12 ذي القعدة, 1447

الْقِيمَةُ الْعُلْيَا 13/ 7/ 1447هـ

﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾

إنَّ الحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَتُوبُ إِلَيْهِ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرورِ أَنْفُسِنا وَسَيِّئاتِ أَعْمالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعينَ. أمَّا بَعدُ فاتَّقُوا اللهَ تَعالَى، فَإِنَّ في تَقْوَى اللهِ خَلَفًا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَلَيْسَ مِنْ تَقْوَى اللهِ خَلَفٌ.

عِبادَ اللهِ: كُلٌّ مِنّا قَدْ وَضَعَ لِنَفْسِهِ قِيمَةً عُلْيَا، تَحْكُمُ اخْتِياراتِهِ، وَتُوَجِّهُ قَراراتِهِ، وَيُسَخِّرُ مِنْ أَجْلِها وَقْتَهُ وَجُهْدَهُ وَمالَهُ، هَذِهِ الْقِيمَةُ هِيَ مِحْوَرُ أَعْمالِهِ وَسَعْيِهِ الْيَوْمِيِّ، فَسُبْحانَ اللهِ في تَنَوُّعِ انْشِاغالاتِ الْعِبادِ، فَمِنْهُمْ مَنْ تَكُونُ قِيمَتُهُ الْعُلْيَا المالَ أَوِ المنْصِبَ أَوِ الجاهَ، أَوِ الشُّهْرَةَ، أَوِ الشَّهاداتِ الْعِلْمِيَّةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَهْوِيهِ اللَّهْوُ وَاللَّعِبُ، وَكُلُّ هَؤُلاءِ تَتَقَلَّبُ أَحْوالُهُمْ بَيْنَ سَعادَةٍ مُؤَقَّتَةٍ حِينًا، وَحِينًا تَضِيقُ عَلَيْهِمُ الدُّنْيا بِما رَحُبَتْ، وَهُناكَ مِنْ عِبادِ اللهِ مَنْ تَكونُ قِيمَتُهُ الْعُلْيَا الآخِرَةَ، فَهُوَ يَسْعَى جاهِدًا لِيُرْضِي رَبَّهُ، يَلُومُ نَفْسَهُ إِنْ مَرَّ وَقْتٌ بِلَا طاعَةٍ، يَتَّهِمُ نَفْسَهُ بِالتَّقْصِيرِ في حَقِّ اللهِ عز وجل، يُسابِقُ الْأَجَلَ لِلْفَوْزِ بِالنَّعِيمِ الدَّائِمِ.

عِبادَ اللهِ: قالَ تَعالَى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162]، وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «‌نِعْمَتَانِ ‌مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ» [أخرجه البخاري]، وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «أَعْمارُ أُمَّتِي بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ، وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ» [رواه ابن ماجه، والترمذي، وصححه الألباني]، فَمَنْ أَدْرَكَ قِيمَةَ الْوَقْتِ أَعادَ النَّظَرَ في قِيَمِهِ الْعُلْيَا وَاهْتِماماتِهِ، قالَ الشَّاعِرُ:

دَقَّاتُ قَلْبِ المرْءِ قائِلَةٌ لَهُ *** إِنَّ الْحَيَــــاةَ دَقَـــائِقٌ وَثَــــوَانِ

فَالْحَياةُ قَصِيرَةٌ مُتَسارِعَةٌ، وَالموتُ يَأْتِي بَغْتَةً، وَالْوَقْتُ أَنْفاسٌ لا تَعُودُ، وَهُوَ أَنْفَسُ مِنَ الذَّهَبِ، بَلْ إِنَّ الْوَقْتَ هُوَ الْحَياةُ، وَمَعَ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ تَضِيعُ أَوْقاتُهُمْ سُدًى، يَقُولُ الشَّاعِرُ:

الْوَقْتُ أَنْفَسُ ما عَنِيْتَ بِحِفْظِهِ *** وَأَرَاهُ أَسْهَلَ ما عَلَيْكَ يَضِيْعُ

فَإِذَا كانَ الْيَومُ فِيهِ سِتَّةٌ وَثَمانونَ أَلْفًا وَأَرْبَعُمائَةِ ثانِيَةٍ، فَكُلُّ لَحْظَةٍ مِنْ هَذِهِ اللَّحَظاتِ ثَمِينَةٌ؛ فَقَدْ تَتَوَلَّدُ فِيها فِكْرَةٌ فِي الدِّينِ أَوِ الدُّنْيا، قَدْ تُمْلَأُ بِتَسْبِيحَةٍ أَوْ تَحْمِيدَةٍ أَوْ تَكْبِيرَةٍ أَوْ تَهْلِيلَةٍ، قَدْ تُمْلَأُ بِصَدَقَةٍ، أَوْ إِفادَةِ عِلْمٍ، قَدْ تُعِينُ فِيها عَبْدًا مِنْ عِبادِ اللهِ، قَدْ يُتَّخَذُ فِيها قَرارٌ يَنْفَعِ اللهُ بِهِ الْبِلادَ وَالْعِبادَ، قَدْ تَكُونُ سَبَبًا لِرِضَا الرَّحْمَنِ سُبْحانَهُ.

عِبادَ اللهِ: إِنَّ الْأَمْرَ جِدُّ خَطِيرٍ، فَإِنَّ نَجاحَ المرْءِ وَفَلاحِهِ فِي أَعْمالِهِ وَسَعْيِهِ وَأَخْذِهِ وَعَطَائِهِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى مَقْصِدِهِ وَنِيَّتِهِ وَقِيمَتِهِ الْعُلْيَا الَّتِي يَسْعَى لِتَحْقِيقِها؛ قالَ صلى الله عليه وسلم: «‌إِنَّمَا ‌الأَعْمَالُ ‌بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، ‌فَمَنْ ‌كَانَتْ ‌هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»[متفق عليه]؛ فَلْيَقِفْ كُلٌّ مِنَّا وَقْفَةً صادِقَةً؛ لِيَسْأَلَ نَفْسَهُ: ما الْقِيمَةُ الْعُلْيَا في حَياتِي؟ مَهْمَا بَلَغَ عُمُرُكَ راجِعْ نَفْسَكَ، وَانْظُرْ ما أَكْثَرُ شَيْءٍ يَسْتَنْفِدُ عُمُرَكَ، وَلَهُ الْحَظُّ الْأَوْفَرُ مِنْ وَقْتِكَ؟ أَهُوَ مِنْ أُمُورِ الآخِرَةِ، كَتِلاوَةِ كِتابِ اللهِ وَقِيامِ اللَّيْلِ؟ أَمْ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيا، كَطَلَبِ الثَّراءِ وَالْغِنَى؟ أَمْ يَجْمَعُهُما كَالسَّعْيِ عَلَى أَبَوَيْنِ كَبِيرَيْنِ، أَوْ عَلَى أُسْرَةٍ تَعُولُها، أَمْ لا هَذا وَلا ذاكَ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: “إنِّي لَأَكْرَهُ أَنْ أَرَى أَحَدَكُمْ سَبَهْلَلًا، لَا فِي عَمَلِ دُنْيا، وَلَا فِي عَمَلِ آخِرَةٍ”. وَأُعِيذُكَ بِاللهِ أَنْ يَخْدَعَكَ بَرِيقُ الْقِيَمِ الْعُلْيَا الدُّنْيَوِيَّةِ كَالثَّراءِ، أَوِ الْجَاهِ، أَوِ الشُّهْرَةِ، فَسَلْ نَفْسَكَ: ما ثَمَرَةُ هَذِهِ الْقِيمَةِ الَّتِي أَسْعَى جَاهِدًا لَهَا؟ وَما مآلُها؟ فَالْكُلُّ يَظُنُّ أَنَّ قِيمَتَهُ الْعُلْيا تُحَقِّقُ لَهُ السَّعادَةَ، لَكِنَّ السَّعادَةَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ دائِمَةً أَبَدِيَّةً، أَوْ دُنْيَوِيَّةً مُؤَقَّتَةً.

وَالْحِمْدُ للهِ عَلَى نِعْمَةِ الْإِسْلامِ؛ فَدِينُنا الْحَنِيفُ كَشَفَ لَنا الْقِيَمَ كُلَّهَا، الْباقِيَ مِنْها وَالْفانِيَ، الْعَزِيزَ الثَّمِينَ، وَالزَّهِيدَ الْبَخْسَ، الَّذِي عُقْباهُ الْفَوْزُ وَالْفَلاحُ، وَالَّذِي عاقِبَتُهُ الْحَسْرَةُ وَالنَّدامَةُ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ، فَرَّقَ اللَّهُ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ، وَمَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ نِيَّتَهُ، جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ» [أخرجه ابن ماجه، والإمام أحمد بسند صحيح]، أَفْلَحَ عَبْدٌ جَعَلَ قِيمَتَهُ الْعُلْيَا رِضَا اللهِ عز وجل؛ فَالدُّنْيا لا تُساوِي عِنْدَ اللهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ، وَهِيَ كَمَا قالَ الْقائِلُ: ‌إِذَا ‌كَسَتْ ‌أَوْكَسَتْ، وَإِذَا حَلَتْ أَوْحَلَتْ، وَإِذَا أَيْنَعَتْ نَعَتْ، إِذَا أَدْبَرَتْ عَنِ المرْءِ سَلَبَتْهُ مَحاسِنَ نَفْسِهِ، وَإِذَا أَقْبَلَتْ عَلَيْهِ خَلَعَتْ عَلَيْهِ مَحاسِنَ غَيْرِهِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «‌لَمَوْضِعُ ‌سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» [أخرجه الإمام أحمد في مسنده والدارمي بسند صحيح]، وَانْظُرْ يا عَبْدَ اللهِ إِلَى الْقِيَمِ الْعُلْيَا لِمَنْ سَبَقُونا، كَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهُمْ؟ تَرَى قَوْمَ عادٍ زادَهَمُ اللهُ بَسْطَةً وَقُوَّةً فِي أَجْسامِهِمْ، فَجَعَلُوا قِيَمَهُمُ الْعُلْيا السَّيْطَرَةَ وَالطُّغْيانَ، وَقالُوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً؟ فَأَهْلَكَهُمُ اللهُ بِالرِّيحِ؛ ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت:15]، وَثَمودَ الَّذِينَ كانُوا يَنْحِتُونَ الْجِبالَ، وَيَبْنُونَ مِنْها الْبُيُوتَ وَالْقُصُورَ، كانَتْ قِيَمُهُمْ الْعُلْيَا التَّحَدِّيَ وَالْإِفْسادَ فَأَهْلَكَهُمُ اللهُ بِالصَّاعِقَةِ؛ ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [فصلت:17]، وَمَدْيَنَ قَوْمَ شُعَيْبٍ عليه السلام كانَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ هَمُّهُ الثَّراءُ، بِالْغِشِّ فِي المكايِيلِ وَالموازينِ، وَقَلِيلٌ مِنْهُمُ اخْتارَ تَقْوَى اللهِ عز وجل فَمَا كانَتْ عاقِبَةُ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ؟ قال تَعالَى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود:94]، وَفِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ قَصَصُ السَّابِقِينَ لِنَتَّعِظَ وَنَعْتَبِرَ، وَمِنْ ذَلِكَ فِرْعَونُ، الَّذِي جَعَلَ قِيمَتَهُ الْعُلْيا أَنْ يَكُونَ رَبًّا، ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:24]، فَأَغْرَقَهُ اللهُ، وَقارُونُ الَّذِي جَعَلَ قِيمَتَهُ الْعُلْيَا جَمْعَ المالِ، فَخَسَفَ اللهُ بِهِ وَبِدَارِهِ وَأَمْوالِهِ الْأَرْضَ، وَهامانُ وَالنَّمْرُودُ، وَغَيْرُهُمْ، وَيُحَذِّرُنا نَبِيُّنا صلى الله عليه وسلم أَنْ نَفْعَلَ مِثْلَهُمْ، فَهَذَا رَجُلٌ أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ، فَجَعَلَ الْكِبْرَ عَلَى خَلْقِ اللهِ قِيمَتَهُ الْعُلْيَا، فَمَاذَا كانَتْ عاقِبَتُهُ؟ قالَ صلى الله عليه وسلم: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي قَدْ أَعْجَبَتْهُ جُمَّتُهُ وَبُرْدَاهُ، إِذْ خُسِفَ بِهِ الْأَرْضُ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِي الْأَرْضِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» [متفق عليه]،

وَمَا مِنْ قِيمَةٍ عُلْيَا مُبارَكَةٍ إِلَّا وَدَلَّنَا عَلَيْها نَبِيُّنا صلى الله عليه وسلم ، في الدِّينِ وَالدُّنْيا، وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: المحافَظَةُ عَلَى الصَّلَاةِ وَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرامِ؛ قالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَدْرَكَ التَّكْبِيرَةَ الْأُوْلَى مَعَ إِمامِهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، كُتِبَتْ لَهُ بَراءَتانِ: مِنَ النَّارِ وَمِنَ النِّفاقِ» [الترمذي (241)، فَذَلِكَ لا يَتَحَقّقُ إِلَّا بِإِخْلاصٍ وَمُجاهَدَةٍ، وَهُوَ طَرِيقٌ لِتَثْبِيتِ السُّلُوكِ، وَصَقْلٍ لِلْعادَةِ الصَّالِحَةِ، فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ قَدْرَكَ عِنْدَ اللهِ فَانْظُرْ إِلَى قَدْرِ الصَّلاةِ عِنْدَكَ، وَمِنْ ذَلِكَ: الْجُلُوسُ بِعْدَ الْفَجْرِ إِلَى شُرُوقِ الشَّمْسِ: قالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ في جَماعَةٍ، ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسَ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَينِ، كانَ لَهُ أَجْرُ حِجَّةٍ وَعُمْرَةٍ تَامَّةٍ…» [الترمذي: 586]، وَمِنْ ذَلِكَ صِيامُ يَوْمَيِ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، أَوِ الْأَيَّامِ الْبِيضِ، أَوْ العَشْرِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَمِنْ ذَلِكَ التِّجارَةُ بِنِيَّةِ الْعِبادَةِ: قالَ تَعالَى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: 37]، فَالتِّجارَةُ عِبادَةٌ إِنْ قُصِدَ بِها وَجْهُ اللهِ، كَمَا كانَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُثْمانُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رضي الله عنهم كانوا عُبَّادًا يُتَاجِرُونَ، وَبَعْضُ الْعِبادِ يُلْهِيهِمُ الْعَمَلُ أَوِ اللَّهْوُ عَنِ الصَّلاةِ، فِي حِينٍ أَنَّ المؤْمِنَ يَقُومُ لِنِداءِ اللهِ دُونَ تَرَدُّدٍ، قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: «كانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، فَإِذَا سَمِعَ النِّداءُ خَرَجَ كَأَنَّهُ لا يَعْرِفُنَا» البخاري (5363)، وَمِنَ الْقِيَمِ الْعُلْيَا: الْإِحْسَانُ إِلَى النَّاسِ، وَخِدْمَتُهُمْ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «لَأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخِي فِي حاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا المسْجِدِ شَهْرًا» [الطبراني في الكبير:5757] وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حاجَةٍ حَتَّى يُثْبِتَهَا لَهُ، أَثْبَتَ اللهُ قَدَمَهُ يَوْمَ تَزِلُّ الْأَقْدَامُ» [الطبراني في الأوسط :6026]

نَسْأَلُ اللهَ الْقَدِيرَ أَنْ يَجْعَلَ قِيَمَنا الْعُلْيَا فِي رِضَاهُ سُبْحانَهُ.

أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾

الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأُصَلِّيْ وَأُسَلِّمُ عَلَى رَسُولِهُ الدَّاعِيْ إِلَى رِضْوانِهِ، أَمَّا بَعدُ عِبادَ اللهِ: فَاتَّقُوا اللهَ حَقَّ التقوى، قالَ تَعَالَى: ﴿وَٱتَّقُواْ يَوۡما تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡس مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ﴾ [البقرة: 281].

أَيُّهَا الموَحِّدُونَ هَلْ إِنْ راجَعَ المرْءُ أُمُورَهُ، وَوَجَدَ نَفْسَهُ مُخْطِئًا في اخْتِيارِهِ، فَهَلْ يُمْكِنُ تَغْيِيرُ قِيمَتِهِ الْعُلْيَا؟ نَعَمْ؛ فَاللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ، قالَ تَعالَى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا ۝ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 27، 28]، فَيا مَنْ أَرَدْتَ التَّصْحِيحَ عَلَيْكَ بِالِاسْتِعانَةِ بِاللهِ عز وجل أَوَّلًا، وَالدُّعاءِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «أُوْصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: ‌اللَّهُمَّ ‌أَعِنِّي ‌عَلَى ‌ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبادَتِكَ»[أخرجه أبو داود والنسائي، والحاكم]، ثُمَّ اجْعَلْ قِيمَتَكَ الْعُلْيَا حِفْظَ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَوْ طَلَبَ الْعِلْمِ، أَوِ التِّجارَةَ لِتَبْذُلَ الْخَيْرَ لِعِبادِ اللهِ، أَوْ مَشارِيعَ لِصَدَقَاتٍ جَارِيَةٍ، أَوْ ما تَعْتَقِدُ أَنَّهُ يُرْضِي رَبَّكَ سُبْحانَهُ، ثُمَّ كُنْ ذَا عَزِيمَةٍ؛ فَكَمَا قالَ الشَّاعِرُ:

إِذَا كُنْتَ ذَا رَأْيٍ فَكُنْ ذَا عَزِيمَةٍ *** فَإِنَّ فَسَادَ الرَّأْيِ أَنْ تَتَرَدَّدَا

وَالْزَمِ الصَّبْرَ -بارَكَ اللهُ فِيكَ- فَلَوْ أَنَّنا قاوَمْنَا ما نُحِبُّ، وَتَحَمَّلْنَا ما نَكْرَهُ لَحَقَّقْنَا ما نَرْجُوهُ، فَطَرِيقُ الرَّاحَةِ التَّعَبُ، وَتَعَبُ الْبِدَاياتِ يَعْقُبُهُ راحَةُ النِّهاياتِ، أَمَّا راحَةُ الْبِداياتِ فَيَعْقُبُها تَعَبُ النِّهاياتِ، وَعَلَيْكَ -وُفِّقْتَ وَهُدِيتَ- بِتِكْرارِ الْعَمَلِ؛ حَتَّى يَصِيرَ سَهْلًا مِنْ عاداتِكَ الْيَوْمِيَّةِ، ثُمَّ لْتُكُنْ مُصْلِحًا لِمَنْ حَوْلَكَ، لا صالِحًا في نَفْسِكَ فَقَطْ، فَقَدِّمِ المساعَدَةَ لِلْآخَرِينَ، بِمَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ نَصِيحَةٍ، أَوْ عِلْمٍ، أَوْ مُساعَدَةٍ مادِّيَّةٍ، أَوْ غَيْرِهَا.

هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56] اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الخلفاء الراشدين، وعن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ ومن تبعهم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.