9 محرم, 1448

أعزائي هذا المقال البديع لمعالي السفير علي بن سعيد بن عواض عسيري.

 

إلى المقال ..👇👇

 

*لسنا مجرد “كبار سن” بل كبار تجربة ، وكبار قيمة ، وكبار حكاية ..*

 

نحن أبناء جيل وُلد في أربعينيات وخمسينيات وستينيات القرن الماضي جيل فتح عينيه على عالم بسيط لكنه كان مليئًا بالدفء والمعنى .

كبرنا في زمن كانت فيه الحياة تمضي على مهل وكانت العلاقات تُبنى بالكلمة الصادقة واللقاء المباشر وكانت الفرحة تأتي من أبسط الأشياء .

 

عشنا طفولتنا في الخمسينيات والستينيات وشبابنا في السبعينيات والثمانينيات وقطفنا ثمار أعمارنا في التسعينيات وبدايات الألفية الجديدة .

شهدنا تحولات لم يشهدها أي جيل آخر وعبرنا جسور الزمن بين عالمين مختلفين تمامًا .

 

وُلدنا في عالم تناظري حيث كانت الرسائل تُكتب بخط اليد وتُنتظر أيامًا وربما أسابيع وحيث كان الاتصال الهاتفي حدثًا يحتاج إلى صبر وترتيب .

ثم عشنا لنرى العالم يتحول إلى قرية صغيرة نتحدث فيها بالصوت والصورة مع من يبعد عنا آلاف الكيلومترات بضغطة زر .

 

شهدنا رحلة التكنولوجيا بكل تفاصيلها ؛ من الراديو إلى البث الفضائي ومن التلفاز الأبيض والأسود إلى الشاشات الذكية فائقة الدقة ومن أسطوانات الفينيل وأشرطة الكاسيت إلى الموسيقى الرقمية التي ترافقنا أينما ذهبنا .

عشنا زمن المكتبات الورقية ثم رأينا المعرفة كلها تنتقل إلى شاشة صغيرة نحملها في جيوبنا

 

عرفنا أولى أجهزة الحاسوب الضخمة والأقراص المرنة والبطاقات المثقبة ثم شاهدنا كيف أصبحت الهواتف الذكية أقوى من أعظم الحواسيب التي عرفناها في شبابنا .

رأينا السيارات تتطور من محركات بسيطة إلى مركبات كهربائية وذكية وعشنا مراحل تطور الطب والعلوم والاتصالات بصورة لم يكن يتخيلها أكثر الناس تفاؤلًا

 

لم نعبر العقود مرورًا عابرًا بل عشنا أحداثها وتحدياتها .

واجهنا أمراضًا وأوبئة وتجاوزنا أزمات وتحولات سياسية واقتصادية واجتماعية كبرى

تعلمنا كيف نقف بعد كل عثرة وكيف نتأقلم مع كل جديد وكيف نصنع من التحديات فرصًا للاستمرار .

 

إنه جيل لم يقرأ التاريخ فقط بل عاشه .

جيل شهد الانتقال من البساطة إلى التعقيد ومن البطء إلى السرعة ومن الندرة إلى الوفرة .

وربما لهذا السبب اكتسب قدرة فريدة على التكيف والصبر وفهم قيمة الأشياء .

 

نحن الجيل الذي ما زال يحتفظ بذكريات اللعب في الشوارع واجتماعات العائلة الطويلة ورسائل الحب المكتوبة بخط اليد وفي الوقت نفسه يتعامل مع الهواتف الذكية والتطبيقات والمنصات الرقمية .

جمعنا بين أصالة الماضي وأدوات الحاضر وحملنا أفضل ما في العالمين .

 

ومع مرور السنوات ندرك حقيقة لا يمكن تجاهلها الزمن يمضي أسرع مما نظن .

 

ففي لحظة تجد أن النهار قد أوشك على الانتهاء وفي أخرى تكتشف أن أسبوعًا كاملًا قد مضى .

تمر الشهور ثم السنوات ثم تستيقظ ذات يوم لتدرك أن نصف قرن أو أكثر أصبح خلفك وكأنه كان بالأمس القريب .

 

تنظر حولك فتجد أن بعض الوجوه التي كانت تملأ أيامك قد غابت وأن كثيرًا من الأصدقاء سلكوا طرقًا مختلفة وأن بعض الأحبة رحلوا إلى رحمة الله تاركين في القلب فراغًا لا يملؤه شيء

وتدرك أن أجمل ما نملكه في النهاية ليس المال ولا المناصب بل الذكريات الجميلة والعلاقات الصادقة والأوقات التي عشناها بصدق ومحبة

 

لذلك لا تؤجل فرحتك ولا تؤخر أحلامك ولا تحرم نفسك من عمل تحبه بحجة ضيق الوقت

تمسك بمن تحب وامنحهم من وقتك واهتمامك ما تستطيع

فالأبناء يكبرون والأحفاد ينشغلون بحياتهم والأيام تمضي بلا استئذان ولا يبقى للإنسان في نهاية الرحلة إلا ما زرعه في القلوب وما تركه من أثر طيب

 

اليوم هو يومك استمتع به واصنع منه ذكرى جميلة وقل الكلمات الطيبة قبل أن يفوت أوانها وافعل ما يسعد روحك ما دمت قادرًا فهناك حقيقة واحدة لا تتغير مهما تغير العالم

الوقت لا يعود إلى الوراء والعمر لا ينتظر أحدًا

ولهذا لم نعد في عمر التأجيل بل في عمر الاستمتاع بكل لحظة وتقدير كل نعمة والعيش بامتنان لكل يوم جديد

شَهْرُ اللَّهِ المُحَرَّم وَيَوْمُ عَاشُورَاءَ 4/1/1448ه

﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾

الحَمْدُ للهِ مُصَرِّفِ الأَيَّامِ وَالشُّهُوْرِ، يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ، وَهُوَ عَلِيْمٌ بِذَاتِ الصُّدُوْرِ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ مَا تَعَاقَبَتِ السَّنَوَاتُ وَالشُّهُوْرُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، الحَسِيْبُ الرَّقِيْبُ وَهُوَ الغَفُوْرُ الْوَدُودُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ الشَّافِعُ الـمُشَفَّعُ يَوْمَ البَعْثِ وَالنُّشُوْرِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيْمًا كَثِيْرًا، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].

أَمَّا بَعْدُ عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة:36]، هَا قَدْ أَظَلَّنا آخِرُ هَذِهِ الأَشْهُرِ الحُرُمِ، وَهُوَ شَهْرُ اللهِ الـمُحَرَّمُ الَّذِيْ لَهُ مِنَ الـمَنْزِلَةِ الْعَظِيمَةِ فِي دِينِنا.

مَعَاشِرَ المسْلِمِينَ: قالَ اللهِ جَلَّ وَعَلَا: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: 18]؛ قَالَ أَهْلُ العِلْمِ: إنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أَصْلٌ فِي مُحَاسَبَةِ الـمُسْلِمِ نَفْسَهُ، وَلا يَرْتَبِطُ ذَلِكَ بِتَوْقِيْتٍ مُعَيَّنٍ، ولَيْسَ لِبِدَايَةِ عَامٍ أَو نِهَايَتِهِ عِبَادَةٌ مَشْرُوْعَةٌ، وَلَا ذِكْرٌ وَارِدٌ، وَلَا دُعَاءٌ مَخْصُوصٌ، وَلَمْ يَرِدْ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم شَيْءٌ فِي ذَلِكَ، لَكِنْ مَعَ تَصَرُّمِ الْأَعْوامِ وَنُقْصانِ الْأَعْمارِ يَجْدُرُ بِالـمُسْلِمِ أَنْ يُحاسِبَ نَفْسَهُ قَبْلَ أَنْ يُحَاسَبَ، ونِهَايَةُ العَامِ وَبِدَايَةُ غَيْرِهِ تُذَكِّرُنَا بِهَذِهِ المحاسَبَةِ، فَالتَّاجِرُ يَرْصُدُ فِي كُلِّ عَامٍ أَرْبَاحَهُ وَخَسَائِرَهُ، فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَأَمَّلَ فِي عَامِهِ الَّذِي انْصَرَمَ، أَوْ شَهْرِهِ الَّذِي مَضَى، أَوْ يَوْمِهِ الَّذِي انْقَضَى؛ مَاذَا كَسَبَ فِيْهِ مِنْ الحَسَنَاتِ، فَيَسْأَلَ اللهَ الْقَبُولَ، وَيَتَذَكَّرُ مَا اقْتَرَفَ مِنْ السَّيِّئَاتِ وَالتَّقْصِيرِ، فَيَسْتَغْفِرَ اللهَ وَيَتُوْبَ إلَيْهِ، وَيَعْزِمَ أَلَّا يَعُودَ، وَمَا أَصْدَقَ الشَّاعِرَ:

فَلَوْ أَنَّا إِذَا مِتْنَا تُرِكْنَا

وَلَكِنَّا إِذَا مِتْنَا بُعِثْنَا

لَكَانَ المَوْتُ رَاحَةَ كُلِّ حَيّ

وَنُسْأَلُ بَعْدَهَا عَنْ كُلِّ شَيّ

 

إِنَّ مَا فَاتَ لا يَمُوْتُ، وَسَيَلْقَاهُ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُحَاسَبُ عَلَيْهِ، فَالتَّوْبَةَ التَّوْبَةَ، قالَ تَعالَى: ﴿يوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: 30]، قالَ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: “مَا نَدِمْتُ عَلَى شَيْءٍ نَدَمِيْ عَلَى يَوْمٍ غَرَبَتْ شَمْسُهُ؛ نَقَصَ فِيْهِ أَجَلِيْ وَلَمْ يَزِدْ فِيْهِ عَمَلِيْ”. وَذَكَرَ الإمَامُ أَحْمَدُ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ رَحِمَهُمَا اللهُ أَنَّهُ قَالَ: “مَكْتُوبٌ فِي حِكْمَةِ آلِ دَاوُدَ: “حَقٌّ عَلَى العَاقِلِ أَلَّا يَغْفَلَ عَنْ أَرْبَعِ سَاعَاتٍ: سَاعَةٍ يُنَاجِيْ فِيْهَا رَبَّهُ، وَسَاعَةٍ يُحَاسِبُ فِيْهَا نَفْسَهُ، وَسَاعَةٍ يَخْلُوْ فِيْهَا مَعَ إِخْوَانِهِ الَّذِيْنَ يُخْبِرُوْنَهُ بِعُيُوْبِهِ وَيَصْدُقُوْنَهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَسَاعَةٍ يُخَلِّيْ فِيْهَا بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ لَذَّاتِهَا فِيْمَا يَحِلُّ وَيَجْمُلُ، فَإِنَّ فِيْ هَذِهِ السَّاعَةِ عَوْنًا عَلَى تِلْكَ السَّاعَاتِ وَإِجْمَامًا لِلْقُلُوبِ”.

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: لقَدْ أَوْصَانَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالصِّيَامِ فِي شَهْرِ اللهِ الـمُحَرَّمِ، وَجَعَلَ لِلصَّوْمِ فِيْهِ فَضْلًا عَلَى الصَّوْمِ فِي غَيْرِهِ مَا عَدَا صَوْمَ رَمَضَانَ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ الـمُحَرَّمُ» رواه مسلم. فَحَرِيٌّ بِنَا أَنْ نَبْدَأَ عَامَنَا بِالطَّاعَاتِ، وَمِنْهَا صَوْمُ بِضْعَةِ أَيَّامٍ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ الـمُبَارَكِ؛ لِعِظَمِ ثَوَابِهِ عِنْدَ اللهِ، وَمِنْ ذَلِكَ صِيَامُ عَاشُوْرَاءَ: وَهُوَ اليَوْمُ العَاشِرُ، وَهُوَ اليَوْمُ الَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَى نَبِيّهِ مُوْسَى عليه السلام وَقَوْمِهِ حِيْنَ أَنْجَاهُمْ مِنْ فِرْعَونَ، فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [إبراهيم: 6]، وَلِهَذَا؛ سَنَّ لَنَا نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم صِيَامَ هَذَا اليَوْمِ، فَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: “قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟» قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَصَامَهُ مُوسَى، قَالَ: «فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ»، فَصَامَهُ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ”. رواه البخاري. وَأَخْبَرَنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ صَوْمَهُ يُكَفِّرُ ذُنُوبَ السَّنَةِ الـمَاضِيَةِ، فَعَنْ أَبِيْ قَتَادَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُوْرَاءَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَة َالَّتِي قَبْلَهُ» رواه مسلم. وَصِيَامُ التَّاسِعِ مَعَ العَاشِرِ مُسْتَحَبٌّ مُخَالَفَةً لِلْيَهُوْدِ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَئِنْ بَقِيْتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُوْمَنَّ التَّاسِعَ» رواه مسلم وأبو داود وغيرهما.

أَيُّهَا الـمُؤْمِنُونَ: لَا بُدَّ لَنا مِنْ وَقَفَاتٍ مَعَ بَعْضِ الْعِظاتِ وَالْعِبَرِ في هَذِهِ القِصَّةِ العَظِيْمَةِ:

وَأُوْلَى هَذِهِ الوَقَفَاتِ: أَنَّ قِصَّةَ نَجَاةِ بَنِي إِسْرَائِيْلَ مِنْ فِرْعَوْنَ فِي عَاشُوْرَاءَ تُعَلِّمُنَا التَّوْحِيْدِ: فَتَوْحِيْدُ الرُّبُوْبِيَّةِ ظَاهِرٌ فِي تَدْبِيْرِ اللهِ لِعِبَادِهِ الـمُؤْمِنِينَ، وَأَنَّهُ الخَالِقُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ مَتَى شَاءَ وَكَيْفَ شَاءَ، فَقَدْ حَوَّلَ اللهُ البَحْرَ طَرِيْقًا يَابِسًا؛ لِيَجْعَلَهُ سَبَبًا لِنَجَاةِ عِبَادِهِ مِنْ فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ، وَتَوْحِيْدُ الأُلُوْهِيَّةِ ظَاهِرٌ فِي هَذِهِ القِصَّةِ بِالدُّعَاءِ وَصِدْقِ التَّوَكُلِ وَالخُضُوعِ وَالذُّلِّ وَالتَّعْظِيْمِ للهِ، وَتَوْحِيْدُ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ يَتَجَلَّى عِنْدَ اسْتِحْضَارِ كُلِّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ الحُسْنَى وَصِفَاتِهِ العُلَى، فَاللهُ هُوَ القَادِرُ الَّذِي أَمَرَ البَحْرَ فَانْفَلَقَ، وَهُوَ السَّمِيْعُ البَصِيْرُ العَلِيْمُ، الَّذِيْ سَمِعَ دَعَوَاتِ عِبَادِهِ الـمُسْتَضْعَفِينَ، وَرَأَى عَدُوَّهُمْ يُطَارِدُهُمْ، وَعَلِمَ بِحَالِهِمْ، وَهُوَ الرَّؤُوْفُ الرَّحِيْمُ بِعِبَادِهِ الـمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ القَرِيْبُ الـمُجِيْبُ لِدُعَائِهِمْ، وَهُوَ العَزِيْزُ الجَبَّارُ الَّذِيْ انْتَقَمَ لَهُمْ مِنْ فِرْعَوْنَ وَأَهْلَكَهُ وَقَوْمَهُ.

الوَقْفَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ دِيْنَ اللهِ مَنْصُورٌ، وأَنَّ الحَقَّ غَالِبٌ وَإِنْ طَالَ الزَّمَنُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة 21]. فَقَدْ اسْتَبْطَأَ بَعْضُ بَنِيْ إسْرَائِيْلَ النَّصْرَ، لَكِنْ حِيْنَمَا أَذِنَ اللهُ بِنَصْرِهِمْ، أَهْلَكَ عَدُوَّهُمْ وَمَكَّنَهُمْ فِي الأَرْضِ لِيَنْظُرَ كَيْفَ يَعْمَلُوْنَ.

الوَقْفَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ شُكْرَ اللهِ عَلَى النِّعْمَةِ؛ إِنَّمَا يَكُوْنُ بِطَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ بِمَا شَرَعَ، وَلَا يَكُوْنُ بِمَعْصِيَتِهِ وَلا بِالابْتِدَاعِ، فَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم صَامَ ذَلِكَ اليَوِمَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، وَقَبْلَهُ فَعَلَ نَبِيُّ اللهِ مُوْسَى عليه السلام مِثْلَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْعِ اللهِ فِي مِثْلِ هَذَا اليَوْمِ، وَلَا فِي غَيْرِهِ أَنْ نُظْهِرَ الفَرَحَ بِارْتِكَابِ شَيْءٍ مِنَ الـمَعَاصِيْ، أَوْ فِعْلِ البِدَعِ الَّتِي تُخالِفُ شَرْعَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.

الوَقْفَةُ الرَّابِعَةُ: إِنَّ التَّوَكُّلَ عَلَى اللهِ لَا يَعْنِي التَّوَاكُلَ، فَتَرْكُ الأَسْبَابِ نَقْصٌ فِي العَقْلِ، وَخَلَلٌ فِي تَطْبِيْقِ الشَّرْعِ، كَمَا أَنَّ التَّعَلُّقَ بِالأَسْبَابِ وَحْدَهَا شِرْكٌ، وَدِيْنُنُا يُعَلِّمُنَا الوَسَطِيَّةَ؛ فَاللهُ يَأْمُرُنَا أَنْ نَفْعَلَ السَّبَبَ وَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ خَالِقُنَا وَخَالِقُ الأَسْبَابِ، وَأَنَّ الأَسْبَابَ مُؤَثِّرَةٌ لَكِنْ بَقَدَرِ اللهِ وَمَشِيْئَتِهِ، فَقَدْ كَانَ اللهُ جَلَّ وَعَلَا قَادِرًا عَلَى أَنْ يَجْعَلَ لِبَنِي إِسْرَائِيْلَ البَحْرَ طَرِيْقًا يَبَسًا مِنْ غَيْرِ ضَرْبَةِ عَصَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلْ كَانَ سُبْحَانَهُ قَادِرًا عَلَى أَنْ يُهْلِكَ فِرْعَونَ وَهُوَ فِي قَصْرِهِ قَبْلَ أَنْ يُطَارِدَهُمْ أَصْلًا، لَكِنَّ اللهَ يُعَلِّمُ عِبادَهُ الْأَخْذَ بِالْأَسْبابِ دُوْنَ أَنْ تَتَعَلَّقَ الْقُلُوْبُ بِهَا.

الوَقْفَةُ الخَامِسَةُ: الخَوْفُ مِنْ الأَخْطَارِ أَمْرٌ جِبِلِّيٌّ وَطَبِيْعَةٌ بَشَرِيَّةٌ، وَهُوَ الشُّعُوْرُ الَّذِيْ رَاوَدَ بَنِيْ إِسْرَائِيْلَ حِيْنَمَا رَأَوْا جَيْشَ فِرْعَوْنَ يَقْتَرِبُ مِنْهُمْ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أصحاب مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: 62]. لَكِنَّ الإِيْمَانَ بِاللهِ وَالتَّوَكُّلَ عَلَيْهِ يَصْرِفُ هَذَا الخَوْفَ، وَيُرْشِدُ الإِنْسَانَ إِلَى التَّصَرُّفِ السَّلِيْمِ حِيْنَمَا يَثِقُ بِوَعْدِ اللهِ وَحُسْنِ تَدْبِيْرِهِ، وَلِهَذَا كَانَ جَوَابُ مُوْسَى عليه السلام لِقَوْمِهِ وَاضِحًا لَا لَبْسَ فِيْهِ، إِذْ قَالَ لَهُمْ بِكُلِّ ثِقَةٍ:﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّيْ سَيَهْدِيْنِ﴾[الشعراء: 62]. اللَّهُمَّ آمِنْ خَوْفَنَا يَوْمَ الفّزَعِ الأَكْبَرِ، وَوَفِّقْنَا لِشُكْرِ نِعَمِكَ الجَزِيْلَةِ، وَأَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَطَاعَتِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ. أَقُوْلُ قَوْلِيْ هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾

الحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى عَظِيمِ إِحْسَانِهِ وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى مَزِيْدِ فَضْلِهِ وَامْتِنَانِهِ، والصَّلَاةُ وَالسَّلامُ عَلَى نَبِيِّهِ الهَادِيْ إِلَى رِضْوَانِهِ، أَمَّا بَعْدُ عِبادَ اللهِ: فَاتَّقُوْا اللهَ عِبَادَ اللهِ، فَمَنِ اتَّقَى اللهَ وَقَاهُ، وَمَنِ اسْتَرْشَدَهُ هَدَاهُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:35].

عِبادَ اللهِ: الوَقْفَةُ السَّادسةُ والأَخِيْرِةُ: إِنَّ الـمُعَلِّمَ وَالـمُرَبِّيَ الصَّالِحَ يَسْتَثْمِرُ الـمَوَاقِفَ لِخِدْمَةِ دِيْنِ اللهِ تَعَالَى، فَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لـَمَّا وَجَدَ اليَهُوْدَ يَصُوْمُونَ عَاشُوْرَاءَ، اسْتَثْمَرَ هَذَا الحَدَثَ، فَسَأَلَ عَنْ سَبَبِهِ، ثُمَّ أَبْلَغَ صَحَابَتَهُ الكِرَامَ بِأَنَّهُ أَوْلَى بِمُوْسَى عليه السلام فَصام ذَلِكَ اليَوْمَ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ؛ شُكْرًا للهِ عَلَى نِعْمَتِهِ.

هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56] اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفاءِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ نَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفافَ وَالْغِنَى، اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.

تربية الأبناء 26/12/1447هـ

﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾

الْحَمْدُ للهِ تَفَرَّدَ بِكُلِّ كَمَالٍ، وَتَكَرَّمَ بِجَزِيلِ النَّوَالِ، فَلَهُ الْحَمْدُ فِي كُلِّ حَالٍ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلَهُ الشُّكْرُ عَلَى جَزِيلِ الْإِنْعَامِ وَالْإِفَضالِ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، تَنَزَّهَ عَنِ الْأَنْدَادِ وَالْأَمْثَالِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، الْمَوْصُوفُ بِأَجْمَلِ النُّعُوتِ وَأَشْرَفِ الْخِصَالِ صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ خَيْرِ صَحْبٍ وَأَكْرَمِ آلٍ، وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الْمَآلِ. أَمَّا بَعْدُ عِبَادَ اللهِ: فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102].

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: قالَ تَعالَى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ ۝ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى :49، 50]، مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ، نِعْمَةُ الْوَلَدِ، وَلَا سِيَّما الْوَلَدُ الصَّالحُ، فَقَدِ امْتَنَّ اللهُ سُبْحانَهُ عَلَى سائِرِ خَلْقِهِ بِذَلِكَ فَقالَ تَعالَى: ﴿وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [النحل: 72].وَالنَّفْسُ الْبَشَرِيَّةُ جُبِلَتْ عَلَى حُبِّ الْأَوْلادِ وَالذُّرِّيَّةِ الصَّالِحَةِ، قالَ تَعالَى عَنْ زَكَرِيَّا عليه السلام: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء﴾ [آل عمران: 38]. إِنَّ الذُّرِّيَّةَ الصَّالِحَةَ مَطْلَبُ الْأَنْبِياءِ وَالصَّالِحِينَ فِي كُلِّ زَمانٍ وَمَكانٍ، فَقَدْ دَعا إِبْراهِيمُ عليه السلام ربَّه فَقالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ [إبراهيم:40]، وَوَصَفَ سُبْحانَهُ عِبادَهُ المؤْمِنِينَ: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:74]، فَالذُّرِّيَّةُ الصَّالِحَةُ مِنْ أَعْظَمِ ما يُقِرُّ اللهُ بِهِ أَعْيُنَ الْوَالِدَيْنِ فِي الدُّنْيا، وَمِنْ أَعْظَمِ ما يَمْتَدُّ نَفْعُهُ لَهُما بَعْدَ مَوْتِهِما، قَالَ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» [رواه الترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح].

عِبادَ اللهِ: التَّرْبِيَةُ مَشْرُوعُ أُمَّةٍ، والنَّاشِئَةُ هُمْ دُرُوعُ الْوَطَنِ، وَهُمْ بِفَضْلِ اللهِ تَعالَى -إِنْ أَحْسَنّا تَرْبِيَتَهُمْ- بُنَاةُ الْغَدِ وَرِجَالُهُ، وَمُفَكِّرُوهُ وَسَوَاعِدُهُ، وَمُسْتَوْدَعُ أَمَانَاتِ الْوَالِدَيْنِ وَالمعَلِّمِينَ وَالْمُرَبِّينَ، فَأَوْلَادُنَا ثِمَارُ قُلُوبِنَا، وَعِمَادُ ظُهُورِنَا، وَفِلْذَاتُ أَكْبَادِنَا، وَأَحْشَاءُ أَفْئِدَتِنَا، وَهُمْ قُرَّةُ الْأَعْيُنِ، وَبَهْجَةُ الْحَيَاةِ، وَأُنْسُ الْعَيْشِ، بِهِمْ يَحْلُو الْعُمْرُ، وَعَلَيْهِمْ تُعَلَّقُ الْآمَالُ، وَبِبَرَكَةِ تَرْبِيَتِهِمْ يُسْتَجْلَبُ الرِّزْقُ، وَتُتَنْزَّلُ الرَّحَمَاتُ، وَيُضَاعَفُ الْأَجْرُ، وَهُمْ مَعَ التَّرْبِيَةِ سَبَبٌ لِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ، قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ فِي الْجَنَّةِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ: أَنَّى لِي هَذِهِ؟! فَيَقُولُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ» [رواه ابن ماجه، والإمام أحمد].

عِبادَ اللهِ: الْأَبْناءُ أَمانَةٌ عَظِيمَةٌ وَمَسْؤُولِيَّةٌ شَرْعِيَّةٌ في أَعْناقِ آبائِهِمْ وَأُمَّهاتِهِمْ، وَإِنَّ اللهَ تَعالَى سائِلُهُمْ عَنْ هَذِهِ الْأَمانَةِ، قالَ تَعالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾، قال صلى الله عليه وسلم: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» [متفق عليه]، فَصَلاحُ الْأَبْناءِ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ، وَإِهْمالُهُمْ وَالتَّفْرِيطُ في تَرْبِيَتِهِمْ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبابِ الْحَسْرَةِ وَالنَّدامَةِ في الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَعُولُ» [رواه الحاكم في المستدرك، وقال الذهبي: على شرط البخاري ومسلم]، وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ حُقُوقِهِمْ عَلَيْنا أَنْ نَغْرِسَ فِيْهِمْ مُنْذُ الصِّغَرِ عَقِيدَةَ التَّوْحِيدِ، تَثْبُتُ بِها قُلُوبُهُمْ، وَتَسْكُنُ إِلَيْهَا نُفُوسُهُمْ، وَتَنْشَرِحُ بِها صُدُورُهُمْ، فَرَبُّوا أَوْلادَكُمْ عَلَى تَقْوَى اللهِ وَخَشْيَتِهِ وَمُرَاقَبَتِهِ، فَيُنَشَّؤُونَ عَلَى الرُّجُوعِ إِلَى رَبِّهِمْ، وَلَا يَخَافُونَ إِلَّا ذَنُوبَهُمْ، اجْعَلُوا طَاعَةَ اللهِ لَهُمْ دِثَارًا، وَالْخَوْفَ مِنْهُ شِعَارًا، وَالْإِخْلَاصَ لَهُ زَادًا، وَالِاقْتِداءُ في ذَلِكَ بِالْأَنْبِياءِ وَالصَّالِحِينَ، قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [سورة البقرة:132]، وَهَذَا لُقْمانُ يُوصِي ابْنَهُ: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة لقمان:13]، نَعَمْ إِنَّ أَعْظَمَ مِيرَاثٍ يَتْرُكُهُ الْوَالِدَانِ لِأَبْنَائِهِمْ هُوَ الِاسْتِقَامَةُ عَلَى دِينِ اللَّهِ.

عِبَادَ اللَّهِ: إِيَّاكُمْ وَالتَّفْرِيطَ فِي مُتَابَعَةِ الْأَبْنَاءِ وَتَرْكَهُمْ فَرِيسَةً لِلْمُؤَثِّرَاتِ الْفِكْرِيَّةِ وَالسُّلُوكِيَّةِ الْمُنْحَرِفَةِ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْنَا مُتَابَعَتُهُمْ دِرَاسِيًّا وَسُلُوكِيًّا، وَمَعْرِفَةُ أَصْحَابِهِمْ؛ فَالصَّاحِبُ سَاحِبٌ، وَأَصْدِقَاءُ السُّوءِ يُفْسِدُونَ عَلَى الْمَرْءِ دِينَهُ وَخُلُقَهُ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا ‌مَثَلُ ‌الْجَلِيسِ الصَّالِحِ، وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ، ‌كَحَامِلِ ‌الْمِسْكِ، وَنَافِخِ الْكِيرِ» [متفق عليه]، فَلْنَحْذَرْ أَنْ تَسْتَحْوِذَ أَدَوَاتُ التَّوَاصُلِ وَالْمَوَاقِعُ الِافْتِرَاضِيَّةُ عَلَى أَبْنائِنا، وَلْنَبُثَّ فِيهِمُ الْوَعْيَ فَلَا يُصَدِّقُوا كُلَّ صُورَةٍ، وَلَا يَسْتَسْلِمُوا لِكُلِّ تَغْرِيدَةٍ، وَلَا يَقْبَلُوا كُلَّ مَعْلُومَةٍ فَفِي كَثِيرٍ مِنْهَا مَوَاطِنُ الْخَلَلِ والزَّلَلِ.

إِنَّ الْعِنَايَةَ بِالْأَبْنَاءِ وَحِفْظَهُمْ مِنَ الِانْحِرَافِ مَسْؤُولِيَّةٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْأُسْرَةِ وَالْمَدْرَسَةِ وَسَائِرِ مُؤَسَّسَاتِ الْمُجْتَمَعِ، وَإِنَّ التَّعَاوُنَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ صُوَرِ التَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، قالَ تَعالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [سورة المائدة:2]، وَإِنَّ في تَرْبِيَتِهِمْ إِحْسَانٌ وَطَاعَةٌ وَأَجْرٌ، فَإِنَّ مِنَ الذُّنُوبِ مَا لَا يُكَفِّرُهُ إِلَّا هَمُّ الْأَوْلَادِ، وَالتَّعَبُ عَلَى تَرْبِيَتِهِمْ.

رَبَّنا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمامًا.

أقُولُ قَوْلِي هَذَا.. وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾

الْحَمْدُ للهِ وَفَّقَ مَنْ شَاءَ لِمَكارِمِ الْأَخْلاقِ، وَهَدَاهُمْ لِمَا فِيه فَلَاحُهُمْ يَوْمَ التَّلاقِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبارَكَ عَلَيْه وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحابِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ ﴿‌فَٱتَّقُواْ ‌ٱللَّهَ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [سورة البقرة:281].

أَيُّهَا المسْلِمُونَ: إِنَّ تَرْبِيَةَ الْأَبْنَاءِ يُعَدُّ مِنْ أَصْعَبِ الْأُمُورِ، وَأَكْثَرِهَا تَكْلِفَةً، لَكِنَّ النَّجَاحَ فِي تَرْبِيَتِهِمْ هُوَ فَوْزُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يُعِينُ عَلَى تَرْبِيَةِ النَّشْءِ اللُّجُؤُ إِلَى اللَّهِ بِالدُّعَاءِ، فَإِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ بِيَدِ اللَّهِ، التَّوْفِيقُ بِيَدِهِ وَحْدَهُ سُبْحَانَهُ، وَلَنْ يَنْصَلِحَ حَالُ عَبْدٍ إِلَّا إِذَا امْتَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالصَّلَاحِ؛ وَلِهَذَا يَجِبُ عَلَى الْأَبَوَيْنِ أَنْ يَعْتَنِيَا بِأَمْرِ الدُّعَاءِ لِلْأَبْنَاءِ وَالِاجْتِهَادِ فِي هَذَا الْأَمْرِ، وَالْإِلْحَاحِ عَلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، ثُمَّ الْأَخْذُ بِأَسْبَابِ التَّرْبِيَةِ الصَّحِيحَةِ، وَمِنْ أَعْظَمِ وَسَائِلِ التَّرْبِيَةِ وَأَنْجَحِهَا التَّرْبِيَةُ بِالْقُدْوَةِ، فَالْأَبْنَاءُ بِحَاجَةٍ إِلَى قُدْوَاتٍ لَا إِلَى نُقَّادٍ، جَالِسُوهُمْ، صَادِقُوهُمْ، تَحَدَّثُوا إِلَيْهِمْ، فَرِّغُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ أَجْلِهِمْ، أَعْطُوهُمْ مِنْ وَقْتِكُمْ خَيْرٌ لَهُمْ مِنْ إِعْطِائِهِمْ مِنْ أَمَوالِكُمْ، وَاسْتَثْمِرُوا فِيهِمْ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَسْتَثْمِرُوا لَهُمْ، كُونُوا لَهُمْ قُدْوَةً في حِكْمَةِ الْعَقْلِ، وَعِفَّةِ اللِّسَانِ، وَصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَطَهَارَةِ الْيَدِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ، وَالطِّفْلُ يَتَأَثَّرُ بِالْجَوِّ الْعامِّ لِلْأُسْرَةِ، فَلْتَكُنْ بُيُوتُنا هادِئَةً، قَلِيلَةَ الْخِلَافِ، تَسُودُها الْمَحَبَّةُ وَالْوِئامُ وَحُسْنُ الْإنْصَافِ، وَعَدَمُ تَتَبُّعِ الْعَثَرَاتِ، وَالْتِمَاسُ الْأَعْذَارِ، وَاحْتِمَالُ الْأَذَى، وَابْتَعِدُوا أَيُّها الْأَفاضِلُ عَنْ كَثْرَةِ اللَّوْمِ، وَرَفْعِ الصَّوْتِ وَالمقَارَنَةِ بِالْآخَرِينَ، وَاحْرِصُوا عَلَى التَّفَاهُمِ بَيْنَ الْوَالِدَيْنِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ ما يُهَيِّئُ بِيئَةً نَفْسِيَّةً جَيِّدَةً لِتَرْبِيَةِ جِيلٍ مِنَ النَّاشِئَةِ عَظِيمٍ.

أَيُّها المؤْمِنُونَ: إِنَّ تَرْبِيَةَ الْأَوْلادِ لا يَقْتَصِرُ خَيْرُها عَلَى الْأُسْرَةِ، بَلْ هُوَ حُبٌّ لِأَعْظَمِ بُقْعَةٍ وَأَعْظَمِ وَطَنٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، إِنَّها بِلادُ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، مَهْدُ الْإِسْلامِ، فَالْأَمْرُ يَحْتَاجُ إِخْلَاصًا وَعَمَلًا وَبِنَاءً وَتَعَاوُنً وَحِمَايَةً وَأَمَانَةً وَاحْتِرَامًا، نَحْتاجُ جِيلًا قَوِيًّا فِي بَدَنِهِ وَعَقْلِهِ، رِجَالًا حُرَّاسًا لِلْعَقِيدَةِ وَالْوَطَنِ، يَقِفُونَ فِي وَجْهِ أَعْدَائِهِ المتَرَبِّصِينَ وَالْحاقِدِينَ عَلَيْهِ، نُرِيدُ جِيلًا يَحْفَظُ لِوُلَاةِ الْأَمْرِ حَقَّهُمْ مِنَ الطَّاعَةِ وَالمحَبَّةِ وَالنُّصْحِ وَالدُّعَاءِ وَصِدْقِ الْوَلَاءِ، جِيلًا يَنْبُذُ الْعَصَبِيَّةَ بِكُلِّ أَشْكَالِها، مِنْ قَبَلِيَّةٍ وَمَنْاطِقِيَّةٍ وَطَائِفِيَّةٍ، جِيلًا يُحافِظُ عَلَى الممْتَلَكَاتِ وَالمرَافِقِ الْعامَّةِ، وَيَسْلُكُ سَبِيلَ الرُّشْدِ، وَتَرْشِيدِ الصَّرْفِ وَالِاسْتِهْلَاكِ، جِيلًا يَتَعَوَّدُ مُنْذُ نُعُومَةِ أَظْفَارِهِ عُلُوَّ الْهِمَّةِ؛ فَمَنْ شَبَّ عَلَى شَيْءٍ شَابَ عَلَيْهِ.

هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56] اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الخلفاء الراشدين، وعن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ ومن تبعهم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ اللَّهُمَّ إِنَّا اسْتَوْدَعْنَاكَ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، فَأَصْلِحِ اللَّهُمَّ شُؤُونَهُمْ وَاشْرَحْ صُدُورَهُمْ، وَيَسِّرْ أُمُورَهُمْ، واحْفَظْهُمْ بِعَيْنِكَ الَّتِي لَا تَنَامُ، وَاكْلَأْهُمْ بِرِعَايَتِكَ، وَاصْرِفْ عَنْهُمْ كُلَّ سُوءٍ وَمَكْرُوهٍ. اللَّهُمَّ اجْعَلْهُمْ هُدَاةً مُهْتَدِينَ، غَيْرَ ضَالِّينَ وَلَا مُضِلِّينَ، اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قُلُوبَهُمْ عَلَى دِينِكَ، وَاجْعَلْهُمْ قُرَّةَ عَيْنٍ لِوَالِدِيهِمْ، وَذُخْرًا لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْبِتْهُمْ نَبَاتًا حَسَناً، وَحَبِّبْ إِلَيْهِمُ الْإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِهِمْ، وَكَرِّهْ إِلَيْهِمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ، اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.

في بريطانيا …

 

عمدة لندن … مسلم

عمدة برمنجهام … مسلم

عمدة ليدز … مسلم

عمدة بلاكبيرن … مسلم

عمدة شيفيلد … مسلم

عمدة أكسفورد … مسلم

عمدة لوتون … مسلم

عمدة أولدهام … مسلم

عمدة روشديل … مسلم

 

الآن أغلب المحلات في بريطانيا من غير المسلمين تقدم اللحوم الحلال وكذلك المدارس تطلب اللحوم الحلال !!!

 

كل هذا حققه 4 ملايين مسلم فقط من بين 66 مليون نسمة !!!

 

يقتبس حمزة ياكاساي من كلام بعض الفلاسفة الغربيين بشأن تنبؤهم عن مستقبل الإسلام …

 

1. ليو تولستوي (1828-1910)

الإسلام سيحكم العالم في يوم ما ، لأن فيه مزيج من المعرفة والحكمة.

 

2. هربرت ويلز (1846-1946)

وحتى يعود الإسلام مرة أخرى ، كم من الأجيال سوف تعاني الفضائع ؟ ثم في يوم سوف ينجذب العالم كله للإسلام ، في ذلك اليوم سيحل السلام وسوف يسكن العالم مرة أخرى .

 

3. إلبرت أينشتاين(1879-1955)

أنا أفهم أن المسلمين فعلوا ذلك من خلال ذكائهم ووعيهم الذي لايمكن لليهود القيام به ، وفي الإسلام القوة والحكمة التي يمكن أن تؤدي إلى السلام.

 

4. هوستون سميث (1919-2016)

الإيمان الذي نحن عليه الآن هناك ماهو أفضل منه .. إنه الإسلام ، وإذا فتحنا قلوبنا وعقولنا لذلك فإنه سيكون جيداً بالنسبة لنا .

 

5- مايكل نوستراداموس (1503-1566) الإسلام سيكون الدين الحاكم في أوروبا ، وستصبح مدينة أوروبا الشهيرة عاصمة الدولة الإسلامية.

 

6 – برتراند راسل(1872-1970)

قرأت الإسلام وأدركت أنه سيكون دين العالم كله والبشرية جمعاء ، وسوف ينتشر الإسلام في جميع أنحاء أوروبا ، وسوف يأتي يوم سيكون الإسلام الحافز الحقيقي للعالمية.

 

7- غوستا لوبون(1841-1931)

الإسلام هو الدين الوحيد الذي يتحدث فقط عن السلام والمصالحة ، ودعوة المسيحيين إلى تقدير إيمان المصالحة .

 

8. برنارد شو(1856-1950)

في يوم العالم كله سيقبل الإسلام ديناً واحداً ، وإن كان لايمكن حتى قبوله بإسمه الحقيقي ، ولكن سوف يقبله بإسمه على سبيل الاستعارة ، وسيتقبل الغرب الإسلام في يوم ما ، وسيكون الدين الوحيد الذي يقود العالم .

 

9. يوهان جيث(1749-1832)

علينا جميعاً أن نقبل الإسلام ديناً عاجلاً أم آجلاً ، وإنه هو الدين الحقيقي ، وإذا دُعيت إلى الإسلام لن أشعر بالسوء ، وأنا أقبل هذا كشيء واقع .

 

الحمد لله الذي جعلنا مسلمين …

اللهم نور قلوبنا بالإيمان وزين عقولنا بالحكمة وعافي أبداننا بالصحة والعافية واشملنا بعفوك ورحمتك ولطفك اللهم يسر أمورنا وفرج همومنا واستر عيوبنا وأصلح أحوالنا واغفر لنا ولوالدينا وتوفنا وأنت راض عنا يا أرحم الراحمين

*أَسأَلَ اللهَ لِي ولَگُمْ*

*العَفوَ والعَافِيـةَ فِي الدُّنيَا والآخِرَة*

*اللهم آمين *

 

💐 صباح الخير💐

صباح التوكل على الله

نَجاحُ مَوْسِمِ الْحَجِّ 1447هـ ١٨/١٢/١٤٤٧هـ

﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾

الحَمدُ للهِ الْكَريمِ الرَّحمَنِ، الْعَفُوِّ الْـمَنَّانِ، تَفَضَّلَ عَلَى عِبادِهِ بالجُودِ وَالْإِحْسَانِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةَ تَوحِيدٍ وَإِخْلاصٍ وَإيمانٍ، وَأشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ الـمُصْطَفَى الْعَدْنَانُ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أُوْلِيْ الفَضْلِ وَالعِرْفَانِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيْمًا كَثِيْرًا. أَمَّا بَعْدُ فَأُوْصِيْكُمْ عِبادَ الله، وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ جَلَّ فِي عُلَاهُ، قالَ تَعالَى: ﴿فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصۡلَحَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ﴾ [الأعراف: 35].

مَعَاشِرَ المؤْمِنينَ: لَقَدِ انْقَضَتْ أيَّامُ الْحَجِّ، وَرَجَعَتْ وُفُودُ الْحُجَّاجِ مِنْ أُمِّ الْقُرَى، رَجَعُوا بَعْدَ أَنْ حَجُّوا الْبَيْتَ الْحَرامَ، وَعَادُوا بَعْدَ أَنْ وَقَفُوا بِتِلْكَ الْمَشَاعِرِ الْعِظَامِ، فَهَنِيئًا لَهُمْ هَذِهِ الرِّحْلَةُ الإيمَانيَّةُ الْعَظِيمَةُ، هَنِيئًا لَهُمْ مَا كَسَبُوهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ، وَمَا مُحِيَ عَنْهُمْ مِنَ السَّيِّئَاتِ.

لِيَهْنَأَ مِنْهمْ مَنْ حَجَّ للهِ مُخْلِصًا، وَلِنَبِيِّهِ مُتَّبِعًا، وَابْتَعَدَ عنِ الرِّياءِ وَالسُّمْعَةِ، وَسَلِمَ مِنَ الرَّفَثِ وَالْفُسُوقِ وَالْجِدالِ، فَلْيَطِبْ بِمَا أَسْلَفَ نَفْسًا، ولْيَهْنَأْ بِمَا قَدَّمَ قَلْبًا؛ فَقَدْ أَدَّى فَرْضًا، وَقَضَى تَفَثًا، وَرَجَعَ مِنْ ذُنُوبِهِ خَالِيًا، وَمِنْ خَطَايَاهُ خَاوِيًا، قال صلى الله عليه وسلم: “مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ” [متفق عليه].

أيُّها الْحَاجُّ الْكَرِيمُ: يَا مَنْ بَذَلْتَ النَّفْسَ والنَّفِيسَ، وضَحَّيْتَ بَالْجَهْدِ والْوَقْتِ، واجْتَهَدْتَ حَتَّى أَتَيْتَ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ، فَلَبَّيْتَ وطُفْتَ وَسَعَيْتَ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَ الْمَقَامِ، وَشَرِبْتَ مِنْ زَمْزَمَ، ووقفت بِعَرَفَةَ، وَرَمَيْتَ الْجَمَرَاتِ، وَنَثَرْتَ الْعَبْرَاتِ، وَدَعَوْتَ وَسَأَلْتَ وَرَجَوْتَ الوَهَّابَ، وَتُبْتَ وَأَنَبْتَ، مَنْ أَسْعَدُ مِنْكَ وَأَحْظَى؟! مَنْ أَهْنَأُ مِنْكَ وَأَرْضَى؟! فَيا سَعْدَ مَنْ تَجَرَّدَ للهِ فِي وَحْدَانِيَّتِهِ، وتَوَجَّهَ لَهُ فِي عُبُودِيَّتِهِ!

لَقَدْ دَعَوْتَ ربًّا كَرِيمًا، وسَأَلْتَ مَلِكًا عَظِيمًا، ورَجَوْتَ بَرًّا رَحِيمًا، لا يَتَعَاظَمُهُ ذَنْبٌ أَنْ يَغْفِرَهُ، ولا فَضْلٌ أَنْ يُعْطِيَهُ، سُبْحانَهُ إنْ تَقَرَّبْتَ إليهِ شِبرًا، تَقَرَّبَ إليكَ ذِرَاعًا، وإنْ تَقَرَّبتَ إليهِ ذِرَاعًا، تَقَرَّبَ إِلَيْكَ بَاعًا، وَإِنْ أَتَيْتَه تَمْشِي، أَتاكَ هَرْوَلَةً.

فَأَحْسِنْ ظنَّكَ بربِّكَ، فَإِنَّ رَبَّكَ عِنْدَ ظَنِّكَ، وَعَطَاءَهُ أَعْظَمُ مِنْ أَمَلِكَ، وَجُودَهُ أَوْسَعُ مِنْ مَسْأَلَتِكَ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِكَ مِنْكَ، وَهُوَ الْكَرِيمُ إِذَا أَعْطَى أَغْنَى، وَإِذَا وَهَبَ أَغْدَقَ، قال صلى الله عليه وسلم: “مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمِ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟”[رواه مسلم].

فَهَنِيئًا لَكَ وَبُشْرَى؛ فَقَدْ عُدْتَ كَيَوْمِ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ، فَاجْعَلْ مِنْ حَجِّكَ بِدَايةً لِحَيَاةٍ جَدِيدَةٍ، وفُرْصَةً لِمُعَامَلَةٍ مَعَ اللهِ صَادِقَةٍ، لَقَدْ كُفِيتَ مَا سَلَفَ وَمَضَى، فَاسْتَأْنِفْ عَمَلَكَ وَأَحْسِنْ فِيمَا بَقِيَ، وأَرِ اللهَ مِنْ نَفْسِكَ خَيرًا، اُصْدُقِ التَّوْبَةَ وَأَخْلِصْ فِي الْإِنَابَةِ، وَاعْزِمْ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى الطَّاعَاتِ مَا بَقِيتَ، وَاتْرُكِ الْمَعَاصِي مَا حَيِيتَ؛ فَوَاللهِ إِنَّهَا لَفُرْصَةٌ عَظِيمَةٌ أَنْ نُقِّيتَ مِنَ الْخَطَايا، وَطُهِّرْتَ مِنَ الْأَوْزَارِ، وَعُدْتَ خَفِيفًا مِمَّا أَثْقَلَكَ مِنَ الْأَغْلاَلِ والآصَارِ، فَاتَّقِ اللهَ حَقَّ التَّقْوَى وَحَافِظْ عَلَى مَا اكْتَسَبْتَ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَهْدِمَ مَا شَيَّدْتَ.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: وَإِنَّهُ كَمَا أَكْرَمَ اللهُ الْحُجَّاجَ بِالْحَجِّ، فَقَدْ أَنْعَمَ عَلَى غَيْرِهِمْ بِنِعَمٍ عَظِيمَةٍ، وَيَسَّرَ لَهُمْ عِبَادَاتٍ جَلِيلَةً، فمَرَّتْ بِهِمْ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ أفْضَلُ أيَّامِ الدُّنْيا عِنْدَ اللهِ، وَيَوْمُ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ صِيَامُهُ سَنَتَيْنِ، وَيَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ، فَمَا أَجْدَرَنَا أَنْ نَفْرَحَ بِذَلِكَ كُلِّهِ؛ ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:58] مَا أَجْدَرَنَا أَنْ نَزْدَادَ حَمْدًا للهِ، وَنُضَاعِفَ الْعَمَلَ؛ قَالَ سُبْحَانَه: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:13]، مَا أَجَدْرَنَا أَنْ نَسْتَمِرَّ عَلَى الطَّاعَةِ، وَنَجْعَلَ الْحَيَاةَ كُلَّهَا للهِ كَمَا أَرَادَهَا سُبْحانَه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: 162، 163].

أيُّها المُؤمِنُونَ: بِحَمْدِ اللهِ وَفَضْلِهِ وَتَوفِيقِهِ أُقِيمَتْ شَعِيرَةُ الِحَجِّ هَذا الْعامِ بِنَجَاحٍ اسْتِثْنَائِيٍّ، فَقَدْ تَوَافَدَ أَكْثَرُ مِنْ مِلْيُونٍ وَسَبْعِمِائَةِ أَلْفِ حَاجٍّ وَحَاجَّةٍ، مِنْ جِنْسِيَّاتٍ مُخْتَلِفَةٍ بَلَغَتْ مِائَةً وَخَمْسَةً وَسِتِّينَ جِنْسِيَّةً، قَدِمَ مِنْ خَارِجِ الْمَمْلَكَةِ أَكْثَرُ مِنْ مِلْيُونٍ وَخَمْسِمِائَةِ حَاجٍّ وَحَاجَّةٍ، وَمِنْ دَاخِلِ الْمَمْلَكَةِ أَكْثَرُ مِنْ مِائَةٍ وَسِتِّينَ أَلْفَ حَاجٍّ وَحَاجَّةٍ. جَاءَ هَذَا النَّجَاحُ تَتْوِيجًا لِمَنْظُومَةِ عَمَلٍ مُتَكَامِلَةٍ ضَمَّتْ أَكْثَرَ مِنْ سِتِّينَ جِهَةً حُكُومِيَّةً، سَخَّرَتْ إِمْكَانِيَّاتِهَا الْبَشَرِيَّةَ وَالتَّقْنِيَّةَ لِتَوْفِيرِ أَعْلَى دَرَجَاتِ الْأَمْنِ، وَالسَّلَامَةِ، وَالرَّاحَةِ لِضُيُوفِ الرَّحْمَنِ، وَقَدْ بَرَزَتِ الْجُهُودُ الْمَبْذُولَةُ لِإِنْجَاحِ الْمَوْسِمِ فِي عِدَّةِ قِطَاعَاتٍ رَئِيسَةٍ: كالْخِدْمَاتِ التَّقْنِيَّةِ وَالرَّقْمِيَّةِ، كتَطْبِيقِ “نُسُكْ” الرَّقْمِيُّ، والْبِطَاقَةِ الذَّكِيَّةِ، والتَّسْهِيلَاتِ اللُّوجِسْتِيَّةِ وَالْقُدُومِ، كمُبَادَرَةِ طَرِيقِ مَكَّةَ، مِمّا سَهَّلَ إِجْرَاءَاتِ دُخُولِ الْحُجَّاجِ، وَإِرْشَادِ التَّائِهِينَ، وَمَنْعِ دُخُولِ مُخَالِفِي نِظَامِ التَّصَارِيحِ، وَانْسِيَابِيَّةِ التَّنَقُّلِ، وقد وَفَّرَتِ السُّلُطَاتُ شَبَكَةَ نَقْلٍ مُتَطَوِّرَةً تَضَمَّنَتْ قِطَارَ الْمَشَاعِرِ وَالْحَافِلَاتِ، مَعَ إِدَارَةٍ احْتِرَافِيَّةٍ لِلْحُشُودِ الْمِلْيُونِيَّةِ لِضَمَانِ سَلَامَتِهِمْ، وَكَذَلِكَ الْمُسْتَشْفَيَاتُ وَالْمَرَاكِزُ الصِّحِّيَّةُ الْمُتَنَقِّلَةُ وَعِيَادَاتُ الطَّوَارِئِ فِي مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ وَالْمَشَاعِرِ الْمُقَدَّسَةِ وَالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، والِاسْتِجَابَةُ السَّرِيعَةُ لِلفِرَقِ الإِسْعَافِيَّةِ المتَطَوِّرَةِ لِلتَّدَخُّلِ الْفَوْرِيِّ. وَمِنْ ذَلِكَ الخُطَّةُ الْأَمْنِيَّةُ الَّتِي تَشارَكَتْ فِيها الْقِطَاعَاتُ الْأَمْنِيَّةُ وَالْعَسْكَرِيَّةُ لِضَمَانِ أَمْنِ الْحُجَّاجِ، وَإِدَارَةِ الْحُشُودِ بِكَفَاءَةٍ اسْتِثْنَائِيَّةٍ فِي سَاحَاتِ الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ الشَّرِيفِ وَالْمَشَاعِرِ الْمُقَدَّسَةِ، فَضْلًا عَنِ الْخِدْمَاتِ الْأَسَاسِيَّةِ وَالْمَيْدَانِيَّةِ، فَقَدْ تَمَّ تَجْنِيدُ آلَافِ الْعَامِلِينَ وَالْمُتَطَوِّعِينَ الْمَيْدَانِيِّينَ لِخِدْمَةِ الْحُجَّاجِ، وَتَوْزِيعِ الْمِيَاهِ، وَمُسَاعَدَةِ كِبَارِ السِّنِّ وَذَوِي الِاحْتِيَاجَاتِ الْخَاصَّةِ.

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا.. وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾

الحَمْدُ للهِ الَّذِيْ خَلَقَ فَسَوَّى، وَالَّذِيْ قَدَّرَ فَهَدَى، وَالَّذِيْ أَخْرَجَ الـمَرْعَى فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى، وَأَشْهدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ سَارَ عَلَى طَرِيْقِهِمْ وَاقْتَفَى. أَمَّا بَعدُ فَأُوصِيكُمْ عِبادَ الله، وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ وَإِحْسَانِ الظَّنِّ بِهِ، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾[التوبة: 119].

أيُّها المُؤمِنُونَ: هَذَا النَّجاحُ الِاسْتِثْنائِيُّ فِي تَنْظِيمِ حَجِّ هَذا الْعَامِ، كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَأْتِ مِنْ فَرَاغٍ، وَلَكِنَّهُ بَعْدَ فَضْلِ اللهِ وَتَوْفِيقِهِ، ثَمَرَةُ مُتَابَعَةٍ دَقِيقَةٍ، وَتَوجِيهاتٍ حَكِيْمَةٍ، وَتَخْطِيْطٍ سَلِيمٍ، وَبَذْلٍ سَخِيٍّ، وَنِيَّةٍ طَيِّبَةٍ صَالِحَةٍ، فَشَكَرَ اللهُ لِهَذِهِ الدَّوْلَةِ الْكَرِيمَةِ، جُهُودَهَا الْعَظِيمَةَ فِي خِدْمَةِ الْحَجِيجِ وَرِعَايَةِ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ وَالشُّكْرُ كُلُّ الشُّكْرِ لْكُلِّ مَنْ خَطَّطَ وَأمَرَ وَسَهَّلَ وَرَعَى، ابْتداءً مِنْ قِيَادَتِنا الرَّشِيْدَةِ مُمَثَّلَةً فِي خَادِمِ الحَرَمَيْنِ الشَّرِيْفَينِ وَوَلِيِّ عَهْدِهِ حَفِظَهُمَا اللهُ، وَمُرُورًا بِالقِطَاعَاتِ الأَمْنِيَّةِ وَرِجَالِ الأَمْنِ، وأبْطَالِ الصِّحَّةِ، ومَنْسُوبي وِزَارَةِ الحَجِّ، وَوِزَارَةِ الشُّؤُوْنِ الإِسْلَامِيَّةِ، وَكُلِّ مَنْ شَارَكَ فِي خِدْمَةِ ضُيُوْفِ الرَّحْمَنِ، فَجَزَاهُمْ اللهُ عَلَى ذَلِكَ خَيْرَ الْجَزَاءِ.

اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ منَّا صَالِحَ الأَعمَالِ، وَتَقَبَّلْ مِنَ الْـحُجَّاجِ حَجَّهُمْ وَاغَفَرْ ذُنُوبَنا وَذُنُوبَهُمْ، وَيَسِّرْ لَهُمُ العَوْدَةَ إلَى بِلاَدِهِمْ، وَاحْفَظِ اَللَّهُمَّ بِلاَدَنَا وَأَمْنَنَا وَمُقَدَّسَاتِنَا وجُنُودَنَا وَحُدُودَنَا، اَللَّهُمَّ آمِنَّا فِي دُورِنَا وَأَصْلِحْ أَئِمَّتنَا وَوُلَاةَ أُمورِنَا، وَوَفِّقِ اللَّهُمَّ إِمَامَنَا خَادِمَ الحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَينِ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِهُدَاكَ، وَاجْعَلْ عَمَلَهُمَا فِي رِضَاكَ، وَأَصْلِحْ بِهِمَا البِلَادَ وَالعِبَادَ، إِنَّكَ سَمِيعٌ مُجِيبُ الدُّعَاءِ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإسْلَامَ وَأَهْلَهُ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَأَهْلَهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَأَدِمْ عَلَينَا نِعْمَةَ الأَمْنِ وَالإيْمَانِ، اللهم يَا مَنْ جَعَلَ النَّارَ بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ، يَا مَنْ فَلَقَ الْبَحْرَ لِمُوسَى، يَا مَنْ سَمِعَ نِدَاءَ يُونُسَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ وَنَجَّاهُ، يَا مَنْ حَفِظَ يُوسُفَ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَمِنَ الْفِتَنِ حَمَاهُ، يَا مَنْ رَزَقَ زَكَرِيَّا الذُّرِّيَّةَ الصَّالِحَةَ عَلَى كِبَرٍ إِذْ نَادَاهُ، يَا مَنْ مَنَّ عَلَى أَيُّوبَ بِالْعَافِيَةِ بَعْدَ طُولِ سَقَمٍ وَشَفَاهُ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَبْرَأُ مِنْ حَوْلِنَا وَقُوَّتِنَا وَتَدْبِيرِنَا إِلَى حَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ وَتَدْبِيرِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ لَا يُعْجِزُكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ فَرِّغْ قُلُوبَنَا لِطَاعَتِكَ وَاكْفِنَا أَمْرَ دُنْيَانَا.

وَصَلِّ اللَّهُمَّ وسَلِّمْ وَبارِكْ عَلَى عبدِكَ وَرَسولِكَ مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلهِ وصحبِهِ أَجْمَعينَ، والحمدُ للهِ رَبِّ العَالمينَ.

*المتقاعد.*

قد تراه بسيطًا في مظهره، هادئًا في خطواته، يجلس في زاويةٍ من مجلس، أو يمشي بين الناس دون أن يلفت الانتباه… لكنك إن اقتربت منه، ستدرك أن أمامك حياةً كاملة، لا شخصًا عابرًا.

*أجمل متقاعد… ليس ذاك الذي كان في أعلى المناصب* ولا من تُذكر أسماؤهم في الاحتفالات،

بل ذاك الذي بقي إنسانًا كما هو، قبل وبعد التقاعد.

*هو الذي لم تتغير أخلاقه عندما انتهى منصبه* ولم تنطفئ روحه عندما هدأ صخب العمل.لا يزال يعطي لكن بطريقة مختلفة، ينصح دون أن يفرض، ويساند دون أن يُشعر الآخرين بثقل فضله.*أجمل متقاعد هو من فهم أن التقاعد ليس نهاية الدور* بل بداية دورٍ أعمق… دور الأب الحاضر، والجد القريب، والإنسان الذي يملك الوقت ليكون لطيفًا كما كان يتمنى دائمًا.

*هو الذي حين يجلس مع أبنائه، يشعرون بالأمان* ،

وحين يتحدث، يُنصت له، لا خوفًا، بل احترامًا.وحين يغيب، يُفتقد، لأن وجوده كان قيمة، لا مجرد عادة.

*أجمل متقاعد هو من صنع لنفسه “صندوقًا للحياة”*، ليس فقط ماليًا، بل إنسانيًا: علاقات طيبة، سمعة حسنة، وذكرٌ جميل في القلوب.*ذلك الذي إن مشى بين الناس، ربما لا يعرفه الجميع* لكن من يعرفه لا يستطيع نسيانه.

*هو الذي لا يبحث عن أن يكون مرئيًا* لكنه يُرى في كل أثرٍ تركه، وفي كل إنسانٍ دعمه،*وفي كل دعوةٍ صادقة تلاحقه أينما ذهب* .*أجمل متقاعد…*

ليس قصة تُكتب، بل أثر يُعاش.*أنت ذلك المتقاعد الذي إذا انتهت وظيفته*

*بدأت قيمته الحقيقية.*

تتجلّى في موسم الحج أبهى صور الوفاء حين تتجه أرواح المسلمين نحو القبلة الكبرى وتذوب الفوارق بين الشعوب تحت راية التلبية ويقف رجال الأمن السعوديون
حراسًا للطمأنينة
وفرسانًا للواجب
يكتبون بصمتهم ملحمة من الإخلاص والشرف

يتحوّل الأمن بين زحام المشاعر إلى رسالة رحمة لا تنظّم المسارات فحسب بل تحيط القلوب قبل الأجساد عيون لا تنام تسهر لتنام ملايين الأرواح آمنة وخطوات تمضي تحت لهيب الشمس ليبقى طريق الحاج مغمورًا بالسكينة واليقين

يحمل هؤلاء الرجال أكثر من السلاح يحملون أخلاق وطن آمن بأن خدمة الحرمين شرف ورعاية ضيوف الرحمن عبادة وحماية الحجيج أمانة تكتب في صحائف المجد

يمدون يد العون للعاجز ويحتوون لحظة الخوف ويزرعون في قلب الزحام معنى الإنسانية النبيلة إنهم لا يحمون حدود المكان وحده بل يصونون قداسة اللحظة وهيبة الشعيرة وطمأنينة الإنسان

وفي كل موسم يثبت هؤلاء الفرسان أن خدمة الحاج ليست عملًا عابرًا بل عهد متجدد بين الإنسان وربه وبين الوطن ورسالته فهم وجه المملكة المشرق وصوتها الهادئ في حضرة الملايين وصورتها التي تقول للعالم إن الأمن حين يقترن بالرحمة يصبح حضارة وإن القوة حين تهذبها القيم تصبح طمأنينة

وتبقى الحكمة الخالدة أن الأوطان لا تعلو بقوتها وحدها بل بصدق رجالها ولا تصان المقدسات بالسلاح فقط بل بقلوب مؤمنة تعرف أن أعظم الأمن ما كان رحمة وأن أنبل الخدمة ما صار عبادة وأن من يسهر على راحة الناس ينام في ضمير التاريخ كبيرًا لا يغيب.
https://www.makkahnews.sa/5504471.html