذكر بعض الأسماء من غير المعروفين بالعلم؟ وهذا يصعب مع أسرة آل الشيخ لأن العلماء فيها فقط يحتاج الأمر لذكرهم إلى عدة مقالات، لذلك سأقتصر في كلامي عن أسرة آل الشيخ على ذكر بعض أشهر العلماء البارزين منهم، ولن أطيل في تراجمهم لأن الإطالة في التراجم تحتاج إلى جلسات أيضاً، وإنما سأكتفي بذكر بعض القصص والمواقف لأولئك العلماء البارزين، على أن اقوم بنشرها في مقالات مستقلة مخصصة..
إن جد هذه الأسرة هو الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- وهو سليل أسرة علمية، فأبوه وجده كانا من أهل العلم في العيينة، والعيينة بلدة تقع في وسط المملكة العربية السعودية . والشيخ محمد بن عبد الوهاب له سيرة حافلة وقد ترجم له العديد من العلماء والمؤرخين، وقد أحدث ضجة كبيرة في تغيير كثير من المفاهيم المغلوطة عند الناس فيما يتعلق ببعض المظاهر الشركية والبدعية التي كانت منتشرة في نجد والجزيرة العربية أو في عموم العالم الإسلامي، وما زالت دعوته المباركة قائمة إلى يومنا هذا ولله الحمد. وسواء اتفقت معه أو اختلفت، فالناس مجمعون على أنه كان صادق النية، حريصاً على تصحيح مفاهيم الناس. وهناك الكثير من المفاهيم المغلوطة عن دعوته، فالكثير ينظر إلى أحاديث أو مواقف مجتزأة ولا ينظر إلى مجموع ما يتعلق بسيرته.
وحتى في أيام حملة إبراهيم باشا على الدرعية وإسقاط الدولة السعودية الأولى، وقتل كثير من العلماء ونفي آخرين إلى مصر وإلى الآستانة، وممن خرج من العلماء وشرد في العديد من النواحي؛ فقد جاء في بعض التواريخ المصرية أن إبراهيم باشا قائد الحملة عندما رجع إلى مصر واستقبله بعض علماء مصر قال لهم: “لستم العلماء، العلماء هم الذين تعرفنا عليهم في صحاري نجد”، وذلك لما رأى من علمهم وإيمانهم وصدق إخلاصهم وشدة دفاعهم عن دعوتهم. وقد أنصفهم شيخ المؤرخين المصري عبدالرحمن الجبرتي -رحمه الله- وتكلم عن دعوتهم المباركة، ولذلك من الصعب هنا أن أحصر ما يتعلق بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب مع المخالفين له. وكلنا مجمع على أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله كانت هناك بعض المخالفات الموجودة عند أتباع دعوته، لكن هذا لا ينفي عنا أن الدعوة بإجمالها دعوة مباركة. والحقيقة أن هناك الكثير من المسائل المشكلة الموجودة عند علماء الدعوة، كالموجود في تاريخ ابن بشر وتاريخ ابن غنام وكتاب “الدرر السنية في الأجوبة النجدية” وغيرها من المصادر النجدية التي هي محل خلاف وإشكال؛ وأنا لا أقول إنها تحتاج إلى مراجعات بل تحتاج إلى إيضاح كثير من الأمور، مع الجزم بأن هناك أموراً موجودة عند بعض التابعين للدعوة تُعد مخالفة للحق والصواب، ولا ينفي عنها هذا أنها دعوة مباركة كما ذكرنا، فالحق والصواب موجود في كل عصر، وكل رادّ ومردود عليه إلا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
والشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- مع اجتهاده في العلم والدعوة إلا أنه كان رجلاً متديناً صالح التدين، معروفاً بصلاته وقيامه وكثرة ذكره لله عز وجل، حتى إنه كان يلهج بالذكر ويرفع به صوته، وكان بعض الناس يعرف قدوم الشيخ من رفعه للصوت بالذكر. وكان رحمه الله دائماً يدعو بهذا الدعاء: “ربي أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحاً ترضاه وأصلح لي في ذريتي”، فأصلح الله له ذريته فخرج منهم الكثير من العلماء والدعاة، رحم الله الميت وحفظ الحي.
ومن أبرز علماء أسرة آل الشيخ، الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- والمقتول على يد جيش إبراهيم باشا، حيث وُضع في فتحة المدفع في مقدمته ورُمي حتى تطايرت أشلاؤه رحمه الله تعالى. وكان محباً للعلم محدثاً جليل القدر، صنف كتابه “تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد” فأودع فيه الكثير من العلوم التي تدل على غزارة علمه وقوة فهمه، وكان يقول: “معرفتي برجال الحديث أكثر من معرفتي برجال الدرعية”. وكان من شدة انهماكه بالعلم لا يميز بين فاكهة البطيخ وفاكهة الدباية (القرع). وقد قُتل الشيخ سليمان في حياة والده الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، وكان والده هو الزعيم الديني للدولة السعودية الأولى، خلافاً لما ذكره البعض من أن الزعامة الدينية بعد الشيخ محمد بن عبد الوهاب كانت لابنه حسين، والصحيح كما ذكر الشيخ محمد بن إبراهيم أنها كانت للشيخ عبد الله بن محمد الذي نُقل إلى الآستانة في إسطنبول وأُعدم هناك رحمه الله. ولذلك لما قتل إبراهيم باشا ابنه الشيخ سليمان قال له: “قتلنا ابنك يا عجوز”، فقال له الشيخ عبد الله: “لو لم تقتله لمات” في إشارة لقوة إيمانه بالقضاء والقدر رحمه الله تعالى.
ومن أبرز علماء الأسرة أيضاً الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، والشيخ عبد اللطيف بعد حادثة الدرعية وسقوط الدولةالسعودية الاولى نُفي إلى مصر وتلقى علومه في الأزهر وجاور علماءه، فلما رجع إلى نجد بعد ذلك كان قد بلغ مبلغاً عظيماً في العلم وجمع بين علوم أهل نجد وعلوم أهل القاهرة. ولولا الخلاف الذي جرى في نجد أيام الدولة السعودية الثانية لكان له شأن أكبر في العلم والقدر، لأنه دخل في الخلاف وحاول أن يصلح رحمه الله. ووالد الشيخ عبد اللطيف هو الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب يُعد من كبار علماء نجد وهو صاحب الكتاب القيم “فتح المجيد شرح كتاب التوحيد”، وله العديد من الجهود العلمية والدعوية رحمه الله تعالى
ومن كبار علماء الأسرة أيضاً الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، الذي أدرك الفتنة في نجد فانتقل إلى جنوب الرياض ثم إلى الإحساء وسكن حائل فترة من الزمن عند ابن رشيد، وقد أكرمه الأمير ابن رشيد رحمه الله. وكان لجلالة قدره يأوي إليه الكثير من العلماء وطلاب العلم فينحر جزوراً كل يوم، وقد عدّد من جلس في مجلسه كيف كان يكرمهم وكان الشاي والقهوة يداران طوال الوقت، وحتى عند رحيله من حائل إلى الرياض ظل يكرم الناس طوال الطريق عُرف بالعلم ونشره رحمه الله
ومن علماء اسرة ال الشيخ أيضاً العالم النجدي الشيخ العلامة المفتي محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى الذي له العديد من التقريرات العلمية التي تدل على قوة علمه وفهمه رحمه الله . ويذكر الشيخ محمد بن إبراهيم (مفتي نجد في زمانه) عن والده الشيخ عبد اللطيف أنه كان جالساً مرة بعد العصر يتعشى، فطرق الباب رسول الملك عبد العزيز يخبره أن الملك يوليه القضاء، ويحدث الشيخ محمد بن إبراهيم أن والده بات تلك الليلة مهموماً ولم يتعشَّ تلك الليلة من هم القضاء ومسؤولياته . أما ابنه علاّمة نجد ومفتيها الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله فحدث عن البحر ولا حرج، له العديد من الأخبار التي تدل على علمه وقوته وكان رجل دولةحقاً
وسنذكر خبره في المقال القادم إن شاءلله في الغد
#التـاريخ_السعودي
#SaudiArabia
#السـعودية
#العـوجـا