28 شوال, 1447

يخطئ من يظن أن إلغاء برامج العلوم الإنسانية قرارٌ أكاديمي عابر، لأن ما يُمسّ هنا ليس مجرد بنية تخصصات، بل بنية وعي، ولا مجرد خطط دراسية، بل فلسفة جامعةٍ كاملة في فهم الإنسان والمعرفة ودورهما في صناعة الحضارة.
فالجامعة، في جوهرها، ليست معملًا لإنتاج المهارات وحدها، بل فضاءٌ لصياغة الإنسان، وتكوين العقل، وبناء الرؤية التي تربط العلم بمعناه، والمعرفة بغاياتها. ومن هنا، فإن العلوم الإنسانية لا تُعد ترفًا يمكن تجاوزه، ولا فائضًا معرفيًا يُستغنى عنه تحت ضغط التحولات، بل هي الحقل الذي تتشكل فيه البصيرة، وتُفهم من خلاله المجتمعات، ويُعاد عبره تأويل التجربة الإنسانية في سياقها الأعمق.
وإذا كانت العلوم التطبيقية تمنح الإنسان أدوات الفعل، فإن العلوم الإنسانية تمنحه وعي الفعل، وتُبصره بعواقبه، وتربطه بسؤال الغاية، حتى لا يتحول التقدم إلى حركةٍ بلا اتجاه، ولا الإنجاز إلى قيمةٍ منفصلة عن معناها.

ويظل التاريخ في قلب هذا البناء، بوصفه الفقه الحضاري للأمم، والمختبر الأصدق لصواب الفعل البشري. ففيه تُقرأ تجارب الشعوب، وتُمحّص القرارات، وتُفهم التحولات، وتنكشف سنن النهوض والانكسار. وليس التاريخ سجلًا للماضي بقدر ما هو ميزانٌ للحاضر، وبوصلةٌ للمستقبل، وذاكرةٌ حية تحفظ للأمم قدرتها على الفهم والتصحيح.

ولا خلاف على أن تطوير التخصصات ضرورة، لكن الإلغاء ليس دائمًا مرادفًا للتطوير، لأن الفرق بين البناء والإقصاء هو الفرق بين من يُجدّد المعنى ومن يُفرغه. فالجامعة التي تُضعف حضور الأدب والتاريخ والفلسفة، قد تُخرّج كفاءاتٍ ماهرة، لكنها تُخاطر بإنتاج وعيٍ منقوص، أقل فهمًا للإنسان، وأضعف صلةً بالهوية، وأبعد عن إدراك السياق الحضاري.

إن النهضة لا تُقاس بكمّ ما نُنتج، بل بمدى ما نفهم، ولا بقدرتنا على الفعل وحدها، بل بقدرتنا على إدراك صوابه من خطئه. وحين يُقصى المعنى، تبهت الغاية، وحين يُهمَّش التاريخ، يُفقد الدرس، وحين تغيب البصيرة، قد تتقدم الخطى… لكنها لا تعرف إلى أين تمضي.
https://www.makkahnews.sa/5499515.html

🔶من اجمل ما قرأت اليوم.!

الرئيس الأمريكي الراحل “نيكسون ” له مستشار إسمه ••

” روبرت گرين “…

🩸حصل على دكتوراة في القانون العام،

🩸ثم دكتوراة في القانون الدولي،

🩸 ثم أصبح رئيساً لجمعية هارفارد للقانون الدولي،

🩸ومستشار الرئيس الأمريكي نيكسون للشؤون الخارجية،

🩸ونائب مدير مجلس الأمن القومي الامريكي،

🩸ويعتبر أحد كبار الخبراء السياسيين في أمريكا،

🩸ومؤسس مركز الحضارة والتجديد في أمريكا،

🩸يتقن ست لغات حية.

 

في أحد الأيام، أراد الرئيس الأمريكي نيكسون أن يقرأ عن (الإسلام) فطلب من المخابرات الأمريكية أن تعد له بحثًا

في ذلك الموضوع، وبالفعل نفذوا أوامره، ولكن بحثهم كان طويل بعض الشىء فطلب من مستشاره روبرت كرين أن

يقرأ البحث ويختصره له وبالفعل قرأ روبرت البحث، ثم

ذهب يحضر ندوات ومحاضرات إسلامية ليتعرف أكثر

على الموضوع وما هي إلا أيام حتى دوى خبر إسلام

(روبرت كرين) أرجاء الولايات المتحدة الأمريكية بالكامل ..!

 

سمى نفسه فاروق عبد الحق …

ويقول في سبب إسلامه: بصفتي دارس للقانون، فقد وجدت في الإسلام كل القوانين التى درستها …

بل وأثناء دراستي في جامعة هارفارد لمدة 3 سنوات لم أجد في قوانينهم كلمة (العدالة)

ولو مرة واحدة …

هذه الكلمة وجدتها في الإسلام كثيراً …

 

أسلم سنة ١٩٨١ م وسمي نفسه (فاروق) تأسيًا بالفاروق عمر رضي الله عنه وأرضاه الذى كان إمامًا للعدل بعد النبي صلى الله عليه وسلم …

 

– يقول:

كنا في حوار قانوني، وكان معنا أحد أساتذة القانون من اليهود، فبدأ يتكلم ثم بدأ يخوض في الإسلام والمسلمين، فأردت أن أسكته، فسألته: هل تعلم حجم قانون المواريث

في الدستور الأمريكي ..؟

– قال: نعم، أكثر من ثمانية مجلدات.

– فقلت له:

إذا جئتك بقانون للمواريث فيما لا يزيد على عشرة سطور، فهل تصدق أن الإسلام دين صحيح ..؟

– قال:

لا يمكن أن يكون هذا.

فأتيت له بآيات المواريث من القرآن الكريم وقدمتها له، فجاءني بعد عدة أيام يقول لي: لا يمكن لعقل بشري أن يحصي كل علاقات القربى بهذا الشمول الذي لا ينسى أحدًا ثم يوزع عليهم الميراث بهذا العدل الذي لا يظلم أحداً …

ثم أسلم هذا الرجل اليهودي ..!

الدكتور روبرت كرين (فاروق)،

ما زال حياً يرزق ، عمره ٩١ سنة.

اقرؤوها لتعلمو أن الإسلام أعظم قانون بالأرض.

اللهم أعزنا بالاسلام …🙏

                                       📌أسرة آل الشيخ الكريمة ريادة علمية وتاريخ ديني واوطني ممتد

​تعد أسرة آل الشيخ من أبرز الأسر النجدية العريقة، وهي الأسرة التي تنتسب إلى الشيخ الإمام المجدد المصلح محمد بن عبد الوهاب-رحمه الله تعالى-، وقد سميت بهذا الاسم نسبة إلى جدها محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن مشرف بن عمر بن معضاد بن ريس بن زاخر بن محمد بن علوي بن وهيب بن قاسم بن موسى بن مسعود بن عقبه بن سنيع بن نهشل بن شداد بن زهير بن شهاب بن ربيعه بن أبي سود بن مالك بن حنظله بن مالك بن زيد مناة بن تميم التميمي. وهو من المشارفة آل مشرف من المعاضيد من فخذ آل زاخر من قبيلة الوهبة من بني حنظلة من قبيلة بني تميم؛ فيقال له (المشرفي) نسبة إلى جده مشرف وأسرته آل مشرف، ويقال: (الوهيبي) نسبة إلى جده وهيب. أما والدته؛ فهي ابنة محمد بن عزاز المشرفي الوهيبي التميمي.

​وقد انطلق الإمام بدعوته من الدرعية في قصة يطول ذكرها، والحقيقة أن أسرة آل الشيخ كانت لها زعامة دينية ووجاهة سياسية، وإذا قلنا وجاهة سياسية فإننا نعني بذلك ارتباطها الوثيق بالكثير من الأحداث السياسية، سواء كان ذلك في نجد أو في غير نجد، في حين أن هناك الكثير من الأسر العلمية الأخرى كانت لها شهرة علمية سواء في التدريس أو في التأليف. وسأحرص قدر المستطاع فيما يتعلق بأسرة آل الشيخ أن أسلط الضوء فقط على الجانب العلمي، إلا في بعض الإشارات السياسية الضرورية أو المتعلقة بتاريخها في تأسيس الدولة السعودية الأولى أو الثانية أو الثالثة.

​والمشكلة الثانية المتعلقة بأسرة آل الشيخ أن هذه الأسرة، منذ عهد جدها الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- إلى يومنا هذا، قد برزت منها العديد من الأسماء ممن عُرفوا بالعلم، ولو أنني اقتصرت على ذكر هؤلاء الأعلام من العلماء البارزين لاحتاج الأمر إلى عدة مقالات ؛ فكيف وأنا مضطر هنا إلى أن أنقض شرطي وهو أنني ملزم بذكر بعض الأسماء من غير المعروفين بالعلم؟ وهذا يصعب مع أسرة آل الشيخ لأن العلماء فيها فقط يحتاج الأمر لذكرهم إلى عدة مقالات، لذلك سأقتصر في كلامي عن أسرة آل الشيخ على ذكر بعض أشهر العلماء البارزين منهم، ولن أطيل في تراجمهم لأن الإطالة في التراجم تحتاج إلى جلسات أيضاً، وإنما سأكتفي بذكر بعض القصص والمواقف لأولئك العلماء البارزين، على أن اقوم بنشرها في مقالات مستقلة مخصصة..

​إن جد هذه الأسرة هو الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- وهو سليل أسرة علمية، فأبوه وجده كانا من أهل العلم في العيينة، والعيينة بلدة تقع في وسط المملكة العربية السعودية . والشيخ محمد بن عبد الوهاب له سيرة حافلة وقد ترجم له العديد من العلماء والمؤرخين، وقد أحدث ضجة كبيرة في تغيير كثير من المفاهيم المغلوطة عند الناس فيما يتعلق ببعض المظاهر الشركية والبدعية التي كانت منتشرة في نجد والجزيرة العربية أو في عموم العالم الإسلامي، وما زالت دعوته المباركة قائمة إلى يومنا هذا ولله الحمد. وسواء اتفقت معه أو اختلفت، فالناس مجمعون على أنه كان صادق النية، حريصاً على تصحيح مفاهيم الناس. وهناك الكثير من المفاهيم المغلوطة عن دعوته، فالكثير ينظر إلى أحاديث أو مواقف مجتزأة ولا ينظر إلى مجموع ما يتعلق بسيرته.

​وحتى في أيام حملة إبراهيم باشا على الدرعية وإسقاط الدولة السعودية الأولى، وقتل كثير من العلماء ونفي آخرين إلى مصر وإلى الآستانة، وممن خرج من العلماء وشرد في العديد من النواحي؛ فقد جاء في بعض التواريخ المصرية أن إبراهيم باشا قائد الحملة عندما رجع إلى مصر واستقبله بعض علماء مصر قال لهم: “لستم العلماء، العلماء هم الذين تعرفنا عليهم في صحاري نجد”، وذلك لما رأى من علمهم وإيمانهم وصدق إخلاصهم وشدة دفاعهم عن دعوتهم. وقد أنصفهم شيخ المؤرخين المصري عبدالرحمن الجبرتي -رحمه الله- وتكلم عن دعوتهم المباركة، ولذلك من الصعب هنا أن أحصر ما يتعلق بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب مع المخالفين له. وكلنا مجمع على أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله كانت هناك بعض المخالفات الموجودة عند أتباع دعوته، لكن هذا لا ينفي عنا أن الدعوة بإجمالها دعوة مباركة. والحقيقة أن هناك الكثير من المسائل المشكلة الموجودة عند علماء الدعوة، كالموجود في تاريخ ابن بشر وتاريخ ابن غنام وكتاب “الدرر السنية في الأجوبة النجدية” وغيرها من المصادر النجدية التي هي محل خلاف وإشكال؛ وأنا لا أقول إنها تحتاج إلى مراجعات بل تحتاج إلى إيضاح كثير من الأمور، مع الجزم بأن هناك أموراً موجودة عند بعض التابعين للدعوة تُعد مخالفة للحق والصواب، ولا ينفي عنها هذا أنها دعوة مباركة كما ذكرنا، فالحق والصواب موجود في كل عصر، وكل رادّ ومردود عليه إلا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

​والشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- مع اجتهاده في العلم والدعوة إلا أنه كان رجلاً متديناً صالح التدين، معروفاً بصلاته وقيامه وكثرة ذكره لله عز وجل، حتى إنه كان يلهج بالذكر ويرفع به صوته، وكان بعض الناس يعرف قدوم الشيخ من رفعه للصوت بالذكر. وكان رحمه الله دائماً يدعو بهذا الدعاء: “ربي أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحاً ترضاه وأصلح لي في ذريتي”، فأصلح الله له ذريته فخرج منهم الكثير من العلماء والدعاة، رحم الله الميت وحفظ الحي.

​ومن أبرز علماء أسرة آل الشيخ، الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- والمقتول على يد جيش إبراهيم باشا، حيث وُضع في فتحة المدفع في مقدمته ورُمي حتى تطايرت أشلاؤه رحمه الله تعالى. وكان محباً للعلم محدثاً جليل القدر، صنف كتابه “تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد” فأودع فيه الكثير من العلوم التي تدل على غزارة علمه وقوة فهمه، وكان يقول: “معرفتي برجال الحديث أكثر من معرفتي برجال الدرعية”. وكان من شدة انهماكه بالعلم لا يميز بين فاكهة البطيخ وفاكهة الدباية (القرع). وقد قُتل الشيخ سليمان في حياة والده الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، وكان والده هو الزعيم الديني للدولة السعودية الأولى، خلافاً لما ذكره البعض من أن الزعامة الدينية بعد الشيخ محمد بن عبد الوهاب كانت لابنه حسين، والصحيح كما ذكر الشيخ محمد بن إبراهيم أنها كانت للشيخ عبد الله بن محمد الذي نُقل إلى الآستانة في إسطنبول وأُعدم هناك رحمه الله. ولذلك لما قتل إبراهيم باشا ابنه الشيخ سليمان قال له: “قتلنا ابنك يا عجوز”، فقال له الشيخ عبد الله: “لو لم تقتله لمات” في إشارة لقوة إيمانه بالقضاء والقدر رحمه الله تعالى.

​ومن أبرز علماء الأسرة أيضاً الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، والشيخ عبد اللطيف بعد حادثة الدرعية وسقوط الدولةالسعودية الاولى نُفي إلى مصر وتلقى علومه في الأزهر وجاور علماءه، فلما رجع إلى نجد بعد ذلك كان قد بلغ مبلغاً عظيماً في العلم وجمع بين علوم أهل نجد وعلوم أهل القاهرة. ولولا الخلاف الذي جرى في نجد أيام الدولة السعودية الثانية لكان له شأن أكبر في العلم والقدر، لأنه دخل في الخلاف وحاول أن يصلح رحمه الله. ووالد الشيخ عبد اللطيف هو الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب يُعد من كبار علماء نجد وهو صاحب الكتاب القيم “فتح المجيد شرح كتاب التوحيد”، وله العديد من الجهود العلمية والدعوية رحمه الله تعالى

​ومن كبار علماء الأسرة أيضاً الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، الذي أدرك الفتنة في نجد فانتقل إلى جنوب الرياض ثم إلى الإحساء وسكن حائل فترة من الزمن عند ابن رشيد، وقد أكرمه الأمير ابن رشيد رحمه الله. وكان لجلالة قدره يأوي إليه الكثير من العلماء وطلاب العلم فينحر جزوراً كل يوم، وقد عدّد من جلس في مجلسه كيف كان يكرمهم وكان الشاي والقهوة يداران طوال الوقت، وحتى عند رحيله من حائل إلى الرياض ظل يكرم الناس طوال الطريق عُرف بالعلم ونشره رحمه الله

​ومن علماء اسرة ال الشيخ أيضاً العالم النجدي الشيخ العلامة المفتي محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى الذي له العديد من التقريرات العلمية التي تدل على قوة علمه وفهمه رحمه الله . ويذكر الشيخ محمد بن إبراهيم (مفتي نجد في زمانه) عن والده الشيخ عبد اللطيف أنه كان جالساً مرة بعد العصر يتعشى، فطرق الباب رسول الملك عبد العزيز يخبره أن الملك يوليه القضاء، ويحدث الشيخ محمد بن إبراهيم أن والده بات تلك الليلة مهموماً ولم يتعشَّ تلك الليلة من هم القضاء ومسؤولياته . أما ابنه علاّمة نجد ومفتيها الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله فحدث عن البحر ولا حرج، له العديد من الأخبار التي تدل على علمه وقوته وكان رجل دولةحقاً

 

وسنذكر خبره في المقال القادم إن شاءلله في الغد

 

#التـاريخ_السعودي

#SaudiArabia

#السـعودية

#العـوجـا

مَنْ ‌تَرَكَ ‌شَيْئًا ‌لِلهِ، عَوَّضَهُ الله خَيْرًا مِنْهُ 15/10/1447هـ

﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾

الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لا يُعْبَدُ بِحَقٍّ فِي الْوُجُودِ سِواهُ، الْكَرِيمُ الَّذِي مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ، وَمَنْ آمَنَ بِهِ هَدَاهُ، وَمَنْ تَرَكَ شَيئًا مِنْ أَجْلِهِ أَعْطاهُ خَيرًا مِنْهُ، وَأَضْعافَ ما تَمَنَّاهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، هَدانا اللهُ بِهِ مِنَ الضَّلالِ، وَأَنْقَذَنا بِهِ مِنَ الْبَوارِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحابِهِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ، أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ عِبَادَ اللهِ، وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ وَطَاعَتِهِ، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ‌حَقَّ ‌تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]، فَاتَّقُوا اللهَ وأَطِيعُوهُ، وَامْتَثِلُوا أَوَامِرَهُ وَلَا تَعْصُوهُ.

عِبادَ اللهِ: عَنْ أَبِي قَتادَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «إِنَّكَ ‌لَنْ ‌تَدَعَ ‌شَيْئًا ‌لِلَّهِ إِلَّا بَدَّلَكَ اللهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْهُ» [رواه أحمد: 23074، وصححه الألباني]، فَعِبادَةُ تَرْكِ ما يُغْضِبُ اللهَ عز وجل أَوْ تَرْكِ ما يُلْهِي عَنْ عِبادَتِهِ خَوْفَ عِقابِهِ أَوِ ابْتِغاءَ ما عِنْدَه سُبْحانَهُ، عِبادَةٌ عَظِيمَةٌ، وَمَجالاتُها واسِعَةٌ، وَفِي دِينِنا الْحَنِيفِ أَمْثِلَةٌ رائِعَةٌ وَدُروسٌ بالِغَةٌ لِعِبادِ اللهِ المتَّقِينَ، الَّذِينَ تَرَكُوا أَشْياءَ مِنْ أَجْلِهِ سُبْحانَهُ، فَعَوَّضَهُمُ اللهُ تَعالَى بِأَفْضَلَ مِمّا تَرَكُوهُ، وَمِنْ ذَلِكَ مُسامَحَةُ النّاسِ وَالتَّجاوُزُ عَنْهُمْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَكَانَ يَقُولُ لِفَتَاهُ -أَيْ: خادِمِهُ-: إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِرًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، قَالَ: ‌فَلَقِيَ ‌اللَّهَ ‌فَتَجَاوَزَ عَنْهُ» [رواه البخاري3480، ومسلم:1562]، وَمِنَ التَّرْكِ: تَرْكُ اكْتِنازِ المالِ وَإِنْفاقِهِ في سَبِيلِ اللهِ عز وجل: فَهَذا الصِّدِّيقُ يُنْفِقُ كُلَّ مالِهِ في سَبِيلِ اللهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رضي الله عنه قالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا أَنْ نَتَصَدَّقَ، فَوَافَقَ ذَلِكَ مَالًا عِنْدِي، فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا، فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «‌مَا ‌أَبْقَيْتَ ‌لِأَهْلِكَ؟»، قُلْتُ: مِثْلَهُ، قَالَ: وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «‌مَا ‌أَبْقَيْتَ ‌لِأَهْلِكَ؟» قَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. [رواه الترمذي (3675) وأبو داود (1678) وصححه الألباني]، وَهَذا عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رضي الله عنه يُجَهِّزُ جَيْشَ الْعُسْرَةِ، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ رضي الله عنه قالَ: جاءَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ  بِأَلْفِ دِينارٍ فِي جَيْشِ الْعُسْرَةِ، فَنَثَرَها فِي حِجْرِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ صلى الله عليه وسلم: «‌مَا ‌ضَرَّ ‌عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ اليَوْمِ» قالَها مَرَّتَيْنِ. [رواه الترمذي: 3701 وقال: حسن صحيح]، وَهَؤُلاءِ الْأَنْصارُ يَضْرِبونَ أَرْوَعَ الْأَمْثِلَةِ في تاريخِ الْأُمَمِ قاطِبَةً في الْإِنْفاقِ في سَبِيلِ اللهِ، قالَ تَعالَى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:9]، وَمِنَ التَّرْكِ: تَرْكُ أَكْلِ المالِ بِالْغِشِّ وَالرِّبا، قالَ ابْنُ عُثَيمِينَ -رَحِمَهُ اللهُ-: لَوْ أَنَّ رَجُلًا يَكْتَسِبُ المالَ مِنْ طَرِيقٍ مُحَرَّمٍ؛ كَطَرِيقِ الْغِشِّ أَوِ الرِّبا وَما أَشْبَهَهُ، وَنُصِحَ في هَذا، وَتَرَكَهُ للهِ؛ فَإِنَّ اللهَ سَيَجَعَلُ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقُهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ، وَمِنْ أَعْظَمِ أَنْواعِ عِبادَةِ التَّرْكِ تَرْكُ الْحَرامِ مَخافَةً للهِ عز وجل، وَفِي قِصَّةِ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ حُبِسُوا داخِلَ الغارِ، ما نَجَّاهُمْ إِلَّا أَنَّهمْ تَرَكُوا أَشْياءَ مَخافَةً للهِ، وَرَجاءَ ما عِنْدَهُ سُبْحانَهُ، وَكانوا قادِرينَ عَلَى ارْتِكابِها؛: فَالْأَوَّلُ تَرَكَ عُقوقَ الوالِدَينِ، وَالثاني تَرَكَ الفاحِشَةَ، وَالثالِثُ تَرَكَ أَكْلَ المالِ الحَرامِ، فَتَضرَّعُوا إلى اللهِ بِتِلْكَ الْأَعْمالِ فَفَرَّجَ عَنْهُمْ، وَمِنْ عِبادَةِ التَّرْكِ: تَرْكُ الْكَذِبِ، وَالْجِدالِ، وَسَيِّءِ الْأَخْلاقِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَهُوَ بَاطِلٌ، بُنِيَ لَهُ قَصْرٌ فِي ‌رَبَضِ ‌الْجَنَّةِ، وَمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَهُوَ مُحِقٌّ، بُنِيَ لَهُ فِي وَسَطِهَا، وَمَنْ حَسَّنَ خُلُقَةُ، بُنِيَ لَهُ فِي أَعْلَاهَا» [رواه أبو داود: 4800، وابن ماجه: 51]، وَمِنْ عِبادَةِ التَّرْكِ: تَرْكُ سُؤالِ النَّاسِ وَالِاسْتِكْثارِ مِنْ أَمْوالِهِمْ، فَقَدْ مَدَحَ اللهُ سُبحانَهُ في كِتابِهِ الْكَرِيمِ المتَعَفِّفَ عَنْ سُؤالِ النّاسِ، وَدَعا عِبادَهُ المؤْمِنينَ إِلَى التَّصَدُّقِ عَلَيهِ، قالَ تَعالَى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة : 273]، وَمِنْ عِبادَةِ التَّرْكِ: تَرْكُ أَمْراضِ اللِّسانِ، وَأَخْطَرُها الْكَذِبُ وَالْغِيبَةُ وَالنّمِيمَةُ، قالَ صلى الله عليه وسلم لمعاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه: «كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا»، فَقال: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا ‌حَصَائِدُ ‌أَلْسِنَتِهِمْ» [رواه الترمذي: 2616، وقال: حديث حسن صحيح، ورواه ابن ماجه: 3973]، وَمِنْ عِبادَةِ التَّرْكِ: تَرْكُ الْغِيرَةِ المذْمُومَةِ وَالْعَينِ وَالْحَسَدِ، فَالمؤْمِنُ يَعْلَمُ أنَّ الْخَيْرَ كُلَّهُ بِيَدِ اللهِ عز وجل يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ، قالَ تَعالَى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء : 54]، وَقالَ سُبحانَهُ: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف : 32].

عِبادَ اللهِ: إنَّ عِبادَةَ التَّرْكِ تَحْتاجُ إِلَى مُجاهَدَةٍ عَظِيمَةٍ، وَمِمّا يُعِينُ علَى ذَلِكَ: أَنْ نَعْلَمَ عِلْمَ اليَقِينِ أَنَّ الرِّزْقَ بِيَدِ اللهِ وَحْدَهُ، قالَ تَعالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران:26]، وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «لَوْ أَنَّ ابْنَ آدَمَ هَرَبَ مِنْ رِزْقِهِ كَمَا يَهْرُبُ مِنَ الْمَوْتِ ‌لَأَدْرَكَهُ ‌رِزْقُهُ ‌كَمَا يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ» [رواه الطبراني في “الأوسط”، وصححه الألباني في “السلسلة الصحيحة” 952]، وَمِمّا يُعِينُ المسْلِمَ علَى عِبادَةِ التَّرْكِ اللُّجُوءُ إِلَى اللهِ عز وجل بِالدُّعاءِ، فَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] اللَّهُمَّ ‌أْجُرْنِي ‌فِي ‌مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَجَرَهُ اللهُ فِي مُصِيبَتِهِ، وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا»، قَالَتْ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ، قُلْتُ: كَمَا أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَأَخْلَفَ اللهُ لِي خَيْرًا مِنْهُ، رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم. [رواه مسلم: 918]، وَمِمّا يُعِينُ علَى عِبادَةِ التَّرْكِ مَعْرِفَةُ فَضْلِ الصَّبْرِ، قالَ تَعالَى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:10]، وَقالَ تَعالَى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [القصص:60]، وَمِمّا يُعِينُ علَى عِبادَةِ التَّرْكِ: تَقْوَى اللهِ عز وجل قالَ تَعالَى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:2-3]، وَقالَ تَعالَى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق:4].

عِبادَ اللهِ: قالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: “مَنْ تَرَكَ للهِ شَيْئًا عَوَّضَهُ اللهُ خَيْرًا مِنْهُ، وَالْعِوَضُ أَنْواعٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَأَجَلُّ ما يُعَوَّضُ بِهِ: الْأُنْسُ بِاللهِ، وَمَحَبَّةُ اللهِ، وَطُمَأْنِينَةُ الْقَلْبِ” [مدارج السالكين: 2/176]، وَيَكُونُ الْعِوَضُ عاجِلًا في الدُّنْيا أَوْ آجِلًا في الآخِرَةِ، فَنَبِيُّ اللهِ إِبْراهِيمُ عليه السلام تَرَكَ قَوْمَهُ للهِ، قالَ تَعالَى: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم:48]، فَعَوَّضَهُ اللهُ: بِإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالذُّرِّيَّةِ المبارَكَةِ، وَنَبِيُّ اللهِ يُوسُفُ عليه السلام تَرَكَ ما عَلَيْهِ النَّاسُ مِنَ الشِّرْكِ، وَتَرَكَ ما دَعَتْهُ إِلَيْهِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ، قالَ تَعالَى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف:23]، فَكانَ رَدُّهُ: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ [يوسف:23]، ثُمَّ اسْتَغاثَ بِاللهِ ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف:33]، فَعَوَّضَهُ رَبُّهُ بِالنُّبُوَّةِ وَالْمُلْكِ وَالتَّمْكِينِ أَنْ جَعَلَهُ عَزِيزَ مِصْرَ، وَأَصْحابُ الْكَهْفِ، تَرَكُوا أَهْلَهُمْ وَبِلادَهُمْ للهِ ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف:13]، فَعَوَّضَهُمُ اللهُ بِحِفْظِهِمْ وَتَخْلِيدِ ذِكْرِهِمْ وَالْهِدايَةِ، وَالمهاجِرُونَ تَرَكُوا: الْوَطَنَ وَالمالَ وَالْأَهْلَ، فَعُوِّضُوا بِالنَّصْرِ، وَالْجَنَّةِ.

عِبادَ اللهِ: غِيابُ عِبادَةِ التَّرْكِ أَمْرٌ خَطِيرٌ؛ لِذَلِكَ عالَجَهُ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم في حِينِهِ عِنْدَما قَسَّمَ غَنائِمَ غَزْوَةِ حُنَينٍ أَعْطَى لِحَدِيثِي الْإِسْلامِ وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَلَمْ يُعْطِ الْأَنْصارَ شَيئًا، فَحَزِنُوا، فَجَمَعَهُمُ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم ، وَقالَ لَهُمْ: «أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا، تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا، وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلَامِكُمْ؟ أَفَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ ‌بِالشَّاةِ ‌وَالْبَعِيرِ، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللهِ فِي رِحَالِكُمْ؟ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الْأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا، وَسَلَكَتِ الْأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ، اللهُمَّ ‌ارْحَمِ ‌الْأَنْصَارَ، وَأَبْنَاءَ الْأَنْصَارِ، وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ» فَبَكَى الْقَوْمُ، حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ، وَقَالُوا: رَضِينَا بِرَسُولِ اللهِ قَسْمًا وَحَظًّا [متفق عليه].

أَسْأَلُ اللهَ عز وجل أنْ يَرْزُقَنا تَقْواهُ، وَأَنْ يُشْغِلَنا بِما يُرْضِيهِ عَنّا.

 

أقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتجِبْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيْمُ.

﴿الخُطْبَةُ الثانية﴾

الْحَمْدُ لِلهِ وَفَّقَ مَنْ شَاءَ لِمَكارِمِ الْأَخْلاقِ، وَهَدَاهُمْ لِمَا فِيه فَلَاحُهُمْ يَوْمَ التَّلاقِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبارَكَ عَلَيْه وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحابِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ: فاتَّقُوا اللَّهَ عِبادَ اللهِ، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:194] فَتَقْوَى اللهِ هِيَ جِماعُ الْخَيْرِ في الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ.

عِبَادَ اللَّهِ: عِبادَةُ التَّرْكِ مَخافَةَ عَذابِ اللهِ أَوِ ابْتِغاءَ ما عِنْدَهُ سُبْحانَهُ عِبادَةٌ عَظِيمَةٌ، وَمَجالاتُها واسِعَةٌ، كَتَرْكِ الْحَرامِ في الْعَمَلِ وَالْقَوْلِ وَالِاعْتِقادِ، وَتَرْكِ فُضُولِ الْكَلامِ، وَالجِدالِ، وَتَرْكِ الْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ، وَيَتَّسِعُ نِطاقُ التَّرْكِ حَتَّى يَشْمَلَ تَرْكَ الْمُباحِ وَمَا أَحَلَّ اللهُ مَخافَةَ الْوُقُوعِ فِيما حَرَّمَ سُبْحانَهُ، وَهَذِهِ الْعِبادَةُ يَجِبُ فِيها الْإِخْلاصُ للهِ، وَأَنْ يَكُونَ التَّرْكُ للهِ، وَالصَّبْرُ، وَحُسْنُ الظَّنِّ بِاللهِ فِي الْعِوَضِ، وَيُعِينُ علَى هَذِه الْعِبادَةِ الْعَظِيمَةِ أَنْ نَعْلَمَ عِلْمَ الْيَقِينِ أَنَّ الرِّزْقَ بِيَدِ اللهِ وَحْدَهُ، وَاللُّجُوءُ إِلَى اللهِ سُبْحانَهُ بِالدُّعاءِ، وَتَقْوَى اللهِ عز وجل، وَمَعْرِفَةُ فَضْلِ الصَّبْرِ.

عِبادَ اللهِ: إِنَّ عِبادَةَ التَّرْكِ ثَمَراتُها عَظِيمَةٌ، عاجِلَةٌ فِي الدُّنْيا أَوْ آجِلَةٌ في الآخِرَةِ، فَهِيَ تَبْنِي الثِّقَةَ بِاللهِ ، وَتُقَوِّيْ الْإِيمانَ وَالصَّبْرَ، وَتُزَهِّدُ في الْحَرامِ، وَتَجْلِبُ مَحَبَّةَ اللهِ، وَراحَةَ الْقَلْبِ، وَالْبَرَكَةَ، وَالتَّوْفِيقَ، وَحُسْنَ الْعاقِبَةِ، وَالرِّزْقَ، وَالسَّعادَةَ.

هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]

‎اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الخلفاء الراشدين، وعن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ ومن تبعهم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.

مَواسِمُ الْخَيْراتِ لا تَنْقَطِعُ ..

﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾

إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَمَنْ سَارَ عَلَى طَرِيقِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمّا بَعْدُ..

فاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ: حَقَّ التَّقْوَى، وَاسْتَمْسِكُوا مِنَ الْإِسْلامِ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، قالَ تَعالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].

عِبَادَ اللهِ: عُمْرُ المؤْمِنِ كُلُّهُ طاعَةٌ في رَمَضانَ وَغَيْرِ رَمَضانَ، فَالمؤْمِنُ لا يَنْفَكُّ عَنْ عُبُودِيَّتِهِ، وَالْعِباداتُ كالصَّلاةِ وَالصِّيامِ وَالصَّدَقَةِ وَالِاسْتِغْفارِ، وَقِراءَةِ الْقُرْآنِ وَسائِرِ الذِّكْرِ، وَبِرِّ الْوالِدَيْنِ، وَصِلَةِ الْأَرْحامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لا يَرْتَبِطُ بِزَمَنٍ دُونَ زَمَنٍ، قالَ تَعالَى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99]، أَيِ: الموْتُ، قال صلى الله عليه وسلم: «…، وَأَنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ ‌أَدْوَمُهَا ‌وَإِنْ ‌قَلَّ» [متفق عليه]، وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا عَمِلَ ‌عَمَلًا ‌أَثْبَتَهُ، وَكَانَ إِذَا نَامَ مِنَ اللَّيْلِ، أَوْ مَرِضَ، صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً» [رواه مسلم: 746]، هَكَذَا كانَ نَبِيُّنا صلى الله عليه وسلم مُداوِمًا عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ؛ فَالمداوَمَةُ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ، يُكْسِبُ الْعَبْدَ مَحَبَّةَ الرَّحْمَنِ سُبْحانَهُ، فَأَيُّ شَرَفٍ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا؟! يَقُولُ اللهُ تَعَالَى فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: «..، وَمَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بشَيءٍ أحَبَّ إلَيَّ ممَّا افْتَرَضْتُ عليهِ، وما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ» [رواه البخاري: 6502].

وَالمحافَظَةُ عَلَى الصَّلاةِ يُبْعِدُنا عَنْ كُلِّ فُحْشٍ وَمُنْكَرٍ، وَيُخَلِّصُنا مِنَ الذُّنُوبِ وَالمعاصِي؛ قالَ تَعالَى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾[العنكبوت:45]، وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟» قَالُوا: لَا يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا، قَالَ: «فَذَلِكَ ‌مَثَلُ ‌الصَّلَوَاتِ ‌الْخَمْسِ، يَمْحُو اللهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا» [متفق عليه].

أَيُّها المسْلِمُونَ: يَحْتاجُ المسْلِمُ لِيَسْتَمِرَّ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ إِلَى النَّشاطِ وَالْقُوَّةِ الْقَلْبِيَّةِ وَالْجَسَدِيَّةِ وَالْإِيمانِيَّةِ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَتَحَقَّقُ بِلُزُومِ التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفارِ قالَ تَعالَى: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ [هود:52].

عِبادُ اللهِ: إِنَّ الْأَعْمالَ الصَّالِحَةَ كَثِيرَةٌ مُتَنَوِّعَةٌ، وَقَدْ يُفْتَحُ لَكَ يا عَبْدَ اللهِ ما لا يُفْتَحُ لِغَيْرِكَ، وَلِذَا كانَ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ مَنِ عُرِفَ بِطُولِ الْقِيامِ، وَآخَرُ بِكَثْرَةِ التَّسْبِيحِ وَالذِّكْرِ، وَثَالِثٌ بِالسَّعْيِ في حَوائِجِ النَّاسِ وَمُساعَدَتِهِمْ وَغَيْرُهُمْ بِتَعْلِيمِ النَّاسِ وَتَفْقِيهِهِمْ وَهَكَذَا، قالَ صلى الله عليه وسلم: «‌خُذُوا ‌مِنَ ‌الْأَعْمَالِ ‌مَا ‌تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللهَ لَنْ يَمَلَّ حَتَّى تَمَلُّوا» [متفق عليه]. وَقَدْ نَهانا صلى الله عليه وسلم عَنْ تَرْكِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، قالَ صلى الله عليه وسلم لِعَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: «يَا عَبْدَ اللَّهِ، لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ، ‌فَتَرَكَ ‌قِيَامَ ‌اللَّيْلِ » [متفق عليه].

وَالدُّعاءَ الدُّعاءَ يا عِبادَ اللهِ، فَهُوَ خَيْرُ ما يُعِينُ عَلَى الِاسْتِمْرارِ في الْعَمَلِ الصَّالِحِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ ‌أَعِنِّي ‌عَلَى ‌ذِكْرِكَ، ‌وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» [رواه أبو داود والنسائي والحاكم]، وَمِنْ عَظِيمِ ما كانَ يَدْعُو بِهِ صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ ‌اقْسِمْ ‌لَنَا ‌مِنْ ‌خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ اليَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا، وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا» [رواه الترمذي، وحسنه، والنسائي].

نَسْأَلُ اللهَ تَعالَى بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ أَنْ يَسْتَعْمِلَنا فِي طاعَتِهِ.

أَقُولُ ما تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسائِرِ المسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

﴿الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾

الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحابِهِ وَمَنْ سارَ عَلَى طَرِيقِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَمَا أَجْمَلَ عِبادَ اللهِ، الطَّاعَةَ تَعْقُبُها الطَّاعَةُ! وَمَا أَجْمَلَ الْإِحْسانَ يَتْلُوهُ الْإِحْسانُ، قالَ تَعالَى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد:17].

عِبادَ اللهِ لا يَفُوتُنا أَنْ نُذَكِّرَ بِصِيامِ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ؛ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ‌ثُمَّ ‌أَتْبَعَهُ ‌بِسِتٍّ ‌مِنْ ‌شَوَّالٍ، كَانَ كَصَوْمِ الدَّهْرِ» [رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه]، وَصِيامِ الْأَيَّامِ الْبِيضِ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَالْاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، وَالمحافَظَةِ عَلَى السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ وَآكَدُها رَكْعَتَا الْفَجْرِ؛ وَصَلاةِ اللَّيْلِ، وَالْوِتْرِ، وَالضُّحَى، وَتِلاوَةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَأَذْكَارِ الصَّباحِ وَالمسَاءِ، وَبَذْلِ الصَّدَقاتِ، وَمُسَاعَدَةِ المحْتاجِينَ.

هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].

‎اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفاءِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.

يعد الأستاذ الجامعي طاقة معرفية لا يصح اختزالها في وظيفة تقاس بمدة إدارية أو تحدد بتاريخ نظامي لأن أثره الحقيقي لا يتوقف عند ساعات التدريس ولا ينحصر في حدود المنصب بل يمتد حيث تتراكم الخبرة ويترسخ المنهج وتتبلور القدرة على صناعة الاتجاه العلمي داخل المؤسسة الجامعية وخارجها وحين تفهم النهضة بوصفها مشروعا طويل النفس يقوم على بناء الإنسان وتطوير الوعي وإنتاج المعرفة يغدو الأستاذ الجامعي أحد أعمدتها الكبرى لا بوصفه حامل شهادة أو لقب بل باعتباره عقلا منتجا يزاوج بين الفكرة والدليل ويحول المعرفة من مادة محفوظة إلى عقل فاعل يفسر الواقع ويقترح الحلول ويصوغ المسارات ومن هذا المنطلق لا ينبغي أن يفهم مفهوم التقاعد في البيئة العلمية على أنه خروج من دائرة التأثير بل انتقال واع من الأعباء الروتينية إلى أدوار نوعية أعمق قيمة وأوسع أثرا فالجامعات المتقدمة تدرك أن العطاء العلمي لا يقاس بالعمر بل بالحيوية الفكرية والنشاط الذهني والاستمرار في الإنتاج والإضافة لذلك تبقي الأستاذ الفاعل حاضرا ما دام قادرا على الإسهام لأن خبرته ليست ترفا تنظيميا بل رأس مال معرفي يتجدد أثره حين يحسن استثماره ضمن رؤية مؤسسية رشيدة وتتجلى القيمة الحقيقية للأستاذ الجامعي في قدرته على الإشراف العميق على الباحثين وصناعة المعايير الأكاديمية وتحكيم الأبحاث وتوجيه مسارات البحث العلمي وربط الجامعة بحاجات المجتمع كما تظهر في إسهامه في تصميم البرامج وتطوير المناهج وصيانة الجودة وإرشاد الأكاديميين الجدد ونقل الخبرة التي لا تختصر في كتب أو دورات بل تكتسب عبر سنوات من الممارسة العلمية والانضباط المنهجي والاحتكاك المتواصل بأسئلة المعرفة وتحولات الواقع وحين يهدر المجتمع هذه الخبرات لمجرد بلوغ سن محددة فإنه يخسر موردا معرفيا لا يعوض بسهولة ويحدث قطيعة تضعف التراكم العلمي وتؤخر النضج المؤسسي أما حين يحسن توظيفها فإنه يضمن استمرارية الوعي وترسيخ الجودة وتسريع مسار النهضة بعقول مجربة ما تزال قادرة على الإضافة والبناء وإشعال الأسئلة الكبرى في عقل الجامعة فتغدو الجامعة عقلا استراتيجيا للمجتمع ويغدو الأستاذ الجامعي مرجعية حية لا تنطفئ بانتهاء المسمى الوظيفي بل تتجدد بقيمة الأثر وعمق الرسالة

الأستاذ الجامعي عقل لا يتقاعد

✳️ مضيق هرمز ومَن هو هرمز ؟!

ولماذا سُّمي المضيق بإسمه ؟!

حقيقة  هرمز ونهايته على يد الصحابي خالد بن الوليد رضي الله عنه .

 

🟧تزوير الحقائق..

الأصل هو مضيق خالد بن الوليد رضي الله عنه وليس هرمز.

⚔️ الصحابي خالد بن الوليد ومبارزة تاريخية أمام هرمز .

 

في بدايات الفتح الإسلامي للعراق، التقى جيش المسلمين بجيش الفرس في معركة ذات السلاسل سنة 12 هـ / 633 م. وكما كان معتادًا في الحروب آنذاك، خرج القادة أولًا للمبارزة أمام الجيشين .

 

خرج خالد بن الوليد رضي الله عنه قائد جيش المسلمين، وخرج لملاقاته هرمز قائد جيش الفرس، اقترب القائدان من بعضهما حتى أصبحا أقرب إلى صفوف الفرس من صفوف المسلمين .

 

ثم نزل هرمز من فرسه، وأشار إلى خالد أن يقاتله على الأرض إن كان بطلًا. فقبل خالد التحدي، ونزل من فرسه كذلك، وأعاد كل منهما فرسه إلى جيشه .

 

وقف الجيشان يراقبان المشهد في توتر شديد: قائد المسلمين الأعلى يبارز قائد الفرس الأعلى.. وهو أمر نادر في تاريخ الحروب. وكان القتال سيرًا على الأقدام، ما يعني أن النجاة صعبة وأن نهاية أحدهما تكاد تكون حتمية .

 

لكن هرمز كان قد دبّر خديعة قبل المبارزة، إذ جهّز خمسة من فرسانه الأقوياء ليهجموا على خالد مع بداية القتال .

 

وما إن التحمت السيوف بين القائدين حتى أعطى هرمز الإشارة، فانطلق الفرسان الخمسة نحو خالد يريدون قتله غدرًا .

 

في تلك اللحظة أدرك خالد رضي الله عنه خطورة الموقف، فالمسلمون بعيدون عنه، وهؤلاء الفرسان سيصلون إليه قبل أن يتمكن أحد من نجدته .

 

لكن العناية الإلهية كانت أقرب. فقد لمح القعقاع بن عمرو التميمي حركة الفرسان، وأدرك فورًا أنها محاولة للغدر بخالد. فانطلق بفرسه كالسهم نحو ساحة المبارزة .

 

وصل القعقاع في اللحظة الحاسمة، فقتل أول فارس، ثم لم يمهل الثاني طويلًا حتى أرداه قتيلًا. وفي هذه الأثناء وصل بعض فرسان المسلمين، فتحولت الساحة إلى عدة مبارزات فردية .

 

أما خالد بن الوليد، فبعد أن نجا من الغدر، عاد إلى مبارزة هرمز، وأظهر مهارة عظيمة في القتال. ولم تمضِ دقائق حتى كان خالد واقفًا وسيفه يقطر بدم قائد الفرس هرمز .

 

بمقتل قائدهم، أُصيب الفرس بصدمة شديدة، فقد كانوا يرون العرب أقل شأنًا من دولتهم العظيمة وجيوشهم المنظمة. لكن خالد لم يمنحهم وقتًا ليستفيقوا من الصدمة، فأمر جيشه بالهجوم العام .

 

وبسبب مقتل القائد واضطراب الصفوف، لم يستطع جيش الفرس الصمود طويلًا، فتفرقت صفوفهم، واخترق المسلمون جيشهم، حتى انتهت المعركة بانتصار المسلمين في معركة ذات السلاسل بقيادة أحد أعظم القادة العسكريين في التاريخ: سيف الله المسلول “خالد بن الوليد” رضي الله عنه .

 

📚 الطبري، تاريخ الأمم والملوك

📚 ابن الأثير، الكامل في التاريخ

📚 ابن كثير، في البداية والنهاية.

 

رضي الله عن سيف الله المسلول، القائد

خالد بن الوليد رحمه الله تعالى واسكنه الفردوس الأعلى من الجنة برحمته الواسعة..

الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ 8/10/ 1447هـ

﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾

الْحَمْدُ للهِ المتَفَرِّدِ بِالْكَمالِ، الْمُتَوَحِّدِ بِصِفاتِ الْجَلالِ، الْمُنَزَّهِ عَنِ الشُّرَكاءِ وَالْأَمْثالِ، الَّذِي لا يُعْبَدُ بِحَقٍّ فِي الْوُجُودِ سِواهُ، الْكَرِيمِ الَّذِي مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ، وَمَنْ آمَنَ بِهِ هَدَاهُ، وَمَنْ سَأَلَهُ أَعْطاهُ أَفْضَلَ مِمّا تَمَنّاهُ، هادِي الْحائِرِينَ، وَواصِلُ المنْقَطِعِينَ، وَبِهِ نَسْتَعِينُ عَلَى أُمُورِ الدُّنْيا وَالدِّينِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، شَهادَةً بِها النُّفُوسُ مُطْمَئِنَّةٌ، وَهِيَ لِقَائِلِها مِنَ النَّارِ جُنَّةٌ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي هَدانا اللهُ بِهِ مِنَ الضَّلالِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحابِهِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ. أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ عِبَادَ اللهِ، وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ وَطَاعَتِهِ، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ‌حَقَّ ‌تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]، فَاتَّقُوا اللهَ وأَطِيعُوهُ، وَامْتَثِلُوا أَوَامِرَهُ وَلَا تَعْصُوهُ.

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: لَقَدْ حَثَّتِ الشَّريعَةُ الْغَرَّاءُ عَلَى اخْتيارِ الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ، وَأَمَرَتْ بِحُسْنِ الْكَلامِ، وَنَهَتْ عَنِ الْفُحْشِ وَالْبَذاءَةِ في الْقَوْلِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ التَّنْزيلِ: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة:83]، وَقَدِ زَكَّى اللهُ نَبِيَّنا صلى الله عليه وسلم تَزْكِيَةً شامِلَةً فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، شَمَلَتْ أَخْلاقَهُ، وَصِدْقَهُ، وَعَقْلَهُ، وَبَصَرَهُ، وَفُؤادَهُ، وَطَهارَتَهُ؛ فَقالَ جَلَّ وَعَلا: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:4]، وَقالَ سُبحانَهُ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:3] ، وَقالَ: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:17]، وقالَ عز وجل: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:159]؛ فاتَّسَمَتْ كَلِماتُهُ صلى الله عليه وسلم بِشُمُولِيَّتها، فَهِيَ مِنْ جَوامِعِ الْكَلِمِ، كَلَامُهُ قَلِيلٌ، لَكِنَّهُ عَظِيمُ المعانِي، بِلَا تَكَلُّفٍ وَلا تَقَعُّرٍ في الْكَلامِ، كَلِماتُهُ صلى الله عليه وسلم وَاضِحَةٌ لا غَرابَةَ فِيها، مَعَ تَمَهُّلٍ وَبَيانٍ، يُكَرِّرُ كَلامَهُ لِيُفْهَمَ، يُنَوِّعُ أَسالِيبَهُ التَّرْبَوِيَّةَ بِلِينٍ وَرِفْقٍ بَعِيدٍ عَنِ الْغِلْظَةِ، يَنْتَقِي مِنَ الْكَلِماتِ أَحْسَنِها وَأَلْطَفِها، يُطِّيبُ الْقُلُوبَ، وَيَجْبُرُ الْخَواطِرَ، يَقْرِنُ طَيِّبَ الْكَلامِ بِوَجْهٍ طَلْقٍ مُبْتَسِمٍ، يَدْعُو الرَّجُلَ بِأَحَبِّ أَسْمائِهِ وَكُناهُ، يُغَيِّرُ الْأَسْماءَ السَّيِّئَةَ إِلَى طَيِّبَةٍ، كَلامُهُ يَزْرَعُ الْأَمَلَ، فَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَهْذِيبٍ، بَلْ هِيَ صَدَقَةٌ، وَعَمَلٌ صالِحٌ يُرَبِّي، وَيَرْفَعُ الدَّرَجاتِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «والكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ» متفق عليه.

عِبادَ اللهِ: لَيْسَ الْهَدَفُ مِنْ طَيِّبِ الْكَلامِ جَمالَ المنْطِقِ وَحُسْنَ الْخُلُقِ وَالْأَثَرِ فَقَطْ، بَلْ غاياتُهُ عَظِيمَةٌ مِنْها:

تَرْسِيخُ الْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ: كَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «اِحْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ» [رواه الترمذي والبيهقي]، يَغْرِسُ التَّوَكُّلَ وَالتَّوَجُّهَ للهِ وَحْدَهُ.

التَّرْبِيَةُ وَالتَّعْلِيمُ الفَعَّالُ: كَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «‌يَا ‌غُلَامُ، سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» [رواه البخاري]، وَاسْتِخْدامُ التِّكْرارِ ثَلاثًا؛ لِتَرْسِيخِ الْفَهْمِ وَحُرْمَةَ الْأُمُورِ، كَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ» [رواه البخاري]، وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: «لا تَغْضَبْ» كَرَّرَها مِرَارًا [رواه البخاري]، وَالتَّحْفِيزُ عَلَى الصَّلاةِ بِأُسْلُوبٍ تَرْبَوِيٍّ مُتَدَرِّجٍ، كَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلاةِ وَهُمْ أَبْناءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْها وَهُمْ أَبْناءُ عَشْرِ سِنِينَ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي المضاجِعِ» [رواه أحمد والترمذي وحسنه الألباني].

تَصْحِيحُ السُّلُوكِ بِالْحِكْمَةِ وَالْحِوارِ وَالْإِقْناعِ بِرِفْقٍ: جاءَ شابٌّ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «أَتُحِبُّهُ ‌لِأُمِّكَ؟» قَالَ: لَا وَاللهِ -جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ- قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ» قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟» قَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ -جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ- قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ» قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟» قَالَ: لَا وَاللهِ -جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ- قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ» قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟» قَالَ: لَا وَاللهِ -جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ- قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ» قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟» قَالَ: لَا وَاللهِ -جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ- قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ» قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: «اللهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ» [رواه أحمد، والطبراني بسند جيد].

غَرْسُ الْأَخْلاقِ وَالْقِيَمِ: بِكَلِماتٍ طَيِّبَةٍ وَتَوْجِيهاتٍ كَرِيمَةٍ تُعَزِّزُ الْعَمَلَ وَالتَّكافُلَ الْجَماعِيَّ وَالسِّتْرَ وَتَفْرِيجَ الْكُرَبِ، كَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «المسْلِمُ أَخُو المسْلِمِ، لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِه، ِوَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللهُ  عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [متفق عليه].

بِنَاءُ الشَّخْصِيَّةِ وَالمسْؤُولِيَّةِ: بِمُخاطَبَةِ الشَّبابِ وَالصِّغارِ بِكَلِماتٍ عَمِيقَةٍ تُحَفِّزُهُمْ لِتَحَمُّلِ المسْؤُولِيَّةِ، كَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ» [متفق عليه].

التَّحْفِيزُ وَالتَّشْجِيعُ: كَاسْتِخْدامِ السُّؤَالِ لِلتَّحْفِيزِ علَى عَمَلِ الْخَيْرِ، كَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «‌مَنْ ‌أَصْبَحَ ‌مِنْكُمُ ‌الْيَوْمَ ‌صَائِمًا؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: أَنَا، قَالَ: «فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: أَنَا، قَالَ: «فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: أَنَا، قَالَ: «فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ، إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ» [رواه مسلم]، وَمِنْ التَّحْفِيزِ وَرَفْعِ الهِمَّةِ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم لِبِلَالٍ رضي الله عنه: «يَا بِلالُ، حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الإِسْلامِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ دُفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الجَنَّةِ» [متفق عليه]، وَكَذَلِكَ الثَّناءُ وَالتَّشْجِيعُ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ، كَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «مَن يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا ‌يُفَقِّهْهُ ‌فِي ‌الدِّينِ» [متفق عليه]، وَالِاجْتِهادُ فِي فِعْلِ الْخَيْرِ، كَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنْ قَامَتِ السَّاعةُ ‌وفى ‌يَدِ ‌أَحَدِكمْ فَسيلَة فَإنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لا يَقُومَ حَتَّى يَغْرسَهَا فَليَغْرسْهَا» [صحيح الأدب المفرد]..

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: حَرِيٌّ بِنَا أَنْ نَقْتَدِيَ بِهِ صلى الله عليه وسلم فِي عِبَادَاتِهِ، وَمُعَامَلاتِهِ، وَأَخْلَاقِهِ؛ فالْـمَحَبَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ هِيَ الاتِّباعُ وَالطّاعَةُ، وَالتَّرْبِيَةُ بِالْكَلِماتِ الطَّيِّبَةِ الْإِيجابِيَّةِ أَفْضَلُ وَأَعْظَمُ نَفْعًا مِنَ اللَّومِ المباشِرِ، وَتَوْجِيهِ التُّهَمِ، قالَ صلى الله عليه وسلم قاصِدًا عَبْدَ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنهما: «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ» – قَالَ سالِمٌ: فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَنامُ مِنْ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا”. مُتَّفَقٌ عَلَيْهُ. وَمِنْ ذَلِكَ: سُئِلَ صلى الله عليه وسلم: مَنْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْكَ؟ قالَ: «عَائِشَةُ». قِيلَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: «أَبُوها» قِيلَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: «عُمَرُ» [رواه ابن ماجه والترمذي]، هَكَذَا كانَتْ كَلِماتُهُ صلى الله عليه وسلم تُرَبِّي وَتَبْنِي الرِّجالَ، وَتُعالِجُ وَتُواسِي الْجِراحَ، وَتُثْنِي وَتُشَجِّعُ، وَتَزْرَعُ الْخَيْرَ، وَتُحَفِّزُ لِمَعالِي الْأُمُورِ، دَعا لِلْحَسَنِ: «اللَّهمَّ إِنِّي أُحِبَّهُ فَأَحِبَّهُ، وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبَّهُ» [متفق عليه]، وَدَعا لِأَنَسٍ، فَقالَ: «‌اللَّهُمَّ ‌أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ» [متفق عليه]، وَلَمَّا أَغْضَبَ بَعْضُ الصَّحابَةِ أَبَا بَكْرٍ قالَ صلى الله عليه وسلم: «هَلْ أَنْتُمْ تارِكُونَ لِي صاحِبِي» [رواه البخاري]، وَقالَ: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنَ النَّاسِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا» [متفق عليه]، وَقالَ لِجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: «أَتَزَوَّجْتَ يا جابِرُ؟» [رواه البخاري]، وَقالَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طالِبٍ: «قُمْ أَبا تُرابٍ» [رواه البخاري]، وَقالَ لِحُذَيْفَةَ: «قُمْ يا نَوْمانُ» [رواه مسلم]، وَقالَ لِجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طالِبٍ: «لا نَدْرِي أَنَفْرَحُ بِفَتْحِ خَيْبَرَ أَمْ بِمَقْدَمِ جَعْفَرٍ» [رواه أبو داود، وابن أبي شيبة]، وَقالَ لِأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ: «إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَينِ يُحِبُّهُما اللهُ وَرَسُولُهُ: الْحِلْمَ وَالْأَناةَ» [رواه مسلم]، وقال لمعاذ: «واللهِ إني لَأُحبُّك» [رواه أبو داود والنسائي]، وَقالَ عَنْ خالِدِ بْنِ الْوَليدِ: «سَيْفُ اللهِ المسْلُولُ» [رواه البخاري]، وَقالَ لِلْأَنْصارِ: «أفَلا تَرضَونَ يا مَعْشرَ الأنْصارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ إِلَى رِحالِهِم بِالشَّاءِ وَالبَعيرِ وَتَذْهَبونَ بِرَسُولِ اللهِ إِلَى رِحالِكُم؟ فَوَالَّذي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَو أنَّ النَّاسَ سَلَكوا شِعْبًا وَسَلَكتِ الْأَنْصارُ شِعْبًا؛ لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصارِ، وَلَولا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الْأَنْصارِ، اللَّهمَّ ارْحَمِ الْأَنْصارَ، وَأَبْناءَ الْأَنْصارِ، وَأَبْناءَ أَبْناءِ الْأَنْصارِ» [متفق عليه]، وَلَا تَسْأَلْ عَنْ أَثَرِ هَذِهِ الكَلِمَاتِ فِي نفوس الصَّحابَةِ رضي الله عنهم.

أقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتجِبْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيْمُ.

﴿الخُطْبَةُ الثانية﴾

الْحَمْدُ لِلهِ وَفَّقَ مَنْ شَاءَ لِمَكارِمِ الْأَخْلاقِ، وَهَدَاهُمْ لِمَا فِيه فَلَاحُهُمْ يَوْمَ التَّلاقِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبارَكَ عَلَيْه وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحابِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ: فاتَّقُوا اللَّهَ عِبادَ اللهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَسَعُوا النّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَسَعُهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ الْوَجْهِ، وَكَفُّ الْأَذَى، وَحُسْنُ الخُلُقِ، وَطيبُ الْكَلامِ.

عِبَادَ اللَّهِ: كانَ ﷺ إِذَا رَأَى فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مُقْبِلَةً عَلَيْهِ رَحَّبَ بِهَا، وَأَفْسَحَ لَها، وَقَالَ: «مَرْحَبًا بِابْنَتِي» ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمينِهِ أَوْ عَنْ شَمالِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهُ. فَرْقٌ كَبِيرٌ –يَا عِبادَ اللَّهِ- بَيْنَ هَذَا التَّوَدُّدِ مِنَ الْوالِدِ الرَّحِيمِ لِابْنَتِهِ، وَبَيْنَ مَنْ يُغْلِظُ الْقَوْلَ لِأَبْنائِهِ، فَالتَّعْنِيفُ رَسائِلُ سَلْبِيَّةٌ تَقْتُلُ الطُّمُوحَ، وَتُحْبِطُ النُّفُوسَ، أَمَّا الْكَلِماتُ الطَّيِّبَةُ رَسائِلُ إِيْجَابِيَّةٌ تَرْفَعُ الْهِمَمَ، وَتَصْنَعُ الْقَادَةَ.

عباد الله: تَمُرُّ مَنْطِقَتُنا بِأَحْداثٍ سِياسِيّةٍ، وَأُخْرَى بِيئِيَّةٍ مِنْ تَغَيُّرِ الْأَحْوالِ مِنَ القَحْطِ وَالجَفافِ إِلَى الأَمْطارِ وَالسُّيولِ، كُلُّ هَذا يَجْرِي وَفْقَ قَدَرِ اللهِ وَمَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ، بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، لا يَقَعُ فِي مُلْكِهِ إِلَّا ما شَاءَ، ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس : 107]، فَلَيْسَ لِلْعَبْدِ إِلَّا التَّسْلِيمُ وَالرِّضا، وَالتَّوَكُّلُ وَالتَّضَرُّعُ للهِ سُبْحانَهُ، ثُمَّ الْوُقوفُ صَفًّا واحِدًا خَلْفَ قِيادَتِنا وَوُلاةِ أَمْرِنا، طاعَةً لِرَبِّنا، وَهُنَا لا يَفُوتُنا شُكْرَ جُهودِ الْقُوَّاتِ الْعَسْكَرِيَّةِ، وَالدِّفاعِ المدَنِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْجِهاتِ المعْنِيَّةِ؛ فَشَكَرَ اللهُ لَهُمْ، وَجَزاهُمْ عَنَّا خَيْرًا، وَحَفِظَ اللهُ الْبِلادَ وَالْعِبادَ.

هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]

‎اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الخلفاء الراشدين، وعن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ ومن تبعهم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.

كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ 24/09/1447هـ
﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾
الحمْدُ للهِ الكَريمِ المنَّانِ، واسعِ الفِضْلِ والإحسانِ، الَّذِي أَنْعمَ فأَجْزَلَ، وَأَعْطَى فَأَفْضَلَ، وَأَسْبَغَ علَى عِبادِهِ نِعَمَهُ ظاهِرةً وَباطِنَةً، أَحْمَدُهُ سُبْحانَهُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُباركًا فِيهِ كَما يُحِبُّ رَبُّنا وَيَرْضَى، وَأَشْكُرُهُ علَى ما أَوْلانا مِنَ النِّعَمِ، وَما دَفَعَ عنَّا مِنَ النِّقَمِ، وأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلّا اللهُ وَحْدَه لا شَرِيكَ لَهُ، أَمَرَ بِالشُّكْرِ وَوَعَدَ علَيهِ بالمزِيدِ، وَأَشْهَدُ أنَّ نَبِيَّنا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، أَعْبَدُ النَّاسِ لِرَبِّهِ، وَأَشْكَرُهُمْ لِنِعَمِهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ سارَ علَى نَهْجِهِ، وَاقْتَفَى أَثَرَهُ إلَى يَومِ الدِّينِ، أمَّا بَعْدُ:
فاتَّقُوا اللهَ عِبادَ اللهِ، وَاسْتَمِرُّوا فِي الْاجْتِهَادِ في الْعِبادَةِ فِيمَا بَقِيَ مِنْ رَمَضَانَ، فَقَدْ أَزِفَتْ أَيَّامُهُ عَلَى الْانْقِضَاءِ، وَقَارَبَتْ لَيَالِيهُ عَلَى الانْتِهَاءِ، فَاغْتَنِمُوا ما بَقِيَ مِنْهُ بِالصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالصَّدَقَةِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَى اللهِ عز وجل تَحَرِّيًا لِليْلَةِ القَدْرِ، وَتَذَكَّرُوا قَوْلَ نَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم: «رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ، ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ« [رواه الترمذي].
عِبادَ اللهِ: نَعِيشُ الْيَوْمَ مَعَ آيَتَيْنِ مِنْ كِتابِ رَبِّنا، تُبَيِّنانِ لَنَا كَرامَةَ المؤْمِنِ عِنْدَ رَبِّهِ، وَسَعَةِ رَحْمَتِهِ سُبْحانَهُ، فَقَدْ نَهَى اللهُ رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم عَنْ طَرْدِ المؤْمِنِينَ الْقانِتِينَ، قالَ تَعالَى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:52]، ثُمَّ أَمَرَهُ بِمُقابَلَتِهِمْ بِالْإِكْرامِ وَالْبِشْرِ وَالتِّرْحابِ، فَقالَ تَعالَى: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۙ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝ وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام:54-55]، ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾
أَيْ: يا محمّدُ، إِذَا جاءَكَ المؤْمِنُونَ فَحَيِّهِمْ وَرَحِّبْ بِهِمْ تَحِيَّةً وَسَلامًا، وَبَشِّرْهُمْ بِسِعَةِ رَحْمَةِ اللهِ وَجُودِهِ وَإِحْسانِهِ، وَحُثَّهُمْ عَلَى التَّوْبَةِ مِنَ المعاصِي؛ لِينالُوا مَغْفِرَةَ رَبِّهِمْ وَجُودِهِ؛ فَإِنَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ أَيْ: أَوْجَبَ سُبْحانَهُ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ، تَفَضُّلًا مِنْهُ وَإِحْسانًا وَإِكْرامًا.
ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾ أَيْ: مَنْ وَقَعَ في الذَّنْبِ وَالخَطِيئَةِ بِجَهالَةٍ، وَجاءَكَ يُرِيدُ التَّوْبَةَ وَغُفْرانَ الذَّنْبِ، فَاسْتَقْبِلْهُ بِالسَّلامِ وَالتَّرْحِيبِ، وَبَشِّرْهُ بِسَعَةِ رَحْمَةِ اللهِ، وَهَكَذا يَكُونُ المنْهَجُ مَعَ العُصاةِ الَّذِينَ أَلْهَبَتْ قُلُوبَهُمْ حَرارَةُ المعْصِيَةِ وَيُرِيدُونَ التَّوْبَةَ، فَيَجِبُ أَنْ يُقَابَلَ الْعاصِي الَّذِي يُرِيدُ الخَلاصَ مِنَ الذَّنْبِ بِالرِّفْقِ وَالْبِشْرِ وَالتَّرْحِيبِ، فَيُقالُ لَهُ: سَلامٌ عَلَيْكُمْ، وَهَذا مِنْ مَفاتِيحِ الْقُلُوبِ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ اللُّطْفِ وَالرِّفْقِ.
ثُمَّ يُبَشَّرُ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ كَتَبَ الرَّحْمَةَ عَلَى نَفْسِهِ، وَأَنَّ بابَ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ، وَلا يَجُوزُ أَنْ يُقَنَّطَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، بَلْ يُقالُ لَهُ كَمَا قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 53].
وَقَوْلُهُ تَعالَى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ أَيْ: أَوْجَبَ سُبْحانَهُ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ تَفَضُّلًا مِنْهُ وَإِحْسانًا.
وَمَظاهِرُ هَذِهِ الرَّحْمَةِ: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾ والْجَهالَةُ هُنَا لا تَعْنِي عَدَمَ الْعِلْمِ، بَلْ كُلُّ مَنْ عَصَى اللهَ فَهُوَ جاهِلٌ، جاهِلٌ بِعاقِبَةِ الذَّنْبِ، وَجاهِلٌ بِما يَتَرَتَّبُ عَلَيهِ مِنَ السَّخَطِ وَالْعُقُوبَةِ، وَلَوْ كانَ هَذا المعْنَى حاضِرًا فِي قَلْبِهِ وَقْتَ ارْتِكابِ المعْصِيَةِ لَمَا أَقْدَمَ عَلَيْها، قالَ قَتادَةُ رَحِمَهُ اللهُ: كُلُّ ذَنْبٍ عَمِلَهُ عَبْدٌ فَهُوَ بِجَهْلِهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا﴾ كَلِمَةُ ﴿سُوءًا﴾ نَكِرَةٌ في سِياقِ الشَّرْطِ، فَتُفِيدُ عُمُومَ الذُّنُوبِ، صَغِيرَها وَكَبِيرَها قَلِيلَها وَكَثِيرَها، فَلا يَنْبَغِي لِلْعُصاةِ أَنْ يَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ مَهْمَا بَلَغَتْ ذُنُوبُهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ التَّوْبَةَ وَشُروطَها، قالَ تَعالَى: ﴿ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ﴾، وَطَرِيقُ غُفْرانِ الذُّنُوبِ التَّوْبَةُ، وَهِيَ الرُّجُوعُ إِلَى اللهِ، وَشُرُوطُها: الْإِقْلاعُ عَنِ الذَّنْبِ، وَالنَّدَمُ علَى فِعْلِهِ، وَالْعَزْمُ الصَّادِقُ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدَةِ إِلَيْهِ، فَإِذَا فَعَلَ الْعَبْدُ ذَلِكَ كانَ تائِبًا، وَقَدْ يُمْضِي الْإِنْسانُ عُمُرًا طَوِيلًا فِي الذُّنُوبِ، ثُمَّ يَتُوبُ، فَيَغْفِرُ اللهُ لَهُ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «التَّوْبَةُ تَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَها» [رواه مسلم: 121]، أَيْ: تَمْحُو ما قَبْلَها مِنَ الذُّنُوبِ.
لَقِيَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَجُلًا قَدْ بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً، فَقالَ لَهُ: كَمْ تَبْلُغُ مِنَ السِّنِينَ؟ قالَ: سِتِّينَ سَنَةً. قالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ في طَرِيقٍ، وَقَدْ أَوْشَكْتَ أَنْ تَبْلُغَ نِهايَتَهُ؟ فَقالَ الرَّجُلُ: إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. فَقالَ لَهُ الْحَسَنُ: أَتَدْرِي تَفْسِيرَها؟ قالَ: وَمَا تَفْسِيرُها؟ قالَ: أَنَا للهِ عَبْدٌ، وَأَنا إِلَيْهِ راجِعٌ. فَإِذَا عَلِمْتَ أَنَّكَ للهِ عَبْدٌ وَأَنَّكَ إِلَيْهِ راجِعٌ فَاعْلَمْ أَنَّهُ سائِلُكَ، وَإِذَا عَلِمْتَ أَنَّهُ سائِلُكَ فَأَعِدَّ لِلْمَسْأَلَةِ جَوابًا. فَقالَ الرَّجُلُ: فَمَا الْحِيلَةُ؟ قالَ: أَحْسِنْ فِيمَا بَقِيَ يُغْفَرْ لَكَ ما قَدْ مَضَى، فَإِنَّكَ إِنْ أَسَأْتَ فِيما بَقِيَ أُخِذْتَ بِما مَضَى وَبِما بَقِيَ.
وَقَوْلُهُ تَعالَى: ﴿وَأَصْلَحَ﴾ أَيْ: أَصْلَحَ عَمَلَهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ، فَالتَّوْبَةُ لا تَقْتَصِرُ علَى مُجَرَّدِ تَرْكِ الذَّنْبِ، بَلْ لا بُدَّ مَعَها مِنْ إِصْلاحِ الْعَمَلِ، وَأَداءِ ما أَوْجَبَ اللهُ، وَإِصْلاحِ ما فَسَدَ مِنَ الْأَعْمالِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالَى: ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ خَتَمَ اللهُ الْآيَةَ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ: الْغَفُورُ الرَّحِيمُ أَيْ: يَغْفِرُ لِلتَّائِبِ ذُنُوبَهُ وَيَرْحَمُهُ، فَمَهْمَا عَظُمَتِ الذُّنُوبُ وَكَثُرَتِ الْخَطايا، إِذَا صَدَقَ الْعَبْدُ في تَوْبَتِهِ تابَ اللهُ عَلَيْهِ، وَغَفَرَ لَهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالَى: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ أَيْ: نُبَيِّنُ الْآياتِ وَنُوَضِّحُها وَنُنَوِّعُ الْحُجَجَ وَالْبَراهِينَ؛ حَتَّى يَتَمَيَّزَ طَرِيقُ الْحَقِّ مِنْ طَرِيقِ الْباطِلِ.
وَقَوْلُهُ تَعالَى: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ أَيْ: لِتَتَّضِحَ طَرِيقُ المجْرِمينَ، فَإِذَا اتَّضَحَتْ سَبِيلُ المجْرِمِينَ أَمْكَنَ اجْتِنابُها وَالْبُعْدُ عَنْها، فَقَدْ يَقَعُ الْإِنْسانُ في السُّوءِ دُونَ أَنْ يَدْرِي؛ وَلِهَذا قالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمانِ رضي الله عنه: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخافَةَ أَنْ يُدْرِكُنِي. [رواه البخاري:3606، ومسلم:1847].
وَقَدْ قِيلَ:
تَعَلَّمِ الشَّرَّ لا لِلشَّرِّ وَلَكِنْ لِتَوَقِّيهِ *** فَإِنَّ مَنْ لَا يَعْرِفِ الشَّرَّ يَقَعْ فِيهِ
ذَكَرَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّ اللهَ سُبْحانَهُ قَدْ بَيَّنَ في كِتابِهِ: سَبِيلَ المؤْمِنِينَ مُفَصَّلَةً، وَسَبِيلَ المجْرِمِينَ مُفَصَّلَةً، وَعَاقِبَةَ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ، وَأَسْبابَ التَّوْفِيقِ وَالْخُذْلانِ؛ حَتَّى تَكُونَ هَذِهِ الطُّرُقُ واضِحَةً لِلْبَصائِرِ كَمَا يَرَى الْإِنْسانُ الضِّياءَ وَالظَّلامَ.
وَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الْآياتُ عَلَى: التَّرْحِيبِ بِالمؤْمِنِينَ وَإِكْرامِهِمْ، وأن بابَ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ لِكُلِّ عاصٍ، وَأَنَّه لا أَوْسَعُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ تَعالَى، وَأَنَّ التَّوْبَةَ طَرِيقُ غُفْرانِ الذَّنْبِ، وَلَها شُرُوطٌ، وَأَنَّ عَلَى المؤْمِنِ مَعْرِفَةُ سَبِيلِ المجْرِمِينَ لِاجْتِنابِها.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا.. وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
﴿الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾
الحمدُ للهِ وَحْدَهُ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى مَنْ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وَبَعْدُ: عِبادَ اللهِ، اِسْتَشْعِرُوا فَضْلَ اللهِ عَلَيْكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، وَمِنْهُ الْخَيْرُ، وَلَهُ الْفَضْلُ سُبْحانَهُ، أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ.. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
عِبَادَ اللهِ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُحْسِنًا فِيما مضى فَعَلَيْهِ بِالْإِكْمَالِ، وَمَنْ كَانَ مُقَصِّرًا فَلْيَخْتِمِ الشَّهْرَ الْكَرِيمَ بِالْإِنَابَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ.
أَيُّهَا المسْلِمُونَ: زَكَاةِ الْفِطْرِ، تُخْرَجُ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ شُكْرًا للهِ تَعَالَى عَلَى نِعْمَةِ التَّوْفِيقِ لِصِيَامِ رَمَضَانَ وَقِيَامِهِ، وَتُخْرَجُ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ، وَالْوَاجِبُ فِيها صَاعٌ مِنْ بُرٍّ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ أَرُزٍّ أَوْ تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ أَقْطٍ، وَكُلَّمَا كَانَ أَجْوَدَ فَهُوَ خَيْرٌ وَأَفْضَلُ، وَالصَّاعُ بِمَقَايِيْسِنَا الْحَالِيَّةِ قُرَابَةُ الثَّلَاثَةِ كِيْلُو جِرَامٍ تَقْرِيبًا كَمَا أَفْتَى بِذَلِكَ عُلَمَاؤُنَا، وَهِيَ خَاصَّةٌ بِالْفُقَرَاءِ وَالمسَاكِينِ. عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ: صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ [متفق عليه] .
وَفِيهَا تَطْهِيرٌ لِلصَّائِمِ مِمَّا يَحْصُلُ فِي صِيَامِهِ مِنْ نَقْصٍ وَلَغْوٍ وَإِثْمٍ، وتَجِبُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ لَيْلَةَ الْعِيدِ؛ وَيَجُوزُ إِخْراجُها قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا عَنْ صَلَاةِ الْعِيدِ، فَإِنْ أُخِّرَتْ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ، وَتُسْتَحَبُّ عَنِ الْجَنِينِ.
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
‎اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفاءِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.

نِعْمَةُ الْأَمْنِ وَخَطَرُ الْإِشاعَةِ 17/ 9/ 1447هـ
﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾
الحمْدُ للهِ الكَريمِ المنَّانِ، واسعِ الفِضْلِ والإحسانِ، الَّذِي أَنْعمَ فأَجْزَلَ، وَأَعْطَى فَأَفْضَلَ، وَأَسْبَغَ علَى عِبادِهِ نِعَمَهُ ظاهِرةً وَباطِنَةً، أَحْمَدُهُ سُبحانَهُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُباركًا فِيهِ كَما يُحِبُّ رَبُّنا وَيَرْضَى، وَأَشْكُرُهُ علَى ما أَوْلانا مِنَ النِّعَمِ، وَما دَفَعَ عنَّا مِنَ النِّقَمِ، وأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلّا اللهُ وَحْدَه لا شَرِيكَ لَهُ، أَمَرَ بِالشُّكْرِ وَوَعَدَ علَيهِ بالمزِيدِ، وَتَوَعَّدَ علَى الكُفْرانِ بِزَوالِ النِّعَمِ وَتَبَدُّلِ الأَحْوالِ، وَأَشْهَدُ أنَّ نَبِيَّنا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، أَعْبَدُ النَّاسِ لِرَبِّهِ، وَأَشْكَرُهُمْ لِنِعَمِهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ سارَ علَى نَهْجِهِ، وَاقْتَفَى أَثَرَهُ إلَى يَومِ الدِّينِ، أمَّا بَعْدُ:
فاتَّقُوا اللهَ عِبادَ اللهِ، وَاسْتَمِرُّوا فِي الْاجْتِهَادِ فِيمَا بَقِيَ مِنْ رَمَضَانَ، فَقَدْ أَزِفَتْ أَيَّامُهُ عَلَى الْانْقِضَاءِ، وَقَارَبَتْ لَيَالِيهُ عَلَى الانْتِهَاءِ، فَهَا نَحْنُ نَقْتَرِبُ مِنَ الْعَشْرِ الْأَخِيرَةِ مِنْ رَمَضَانَ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَجْتَهِدُ فِيهَا اجْتِهَادًا عَظِيمًا لَمْ يَفْعَلْهُ فِي غَيْرِهَا مِنَ اللَّيَالِي، فَمِنْ ذَلِكَ: الاعتكافُ وإِحْيَاءُ اللَّيْلِ كَامِلًا، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم «كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْه]، وقَالَتْ رَضِيَ اللهُ عَنْهُا: كَانَ رَسُولُ اللهِ  إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ –أَيْ: الْعَشْرُ الْأَواخِرُ مِنْ رَمَضَانَ- شَدَّ مِئْزَرَهُ وَأَحْيَا لَيْلَهُ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْه]، فَكَانَ صلى الله عليه وسلم يُحْيِي اللَّيْلَ بِالصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَى اللهِ عز وجل تَحَرِّيًا لِليْلَةِ القَدْرِ، الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهَرٍ، مَنْ حُرِمَهَا فَقَدْ حُرِمَ الخَيْرَ، وقالَ صلى الله عليه وسلم: «رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ، ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ« [رواه الترمذي].
وَاعْلَمُوا أَنَّ العَشْرَ هَذَا العَامَ تَدْخُلُ بِغُرُوبِ شَمْسِ يَومِ الاثْنَينِ القَادِمِ إِنْ شاءَ اللهُ، فَمَنْ وَفَّقَهُ اللهُ لِاعْتَكَافِ العَشْرِ فَلْيَدْخُلِ المسْجِدَ قَبْلَ غُروبِ الشَّمْسِ، وَلْيَشْتَغِلْ بِالطَّاعَاتِ مِنَ القِيَامِ وَقِرَاءَةِ القُرْآنِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ.
وَاعْلَمُوا أنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرُباتِ، وَأَجَلِّ الْعِباداتِ، وَأَوْسَعِ أَبْوابِ الْخَيرِ وَالْبَركاتِ: عِبادَةَ الشُّكْرِ للهِ جَلَّ وَعَلا، فَهِيَ عِبادَةُ الْقَلْبِ وَاللِّسانِ وَالجَوارِحِ، وَهِيَ عُنوانُ صِدْقِ الإِيمانِ، وَدَلِيلُ مَعْرِفَةِ الْعَبْدِ بِرَبِّهِ سُبْحانَهُ وَتَعالَى.
أيُّها المسْلِمونَ: عِبادَةُ الشُّكْرِ لَيْسَتْ كَلِمَةً تُقالُ بِاللِّسانِ فَحَسْبُ، بَلْ هِيَ اعْتِرافٌ بِالْقَلْبِ، وَثَناءٌ بِاللِّسانِ، وَعَمَلٌ بِالجَوارِحِ؛ فَشُكْرُ الْقَلْبِ بِالِاعْتِرافِ بِأَنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَمَّا شُكْرُ اللِّسانِ فَبِالثَّناءِ علَى اللهِ تَعالَى وَحَمْدِهِ وَذِكْرِهِ، وَأَمَّا شُكْرُ الجَوارِحِ فَبِاسْتِعمالِ النِّعْمَةِ في طاعَةِ اللهِ، لا في مَعْصِيَتِهِ، وَثَمَرَةُ عِبادَةِ الشُّكْرِ عَظِيمَةٌ في الدُّنْيا وَالآخِرَةِ؛ قالَ عز وجل: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾، وَهَذِه آيةٌ عَظِيمَةٌ جامِعَةٌ، جَعَلَ اللهُ الشُّكْرَ سَبَبًا لِلْمَزِيدِ، وَالمزِيدُ هنا يَشْمَلُ كُلَّ أَنْواعِ الزِّيادَةِ: فِي الرِّزْقِ، وَالصِّحَّةِ، وَالْأَمْنِ، وَالطُّمَأْنِينَةِ، وَالْبَرَكَةِ، والْهِدَايَةِ، وَسَائِرِ الخَيْراتِ.
عِبادَ اللهِ: إنَّ مِنْ أَجَلِّ النِّعَمِ: نِعْمَةُ الْأَمْنِ وَالِاسْتِقْرارِ، الَّتِي نَعِيشُها في هذِهِ الْبِلادِ المبارَكَةِ الممْلَكةِ الْعَربِيَّةِ السُّعودِيَّةِ؛ فَبِالْأَمْنِ يُقامُ دِينُ اللهِ، فَيُؤَدِّي المسْلِمونَ الصَّلَواتِ في مَساجِدِهِمْ مُطْمَئِنِّينَ، وَكَذَلِكَ المناسِكُ، وَتَتَحَقَّقُ مَصالِحُ الناسِ في الدِّينِ وَالدُّنْيا، وَنِعْمَةُ الْأَمْنِ فِي كِتابِ اللهِ مَقْرُونَةٌ بِنِعْمَةِ الرِّزْقِ، قالَ تَعالَى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ ۝ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: 3- 4]، فَالْعِبادَةُ وَالشُّكْرُ الَّذِي هُوَ أَعْلَى مَنازِلِها يَضْمَنانِ نِعْمَتَي الرِّزْقِ وَالْأَمْنِ، اللَّذانِ هُمَا قِوامُ الْحَياةِ، وَأَساسُ الِاسْتِقْرارِ، وَخَلِيلُ الرَّحْمَنِ إِبْراهِيمُ عليه السلام بَدَأَ الدُّعاءَ بِسُؤالِ الْأَمْنِ قَبْلَ الرِّزْقِ، فَقالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا ﵟوَٱرۡزُقۡ أَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ﴾ [البقرة: 126]؛ لِأنَّ الأمنَ إذا فُقِدَ اخْتلَّتْ سائِرُ النِّعَمِ، وَإِذَا وُجِدَ اسْتقامَتْ بَقِيَّةُ الأُمُورِ.
أيُّها الموَحِّدُونَ: لا يَخْفَى عَلَيْكُمْ مَا تَمُرُّ بِهِ بِلادُنَا وَبِلَادُ إِخْوَانِنَا فِي الْخَلِيجِ مِنْ أَزْمَةٍ حَادِثَةٍ، ونحن نُؤْمِنَ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ بِتَقْدِيرِ اللهِ وَحِكمَتِهِ، فَلا رَادَّ لُحُكْمِهِ وَلا مُعَقِّبَ لِقَضَائِهِ، قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: 253]، ثُمَّ يَجِبُ عَلَينا بَعْدَ حَمْدِ اللهِ وَشُكْرِهِ، أَنْ نَحْذَرَ مِنَ التَّسَرُّعِ فِي بَثِّ الْأَخْبَارِ وَتَنَاقُلِهَا، فَرُبَّما نَكُونُ سَبَبًا فِي نَشْرِ الشَّائِعَاتِ وَتَدَاوُلِهَا، وَقَدْ أَوْصانا بِذَلِكَ نَبِيُّنا صلى الله عليه وسلم ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ صلى الله عليه وسلم: «كَفَى بالمَرْءِ كَذِبًا أنْ يُحَدِّثَ بكُلِّ ما سَمِعَ»[رواه مسلم]، ولْنَدَعِ الْخَوْضَ فِي الْأَحْدَاثِ وَالْأَزَمَاتِ فِي الْمَجَالِسِ وَوَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الاجْتِمَاعِيِّ، وَلْنَتْرُكْ ذَلِكَ لِأَهْلِ الاخْتِصَاصِ وَمَنْ وَلَّاهُ اللهُ أَمْرَنا؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ شَأْنِنَا، قال تَعالَى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾[النساء:83]، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْخَوْضِ إِلَّا انْشِغَالُنَا عَنْ عِبَادَتِنَا وَصِيَامِنَا وَصَلاتِنَا وَتِلَاواتِنَا لَكَفَى بِذَلِكَ مَفْسَدَةً، فَهَذَا الَّذِي يَعْنِينَا، وَأَمَّا خَوْضُنَا فِي الْأَحْدَاثِ فَلا يَعْنِينَا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ صلى الله عليه وسلم: «مِن حُسْنِ إسلامِ المرءِ تَرْكُه ما لا يَعْنِيه» [رواه الترمذي والإمام أحمد].
وَعَلَيْنَا عِبادَ اللهِ، التَّضَرُّعُ وَكَثْرَةُ الدُّعَاءِ بِأَنْ يَحْفَظِ اللهُ بِلادَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ وَمَكْرُوهٍ، وَأَنْ يُدِيمَ عِزَّهَا وَقُوَّتَهَا وَمَنَعَتَهَا، وَأَنْ يُدِيمَ عَلَى الْجَمِيعِ الْأَمْنَ وَالْأَمَانَ، وَأَنْ يَحْفَظَ جُنُودَنا الذِينَ يَذُودُونَ عَنْ بِلَادِنَا جَوًّا وَبَرًّا وَبَحْرًا، وَأَنْ يُسَدِّدَ رَأْيَهُمْ وَرَمْيَهُمْ.
وَاحْذَرْ أَخِي المسْلِمَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ تَصوِيرِ مَا يَكُونُ مِنْ أَحْدَاثٍ، وَهَذَا فِيهِ مَفَاسِدُ، مِنْ إِشَاعَةِ الرُّعْبِ بَيْنَ النَّاسِ، وَبَثِّ البَلْبلَةِ بَيْنَ مُجْتَمَعِنَا الآمِنِ، وَكَشْفٍ لأَسْرَارٍ، ثُمَّ فِيهِ مُخَالَفَةٌ صَرِيحَةٌ لِوَليِّ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ الذِي مَنَعَ تَصْوِيرَ أَيِّ حَدَثٍ، أَوْ آثَارِهِ، وَعَلَيْنا المحافَظَةُ علَى نِعْمَةِ الْأَمْنِ وَالِاسْتِقْرارِ، وَالْحَذَرَ الْحَذَرَ من كل ما يخلُّ بِتِلْكَ النِّعْمَةِ، سواءٌ بِالْكَلِمَةِ أَوْ بِالْفِعْلِ أَوْ بِالْإِشاعَةِ أَوْ بِنَشْرِ الْخَوْفِ وَالْبَلْبَلَةِ، فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْبَلاءِ وَأَدْهَى الْفِتَنِ الِانْسِياقَ وَراءَ الشَّائِعاتِ وَالدَّعَواتِ المجْهُولَةِ، وَعَلَيْنا بِلُزُومِ جَماعَةِ المسلِمِينَ وَاجْتِماعِ الْكَلِمَةِ، فَإِنَّ الْفِتَنَ إِذَا أَقْبَلَتْ اشْتَبَهَتْ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ تَبَيَّنَتْ، وَالمحافَظَةُ علَى أَمْنِ وَاسْتِقْرارِ بِلادِنا -حَفِظَها اللهُ- مَسْؤُولِيَّتُنا جَمِيعًا.
‌إِنَّ دِينَنا يَأْمُرُنا أَنْ نَكُونَ حَذِرينَ مُتَثَبِّتِينَ، عِنْدَ كُلِّ خَبَرٍ، وَلَا نَعْجَلُ بِنَشْرِ كُلِّ ما يَأْتِينا، فَنَكُونُ كَحَاطِبِ لَيْلٍ لَا نُبالِي بِما نَنْشُرُ، قالَ تَعالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:6]، وَلْنَحْذَرْ وَنُحَذِّرْ غَيْرَنا مِنْ تَصْوِيرِ أَوْ تَداوُلِ المقاطِعِ المتَعَلِّقَةِ بِالْأَحْداثِ الْأَمْنِيَّةِ، فَنُعْطِي فُرْصَةً لِمَرْضَى الْقُلُوبِ أَنْ يَنْشُرُوا وَيُرَوِّجُوا الْإِشاعَاتِ؛ وَفِي ذَلِكَ شَرٌّ عَظِيمٌ مِنَ الْإِرْجافِ، وَإِشاعَةِ الْخَوْفِ، وَتَعْرِيضُ الْأَنْفُسِ وَالمصالِحِ لِلْخَطَرِ، وَإِعانَةُ الْعَدُوِّ في عُدْوانِهِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا.. وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
﴿الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾
الحمدُ للهِ وَحْدَهُ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى مَنْ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وَبَعْدُ:
عِبادَ اللهِ: اِسْتَشْعِرُوا فَضْلَ اللهِ عَلَيْكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، قالَ تَعالَى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53]، وَاعْلَمُوا أَنَّ الشُّكْرَ حَياةٌ لِلْقُلُوبِ، وَسَبَبٌ لِدَوامِ الْخَيْرِ، وَأَمانٌ مِنَ الزَّوالِ، فَأَكْثِرُوا مِنْ حَمْدِ اللهِ اِعْتِرافًا بِقُلُوبِكُمْ، وَلَهْجًا بِأَلْسِنَتِكُمْ، وَانْضِباطًا بِجَوارِحِكُمْ، وَعَلِّمُوا أَبْناءَكُمْ شُكْرَ النِّعَمِ، وَذَكِّرُوهُمْ أَنَّ ما يَعِيشُونَهُ مِنْ أَمْنٍ وَرَخاءٍ لَيْسَ أَمْرًا مُعْتادًا في كُلِّ مَكانٍ، بَلْ هُوَ فَضْلٌ مِنَ اللهِ يَسْتَوْجِبُ دَوامَ الطَّاعَةِ، وَلُزُومَ الْجَماعَةِ، وَاجْتِماعَ الْكَلِمَةِ، وَالْإِكْثارَ مِنْ الدُعاءِ وَالِابْتِهالِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَى اللهِ تَعالَى خاصَّةً في هَذِهِ الْأَيَّامِ وَاللَّيالِي المبارَكَةِ.
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]
‎اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الخلفاء الراشدين، وعن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ ومن تبعهم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.