نِعْمَةُ الْأَمْنِ وَخَطَرُ الْإِشاعَةِ 17/ 9/ 1447هـ
﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾
الحمْدُ للهِ الكَريمِ المنَّانِ، واسعِ الفِضْلِ والإحسانِ، الَّذِي أَنْعمَ فأَجْزَلَ، وَأَعْطَى فَأَفْضَلَ، وَأَسْبَغَ علَى عِبادِهِ نِعَمَهُ ظاهِرةً وَباطِنَةً، أَحْمَدُهُ سُبحانَهُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُباركًا فِيهِ كَما يُحِبُّ رَبُّنا وَيَرْضَى، وَأَشْكُرُهُ علَى ما أَوْلانا مِنَ النِّعَمِ، وَما دَفَعَ عنَّا مِنَ النِّقَمِ، وأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلّا اللهُ وَحْدَه لا شَرِيكَ لَهُ، أَمَرَ بِالشُّكْرِ وَوَعَدَ علَيهِ بالمزِيدِ، وَتَوَعَّدَ علَى الكُفْرانِ بِزَوالِ النِّعَمِ وَتَبَدُّلِ الأَحْوالِ، وَأَشْهَدُ أنَّ نَبِيَّنا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، أَعْبَدُ النَّاسِ لِرَبِّهِ، وَأَشْكَرُهُمْ لِنِعَمِهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ سارَ علَى نَهْجِهِ، وَاقْتَفَى أَثَرَهُ إلَى يَومِ الدِّينِ، أمَّا بَعْدُ:
فاتَّقُوا اللهَ عِبادَ اللهِ، وَاسْتَمِرُّوا فِي الْاجْتِهَادِ فِيمَا بَقِيَ مِنْ رَمَضَانَ، فَقَدْ أَزِفَتْ أَيَّامُهُ عَلَى الْانْقِضَاءِ، وَقَارَبَتْ لَيَالِيهُ عَلَى الانْتِهَاءِ، فَهَا نَحْنُ نَقْتَرِبُ مِنَ الْعَشْرِ الْأَخِيرَةِ مِنْ رَمَضَانَ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَجْتَهِدُ فِيهَا اجْتِهَادًا عَظِيمًا لَمْ يَفْعَلْهُ فِي غَيْرِهَا مِنَ اللَّيَالِي، فَمِنْ ذَلِكَ: الاعتكافُ وإِحْيَاءُ اللَّيْلِ كَامِلًا، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم «كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْه]، وقَالَتْ رَضِيَ اللهُ عَنْهُا: كَانَ رَسُولُ اللهِ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ –أَيْ: الْعَشْرُ الْأَواخِرُ مِنْ رَمَضَانَ- شَدَّ مِئْزَرَهُ وَأَحْيَا لَيْلَهُ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْه]، فَكَانَ صلى الله عليه وسلم يُحْيِي اللَّيْلَ بِالصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَى اللهِ عز وجل تَحَرِّيًا لِليْلَةِ القَدْرِ، الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهَرٍ، مَنْ حُرِمَهَا فَقَدْ حُرِمَ الخَيْرَ، وقالَ صلى الله عليه وسلم: «رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ، ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ« [رواه الترمذي].
وَاعْلَمُوا أَنَّ العَشْرَ هَذَا العَامَ تَدْخُلُ بِغُرُوبِ شَمْسِ يَومِ الاثْنَينِ القَادِمِ إِنْ شاءَ اللهُ، فَمَنْ وَفَّقَهُ اللهُ لِاعْتَكَافِ العَشْرِ فَلْيَدْخُلِ المسْجِدَ قَبْلَ غُروبِ الشَّمْسِ، وَلْيَشْتَغِلْ بِالطَّاعَاتِ مِنَ القِيَامِ وَقِرَاءَةِ القُرْآنِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ.
وَاعْلَمُوا أنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرُباتِ، وَأَجَلِّ الْعِباداتِ، وَأَوْسَعِ أَبْوابِ الْخَيرِ وَالْبَركاتِ: عِبادَةَ الشُّكْرِ للهِ جَلَّ وَعَلا، فَهِيَ عِبادَةُ الْقَلْبِ وَاللِّسانِ وَالجَوارِحِ، وَهِيَ عُنوانُ صِدْقِ الإِيمانِ، وَدَلِيلُ مَعْرِفَةِ الْعَبْدِ بِرَبِّهِ سُبْحانَهُ وَتَعالَى.
أيُّها المسْلِمونَ: عِبادَةُ الشُّكْرِ لَيْسَتْ كَلِمَةً تُقالُ بِاللِّسانِ فَحَسْبُ، بَلْ هِيَ اعْتِرافٌ بِالْقَلْبِ، وَثَناءٌ بِاللِّسانِ، وَعَمَلٌ بِالجَوارِحِ؛ فَشُكْرُ الْقَلْبِ بِالِاعْتِرافِ بِأَنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَمَّا شُكْرُ اللِّسانِ فَبِالثَّناءِ علَى اللهِ تَعالَى وَحَمْدِهِ وَذِكْرِهِ، وَأَمَّا شُكْرُ الجَوارِحِ فَبِاسْتِعمالِ النِّعْمَةِ في طاعَةِ اللهِ، لا في مَعْصِيَتِهِ، وَثَمَرَةُ عِبادَةِ الشُّكْرِ عَظِيمَةٌ في الدُّنْيا وَالآخِرَةِ؛ قالَ عز وجل: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾، وَهَذِه آيةٌ عَظِيمَةٌ جامِعَةٌ، جَعَلَ اللهُ الشُّكْرَ سَبَبًا لِلْمَزِيدِ، وَالمزِيدُ هنا يَشْمَلُ كُلَّ أَنْواعِ الزِّيادَةِ: فِي الرِّزْقِ، وَالصِّحَّةِ، وَالْأَمْنِ، وَالطُّمَأْنِينَةِ، وَالْبَرَكَةِ، والْهِدَايَةِ، وَسَائِرِ الخَيْراتِ.
عِبادَ اللهِ: إنَّ مِنْ أَجَلِّ النِّعَمِ: نِعْمَةُ الْأَمْنِ وَالِاسْتِقْرارِ، الَّتِي نَعِيشُها في هذِهِ الْبِلادِ المبارَكَةِ الممْلَكةِ الْعَربِيَّةِ السُّعودِيَّةِ؛ فَبِالْأَمْنِ يُقامُ دِينُ اللهِ، فَيُؤَدِّي المسْلِمونَ الصَّلَواتِ في مَساجِدِهِمْ مُطْمَئِنِّينَ، وَكَذَلِكَ المناسِكُ، وَتَتَحَقَّقُ مَصالِحُ الناسِ في الدِّينِ وَالدُّنْيا، وَنِعْمَةُ الْأَمْنِ فِي كِتابِ اللهِ مَقْرُونَةٌ بِنِعْمَةِ الرِّزْقِ، قالَ تَعالَى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: 3- 4]، فَالْعِبادَةُ وَالشُّكْرُ الَّذِي هُوَ أَعْلَى مَنازِلِها يَضْمَنانِ نِعْمَتَي الرِّزْقِ وَالْأَمْنِ، اللَّذانِ هُمَا قِوامُ الْحَياةِ، وَأَساسُ الِاسْتِقْرارِ، وَخَلِيلُ الرَّحْمَنِ إِبْراهِيمُ عليه السلام بَدَأَ الدُّعاءَ بِسُؤالِ الْأَمْنِ قَبْلَ الرِّزْقِ، فَقالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا ﵟوَٱرۡزُقۡ أَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ﴾ [البقرة: 126]؛ لِأنَّ الأمنَ إذا فُقِدَ اخْتلَّتْ سائِرُ النِّعَمِ، وَإِذَا وُجِدَ اسْتقامَتْ بَقِيَّةُ الأُمُورِ.
أيُّها الموَحِّدُونَ: لا يَخْفَى عَلَيْكُمْ مَا تَمُرُّ بِهِ بِلادُنَا وَبِلَادُ إِخْوَانِنَا فِي الْخَلِيجِ مِنْ أَزْمَةٍ حَادِثَةٍ، ونحن نُؤْمِنَ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ بِتَقْدِيرِ اللهِ وَحِكمَتِهِ، فَلا رَادَّ لُحُكْمِهِ وَلا مُعَقِّبَ لِقَضَائِهِ، قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: 253]، ثُمَّ يَجِبُ عَلَينا بَعْدَ حَمْدِ اللهِ وَشُكْرِهِ، أَنْ نَحْذَرَ مِنَ التَّسَرُّعِ فِي بَثِّ الْأَخْبَارِ وَتَنَاقُلِهَا، فَرُبَّما نَكُونُ سَبَبًا فِي نَشْرِ الشَّائِعَاتِ وَتَدَاوُلِهَا، وَقَدْ أَوْصانا بِذَلِكَ نَبِيُّنا صلى الله عليه وسلم ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ صلى الله عليه وسلم: «كَفَى بالمَرْءِ كَذِبًا أنْ يُحَدِّثَ بكُلِّ ما سَمِعَ»[رواه مسلم]، ولْنَدَعِ الْخَوْضَ فِي الْأَحْدَاثِ وَالْأَزَمَاتِ فِي الْمَجَالِسِ وَوَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الاجْتِمَاعِيِّ، وَلْنَتْرُكْ ذَلِكَ لِأَهْلِ الاخْتِصَاصِ وَمَنْ وَلَّاهُ اللهُ أَمْرَنا؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ شَأْنِنَا، قال تَعالَى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾[النساء:83]، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْخَوْضِ إِلَّا انْشِغَالُنَا عَنْ عِبَادَتِنَا وَصِيَامِنَا وَصَلاتِنَا وَتِلَاواتِنَا لَكَفَى بِذَلِكَ مَفْسَدَةً، فَهَذَا الَّذِي يَعْنِينَا، وَأَمَّا خَوْضُنَا فِي الْأَحْدَاثِ فَلا يَعْنِينَا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ صلى الله عليه وسلم: «مِن حُسْنِ إسلامِ المرءِ تَرْكُه ما لا يَعْنِيه» [رواه الترمذي والإمام أحمد].
وَعَلَيْنَا عِبادَ اللهِ، التَّضَرُّعُ وَكَثْرَةُ الدُّعَاءِ بِأَنْ يَحْفَظِ اللهُ بِلادَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ وَمَكْرُوهٍ، وَأَنْ يُدِيمَ عِزَّهَا وَقُوَّتَهَا وَمَنَعَتَهَا، وَأَنْ يُدِيمَ عَلَى الْجَمِيعِ الْأَمْنَ وَالْأَمَانَ، وَأَنْ يَحْفَظَ جُنُودَنا الذِينَ يَذُودُونَ عَنْ بِلَادِنَا جَوًّا وَبَرًّا وَبَحْرًا، وَأَنْ يُسَدِّدَ رَأْيَهُمْ وَرَمْيَهُمْ.
وَاحْذَرْ أَخِي المسْلِمَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ تَصوِيرِ مَا يَكُونُ مِنْ أَحْدَاثٍ، وَهَذَا فِيهِ مَفَاسِدُ، مِنْ إِشَاعَةِ الرُّعْبِ بَيْنَ النَّاسِ، وَبَثِّ البَلْبلَةِ بَيْنَ مُجْتَمَعِنَا الآمِنِ، وَكَشْفٍ لأَسْرَارٍ، ثُمَّ فِيهِ مُخَالَفَةٌ صَرِيحَةٌ لِوَليِّ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ الذِي مَنَعَ تَصْوِيرَ أَيِّ حَدَثٍ، أَوْ آثَارِهِ، وَعَلَيْنا المحافَظَةُ علَى نِعْمَةِ الْأَمْنِ وَالِاسْتِقْرارِ، وَالْحَذَرَ الْحَذَرَ من كل ما يخلُّ بِتِلْكَ النِّعْمَةِ، سواءٌ بِالْكَلِمَةِ أَوْ بِالْفِعْلِ أَوْ بِالْإِشاعَةِ أَوْ بِنَشْرِ الْخَوْفِ وَالْبَلْبَلَةِ، فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْبَلاءِ وَأَدْهَى الْفِتَنِ الِانْسِياقَ وَراءَ الشَّائِعاتِ وَالدَّعَواتِ المجْهُولَةِ، وَعَلَيْنا بِلُزُومِ جَماعَةِ المسلِمِينَ وَاجْتِماعِ الْكَلِمَةِ، فَإِنَّ الْفِتَنَ إِذَا أَقْبَلَتْ اشْتَبَهَتْ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ تَبَيَّنَتْ، وَالمحافَظَةُ علَى أَمْنِ وَاسْتِقْرارِ بِلادِنا -حَفِظَها اللهُ- مَسْؤُولِيَّتُنا جَمِيعًا.
إِنَّ دِينَنا يَأْمُرُنا أَنْ نَكُونَ حَذِرينَ مُتَثَبِّتِينَ، عِنْدَ كُلِّ خَبَرٍ، وَلَا نَعْجَلُ بِنَشْرِ كُلِّ ما يَأْتِينا، فَنَكُونُ كَحَاطِبِ لَيْلٍ لَا نُبالِي بِما نَنْشُرُ، قالَ تَعالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:6]، وَلْنَحْذَرْ وَنُحَذِّرْ غَيْرَنا مِنْ تَصْوِيرِ أَوْ تَداوُلِ المقاطِعِ المتَعَلِّقَةِ بِالْأَحْداثِ الْأَمْنِيَّةِ، فَنُعْطِي فُرْصَةً لِمَرْضَى الْقُلُوبِ أَنْ يَنْشُرُوا وَيُرَوِّجُوا الْإِشاعَاتِ؛ وَفِي ذَلِكَ شَرٌّ عَظِيمٌ مِنَ الْإِرْجافِ، وَإِشاعَةِ الْخَوْفِ، وَتَعْرِيضُ الْأَنْفُسِ وَالمصالِحِ لِلْخَطَرِ، وَإِعانَةُ الْعَدُوِّ في عُدْوانِهِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا.. وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
﴿الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾
الحمدُ للهِ وَحْدَهُ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى مَنْ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وَبَعْدُ:
عِبادَ اللهِ: اِسْتَشْعِرُوا فَضْلَ اللهِ عَلَيْكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، قالَ تَعالَى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53]، وَاعْلَمُوا أَنَّ الشُّكْرَ حَياةٌ لِلْقُلُوبِ، وَسَبَبٌ لِدَوامِ الْخَيْرِ، وَأَمانٌ مِنَ الزَّوالِ، فَأَكْثِرُوا مِنْ حَمْدِ اللهِ اِعْتِرافًا بِقُلُوبِكُمْ، وَلَهْجًا بِأَلْسِنَتِكُمْ، وَانْضِباطًا بِجَوارِحِكُمْ، وَعَلِّمُوا أَبْناءَكُمْ شُكْرَ النِّعَمِ، وَذَكِّرُوهُمْ أَنَّ ما يَعِيشُونَهُ مِنْ أَمْنٍ وَرَخاءٍ لَيْسَ أَمْرًا مُعْتادًا في كُلِّ مَكانٍ، بَلْ هُوَ فَضْلٌ مِنَ اللهِ يَسْتَوْجِبُ دَوامَ الطَّاعَةِ، وَلُزُومَ الْجَماعَةِ، وَاجْتِماعَ الْكَلِمَةِ، وَالْإِكْثارَ مِنْ الدُعاءِ وَالِابْتِهالِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَى اللهِ تَعالَى خاصَّةً في هَذِهِ الْأَيَّامِ وَاللَّيالِي المبارَكَةِ.
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الخلفاء الراشدين، وعن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ ومن تبعهم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.
وأقبلت العشر 17/ 9/ 1447هـ
﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾
الْحَمْدُ لِلَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ، الْقَرِيبِ الْمُجِيبِ؛ يُعْطِي السَّائِلِينَ، وَيَجْبُرُ الْمُنْكَسِرِينَ، وَيُجِيبُ دُعَاءَ الدَّاعِينَ، نَحْمَدُهُ حَمْدَ الشَّاكِرِينَ، وَنَسْتَغْفِرُهُ اسْتِغْفَارَ التَّائِبِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ رَبٌّ رَءُوفٌ رَحِيمٌ، قَرِيبٌ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ حَتَّى تَلْقَوْهُ..﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة البقرة:233]. عِبَادَ اللهِ: إِنَّ شَهْرَكُمْ هَذَا قَدْ اقْتَرَبَ تَمَامُهُ وَتَصَرَّمَتْ لَيَالِيهِ الْفَاضِلَةُ وَأَيَّامُهُ، وَآذَنَ بِالرَّحِيلِ، ولَقَدْ خَصَّكُمُ اللهُ عز وجل بِخَصَائِصَ، وَجَعَلَ لَكُمْ مَزَايَا، وَمَنَحَكُم كَثِيرًا مِنَ الفَضَائِلِ، وَهَا أَنْتُمْ عَلَى أَبْوابِ أَفضَلِ اللَّيَالِي عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَبَعْدَ أَيَّامٍ قَلائِلَ نَسْتَهِلُّ الْعَشْرَ الْأَخِيرَةَ مِنْ رَمَضَانَ، وَكَانَ صلَّى الله عَلَيهِ وَسلّم يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهَا، كانَ صلَّى الله عَلَيهِ وَسلّم يَتَحَرَّى لَيلَةَ القَدْرِ في هَذِهِ اللَّيالِي، وَيَحُثُّ عَلَى تَحَرِّيها، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَواخِرَ، فَيَجْلِسُ فِي المسْجِدِ لَيْلَهُ وَنَهارَهُ، يَخْلُو بِرَبِّهِ، يَعْبُدُ اللهَ عز وجل يَتْلُو كِتابَهُ، يُصَلِّي، يَذْكُرُ اللهَ فِي اعْتِكافِهِ، فَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، أَنَّ النَّبِي صلَّى الله عَلَيهِ وَسلّم: «كَانَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ أَحْيَا اللَّيْلَ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ وَشَدَّ مِئْزَرَهُ وَجَدَّ» [متفق عليه]. كِنَايَةٌ عَنِ الِاسْتِعْدَادِ لِلْعِبَادَةِ، وَالِاجْتِهَادِ فِيهَا زِيَادَةً عَلَى الْمُعْتَادِ؛ فَيَنْبَغِي عَلَى الْمُسْلِمِ الْجِدُّ وَالِاجْتِهَادُ فِي العِبَادَةِ، فَإِنَّ الْمَرْءَ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ لَا يُدْرِكُهَا مَرةً أُخْرَى، بِاخْتِطَافِ هَادِمِ اللَّذَّاتِ، وَمُفَرِّقِ الْجَمَاعَاتِ، فَحِينَئِذٍ يَنْدَمُ حَيْثُ لَا يَنْفَعُ النَّدَمُ، وَلِهَذِهِ الْعَشْرِ فَضائِلُ عَظِيمَةٌ، مِنْها: أَنَّها خِتامُ الشَّهْرِ، وَالْأَعْمالُ بِالْخَواتِيمِ فَمَنْ كانَ مُحْسِنًا فِيما مَضَى، فَلْيُحْسِنْ في هَذِهِ الْأَيّامِ لِتَكُونَ خَيْرَ خِتامٍ، وَمَنْ كانَ مُفَرِّطًا أَوْ مُسِيئًا فَعَلَيهِ بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ الْفَواتِ، وَمِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْعَشْرِ؛ وُجُودُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِيهَا، وَهِيَ لَيْلَةٌ عَظِيمَةٌ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:1-3]، قَالَ صلَّى الله عَلَيهِ وَسلّم: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَقَدْ خَصَّ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ اللَّيْلَةَ بِخَصَائِصَ منها: نُزُولُ الْقُرْآنِ فِيهَا: جُمْلَةً وَاحِدَةً، مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ في السَّماءِ السَّابِعَةِ، إِلَى بَيْتِ الْعِزَّةِ مِنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ نَزَلَ مُفَصَّلًا بِحَسَبِ الْوَقَائِعِ فِي ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، عَلَى رَسُولِ اللهِ صلَّى الله عَلَيهِ وَسلّم ، وَمِنْ مُميِّزاتِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ الْعِبادَةُ فِيها خَيْرٌ مِنْ عِبادَةِ أَلْفِ شَهْرٍ، قَالَ تَعَالَى:﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. وَهِيَ لَيْلَةٌ مُبَارَكَةٌ، قَالَ تَعَالَى:﴿إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾[الدخان:3]. وَيَكْثُرُ تَنَزُّلُ الْمَلَائِكَةِ فِي هَذِه اللَّيْلَةِ؛ لِكَثْرَةِ بَرَكَتِهَا، قَالَ تَعَالَى:﴿تَنزلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾[القدر:4] وَالرُّوحُ: هُوَ جِبْرِيلُ، عليه السلام، وَقَدْ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِشَرَفِهِ، ويَغْفِرُ اللهُ تَعَالَى لِمَنْ قَامَهَا إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، قَالَ النَّبِيِ صلَّى الله عَلَيهِ وَسلّم:«مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَمَعْنَى: «إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا» أَيْ: تَصْدِيقًا بِوَعْدِ اللهِ بِالثَّوَابِ عَلَيْهِ، وَطَلَبًا لِلْأَجْرِ لَا لِقَصْدٍ آخَرَ مِنْ رِيَاءٍ أَوْ نَحْوِهِ.
– وَمِنْ عَظَمَتِهَا أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَ فِي شَأْنِهَا سُورَةً تُتْلَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَذَكَرَ فِيهَا شَرَفَ هَذِهِ اللَّيْلةِ، وَعِظَمَ قَدْرِهَا-سُوْرَةَ الْقَدْرِ- فالْعِبَادَةُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَهَذَا فَضْلٌ عَظِيمٌ، وَفِي هَذَا تَرْغِيبٌ لِلْمُسْلِمِ، وَحَثٌّ لَهُ عَلَى قِيَامِهَا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ؛ وَلِذَا كَانَ النَّبِيُّ صلَّى الله عَلَيهِ وَسلّم ، يَلْتَمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ وَيَتَحَرَّاهَا؛ وَهِيَ فِي الْعَشْرِ، وَفِي أَوْتَارِ الْعَشْرِ آكَدُ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلَّى الله عَلَيهِ وَسلّم قَالَ: «تَحَرُّوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَرَجَّحَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهَا تَتْنَقَّلُ كُلَّ عَامٍ، وَلَيْسَتْ فِي لَيْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ، قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: (وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ الْمُخْتَارُ لِتَعَارُضِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي ذَلِكَ، وَلَا طَرِيقَ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ إِلَا بِانْتِقَالِهَا). وَإِنَّمَا أَخْفَى اللهُ تَعَالَى هَذِهِ اللَّيْلَةَ لِيَجْتَهِدَ الْعِبَادُ فِي طَلَبِهَا، وَيَجِدُّوا فِي الْعِبَادَةِ، كَمَا أَخْفَى سَاعَةَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرَهَا.
عِبَادَ اللهِ: وَكانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ مِنَ الصَّحابَةِ وَالتَّابِعِينَ إِذَا أَقْبَلَتِ الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ يَخُصُّونَها بِطُولِ الْقِيامِ، وَزِيادَةِ تِلاوَةِ الْقُرْآنِ، وَالصَدَقَةِ، وَالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَى اللهِ؛ اِقْتِداءً بِالنَّبِيِّ صلَّى الله عَلَيهِ وَسلّم ، كانُوا يُصَلُّونَ التَّهَجُّدَ، وَيَخْتِمُونَ تَهَجُّدَهُمْ بِالْوِتْرِ وَالِاسْتِغْفارِ، فَلْيَكُنْ لَنَا بِهِمْ أُسْوَةٌ، وَلْنَسِرِ عَلَى آثارِهِمْ لَعَلَّنَا نَلْحَقُ بِهِمْ، فَإِنَّ مَنْ يُوَفَّقْ لِقِيامِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ فَعَمَلُهُ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، فَيا لَها مِنْ لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ، كَمَا سَمَّاها اللهُ! وَيَا لَها مَنْ لَيْلَةٍ ذاتِ قَدْرٍ عِنْدَ اللهِ سُبْحانَهُ وَتَعالَى، قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ؛ مَا أَقُولُ؟ قَالَ: قُولِي: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» رَوَاهُ التِّرمذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.
وَلِهَذِهِ اللَّيْلَةِ ثَلَاثُ عَلاماتٍ تُعْرَفُ بِهَا، وَوَردَتْ بِها الْأَدِلَّةُ الصَّحِيحَةُ: الْعَلَامَةُ الْأُولَى: «أَنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ صَبِيحَتَهَا لَا شُعَاعَ لَهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. الْعَلَامَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ «لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةٌ سَمْحَةٌ طَلْقَةٌ، لَا حَارَّةٌ وَلَا بَارِدَةٌ، تُصْبِحُ الشَّمْسُ يَوْمَهَا حَمْرَاءَ ضَعِيفَةٌ» صَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ. الْعَلَامَةُ الثَّالِثَةُ: «أَنَّهَا صَافِيَةٌ بَلْجَةٌ، كَأَنَّ فِيهَا قَمَرًا سَاطِعًا، سَاكِنَةٌ سَاجِيَةٌ، لَا بَرْدَ فِيهَا وَلَا حَرَّ، وَلَا يَحِلُّ لِكَوْكَبٍ أَنْ يُرْمَى بِهِ فِيهَا حَتَّى تُصْبِحَ، وَإِنَّ أَمَارَتَهَا أَنَّ الشَّمْسَ صَبِيحَتَهَا تَخْرُجُ مُسْتَوِيَةً، لَيْسَ لَهَا شُعَاعٌ مِثْلَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لَا يَحِلُّ لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا يَوْمَئِذٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.
أَيُّهَا الصَّائِمُونَ: اتَّقُوا اللهَ، وَاجْتَهِدُوا فِي هَذَا الشَّهْرِ بِإِحْسَانِ أَقْوَالِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ، واللهَ اللهَ فِي الجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ، فَإِنَّ الْخُيُولَ الْأَصِيْلَةَ يَشْتَدُّ جَرْيُهَا وَيَزِيْدُ عَطَاؤُهَا إِذَا شَارَفَ السِّبَاقُ عَلَى النِّهَايَةِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا.. وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى عِظَمِ نِعَمِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَخَلِيلُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أمَّا بَعْدُ. فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- حَقَّ التَّقْوَى، وَاسْتَمْسِكُوا مِنَ الْإِسْلَامِ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ أَجْسَادَكُمْ عَلَى النَّارِ لَا تَقْوَى.
عِبَادَ اللهِ: وَمِنَ الْأُمُورِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ لِلْمُسْلِمِ عَمَلُهَا فِي هَذِهِ الْعَشْرِ؛ الِاعْتِكَافُ فِي الْمَسْجِدِ، فَيُسَنُّ الِاعْتِكَافُ فِيهَا؛ لِزِيادَةِ فَضْلِهَا عَلَى غَيْرِهَا مِنْ أَيَّامِ السَّنَةِ، وَالِاعْتِكَافُ: لُزُومُ الْمَسْجِدِ لِطَاعَةِ اللهِ تَعَالَى، وفِي حَدِيثِ أَبِى سَعِيدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ صلَّى الله عَلَيهِ وَسلّم اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأُوَّلَ ثُمَّ الْعَشْرَ الْوَسَطَ، ثُمَّ أَخْبرَهُمْ أَنَّهُ كَانَ يَلْتَمِسُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَأَنَّهُ أُرِيهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، وَقَالَ: «مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِيَ فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَعَنْ عَاِئَشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صلَّى الله عَلَيهِ وَسلّم «كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَاهُ اللهُ تَعَالَى، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْعُلَماءُ رَحِمَهُمُ اللهُ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ الْعَشْرَ الْأَواخِرَ فَلْيَدْخُلِ الْمَسْجِدَ قَبْلَ غُرُوبِ شَمْسِ الْيَوْمِ الْعِشْرِينَ، وَيُسَنُّ لِلْمُعْتَكِفِ الِاشْتِغَالُ بِالطَّاعَاتِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْجِمَاعُ وَمُقَدِّمَاتُهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾[البقرة: 187]، وَلَا يَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ مِنَ الْمَسْجِدِ إِلَّا لِحَاجَةٍ لَا بُدَّ مِنهَا، فَعَلَى المسْلِمِ؛ أَلَّا يُفَوِّتَ فُرْصَةَ الاِعْتِكَافِ، وَقَدْ أَفْتَتِ اللَّجْنَةُ الدَّائِمَةُ أَنَّهُ: (يَجُوزُ الِاعْتِكافُ، وَلَوْ ساعَةً مِنَ الزَّمَنِ).
عِبادَ اللهِ: الدُّنْيا ساعاتٌ وَأَيَّامٌ، وَهِيَ مِنْ صَحائِفِ الْأَعْمارِ، وَعُمُر الْإِنْسانِ مِنْهَا عَمَلُهُ، وَالسَّعِيدُ مَنْ خَلَّدَها بِأَحْسَنِ الْأَعْمالِ، وَالْفَائِزُ مَنِ اغْتَنَمَ بِالْخَيْرِ لَحَظاتِ وَقْتِهِ، وَلَمْ يُفرِّط في شيءٍ مِنْ دَهْرِهِ، وَالمغْبُونُ مَنِ انْفَرَطَ أَمْرُهُ، وَغَفَلَ قَلْبُهُ، وَاتَّبَعَ هَواهُ، والمحْرُومُ مَنْ حُرِمَ الْخَيْرَ فِي رَمَضانَ، قالَ النَّبيُّ صلَّى الله عَلَيهِ وَسلّم: «رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ، ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ« [رواه الترمذي].
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الخلفاء الراشدين، وعن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ ومن تبعهم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.
رمضان والدعاء.. آداب وأحكام 10/9/1447ه
﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾
إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى مَعْشَرَ الصَّائِمِينَ، فَإِنَّ الصِّيَامَ إِنَّمَا شُرِعَ لِتَحْقِيقِ التَّقْوَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[البقرة:183]، فَامْتَثِلُوا أَوَامِرَ رَبِّكُمْ، وَاجْتَنِبُوا نَوَاهِيَهُ، وَاحْذَرُوا الْهَوَى وَدَوَاعِيَهُ، فَلَا رَاحَةَ لِلنَّفْسِ، وَلَا سَعَادَةَ لَهَا، وَلَا طُمَأْنِينَةَ إِلَّا فِي طَاعَةِ رَبِّهَا، وَالتَّعَلُّقِ بِهِ وَحْدَهُ، وَاجْتِنَابِ مَعْصِيَتِهِ سِرًّا وَجَهْرًا.
عِبَادَ اللهِ: قالَ تَعالَى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:4]، فَالْإِنْسانُ يُواجِهُ فِي دُنْياهُ الْأَكْدارَ، وَالشَّدائِدَ، وَالِابْتِلاءاتِ، فَوْقَ ما يَنْتَظِرُهُ في الْآخِرَةِ مِنْ أَهْوالٍ وَأُمُورٍ عِظامٍ، وَالْإِنْسانُ ضَعِيفٌ، قالَ تَعالَى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء:28] فَلا بُدَّ لَهُ مِنَ الِاسْتِعانَةِ باللهِ عزَّ وجلَّ:
إِذَا لَمْ يَكُنْ عَوْنٌ مِنَ اللهِ لِلْفَتَى*** فَأَوَّلُ مَا يَقْضِي عَلَيْهِ اجْتِهادُهُ
وَالدُّعاءُ أَقْوَى أَسْبابِ الِاسْتِعانَةِ، وَهُوَ مِنْ قَدَرِ اللهِ عزَّ وجلَّ، أَمانُ الْخَائِفِينَ، وَمَلْجَأُ المضْطَرِّينَ، يَدْفَعُ الْبَلاءَ، وَيُعَالِجُهُ، وَيَمْنَعُ نُزُولَهُ، فَيَرْفَعُهُ، أَوْ يُخَفِّفُهُ إِذَا نَزَلَ، وَهُوَ سِلَاحُ الْمُؤْمِنِ؛ لِذَا دَعَا إِلَيْهِ الْقُرْآنُ، بَلْ جَعَلَ الْوَعِيدَ الشَّدِيدَ لِمَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ، قالَ تَعالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]. فَالدُّعاءُ سَبِيلُ كُلِّ الْأَنْبِياءِ وَالصَّالِحِينَ، فَآدَمُ وَنُوحٌ وَإِبْراهِيمُ وَأَيُّوبُ وَمُوسَى وَعِيسَى وَنَبِيُّنا صلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ كانَ دَيْدَنُهُمُ الدُّعاءَ، يَضْرَعُونَ إِلَى رَبِّهِمْ فِي الشِّدَّةِ وَالرَّخاءِ وَالْيُسْرِ وَالْعُسْرِ، فَلَيْسَ الدُّعاءُ لِطَلَبِ الْعَوْنِ فَقَطْ، بَلْ إِنَّ الدُّعاءَ عِبادَةٌ، قَالَ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ» [صححه الألباني]. قالَ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللهِ مِنَ الدُّعاءِ» [رواه البخاري في الأدب المفرد، وحسنه الألباني]، وَقالَ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «لا يَرُدُّ الْقَضاءَ إِلَّا الدُّعاءُ، وَلا يَزِيدُ فِي الْعُمُرِ إِلَّا الْبِرُّ» [الترمذي، وحسنه الألباني]، وَقالَ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ حَيِىٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خائِبَتَيْنِ» [أبو داوود، وابن ماجه].
أيها المؤمنون: أَلَا وَإِنَّ الصِّيَامَ وَالدُّعَاءَ عِبَادَتَانِ جَلِيلَتَانِ، وَمَقَامَانِ عَظِيمَانِ مِنْ مَقَامَاتِ الْعُبُودِيَّةِ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَبَيْنَهُمَا ارْتِبَاطٌ وَثِيقٌ، وَمِمَّا يُشِيرُ إِلَى هَذِهِ الْعَلَاقَةِ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:186]. جَاءَ ضِمْنَ آيَاتِ الصِّيَامِ، وكَذَلِكَ الصِّيَامُ مِنْ أَسْبَابِ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ، قالَ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ: دَعْوَةُ الصَّائِمِ، وَدَعْوَةُ المظْلُومِ، وَدَعْوَةُ المسَافِرِ» [صححه الألباني]. وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ فِطْرِهِ أنْ يَقُولَ: «ذَهَبَ الظَّمَأُ، وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ، وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» [أخرجه أبو داود وحسنه الألباني]. وَقَوْلُهُ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ «وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا بِمَعْنَى الدُّعَاءِ، وإِذَا أَفْطَرَ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ نَاسٍ قَالَ: «أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الْأَبْرَارُ وَتَنَزَّلَتْ عَلَيْكُمُ الْمَلَائِكَةُ» [رواه أحمد]. فَهَذِهِ النُّصوصُ تُفِيدُ أَنَّ الصِّيَامَ مِنْ أَسْبَابِ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ؛ فَعَلَى الصَّائِمِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي الدُّعَاءِ فَرَبُّنا سُبْحانَهُ قَرِيبٌ سَمِيعٌ مُجِيبٌ مَنّانٌ.
عِبَادَ اللهِ: الرُّوحُ في رَمَضانَ تَسْمُو وَتُقْبِلُ، وَالْقَلْبُ يَرِقُّ وَيَخْشَعُ، وَتَنْدَحِرُ النَّفْسُ وَالْهَوَى وَوَساوِسُ الشَّيْطانِ؛ وَيَتَهيَّأُ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَقُومَ داعِيًا بَيْنَ يَدَي رَبِّهِ بِيَقِينٍ، وَذُلٍّ وَإِلْحاحٍ، قالَ تَعالَى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل:62]، وقَالَ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ، نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ» [رواه مسلم]. فَلَكَ الحَمْدُ رَبَّنا خَلَقْتنا مِنْ عَدَمٍ، وَهَدَيْتَنا مِنْ ضَلالَةٍ، وَعَلَّمْتَنا مِنْ جَهْلٍ، وَدَعَوْتَنا لِسُؤَالِكَ، وَأَوْقَفْتَنا بِبابِكَ، وَوَعَدْتَنا بِالْإِجابَةِ.
عِبادَ اللهِ: إِنَّ مَنْ يَدْعُو اللهَ عزَّ وجلَّ لا يَخِيبُ أَبَدًا؛ قَالَ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «ما مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو اللهَ بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيها مَأْثَمٌ، وَلا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطاهُ إِحْدَى ثَلاثٍ: إِمَّا أَنْ يَسْتَجِيبَ لَهُ دَعْوَتَهُ، أَوْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَها، أَوْ يَدَّخِرَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلَها» قالوا: يا رَسُولَ اللهِ، إِذًا نُكْثِرُ قالَ: «اللهُ أَكْثَرُ» [رواه مسلم].
وَلَرُبَّ نازِلَةٍ يَضِيقُ بِها الْفَتَى *** ذَرْعًا وَعِنْدَ اللهِ مِنْهَا الْمَخْرَجُ
وَإِنَّ لِعِبَادَةِ الدُّعاءِ آدَابًا شَرْعِيَّةً وَأَحْكَامًا مَرْعِيَّةً، مِنْها: أَنْ يَكُونَ الدَّاعِي مُخْلِصًا في دُعائِهِ، وَاثِقًا بِاللهِ، وَأَنَّهُ لا يَقْضِي حاجَتَهُ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ، فَيُفْرِدُ اللهَ بِالدُّعَاءِ، وَلا يَدْعُو غَيْرَهُ دُعَاءَ عِبَادَةٍ، أَوْ تَوَسُّلٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر:14]. فَمَنْ دَعَا مَيِّتًا أَوْ غَائِبًا، نَبِيًّا أَوْ وَلِيًّا، مَلَكًا أَوْ جِنًّا، فِي حَالِ رَخَاءٍ أَوْ شِدَّةٍ فَقَدِ أَشْرَكَ عِيَاذًا بِاللهِ.
وَمِنْهَا تِكْرَارُ الدُّعَاءِ وَالْإِلْحَاحُ فِيهِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يُحِبُّ ذَلِكَ مِنْ عَبْدِهِ، فَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: “كَانَ رَسُولُ اللهِ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلَاثًا، وَإِذَا سَأَلَ سَأَلَ ثَلَاثًا” [رواه مسلم]. وَأَنْ يَفْتَتِحَ الدُّعاءَ بِحَمْدِ اللهِ وَالثَّناءِ عَلَيهِ، وَالصَّلاةِ والسَّلامِ عَلَى النَّبيِّ، وَيَخْتَتِمَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَأَنْ يَعْتادَ الدُّعاءَ في السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، فَلَيْسَ الدُّعاءُ كَالدَّواءِ لا يُؤْخَذُ إِلَّا عِنْدَ المصائِبِ، بَلِ الدُّعاءُ تَعَلُّقٌ بِاللهِ عزَّ وجلَّ عَلَى كُلِّ أَحْوالِكَ.
وَمِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ حُضُورُ القلب، والْبُعْدُ عَنِ الْغَفْلَةِ، وَرَفْعِ الْيَدَيْنِ؛ إِظْهَارًا لِلتَّذَلُّلِ وَالْمَسْكَنَةِ وَالْحَاجَةِ، وَكَانَ النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ في الدُّعَاءِ، وَدَلَّتِ السُّنَّةُ أنَّ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ إجَابَةِ الدُّعَاءِ، وَيَا حَبَّذَا الْوُضُوءُ وَاسْتِقْبالُ الْقِبْلَةِ.
وَمِنْهَا أَنْ يَقْرِنَ دُعَاءَهُ بِمَا يَكُونُ سَبَبًا للِإِجَابَةِ، كَالتَّوَسُّلِ بَأَسْمَاءِ اللهِ وَصِفَاتِهِ، وَالتَّوَسُّلِ إِلَى اللهِ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ، كَمَا عَلَّمَنَا اللهُ تَعَالَى أَنْ نَقُولَ: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا ۚ رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران:193]. فَبَدَأَ بِذِكْرِ الْإِيمانِ بِاللهِ وَرَسُولِهِ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ ذِكْرِ الحاجَةِ، وَهِيَ طَلَبُ مغْفِرَةِ الذُّنُوبِ، وَتَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ، وَالْوَفاةِ مَعَ الْأَبْرَارِ، وَمِنْ أَسْبابِ الْإِجابَةِ أَكْلُ الحلالِ، وَالْبُعْدُ عَنِ الحَرامِ.
وَأَلَّا يَدْعُو بِإِثْمٍ وَلَا قَطِيعَةِ رَحِمٍ، وَأَلَّا يَعْتَدِيَ فِي الدُّعَاءِ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:55]، وَقَالَ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إنَّهُ سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الطَّهُورِ وَالدُّعَاءِ» [صححه الألباني].
وَمِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ أَنْ يَجْزِمَ فِي الطَّلَبِ وَالْمَسْأَلَةِ، وَلَا يُعَلِّقَهَا عَلَى الْمَشِيئَةِ؛ لِقَوْلِهِ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ، لِيَعْزِمِ المَسْأَلَةَ، فَإِنَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ» [متفق عليه]، وَمِنْهَا أَلَّا يَسْتَعْجِلَ الْإِجَابَةَ، قالَ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: «يَقُولُ قَدْ دَعَوْتُ، وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ، وَيَدَعُ الدُّعَاءَ» [رواه مسلم]، فَمِنَ مَوَانِعِ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ الاستعجال وترك الدُّعَاءَ؛ لِتَأَخُّرِ الْإِجَابَةِ، وَمِنْ مَوانِعِ الإِجابَةِ: الشِّرْكِ وَالْإِصْرارِ عَلَى الذَّنْبِ، وَأَكْلِ أَوْ شُرْبِ الْحَرامِ.
وَمِنْ آدَابِهِ خَفْضُ الصَّوْتِ بَيْنَ الْمُخَافَتَةِ وَالْجَهْرِ، قَالَ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «اِرْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا، وَهُوَ مَعَكُمْ» [رواه البخاري ومسلم]. وَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَخْتارَ أَوْقاتَ الْإِجابَةِ، وَمِنْها: عِنْدَ الْفِطْرِ، وَعَصْرُ الجُمُعَةِ، وَفي السُّجُودِ، وَالثُّلُثُ الْأَخِيرُ مِنَ اللَّيْلِ، وَعِنْدَما يَقُومُ لِلْسُّحُورِ، وَبَيْنَ الْأَذانِ وَالْإِقامَةِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، نَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَرْزُقَنَا خَيْرَ المسْأَلَةِ وَخَيْرَ الدُّعاءِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا.. وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾
الحَمْدُ للهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْواتِ، يُجِيبُ مَنْ دَعاهُ، فَيَكْشِفُ السُّوءَ، وَيُقِيلُ الْعَثَراتِ، وَيَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ رَبُّ الْعَالمينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ خَيْرُ خَلْقِ اللهِ أَجْمَعِينَ، وَرَضِيَ اللهُ عَنِ الصِّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ:
عِبَادَ اللهِ: طُوبَى لِمَنِ الْتَزَمَ بِجَوامِعِ الدُّعاءِ، مِمّا كانَ يَدْعُو بِهِ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مِثْلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ، عَاجِلِهِ وَآَجِلِهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ، وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَاذَ مِنْهُ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ كُلَّ قَضَاءٍ تَقْضِيهِ لِي خَيْرًا، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ مِمّا يَجِبُ ذِكْرُهُ في هَذا المقامِ: الدَّعَواتِ الَّتِي لا تُرَدُّ: دَعْوَةُ الصائِمِ، قالَ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «ثَلاثَةٌ لا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ» وَذَكَرَ مِنْهُمْ: «وَالصَّائمُ حَتَّى يُفْطِرَ» [رواه والترمذي وابن ماجه]، وَدَعْوَةُ المظْلُومِ، وَالمسافِرِ، وَالوالِدِ لِوَلَدِهِ، والمضْطَرِّ، وَدَعْوَةُ ذِي النُّونِ، قالَ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ، إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87] إِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ» [رواه الحاكم: وقال: هذا حديث صحيح].
وَقَدْ حَذَّرَنا صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَدْعُوَ علَى أَنْفُسِنا، أَوْ أَبْنائِنا أَوْ أَمْوالِنا، قالَ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا تُوَافِقُوا مِنَ اللهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ، فَيَسْتَجِيبُ لَكُم» [رواه مسلم].
وَنُذَكِّرُ أَيُّها الْإِخْوَةُ أَنَّ وِزارَةَ الحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَعْلَنَتْ عَنْ فَتْحِ بابِ الْحَجْزِ لِحُجّاجِ الدّاخِلِ، مِنَ المواطِنِينَ وَالمقِيمِينَ لِهذا العامِ بِدايَةً مِنْ 15 رَمَضانَ، وَحَتَّى نِهايَةِ شَوّالٍ، فَمَنْ أَرادَ الْحَجَّ فَلْيُبادِرْ بِالحَجْزِ، تَقَبَّلَ اللهُ مِنّا جَمِيعًا.
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56] اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفاءِ الرَّاشِدِين، وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.
كتب الراحل المدقق المتأمل الطبيب الإنسان الدكتور / مصطفى محمود …عليه رحمة الله …
هذه الكلمات …..
كنت أقرأ اسم الله (الوهّاب) فأمر عليه مرور الكرام، ظانًا أنه مرادف للرازق أو الكريم، حتى قادتني “خيوط النور” في كتاب الله إلى رحلة استقراء هزت كياني، وأعادت صياغة مفاهيمي عن الملك والرحمة والذرية، بل وعن وجودي بأسره.
– بدأت رحلتي من لحظة حيرة وتساؤل: ما الفرق بين ما نكسبه وما يُوهب لنا؟
– ولماذا اقترن هذا الاسم العظيم بمواقف العجز البشري وانقطاع الأسباب؟
– هنا، انفتح لي باب التدبر، وبدأت أتلمس الخيط الناظم.
.. أول ما استوقفني وأنا أتتبع هذا الخيط، هو ذلك الاقتران المهيب في سورة (ص) بين العزة والوهب، في قوله تعالى: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾.
– تساءلتُ: لمَ “العزيز” هنا؟ فأدركت بقلبي قبل عقلي أن الهبة تقتضي عزاً واقتداراً؛
– فالعاجز لا يهب.
– لكن الدهشة الحقيقية تجلت لي حين رأيت سليمان عليه السلام في السورة ذاتها يطلب ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، مستخدماً هذا الاسم تحديداً: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾.
– هنا لمحتُ أول الخيط: الوهّاب هو الذي يعطيك ما يتجاوز خيالك، بأسباب قمت بها ، أو ما يعجز قانون الأسباب الأرضية عن الإتيان به.
– سليمان لم يطلب توسعة في الرزق، بل طلب خرقاً للعادة، وسلطاناً على الريح والشياطين، فكان مفتاح هذا الطلب المستحيل هو “الوهّاب”.
.. ثم شدني الخيط بقوة إلى “بيوت الأنبياء”، لأرى أن أدق العلاقات الإنسانية وأعزها، علاقة الأب بابنه، والأخ بأخيه، هي محض هبة لا يد للبشر فيها.
– وقفت أمام شيخوخة إبراهيم عليه السلام وهو يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾.
– تأملت “على الكبر”؛
– حيث انطفأت شعلة الشباب وجفت مياه الأسباب، جاء “الوهّاب” ليعلن أن عطاءه لا يحده زمن ولا يقيده قانون بيولوجي.
– وتكرر المشهد مع زكريا عليه السلام في سورة مريم، حيث العاقر والشيخ الفاني، ومع ذلك: ﴿ووَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾، وفي موضع آخر عن الخليل إبراهيم: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾.
– رأيتُ هنا أن الذرية ليست نتاجاً بيولوجياً حتمياً، بل هي هبة ربانية قد تأتي من رحم العدم ومنتهى اليأس، لتكسر غرور الإنسان بعلمه وطبه.
.. ولم يتوقف الخيط عند الذرية، بل امتد ليربط لي أواصر الأخوة والنصرة بالهبة الإلهية.
– وقفت منبهرا عند قوله تعالى في حق موسى عليه السلام: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾.
– يا الله!
– حتى الرفيق الصالح، والسند الذي يشد أزرك في معترك الحياة، هو هبة منه سبحانه.
– تغيرت نظرتي لأصدقائي ولإخوتي؛ لم يعودوا مجرد صدف اجتماعية، بل هم “هبات” ساقها الوهّاب لرحمتي.
– إن وجود شخص يفهمك ويعينك على الخير في هذا العالم الموحش هو تجليات اسم الله الوهّاب في حياتك.
.. ثم ارتقى بي الخيط إلى ما هو أسمى من الذرية والملك والسند؛ ارتقى بي إلى “هبة العقل والنور والحكمة”.
– رأيت كيف امتن الله على موسى فقال: ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
– الحكم والفهم، تلك البصيرة التي تفرق بها بين الحق والباطل، ليست ذكاءً مجرداً وراثياً، وليست نتاج كثرة القراءة فحسب، بل هي هبة يقذفها الله في قلب من يشاء.
– وتذكرت دعاء الراسخين في العلم في مطلع سورة آل عمران: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾.
– لماذا طلبوا الثبات والرحمة باسم “الوهّاب”؟ لأن الهداية هي أعظم المنح التي لا تُشترى، ولأن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، فالثبات عليها ليس بشطارتنا، بل بوهبه المستمر الذي لا ينقطع.
.. ومضيت مع الآيات، فإذا بالخيط يمر بي على سورة الشورى، ليقرر قاعدة كونية في توزيع الأرزاق البشرية: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾.
– استخدام الفعل “يهب” هنا يخلع عن الإنسان رداء التحكم، ويذكره بفقره المطلق.
– إن كنتَ أباً أو كنتِ أماً، فما بين أيديكم ليس ملكية خاصة، بل هي “هبة” مؤقتة مستودعة، تستوجب الشكر لا الفخر.
– وحتى في دعاء عباد الرحمن في الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾، جاء الطلب بصيغة الهبة، لأن صلاح الزوجة والولد ليس بيدك أيها الإنسان، مهما بذلت من تربية ونصح – وإن كان ذلك لا يسقط عنك القيام بواجبك نحوهم فأنت مكلف بذلك – فصلاحهم منحة وهدية من الوهاب سبحانه.
.. لقد صحح هذا التطواف القرآني عدستي التي أرى بها العالم. أدركت أن (الوهّاب) هو المتفضل بالعطايا قبل السؤال، المعطي بلا عوض، والمنعم بلا غرض.
– سبحانه، يعطي من لا يرجوه، فكيف بمن يرجوه؟
– تغير مفهومي لليأس؛
– فكيف أيأس وربُّ الأسباب هو “الوهّاب” الذي وهب يحيى لشيخ عاقر؟
– وكيف أغتر بعلمي أو مالي وهو القائل عن قارون وغيره ما يفيد أن كل ذلك محض فضل؟
– لقد علمتني هذه الآيات أن أتعامل مع الله بفقري لا بعملي.
– الوهّاب يعطينا لا لأننا نستحق، بل لأنه هو الجواد الكريم، خزائنه ملأى لا تغيضها نفقة.
د. مصطفى محمود
.. وفي ختام هذه الرحلة الروحية، أجد قلبي موقناً أن كل نَفَسٍ يتردد في صدري، وكل ومضة فهم تلمع في عقلي، وكل لحظة أنس تعمر قلبي، هي فيض من فيوضات اسمه “الوهّاب”.
– يا رب، إن كنتُ لا أصلح لمسألتك لفقري وسوء عملي، فإنك أهلٌ لأن تهب لي من خزائن رحمتك ما يُصلح شأني كله، بلا سبب مني ولا استحقاق، إلا طمعاً في جودك الذي وسع كل شيء.
– اللهم هب لنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشداً، واجعلنا من الشاكرين لنعمك التي لا تُحصى.
أدعو الله أن يعزّ دينه، وأن ينصر كتابه وسنّة نبيّه، وأن يردّنا إلى ديننا ردّا جميلا، وأن يمسّكنا بالحقّ حتّى نلقاه.
*إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا*
فضل رَمَضانَ وَتَصْحِيحُ المفاهِيمِ 3/ 9/ 1447هـ
﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾
إِنَّ الحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعْينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرورِ أَنْفُسِنا وَسَيِّئاتِ أَعْمالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبارِكْ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعَينَ .أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: 29].
عِبَادَ اللهِ: الحَمْدُ للهِ الَّذِي بَلَّغَنا بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ رَمَضانَ، يَتَزَوَّدُ فِيهِ المؤْمِنُ مِنَ التَّقْوَى، وَكَفَى بِها زَادًا لِلْمِيعادِ، الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَمَدَّ في أَعْمارِنا إلى الشهْرِ الَّذي اخْتَصَّهُ، وَاخْتارَهُ لِنزولِ الوَحْي على نَبِيِّنا صلى الله عليه وسلم، واخْتَصَّهُ بِنزولِ أَعْظَمِ كِتابٍ، قالَ تَعالَى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185]، وَاخْتَصَّهُ بأَفْضَلِ الأعْمالِ، وَأَحبِّها إِلَيْه سُبْحانَهُ؛ الصِّيامِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «قالَ اللهُ : كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصَّوْمَ، فإنَّه لي وَأَنا أَجْزِي بِهِ» [رواه مسلم، وابن ماجه]، شَهْرٌ فيهِ أُمَّهاتِ الطاعاتِ: صيامٌ، وَصلاةٌ، وَدُعاءٌ، وَتِلاوةُ الْقُرْآنِ، وَالبِرُّ وَالصَّدَقَةُ، شَهْرٌ يُعانُ الْعَبْدُ عَلَى الطّاعَةِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ»[رواه البخاري، والنسائي]، شهرٌ تُغْفَرُ فِيهِ الذُّنوبُ وَالسَّيِّئاتُ، وللهِ عُتَقاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ؛ قال صلى الله عليه وسلم: «إنَّ للَّهِ عِنْدَ كُلِّ فِطْرٍ عُتَقاءَ، وَذلِك في كُلِّ لَيلةٍ»[رواه الترمذي، وابن ماجه]، شهرٌ يُكَرَّمُ فيه الصائِمونَ، فَخَلُوفُ فَمِ الصائِمِ أَطْيَبُ عندَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ، وَإِذَا فَطَّرَ المسلمُ صائِمًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا»[رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه]، وَلِصَّائِمِ دَعَواتٌ مُسْتَجاباتٌ لا تُرَدُّ، وَيشْفَعُ له الصيامُ والقرآنُ يومَ القيامَةِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ، مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ» قَالَ: «فَيُشَفَّعَانِ» [رواه أحمد، والطبراني، والحاكم، وصححه]. وَيَدْخُلُ الصائِمونَ الجنَّةَ مِنْ بابِ الرَّيَّانِ، لا يَدْخُلُ مِنْهُ غَيْرُهُمْ، وَيُعْطِيهِمْ رَبُّهُمْ وَيَفِيضُ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ حِسابٍ.
عِبادَ اللهِ: كَثِيرٌ مِنَ المسْلِمين في رَمَضانَ تَجِدْهُ مُهْتَمًّا بِخَتْمِ القُرآنِ، وَقِيامِ اللَّيلِ، لَكِنَّهُ يَغْفُلُ عن عِبادةٍ عَظِيمَةٍ، أَلَا وَهِيَ الصَّدَقَةُ، فَشَهْرُ رَمَضَان، شَهْرُ الموَاسَاةِ وَالتَّرَاحُمِ، وَالْجُودِ وَالْكَرَمِ، وَالتَّكَافُلِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، حَيْثُ حَثَّ الْإِسْلَامُ عَلَى بَذْلِ المالِ؛ سَدًّا لِحَاجَةِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ خَاصَّةً فِي رَمَضَان، وَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبابِ تَفْرِيجِ الْكُرُوبِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» [رواه أبو داود، وابن ماجه، وصححه الألباني]، وفي الصَّدَقَةِ اقْتِداءٌ بِنَبِيِّنا صلى الله عليه وسلم، فَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قالَ: “كانَ رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ ما يَكونُ في رَمَضانَ حِينَ يَلْقاهُ جِبْرِيلُ، وكانَ يَلْقاهُ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِن رَمَضانَ فيُدارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدُ بالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ” [رواه البخاري، ومسلم]. قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: “أُحِبُّ لِلرَّجُلِ الزِّيادَةَ بِالْجُودِ فِيْ شَهْرِ رَمَضَانَ، اقتداءً بِرَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَلِحَاجَةِ النَّاسِ فِيْهِ إِلَى مَصَالِحِهِم، وَلِتَشَاغُلِ كثيرٍ مِنْهُمْ بِالْصَّوْمِ، وَالصَّلَاةِ عَنْ مَكَاسِبِهِم”.
لكنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ يَفْهَمُ الصَّدَقَةَ علَى أَنَّها تَوْزِيعُ الأَمْوالِ علَى المتَسَوِّلِينَ في الطُّرُقاتِ، ولا يَتَفَقَّدُ أَهْلَهُ وَجِيرانَهُ، وَالمتَعَفِّفِينَ الَّذِينَ قالَ اللهُ تعالَى فِيهِمْ: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾[البقرة: 273]، وقالَ تعالَى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الإسراء: 26]، قالَ صلى الله عليه وسلم: «الصَّدَقَةُ علَى المسْكينِ صَدَقَةٌ، وعلَى ذِي القَرابةِ اثنتان: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» [رواه الترمذي والنسائي]؛ فَسَارِعُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- إِلَى فِعْلِ الْخَيْرَاتِ، وَالصَّدَقَاتِ فِي شَهْرِ الْبِرِّ وَالْخَيْرَاتِ؛ وَلَا يَسْتَحْقِرَنَّ أَحَدَكُمْ مَا يُنْفِقُهُ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ إِلَّا الطَّيِّبُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فُلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْه].
عِبادَ اللهِ: رَمَضانُ شَهْرُ تَأْدِيبِ النَّفْسِ بِالْجُوعِ وَالْعَطَشِ، وَكَبْحِ جِماحِ شَهْوَتِها، شَهْرٌ يَشْعُرُ فِيه المسْلِمُ الْغَنِيُّ بِحالِ أَخِيهِ الْفَقِيرِ وَيَعِيشُ لَحَظاتٍ مِنْ أَلَمِ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ مِثْلَ ما يُعانِيهِ إِخْوانُهُ الْفُقَراءُ طُولَ الْعامِ، فَلْيَحْذَرِ المبَذِّرُونَ وَالمسْرِفُونَ وَالَّذِين يَتَباهَوْنَ بِكَثْرَةِ الْأَطْعِمَةِ وَاتِّسَاعِ الموائِدِ، فَهَذَا مِنْ إِهْدارِ نِعَمِ اللهِ، وَعَدَمِ شُكْرِها، وَيَظْهرُ ذَلِكَ فِيْ الْوَلائِم وَالأَعْرَاسِ، وَالكَمَالِيَّاتِ؛ وَبَعْضُهُمْ يُصَوِّرُ تِلْكَ الموائِدَ وَيَنْشُرُها في مَواقِعِ التَّواصُلِ؛ فَيَكْسِرُ قُلُوبَ الْفُقَراءِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾[الأعراف: 31]. وَهَذا الْإِسْرافُ مُخالِفٌ لِهَدْيِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، وَفِيهِ تَضْيِيعٌ لِلْحِكْمَةِ مِنَ الصِّيامِ.
عِبادَ اللهِ: هُنَاكَ مَنْ يَظَنُّ أَنَّ رَمَضَانَ شَهْرُ الرَّاحَةِ وَالْكَسَلِ، وَهَذَا فَهْمٌ خَاطِئٌ، بَلْ شَهْرُ الْقُوَّةِ لَا شَهْرَ الْضَّعْفِ، فَالْصِّيَامُ لَا يُسَوِّغُ التَّقْصِيرَ فِي الْاِنْتِظَامِ الدِّرَاسِيِّ لِلْطُّلَّابِ، أَوِ التَّهَاوُنَ فِي أَدَاءِ الْمَهامِّ الْوَظِيفِيَّةِ لِلْمُوَظَّفِينَ، وَأَنَّ الْمُسْلِمَ مَأْمُورٌ بِالْجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ وَإِتْقَانِ عَمَلِهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، قَالَ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ»[رواه الطبراني والبيهقي]، بَلْ كانَ نَبِيُّنا صلى الله عليه وسلم يَصُومُ رَمَضانَ، وَيَصُومُ أَغْلَبَ شَعْبانَ، وَيَصُومُ الاثْنَيْنَ وَالخَمِيسَ، وثَلاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا دَخَلَ عَلَيَّ قَالَ: «هَلْ عِنْدَكُمْ طَعَامٌ؟»، فَإِذَا قُلْنَا: لَا، قَالَ: «إِنِّي صَائِمٌ» [رواه أبو داود، والنسائي]، وَمَعَ صِيامِهِ صلى الله عليه وسلم كانَ يَقُومُ بِأَعْباءِ الْقِيادَةِ دِينِيًّا وَاجْتِماعِيًّا وَسِياسِيًّا، وَهُوَ خَيْرُ مَنْ تَعَبَّدَ لِرَبِّهِ، يَقُومُ اللَّيْلَ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَماهُ، وَيَكُونُ فِي خِدْمَةِ أَهْلِهِ، وَيَتَفَقَّدُ أَحْوالَ أَصْحابِهِ، وَيُجَهِّزُ الْجُيوشَ، وَيَبْعَثُ السَّرايا، وَيَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ، يَعْمَلُ كُلَّ هَذا وَهُوَ صائِمٌ.
عِبادَ اللهِ: إِنَّ رَمَضانَ أَعْظَمُ مَدْرَسَةٍ؛ فَهُوَ يُعَوِّدُنا الْعاداتِ الْحَسَنَةَ الْإيجابِيَّةَ، وَيُرَبِّي فِينا رُوحَ المنافَسَةِ عَلَى فِعْلِ الخَيْراتِ، وَاكْتِسابِ الحَسَناتِ، وَعَدَمِ الرُّكُونِ إِلَى الرَّاحَةِ وَالْكَسَلِ، فَلا يَلِيقُ بِمَنْ أَعَدَّ اللهُ لَهُ شَهْرَ الْإِكْرامِ، وَأَحْياهُ حَتَّى يَغْتَرِفَ مِنْ رَحَماتِهِ وَغُفْرانِهِ، ثُمَّ هُوَ يَجْعَلَ الشَّهْرَ لِلَذِيذِ الْمَطْعُوماتِ وَالمشْرُوباتِ وَالسَّهَراتِ وَالضِّيافاتِ، ولا يَكُونُ نَصِيبُ الْعِبادَةِ إِلَّا فُضُولَ الْأَوْقاتِ.
نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُعِينَنا عَلَى الصِّيامِ وَالْقِيامِ، وَأَنْ يَجْعَلَنا مِنْ عُتَقائِهِ مِنَ النَّارِ.
أَقُولُ قَوْلِيْ هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِيْ وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الـمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَّصَ قُلُوبَ وَعُقُولَ عِبادِهِ المتَّقِينَ مِنْ ظُلَمِ الشَّهَواتِ والشُّبُهاتِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ..
عِبادَ اللهِ: في رَمَضانَ تَرْتَفِعُ الرُّوحُ الْإِيمانِيَّةُ، وَكَذَلِكَ الْقُوَّةُ الجَسَدِيَّةُ؛ فَالصَّوْمُ عِلاجٌ لِلْأَرْواحِ وَالْأَبْدانِ، وَفِي الصِّيامِ والْقِيامِ وَأَعْمالِ الخَيْرِ تَرْبِيَةٌ لِلنَّفْسِ وَتَهْذِيبُها، فَيَنْبَغِي لِكُلِّ مُسْلِمٍ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِ بِبِلُوغِ رَمضَانَ أَنْ يَمْلَأَهُ بِالطَّاعَةِ وَالتَّعَرُّضِ لِرَحَماتِ اللهِ عزَّ وجلَّ: فَقَدْ دَعَا جِبْرِيلُ عليه السلامُ وَأَمَّنَ صلى الله عليه وسلم عَلَى دُعائِهِ: قالَ صلى الله عليه وسلم: «جَاءَنِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: رَغِمَ أَنْفُ عَبْدٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ. فَقُلْتُ: آمِينَ» [صحيح الأدب المفرد].
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56] اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفاءِ الرَّاشِدِين، وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.
رسالة جميلة للخطباء في رمضان!
- إلى جميع خطباء المساجد الأفاضل:
لا داعي لتكرار الحديث عن أهمية الشهر الفضيل وأنه شهر الصيام، فالكل يعرف ذلك جيداً.. لا تكرروا على الصائمين الحديث عن مقدار زكاة الفطر، وهل يجب إخراجها طعاماً أو نقداً؟
▪︎ بل أخبروهم أن من يفطر بعد صيامه بمال منهوب، فهو عمل محرم شرعا
أخبروهم أن من عليه مظلمة فعليه ردها إلى أهلها والتوبة قبل أن يزكي ويتصدق..
أخبروهم أن من يمنع أخواته من الميراث ويأكل حقهم يعتبر عدواناً على حدود الله وظلماً للعباد، وتوعد الله فاعله بنار جهنم.
أخبروهم أن المال الحرام لا يقبل منه زكاة ولا صدقة..
أخبروهم بصلة الأرحام وبر الوالدين..
أخبروهم بحقوق الجار، وحرمة المال العام، وحرمة الطريق، وحرمة الإسراف في المأكل والملبس!
أخبروهم بمسؤولياتهم تجاه أولادهم ومسؤولياتهم عن تصرفات هؤلاء الأولاد..
أخبروهم بحرمة احتكار السلع ورفع الأسعار..
أخبروهم أن مابينك وبين الله يغفرها بالتوبة ، فهو الرحيم العظيم يغفر الذنوب جميعاً، وأن مظالم العباد لا فكاك منها إلا بالتوبة، وإعادة الحقوق إلى أهلها.. أخبروهم بأن إماطة الأذى عن الطريق صدقة، وأن رمي المخلفات في الشوارع والمتنزهات ليست من خلق الإسلام..
الدكتور فايز البدراني الحربي
الِاسْتِعْدادُ لِرَمَضانَ 25/ 8/ 1447هـ
﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾
إِنَّ الحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعْينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرورِ أَنْفُسِنا وَسَيِّئاتِ أَعْمالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبارِكْ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعَينَ .أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: 29].
عِبَادَ اللهِ: بَشَّرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الصَّحابَةَ رضي الله عنهم قائِلًا: «أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ، فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ» [رواه النسائي والبيهقي وصححه الألباني]، فَلْنَسْتَعِدَّ لِاسْتِقْبالِ أَكَثَرِ الشُّهُورِ بَرَكَةً وَتَعَبُّدًا، وَعِتْقًا مِنَ النَّارِ، فَحُقَّ لِقُلُوبِ المؤْمِنِينَ أَنْ تَشْتاقَ، وَلِأَرْواحِهِمْ أَنْ تَبْتَهِجَ، أَيّامٌ قَلائِلُ وَيُصَبُّ عَلَيْنَا الْخَيْرُ صَبًّا، يُزادُ لَنَا فِي الْأَرْزاقِ، وَتُضاعَفُ لَنا الْحَسَناتِ، شَهْرٌ تَمَيَّزَ بَيْنَ شُهُورِ الدُّنْيا، وَأَهْلُهُ يَتَمَيَّزُونَ مِنْ بَيْنِ الْخَلائِقِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ مِنْ بابِ الرَّيَّانِ، وَالصَّوْمُ عِبادَةٌ سِرِّيَّةٌ، قِوامُها الصَّبْرُ وَالْإِخْلاصِ، فَكَذلِكَ ثَوابُهُ عَطاءٌ بِغَيْرِ حِسابٍ، وَإِنَّهُ مِنْ تَعْظِيمِ شَعائِرِ اللهِ عز وجل أَنْ نَسْتَبْشِرَ وَنَسْتَعِدَّ لِاسْتِقْبالِ رَمَضانَ، ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32].
فَبُلُوغُ رَمَضانَ مِنْ عَظِيمِ فَضْلِ اللهِ تَعالَى، وَطُولُ الْعُمُرِ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ إِذَا اقْتَرَنَ بِحُسْنِ الْعَمَلِ، وَإِلَّا كانَ وَبالًا عَلَى صاحِبِهِ، قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الناسِ خَيرٌ؟ قالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ طالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ»، قالَ: فَأَيُّ الناسِ شَرٌّ؟ قالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ طالَ عُمُرُهُ وَساءَ عَمَلُهُ» [رواه الترمذي، وأحمد، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح] فَالمؤْمِنُونَ يَفْرَحُونَ وَيَسْتَبْشِرُونَ وَيَدْعُونَ رَبَّهُمْ أَنْ يُبَلِّغَهُمْ رَمَضانَ، وَيَعْقِدُونَ الْعَزْمَ عَلَى الطَّاعَةِ فِيهِ، وَقَدْ كانَ صلى الله عليه وسلم يَسْتَعِدُّ لِرَمَضانَ، فَيُكْثِرُ مِنَ الصَّوْمِ في شَعْبانَ، كَيْفَ لا وَهُوَ شَهْرُ جمع كثيرا من العبادات والخيرات، كالصَّبْرِ وَالْإِحْسانِ وَالرَّحْمَةِ وَالْغُفْرانِ وَالدُّعاءِ والصَّدَقَةِ وَالْقُرْآنِ، وَالتَّوْبَةِ وَالْعِتْقِ مِنَ النِّيرانِ، لِاقْتِرابِهِ فَرْحَةٌ وَاشْتِياقٌ، كَما أَنَّ لِفِراقِهِ أَلَمًا في الْقَلْبِ لا يُطاقُ، وَسَلَفُنا الصَّالِحُ عَرَفُوا قَدْرَهُ، فَكانُوا يَدْعُونَ اللهَ أَنْ يُبَلِّغَهُمْ رَمَضانَ، ثُمَّ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ أَنْ يَتَقَبَّلَهُ مِنْهُمْ، فَمَنْ حُرِمَ الخَيْرَ وَالرَّحْمَةَ فِيهِ، فَهُوَ المحْرُومُ حَقًّا.
فَتَشَبَّهُوا إِنْ لَمْ تَكُونُوا مِثْلَهُمْ *** إِنَّ التَّشَبُّهَ بِالْكِرامِ فَلَاحُ
عِبادَ اللهِ: أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ «يا باغِيَ الخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيا باغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ» [رواه الترمذي، وابن ماجه، وحسنه الألباني]، فَقَدْ تَهَيَّأَتْ لَنا فُرْصَةٌ قَدْ لا تَعُودُ، مُدَّتُها ﴿أَيَّامًا مَعْدُودُاتٍ﴾ [الحج: 32]، مَوْسِمٌ عَظِيمٌ، سَرِيعُ الرَّحِيلِ، يا سَعْدَ مَنِ اغْتَنَمَ الْفُرْصَةَ! تُغْفَرُ ذُنُوبُهُمْ، وَتُعْتَقُ رِقابُهُمْ، فَإِنَّ بُلُوغَ رَمَضانَ وَصِيامَهُ وَقِيامَهُ يَسْبِقُ الشَّهادَةَ في سَبِيلِ اللهِ، قَدِمَ رَجُلانِ علَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأَسْلَمَا مَعًا، وَكَانَ أَحَدُهُمَا أَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنْ الْآخَرِ، فَغَزَا الْمُجْتَهِدُ مِنْهُمَا فَاسْتُشْهِدَ، ثُمَّ مَكَثَ الْآخَرُ بَعْدَهُ سَنَةً، ثُمَّ تُوُفِّيَ، قَالَ طَلْحَةُ: فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ: بَيْنَا أَنَا عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ، إِذَا أَنَا بِهِمَا، فَخَرَجَ خَارِجٌ مِنْ الْجَنَّةِ فَأَذِنَ لِلَّذِي تُوُفِّيَ الْآخِرَ مِنْهُمَا، ثُمَّ خَرَجَ فَأَذِنَ لِلَّذِي اسْتُشْهِدَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيَّ فَقَالَ: ارْجِعْ، فَإِنَّكَ لَمْ يَأْنِ لَكَ بَعْدُ، فَأَصْبَحَ طَلْحَةُ يُحَدِّثُ النَّاسَ، فَعَجِبُوا لِذَلِكَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «مِنْ أَيِّ ذَلِكَ تَعْجَبُونَ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا كَانَ أَشَدَّ الرَّجُلَيْنِ اجْتِهَادًا، ثُمَّ اسْتُشْهِدَ، وَدَخَلَ هَذَا الْآخِرُ الْجَنَّةَ قَبْلَهُ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَلَيْسَ قَدْ مَكَثَ هَذَا بَعْدَهُ سَنَةً؟» قَالُوا: بَلَى. قَالَ: «وَأَدْرَكَ رَمَضَانَ فَصَامَ، وَصَلَّى كَذَا وَكَذَا مِنْ سَجْدَةٍ فِي السَّنَةِ؟» قَالُوا: بَلَى. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «فَمَا بَيْنَهُمَا أَبْعَدُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» [رواه النسائي، وابن ماجه، وصححه الألباني]، وَصَعَدَ صلى الله عليه وسلم الْمِنْبَرَ ذاتَ مَرَّةٍ فَقَالَ: «آمِينَ، آمِينَ، آمِينَ» قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا كُنْتَ تَصْنَعُ هَذَا؟ فَقَالَ: «قَالَ لِي جِبْرِيلُ: رَغِمَ أَنْفُ عَبْدٍ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا لَمْ يُدْخِلْهُ الْجَنَّةَ. قُلْتُ: آمِينَ. ثُمَّ قَالَ: رَغِمَ أَنْفُ عَبْدٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ. فَقُلْتُ: آمِينَ. ثُمَّ قَالَ: رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ ذُكرتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ، فَقُلْتُ: آمِينَ» [رواه النسائي، وابن ماجه، وصححه الألباني]، وقالَ صلى الله عليه وسلم: «الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ، مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ» قَالَ: «فَيُشَفَّعَانِ» [رواه أحمد، والطبراني، والحاكم، وصححه].
فَوَجَبَ يا عِبادَ اللهِ، أَنْ نَسْتَعِدَّ لِهذِهِ الْفُرْصَةِ الْعَظِيمَةِ، بِإِصْلاحِ أَنْفُسِنا وَمُحاسَبَتِها، وَتَهْيِئَتِها لِلتَّعَرُّضِ لِلنَّفَحاتِ وَالرَّحَماتِ، قالَ الحَسَنُ الْبَصْرِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: إِنَّ الْعَبْـدَ لا يَـزالُ بـِخَيْرٍ مـا كـانَ لَـهُ واعِظٌ مِنْ نَفْسِهِ، وَكانَتِ المحاسَبَةُ مِنْ هِمَّتِهِ، فَلْنُعِدَّ نِيَّةً وَعَزْمًا صادِقًا، وَلْنُقْلِعْ عَنِ المعاصِي، وَلْنَصْدُقِ اللهَ عز وجل بِإِخْلاصِ الْعِبادَةِ، وَلْنَجْعَلْ هَذِهِ الْأَيّامَ تَدْرِيبًا عَمَلِيًّا لِلْمُحافَظَةِ علَى صلاةِ الجَماعَةِ، كَذَلِكَ بَقِيَّةُ الْعِباداتِ كَالْقِيامِ، وَقِراءَةِ الْقُرآنِ، وَالدُّعاءِ، وَالصَّدَقَةِ، ولا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ في شَهْرِ الْعِبادَةِ وَالذِّكْرِ أَنْ يَجْعَلَ أَعْظَمَ الْهَمِّ وَالْوَقْتِ وَالْجُهْدِ لِلْمَطْعُوماتِ وَالمشْرُوباتِ وَالسَّهَراتِ وَالضِّيافاتِ، وَما تَبَقَّى يَكُونُ لِلْعِبادَةِ، فَإِنَّ الشَّهْرَ الْكَرِيمَ لم يُجْعَلْ لِهَذَا.
عِبادَ اللهِ: إِنَّ رَمَضانَ أَعْظَمُ مَدْرَسَةٍ؛ فَهُوَ يُعَوِّدُنا الْعاداتِ الْحَسَنَةَ الْإيجابِيَّةَ، فَمَنْ لم يَكُنْ يُصَلِّي مِنَ اللَّيلِ، وَلا يَفْتَحِ المصْحَفَ إِلَّا قَلِيلًا، تَجِدُهُ في رَمَضانَ مُحافِظًا علَى الجَماعَةِ، يُصلِّي التَّراوِيحَ، وَقَدْ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ في رَمضانَ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، فَمَعَ التِّكْرارِ تُصْبِحُ الْعِبادَةُ أَيْسَرَ، وَعَلَى المؤْمِنِ أَنْ يَحْتَسِبَ الْأَجْرَ عِنْدَ اللهِ عز وجل حَتّى لا تَكُونَ العِبادَةُ عادَةً لا رُوحَ فِيها، وَرَمَضانُ يُعَلِّمُنا اتِّخاذَ الْقَرارِ، فَالمؤْمِنُ يَعْزِمُ علَى الصَّوْمِ مَهْمَا كانتْ مُعاناتُهُ مِنَ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَمُدافَعَتُهُ الشَّهْوَةَ، وَيُعَلِّمُنا رَمَضانُ الْجِدِّيَّةَ وَالْحَسْمَ، فَنَحْنُ نُمْسِكُ بِمُجَرَّدِ سَماعِ أَذانِ الْفَجْرِ، وَنُفْطِرُ بِمُجَرَّدِ سَماعِ أَذانِ المغْرِبِ، وَنُسارِعُ إِلَى الجَماعاتِ، وَنَتَسابَقُ في خَتْمِ القُرْآنِ، وَرَمَضانُ يُعَلِّمُنا قِيمَةَ الْوَقْتِ، فَنُراعِي الدَّقائِقَ في إِفْطارِنا وَإِمْساكِنا وَصَلَواتِنا وَقِيامِنا وَخَتْمِنا الْقُرْآنِ، وَرَمَضانُ شَهْرٌ مُبارَكٌ، فِيه مِنَ الْإِنْجازاتِ ما يَفُوقُ بَقِيَّةَ الْعامِ، وَهُنَا نَجِدُ الرَّاحَةَ النَّفْسِيَّةَ، فَلْنَحْمَدِ اللهَ علَى التَّوْفِيقِ لِلطَّاعَةِ، وَفِي رَمَضانَ نَكْسِرُ الرُّوتِينَ الْيَوْمِيَّ، فَيَتَغَيَّرُ وَقْتُ الطَّعامِ وَالنَّومِ، ويتغير النظام، فَتُكْسَرُ قُيُودُ الْعاداتِ، وَيَغْدُو المسْلِمُ لَيْسَ أَسِيرًا لَها.
عِبادَ اللهِ: لِنَسْتَعِدَّ بِالدُّعاءِ أَنْ يُبَلِّغَنا اللهُ رَمَضانَ، ثُمَّ التَّوْبَةِ الصَّادِقَةِ، وَكَثْرَةِ الِاسْتِغْفارِ، وَنَسْتَعِدُّ بِسَلامَةِ الصَّدْرِ، وَالصَّفْحِ وَالْعَفْوِ عَمَّنْ أَساءَ إِلَيْنا خاصَّةً الْأَقْرِباءَ، عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنّا، وَنَسْتَعِدُّ بِتَعَلُّمِ فِقْهِ الصِّيامِ، وَالقِيامِ، وَزَكاةِ الْفِطْرِ، وَمَنْ صَدَقَ اللهَ صَدَقَهُ اللهُ، وَحَبَّبَ إِلَيهِ الطَّاعَةَ، وَأَعانَهُ عَلَيْها، وَيَسَّرَ لَهُ سُبُلَ الخَيْرِ، وَالِاجْتِهادُ في الْعِبادَةِ وَالسَّهَرُ وَالتَّعَبُ سُرْعانَ ما يَذْهَبُ وَيُنْسَى، وَيَبْقَى الْأَجْرُ، وَانْشِرَاحُ الصَّدْرِ، أَمّا التَّفْرِيطُ واللَّهْوُ وَمِلْءُ رَمَضانَ بِالْغَفَلاتِ وَأَنْواعِ المطْعُوماتِ كُلُّ ذَلِكَ يَذْهَبُ سَرِيعًا، وَتَبْقَى الحَسَراتُ وَالتَّبِعاتُ، فَاجْعَلْ لِنَفْسِكَ بِرْنامجًا بِحَسْبِ اسْتِطاعَتِكَ، فِيهِ تِلاوَةٌ، وَتَفْطِيرُ صائِمٍ، وَقِيامٌ، وَعُمْرَةٌ، وَاعْتِكافٌ، وَعَلَيكَ بِحِفْظِ الجَوارِحِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِى أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» [رواه البخاري]، فَلَيْسَ المقْصُودُ الجُوعَ وَالْعَطَشَ وَمَنْعَ الشَّهْوَةِ، بَلِ الثَّمَرَةُ التَّقْوَى، فَمَنْ لم يَسْتَعِدَّ لِرَمَضانَ، وَفُوجِئَ بِقَوْلِهِمْ: غَدًا رَمَضانَ، سَيُفاجَأُ كَذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: اِنْتَهَى رَمَضانُ، وَتِلْكَ خُسارَةٌ لا تُعَوَّضُ.
نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُبَلِّغَنا رَمَضانَ، وَأَنْ يُعِينَنا فِيهِ عَلَى الصِّيامِ وَالْقِيامِ، وَأَنْ يَجْعَلَنا مِنْ عُتَقائِهِ مِنَ النَّارِ.
أَقُولُ قَوْلِيْ هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِيْ وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الـمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَّصَ قُلُوبَ وَعُقُولَ عِبادِهِ المتَّقِينَ مِنْ ظُلَمِ الشَّهَواتِ والشُّبُهاتِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ..
عِبادَ اللهِ: شُغْلُ المؤْمِنِ الشاغِلِ في هَذِهِ الْأَيَّامِ غِذاءُ الرُّوحِ وَتَزْكِيَةُ النَّفْسِ وَتَطْهِيرُها وَالْإِقْبالُ علَى اللهِ تَعالَى، فَهُوَ يُخَطِّطُ لِلْأَخْذِ بِأَسْبابِ المغْفِرَةِ، وَالْعِتْقِ مِنَ النَّارِ، تَشْتاقُ رُوحُهُ لِلرِّضْوانِ، مِلْءُ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم في أَحادِيثَ كَثِيرَةٍ: «غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» مَنْ هُمْ يا رَسُولَ اللهِ؟ «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا»، وَ«مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا»، وَ«مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا» [اتفق عليها البخاري ومسلم وأصحاب السنن]، وَمَعْنَى “إِيمانًا وَاحْتِسابًا”: مُصَدِّقًا بِوُجُوبِهِ، رَاغِبًا في ثَوابِهِ، طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ، غَيْرَ مُسْتَثْقِلٍ لِصِيامِهِ، إِنَّ الْإِعْدادَ لِلتَّعَبُّدِ عَلامَةُ التَّوْفِيقِ، وَأَمارَةُ الصِّدْقِ مَعَ اللهِ، قالَ تَعالَى: ﴿وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً﴾ [الأحزاب: 56].
عِبادَ اللهِ: أَبْشِرُوا بِمَوْعُودِ اللهِ، فَرَبُّنا غَفُورٌ رَحِيمٌ وَدُودٌ، يَقْبَلُ التَّوْبَةَ، وَيَغْفِرُ الذُّنُوبَ، وَيُجَازِي عَلَى الْيَسِيرِ بِالْأَجْرِ الْعَظِيمِ، أَعَدَّ جَنَّةً عَرْضُها السَّمَواتُ وَالْأَرْضُ، فُتِّحَتْ أَبْوابُها، وَجَرَتْ أَنْهارُها، وَتَزَيَّنَتْ حُورُها، وَاكْتَمَلَ نَعِيمُها، أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ.
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56] اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الخلفاء الراشدين، وعن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ ومن تبعهم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.
قصة مؤثرة حقيقيه ..
ذكرتها إحدى الأخوات الداعيات : 😭
تقول :
أُصيبت فتاة بالثانوية العامة بمرض السرطان ولها 17 أخ
أحدهم من أمها المتوفية، و 16 أخ وأخت من أبيها وزوجة أبيها .
فنقلت الفتاة للرياض للعلاج وسمعت أن للمرض علاج في أمريكا، فطلبت من أبيها واخوتها نقلها للخارج للعلاج ، رفض الجميع طلبها بحجة عدم جدوى العلاج ( خسارة المبالغ التي تُصرف ) ورفضت الدولة رحلة العلاج لأنها غير مجدية !!
الفتاة تشبثت بأخيها من أمها .
وكان الشاب متوسط الحال ، لايملك سوى راتبه وبيت تشاركه فيه زوجته .
فقام الشاب رحمةً بأخته برهن البيت بمبلغ كبير وابتدأ بإجراءات السفر !!
وعندما علمت زوجته ثارت وذهبت لبيت أهلها مهددةً إياه بعدم العودة مالم يرجع في قراره .
الشاب أكمل الإجراءات متحملاً لوم إخوانه وغضب زوجته، وسافر مع أخته
وصرف كل ما يملك على علاجها، وخسر وظيفته، وبعد ثمان أشهر توفيت الفتاة وتكفلت السفارة بنقل الجثمان .
وعاد الشاب بجثة أخته، وخيبة أمله بزوجته التي طلبت الطلاق وشماتة إخوته !!!
وأخذ يبحث عن عمل، واشتغل سائق سيارة في البلدية، لحين توفر عمل آخر له .
وبعد عدة أشهر إتصل به أحد أقرباء والدته من منطقة ( شمال المملكة ) وبشره بأنه ورث مالاً ( كلالة ) عبارة عن أرض شاسعة تقدّر بالملايين ليس لمالكها وارثٌ سواه .
أخذت المعاملة وقتاً طويلاً جداً، ثم بعد حين إستلم صك الأرض، وباع جزء منها، واستعاد بيته، وكتبه باسم زوجته، وبعث لها صك البيت وصك الطلاق معاً .
حاولت زوجته بشتى الوسائل الرجوع اليه لكنه رفض، وبقية الأرض زرعها واشتغل بتجارة المواشي، وانفتحت أبواب السماء له برزقٍ وفير وتوفيقٍ من رب العالمين عجيب !!
فسُئل عن سبب هذا الرزق الوفير ؟
فقال الشاب : لحظة إحتضار أُختي، دعت الله بأن يفتح لي ربي باب الرزق كماءٍ منهمر من السماء .
ثم تزوج امرأةً صالحة وابتدء حياته من جديد.
تقول الأخت الداعية صاحبة القصة :
أنا إبنة هذا الرجل الذي أسعد قلب أخته ووهبني إسمها المبارك، وأصبحت داعية إلى الله .
العبرة :
جبر الخواطر سُنة عن النبيِّ ﷺ
فتأكد أنه من يَجبُر يُجبَر
لا يعرف طعم الإحسان وفضل الإحسان إلا المُحسن.
راقب نفسك حينما تخدم إنسانًا
أو تنفس كربة عن إنسان
أو تيسر مشكلة لإنسان
أو تخفف الهمّ عن إنسان
ألا تشعر أنك تتقرب من الواحد الديان ؟
هذا الذي يخدم الناس
هذا الذي يدخل الفرح على قلوب الخلق بإحسانه إليهم
بتخفيف آلامهم ، بحمل همومهم، بقضاء حاجاتهم
له عند الله مقام كبير
إذا أردت أن تسعد فأسعد الآخرين
ولأن الله شكور ، تكون أنت أسعدهم
أنفق ولا تخشى من ذي العرش إقلالاً..
التَّوْحِيدُ وَمَكانَتُهُ في الْإِسْلامِ 11/ 8/ 1447هـ
﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾
الحَمْدُ للهِ الْـمُتَفَضِّلِ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ بِتَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ وَالثَّبَاتِ عَلَيهِ إِلَى أَنْ يَأْتِيَهُمُ الْيَقِينُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، رَبُّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَنَبِيُّهُ رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَكْرَمُ مَنْ وَحَّدَ رَبَّهُ وَحَذَّرَ مِنَ الشِّرْكِ وَاتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ حَقَّ التَّقْوَى كَمَا أَمَرَكُمْ رَبَّكُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ أَعْظَمَ ما في الْقُرْآنِ هُوَ حَقُّ اللهِ جَلَّ وَعَلا بِتَوْحِيدِهِ، قالَ تَعالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: 19]، وَهَذا أَعْظَمُ واجِبٍ، وَأَعْظَمُ مَطْلُوبٍ، وَأَعْظَمُ دَرَجاتِ التَّقْوَى، فَتَوْحِيدُ اللهِ جَلَّ وَعَلا، قامَتْ عَلَيْهِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ، وَخُلِقَ الجِنُّ وَالْإِنْسُ لِأَجْلِهِ، قالَ سُبحانَهُ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، يَعْنِي: إِلَّا لِيُوَحِّدُونِي فِي عِبادَتِي، وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللهُ: “وَكُلَّمَا قَوِيَ التَّوْحِيدُ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ، قَوِيَ إِيْمَانُهُ وَطُمَأْنِينَتُهُ وَتَوَكُّلُهُ وَيَقِينُهُ”. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ فِي مَعْنَى تَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ وَالْعِبَادَةِ: “التَّحْقِيقُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: (إِنِّي عَبْدُكَ) هُوَ الْتِزَامُ عُبُودِيَّةِ اللهِ مِنَ الذُّلِّ وَالْخُضُوعِ وَاﻹْنَابَةِ، وَامْتِثَالِ أَمْرِهِ وَاجْتِنَابِ نَهْيِهِ وَدَوَامِ الِافْتِقَارِ إِلَيْهِ، وَاللُّجُوءِ إِلَيْهِ وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وَعِيَاذِ الْعَبْدِ بِهِ وَلِيَاذِهِ بِهِ، وَأَلَّا يَتَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِغَيْرِهِ مَحَبَّةً وَخَوْفًا وَرَجَاءً”، فَحَقِيقَةُ تَوْحِيدِ الْعِبادَةِ، أَنْ نُوَحِّدَ الرَّبَّ جَلَّ وَعَلا بِأَفْعالِنا، فَلَا يُعْبَدُ إِلَّا اللهُ، وَلَا يَتَوَجَّهُ الْقَلْبُ بِالدُّعاءِ، وَلَا بِالرَّجاءِ، وَلَا بِالْخَوْفِ، وَلَا بِالِاسْتِغاثَةِ، وَلَا بِطَلَبِ النَّفْعِ، وَلَا بِطَلَبِ دَفْعِ الضَّرِّ، وَلَا بِأَنْواعِ المطْلُوباتِ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، إِلَّا إِلَى اللهِ جَلَّ وَعَلا وَحْدَهُ.
وَقَدْ أَرْسَلَ اللهُ المرْسَلِينَ لِتَحْقِيقِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، فَكُلُّهُمْ دَعَوا أَقْوامَهم قائِلِينَ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: 59، 65، 73، 85]، فَلا أَحَدَ يَمْلِكُ لِلْخَلْقِ عَلَى الْحَقِيقَةِ ضَرًّا، وَلَا نَفعًا، إِلَّا اللهُ جَلَّ وَعَلا وَحْدَهُ، فَهُوَ الْأَحَدُ فِي أَسْمائِهِ وَصِفاتِهِ، لَيْسَ لَهُ جَلَّ جَلالُهُ شَبِيهٌ في صِفاتِهِ، وَلَا مَثِيلٌ في أَسْمائِهِ، قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].
عِبادَ اللهِ: إِنَّ عِلْمَ التَّوْحِيدِ أَصْلُ الْعُلُومِ، وَالْعُلُومُ كُلُّهَا تَبَعٌ لَهُ، وَأَدِلَّةُ التَّوْحِيدِ هِيَ أَعْظَمُ مَا فِي الْقُرْآنِ، وَأَعْظَمُ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ هِيَ آيَةُ الْكُرْسِيِّ، قالَ تَعالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255]، وَسُورَةُ الْفَاتِحَةُ هِيَ أُمُّ الْقُرْآنِ، قالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيها: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]، يَعْنِي: تَوْحِيدًا لَكَ فِي أُلُوهِيَّتِكَ وَرُبُوبِيَّتِكَ.
إِنَّ أَهَمَّ وَأَعْظَمَ ما فِي الْإِسْلامِ شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَمَعْنَى “لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ”: أُخْبِرُ، وَأَشْهَدُ، وَأُوقِنُ، وَأَعْتَقِدُ أَنَّهُ لا أَحَدَ يَسْتَحِقُّ الْعِبادَةَ إِلَّا اللهُ جَلَّ وَعَلا وَحْدَهُ، لا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَلا وَلِيٌّ، وَلا صالِحٌ، وَلا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ جَلَّ وَعَلا.
وَمَعْنَى شَهَادَةِ أَنَّ مُحمَّدًا رَسُولُ اللهِ: أُقِرُّ، وَأُخْبِرُ، وَأُوقِنُ، وَأَعْتَقِدُ أَنَّ مُحمَّدًا صلى الله عليه وسلم رَسُولٌ مِنَ اللهِ حَقًّا، أَرْسَلَهُ اللهُ جَلَّ وَعَلا، وَأَوْحَى إِلَيْهِ هَذا الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ، وَبَيَّنَ لَهُ المطالِبَ الْعَظِيمَةَ الَّتِي أَعْظَمُها التَّوْحِيدُ.
وَهَذا التَّوْحِيدُ وَالْيَقِينُ، تَعَلُّمُهُ وَالدَّعْوَةُ إِلَيْهِ تِلْكَ أَعْظَمُ المهِمَّاتِ، فَشَرَفٌ عَظِيمٌ، أَنْ يَحْمِلَ الْعَبْدُ هَذِهِ الدَّعْوَةَ، فَيَتَعَلَّمَ، وَيَعْمَلَ، وَيَدْعُوَ، قال صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» [رواه البخاري]، وقالَ صلى الله عليه وسلم لِمُعاذٍ حِينَما بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ أَنْ يُوَحِّدُوا اللهَ» [رواه البخاري ومسلم]، وَفِي رِوايَةٍ: «أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ»، فَالْعِبادَةُ مُسْتَحَقَّةٌ للهِ وَحْدَهُ، وَهِيَ اسْمٌ جامِعٌ لِكُلِّ ما يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضاهُ مِنَ الْأَقْوالِ وَالْأَعْمالِ الظَّاهِرَةِ وَالْباطِنَةِ؛ فَيَدْخُلُ فِيها: ما نَقُولُهُ، وَما نَعْمَلُهُ، وَما يَكُونُ في الْقَلْبِ مِنِ اعْتِقاداتٍ وَأَعْمالِ الْقُلُوبِ، فَالتَّوَكُّلُ وَالْيَقِينُ، وَالْإِخْلاصُ، وَالتَّوَجُّهُ، وَالرَّجاءُ، وَالْخَوْفُ، وَالرَّغْبَةُ، والرَّهْبَةُ، كُلُّها عِباداتٌ قَلْبِيَّةٌ.
وَالدُّعاءُ يا عِبادَ اللهِ، جَوْهَرُ التَّوْحِيدِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «الدُّعاءُ هُوَ الْعِبادَةُ» [رواه أبو داود والترمذي، وصححه]، وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمُ عَلَى اللهِ تَعَالَى مِنَ الدُّعَاءِ«[رواه الترمذي وابن ماجة]. وَالدُّعاءُ: طَلَبٌ مُقْتَرِنٌ بِرَغْبَةِ الْقَلْبِ وَخُضُوعِهِ، في جَلْبِ النَّفْعِ أَوْ دَفْعِ الضَّرِّ، وَهُوَ مَقْرُونٌ بِالِاسْتِغاثَةِ، وَالْإِعانَةِ، وَطَلَبِ المغْفِرَةِ، وَجَلْبِ الْخَيْرِ، وَدَفْعِ الضَّرَرِ، وَالنَّجاةِ مِنَ النَّارِ، وَطَلَبِ الْجَنَّةِ، وَكُلِّ ما يَحْتاجُهُ الْعَبْدُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ.
عِبادَ اللهِ: إِذَا كانَ التَّوْحِيدُ أَعْظَمَ ما عُبِدَ اللهُ بِهِ، فَالشِّرْكُ، أَعْظَمُ ذَنْبٍ عُصِيَ اللهُ بِهِ، سُئِلَ صلى الله عليه وسلم: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ فَقالَ: «أَنْ تَجَعَلَ لِلهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ» [متفق عليه]، وَالشِّرْكُ دَرَكَاتٌ، فَالشِّرْكُ الْأَكْبَرُ، وَهُوَ الْمُخْرِجُ مِنَ الملَّةِ -عِياذًا بِاللهِ- وَهُوَ دَعْوَةُ غَيْرِ اللهِ مَعَهُ، أَيْ أَنَّ الْعَبْدَ يَدْعُو، أَوْ يَسْتَغِيثُ، أَوْ يَطْلُبُ جَلْبَ النَّفْعِ، أَوْ دَفْعَ الضَّرِّ مِنْ غَيْرِ اللهِ عز وجل، كَأَنْ يَطْلُبَ مِنَ الْأَمْواتِ، أَوِ الْجِنِّ أَوِ الملائِكَةِ، أَوْ مِنَ الْغائِبينَ، فَهَذا الشِّرْكُ إِنْ ماتَ الْعَبْدُ، وَلَمْ يَتُبْ مِنْهُ لا يَغْفِرُهُ اللهُ سُبْحانَهُ وَتَعالَى، وَمِنَ الشِّرْكِ أَيْضًا اتِّخاذُ الْوَسائِطِ، أَنْ يَجْعَلَ الْإِنْسانُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ جَلَّ وَعَلا واسِطَةً، وَهَذا هُوَ أَصْلُ شِرْكِ المشْرِكِينَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، قالَ تَعالَى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: 3]، يَعْنِي: ما نَعْبُدُهُمْ لِاعْتِقادِ أَنَّهُمْ يَخْلُقُونَ أَوْ يُدَبِّرُونَ، لَكِنْ نَعْبُدُهُمْ لِيَجَعَلُوا لَنا مَنْزِلَةً وَمَكانَةً عِنْدَ اللهِ.
اِعْلَمْ يا عَبْدَ اللهِ: أَنَّ التَّوْحِيدَ وَاضِحٌ لا لَبْسَ فِيهِ، فَأَدِلَّتُهُ في الْقُرْآنِ مُحْكَمَةٌ بَيِّنَةٌ، لا يَدْخُلُها النَّسْخُ وَالتَّغْيِيرُ، فَجَمِيعُ الرُّسُلُ جاءُوا بِالتَّوْحِيدِ، وَدِينُهُمْ وَعَقِيدَتُهُمْ واحِدَةٌ، قالَ اللهُ عز وجل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36]، وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «الْأَنْبِياءُ إِخْوَةٌ لِعِلَّاتٍ، دِينُهُمْ وَاحِدٌ، وَشَرائِعُهُمْ شَتَّى» [متفق عليه].
وَالتَّوْحِيدُ في الْقُرْآنِ عامٌّ شامِلٌ، مُطَّرِدٌ، لا يَسْتَثْنِى أَحَدًا مِنْ خَلْقِ اللهِ، وَلا زَمانًا، وَلا مَكانًا، فَالْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَالملائِكَةُ وَالرُّسُلُ وَالْأَنْبِياءُ وَالصَّالِحُونَ وَالْأَوْلياءُ، وَالْكَعْبَةُ وَقَبْرُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْجَمِيعُ دَاخِلٌ تَحْتَ سُلْطانِ التَّوْحِيدِ، فَيَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ سَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ صلى الله عليه وسلم: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65]، وَلَمَّا أَتَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه إِلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، قالَ: “وَاللهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ، لا تَضُرُّ وَلا تَنْفَعُ، وَلَوْلا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُكَ ما قَبَّلْتُكَ”.
اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى تَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاصِ لَكَ، وَقِنَا شُرُورَ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ، وَاخْتِمْ بِالصَّالِحَاتِ أَعْمَالَنَا وَأَعْمَارَنَا.
أَقُولُ قَوْلِيْ هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِيْ وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الـمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَسْعَدَ بِالتَّوْفِيقِ مَنْ وَحَّدَهُ وَأَطَاعَهُ وَاتَّقَاهُ، وَقَضَى بِالذُّلِّ وَالْهَوَانِ عَلَى مَنْ أَشْرَكَ بِهِ وَخَالَفَ أَمْرَهُ وَعَصَاهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ .. فاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ.
وَاعْلَمُوا أنَّ الْقُرْآنَ كُلَّهُ تَوْحِيدٌ؛ إِمَّا نَصًّا وَصَراحَةً، كَقَوْلِهِ تَعالَى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النحل:51]، أَوْ تَجْسِيدًا لِحُقُوقِ التَّوْحِيدِ، وَهِيَ الْعِباداتُ، كَقَوْلِهِ تَعالَى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف : 29]، أَوْ يَحْكِي عَنْ مَعْرَكَةِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ مَعَ خُصُومِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالَى: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة : 251]، فَالْقَصَصُ في الْقُرْآنِ لَيْسَتْ لِمُجَرَّد المتْعَةِ التَّارِيخِيَّةِ، بَلْ لِلْعِبْرَةِ، أَوْ تَقْرِيرًا لِجَزاءِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ في الدُّنْيا، قالَ تَعالَى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [غافر: 51]، أَوْ جَزائِهِمْ في الْآخِرَةِ، قالَ تَعالَى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [ق: 31]، أَوْ بِبَيانِ جَزاءِ أَهْلِ الشِّرْكِ، قالَ تَعالَى: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: 72]، وَبِهَذا يَكُونُ الْقُرْآنُ كُلُّهُ تَوْحِيدًا.
عِبادَ اللهِ: مِنْ لَوازِمِ التَّوْحِيدِ بَيانُ مَعْنَى: “الرَّبِّ”، وَ”الْإِلَهِ”، وَ”لا إله إِلَّا اللهُ”، فَالرَّبُّ مَأْخُوذٌ مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ، وَهِيَ الْخَلْقُ، وَالتَّرْبِيَةُ، وَالرِّزْقُ، وَالتَّدْبِيرُ، وَتَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ هَذَا يَسْتَلْزِمُ تَوْحِيدَ الْأُلُوهِيَّةِ؛ فَالمشْرِكُونَ يُقِرُّونَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ: الْخالِقُ الرَّازِقُ الْمُحْيِي الْمُمِيتُ، قالَ تَعالَى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: 65]، وَكَلِمَةُ الْإِلَهِ تَعْنِي: الْمَأْلُوهُ، أَيِ: الْمَعْبُودُ، الَّذِي يُذَلُّ لَهُ، وَيُخْضَعُ لَهُ، وَتُصْرَفُ لَهُ الْعِبادَةُ وَحْدَهُ؛ وَلِهَذا كانَتْ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ “لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ” نَفْيًا لِعِبادَةِ ما سِوَى اللهَ، وَإِثْباتَها للهِ وَحْدَهُ، وَلَيْسَ مَعْناها: لا خَالِقَ إِلَّا اللهُ، أَوْ لا رازِقَ إِلَّا اللهُ، فَهَذا إِقْرارٌ بِالرُّبُوبِيَّةِ، أَقَرَّ بَهَ المشْرِكُونَ، وَلَمْ يُدْخِلْهُمُ الْإِسْلامَ، لِذَلِكَ كانَ المعْنَى الصَّحِيحُ لِـ “لا إِلَه إِلَّا اللهُ”: لا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللهُ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ تَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ في حَياةِ المؤْمِنِ أَنْ لا يَفْتُرَ لِسانُهُ عَنْ ذِكْرِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) دَخَلَ الْجَنَّةَ« [رواه أبو داود وحسنه اﻷلباني]، ثُمَّ طَلَبَ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ، خاصَّةً عِلْمَ الِاعْتِقَادِ وَالتَّوْحِيدِ، وَمَعْرِفَةَ أَنْوَاعِهِ وَأَدِلَّتِهِ وَنَوَاقِضِهِ، وَذَلِكَ عَلَى أَيْدِي الْعُلَمَاءِ الثِّقَاةِ، ثُمَّ اللُّجُوءَ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ بِالدُّعَاءِ وَالِابْتِهَالِ إِلَيْهِ بِأَنْ يَرْزُقَنَا الْهِدَايَةَ وَيُثَبِّتَنَا عَلَيْهَا.
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56] اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الخلفاء الراشدين، وعن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ ومن تبعهم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.
💍 مِن “١٢ سَاعَة” هَاتِف.. إِلَى “صَمْتٍ” مُطْبِق! أَيْنَ ذَهَبَ الحُبُّ بَعْدَ الزَّوَاج؟ 📉💔
✒️ مِنْ تَشْخِيصَاتِ الدُّكْتُور مُحمَّد راتِب النابلسِي لِأَمْرَاضِ البُيُوتِ الزَّوْجِيَّة 📖
===
📍 المَشْهدُ العَجِيب: قَبْلَ العَقْدِ وَبَعْدَه! 📞 ⛔
يقول الدكتور النابلسي بأسلوبه المؤثر: “عجيبٌ أمرُ هذا الإنسان! قبل الزواج، قد يجلس الخاطب مع خطيبته على الهاتف ١٢ ساعة 📞، يتحدثان في كل شيء ولا يملان، كلامٌ كالعسل 🍯، ووعودٌ كالأحلام 🌟. فإذا دُخل البيت، وأُغلق الباب، وأصبحت الزوجة عنده.. انقطع الكلام! 🔇. تمرُّ الساعات وهو صامت، أو عيناه في هاتفه 📱، وإذا تكلم فبكلماتٍ معدودة: (ماذا طبختم؟ أين الأولاد؟) 🥘.”
📍 لِمَاذَا هَذَا الجَفَاف؟ (مَصْيَدَةُ الاِعْتِيَاد) 🕸️ 🥀
يُحلل الشيخ هذه الظاهرة في الموسوعة بأنها “قتلٌ للمشاعر” 🗡️:
* الخطأ الكبير: أن يظن الزوج أنَّ الزوجة أصبحت “مضمونة” 🔒، فلا داعي لبذل الجهد في التودد إليها.
* الحقيقة: المرأة “كائنٌ أذني” 👂؛ تسعد بالكلمة الطيبة كما يسعد الرجل بالاحترام. إهمال الحوار العاطفي يجعل البيت “صحراء قاحلة” 🌵، وتتحول الزوجة من شريكة حياة إلى “موظفة” للخدمة فقط 🧹.
📍 هَدْيُ النُّبُوَّة: كَانَ ﷺ “ضَحُوكاً بَسُوكاً” فِي بَيْتِه! 🕌 ✨
يُذكرنا النابلسي أنَّ النبي ﷺ، وهو يحمل همَّ الأمة، كان يجد الوقت ليُسابق عائشة 🏃♂️، وليتحدث مع نسائه بألطف العبارات.
* القاعدة: الرُّجولة ليست في “العبوس” 😠 والسكينة في البيت، بل الرجولة في إدخال السرور 🌸 على قلب من تركت أهلها لتكون معك.
💡 اللمسة السحرية لِإِحْيَاءِ مَوَدَّةِ البُيُوت: 🌟
> “يا أخي.. الكلمة الطيبة صدقة 🪙، ومع زوجتك هي (أوجب الصدقات). لا تكن (بخيلَ اللسان) 🤐. خَصص لها وقتاً للحوار، استمع إليها كما كنت تفعل في البداية. اجعلها تشعر أنها لا تزال (الملكة) 👸 في مملكتك، فالمرأة إذا أحبت.. ضحت بكل شيء.” 🌤️ ❤️
>
📌 مَكْرُمَةٌ لِكُلِّ زَوْج: 💎
يقول الشيخ: “البطولة ليست في أن تتزوج، البطولة في أن تنجح في الزواج” 🏆. والنجاح يبدأ بلسانٍ ذاكر، وقلبٍ شاكر، ووجهٍ مستبشرٍ في وجه أهله.
📩 رِسَالَةُ الحُبِّ الحَلَال: 💌
متى كانت آخر مرة قلت فيها لزوجتك (شكراً) أو (أحبك)؟ 🌸 ❤️
أحيوا المودة في بيوتكم قبل أن تقتلها العادة. اكتب (اللهم أصلح بيوت المسلمين) 👇 🤲.