27 ذي الحجة, 1447

تربية الأبناء 26/12/1447هـ

﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾

الْحَمْدُ للهِ تَفَرَّدَ بِكُلِّ كَمَالٍ، وَتَكَرَّمَ بِجَزِيلِ النَّوَالِ، فَلَهُ الْحَمْدُ فِي كُلِّ حَالٍ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلَهُ الشُّكْرُ عَلَى جَزِيلِ الْإِنْعَامِ وَالْإِفَضالِ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، تَنَزَّهَ عَنِ الْأَنْدَادِ وَالْأَمْثَالِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، الْمَوْصُوفُ بِأَجْمَلِ النُّعُوتِ وَأَشْرَفِ الْخِصَالِ صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ خَيْرِ صَحْبٍ وَأَكْرَمِ آلٍ، وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الْمَآلِ. أَمَّا بَعْدُ عِبَادَ اللهِ: فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102].

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: قالَ تَعالَى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ ۝ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى :49، 50]، مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ، نِعْمَةُ الْوَلَدِ، وَلَا سِيَّما الْوَلَدُ الصَّالحُ، فَقَدِ امْتَنَّ اللهُ سُبْحانَهُ عَلَى سائِرِ خَلْقِهِ بِذَلِكَ فَقالَ تَعالَى: ﴿وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [النحل: 72].وَالنَّفْسُ الْبَشَرِيَّةُ جُبِلَتْ عَلَى حُبِّ الْأَوْلادِ وَالذُّرِّيَّةِ الصَّالِحَةِ، قالَ تَعالَى عَنْ زَكَرِيَّا عليه السلام: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء﴾ [آل عمران: 38]. إِنَّ الذُّرِّيَّةَ الصَّالِحَةَ مَطْلَبُ الْأَنْبِياءِ وَالصَّالِحِينَ فِي كُلِّ زَمانٍ وَمَكانٍ، فَقَدْ دَعا إِبْراهِيمُ عليه السلام ربَّه فَقالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ [إبراهيم:40]، وَوَصَفَ سُبْحانَهُ عِبادَهُ المؤْمِنِينَ: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:74]، فَالذُّرِّيَّةُ الصَّالِحَةُ مِنْ أَعْظَمِ ما يُقِرُّ اللهُ بِهِ أَعْيُنَ الْوَالِدَيْنِ فِي الدُّنْيا، وَمِنْ أَعْظَمِ ما يَمْتَدُّ نَفْعُهُ لَهُما بَعْدَ مَوْتِهِما، قَالَ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» [رواه الترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح].

عِبادَ اللهِ: التَّرْبِيَةُ مَشْرُوعُ أُمَّةٍ، والنَّاشِئَةُ هُمْ دُرُوعُ الْوَطَنِ، وَهُمْ بِفَضْلِ اللهِ تَعالَى -إِنْ أَحْسَنّا تَرْبِيَتَهُمْ- بُنَاةُ الْغَدِ وَرِجَالُهُ، وَمُفَكِّرُوهُ وَسَوَاعِدُهُ، وَمُسْتَوْدَعُ أَمَانَاتِ الْوَالِدَيْنِ وَالمعَلِّمِينَ وَالْمُرَبِّينَ، فَأَوْلَادُنَا ثِمَارُ قُلُوبِنَا، وَعِمَادُ ظُهُورِنَا، وَفِلْذَاتُ أَكْبَادِنَا، وَأَحْشَاءُ أَفْئِدَتِنَا، وَهُمْ قُرَّةُ الْأَعْيُنِ، وَبَهْجَةُ الْحَيَاةِ، وَأُنْسُ الْعَيْشِ، بِهِمْ يَحْلُو الْعُمْرُ، وَعَلَيْهِمْ تُعَلَّقُ الْآمَالُ، وَبِبَرَكَةِ تَرْبِيَتِهِمْ يُسْتَجْلَبُ الرِّزْقُ، وَتُتَنْزَّلُ الرَّحَمَاتُ، وَيُضَاعَفُ الْأَجْرُ، وَهُمْ مَعَ التَّرْبِيَةِ سَبَبٌ لِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ، قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ فِي الْجَنَّةِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ: أَنَّى لِي هَذِهِ؟! فَيَقُولُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ» [رواه ابن ماجه، والإمام أحمد].

عِبادَ اللهِ: الْأَبْناءُ أَمانَةٌ عَظِيمَةٌ وَمَسْؤُولِيَّةٌ شَرْعِيَّةٌ في أَعْناقِ آبائِهِمْ وَأُمَّهاتِهِمْ، وَإِنَّ اللهَ تَعالَى سائِلُهُمْ عَنْ هَذِهِ الْأَمانَةِ، قالَ تَعالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾، قال صلى الله عليه وسلم: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» [متفق عليه]، فَصَلاحُ الْأَبْناءِ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ، وَإِهْمالُهُمْ وَالتَّفْرِيطُ في تَرْبِيَتِهِمْ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبابِ الْحَسْرَةِ وَالنَّدامَةِ في الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَعُولُ» [رواه الحاكم في المستدرك، وقال الذهبي: على شرط البخاري ومسلم]، وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ حُقُوقِهِمْ عَلَيْنا أَنْ نَغْرِسَ فِيْهِمْ مُنْذُ الصِّغَرِ عَقِيدَةَ التَّوْحِيدِ، تَثْبُتُ بِها قُلُوبُهُمْ، وَتَسْكُنُ إِلَيْهَا نُفُوسُهُمْ، وَتَنْشَرِحُ بِها صُدُورُهُمْ، فَرَبُّوا أَوْلادَكُمْ عَلَى تَقْوَى اللهِ وَخَشْيَتِهِ وَمُرَاقَبَتِهِ، فَيُنَشَّؤُونَ عَلَى الرُّجُوعِ إِلَى رَبِّهِمْ، وَلَا يَخَافُونَ إِلَّا ذَنُوبَهُمْ، اجْعَلُوا طَاعَةَ اللهِ لَهُمْ دِثَارًا، وَالْخَوْفَ مِنْهُ شِعَارًا، وَالْإِخْلَاصَ لَهُ زَادًا، وَالِاقْتِداءُ في ذَلِكَ بِالْأَنْبِياءِ وَالصَّالِحِينَ، قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [سورة البقرة:132]، وَهَذَا لُقْمانُ يُوصِي ابْنَهُ: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة لقمان:13]، نَعَمْ إِنَّ أَعْظَمَ مِيرَاثٍ يَتْرُكُهُ الْوَالِدَانِ لِأَبْنَائِهِمْ هُوَ الِاسْتِقَامَةُ عَلَى دِينِ اللَّهِ.

عِبَادَ اللَّهِ: إِيَّاكُمْ وَالتَّفْرِيطَ فِي مُتَابَعَةِ الْأَبْنَاءِ وَتَرْكَهُمْ فَرِيسَةً لِلْمُؤَثِّرَاتِ الْفِكْرِيَّةِ وَالسُّلُوكِيَّةِ الْمُنْحَرِفَةِ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْنَا مُتَابَعَتُهُمْ دِرَاسِيًّا وَسُلُوكِيًّا، وَمَعْرِفَةُ أَصْحَابِهِمْ؛ فَالصَّاحِبُ سَاحِبٌ، وَأَصْدِقَاءُ السُّوءِ يُفْسِدُونَ عَلَى الْمَرْءِ دِينَهُ وَخُلُقَهُ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا ‌مَثَلُ ‌الْجَلِيسِ الصَّالِحِ، وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ، ‌كَحَامِلِ ‌الْمِسْكِ، وَنَافِخِ الْكِيرِ» [متفق عليه]، فَلْنَحْذَرْ أَنْ تَسْتَحْوِذَ أَدَوَاتُ التَّوَاصُلِ وَالْمَوَاقِعُ الِافْتِرَاضِيَّةُ عَلَى أَبْنائِنا، وَلْنَبُثَّ فِيهِمُ الْوَعْيَ فَلَا يُصَدِّقُوا كُلَّ صُورَةٍ، وَلَا يَسْتَسْلِمُوا لِكُلِّ تَغْرِيدَةٍ، وَلَا يَقْبَلُوا كُلَّ مَعْلُومَةٍ فَفِي كَثِيرٍ مِنْهَا مَوَاطِنُ الْخَلَلِ والزَّلَلِ.

إِنَّ الْعِنَايَةَ بِالْأَبْنَاءِ وَحِفْظَهُمْ مِنَ الِانْحِرَافِ مَسْؤُولِيَّةٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْأُسْرَةِ وَالْمَدْرَسَةِ وَسَائِرِ مُؤَسَّسَاتِ الْمُجْتَمَعِ، وَإِنَّ التَّعَاوُنَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ صُوَرِ التَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، قالَ تَعالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [سورة المائدة:2]، وَإِنَّ في تَرْبِيَتِهِمْ إِحْسَانٌ وَطَاعَةٌ وَأَجْرٌ، فَإِنَّ مِنَ الذُّنُوبِ مَا لَا يُكَفِّرُهُ إِلَّا هَمُّ الْأَوْلَادِ، وَالتَّعَبُ عَلَى تَرْبِيَتِهِمْ.

رَبَّنا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمامًا.

أقُولُ قَوْلِي هَذَا.. وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾

الْحَمْدُ للهِ وَفَّقَ مَنْ شَاءَ لِمَكارِمِ الْأَخْلاقِ، وَهَدَاهُمْ لِمَا فِيه فَلَاحُهُمْ يَوْمَ التَّلاقِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبارَكَ عَلَيْه وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحابِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ ﴿‌فَٱتَّقُواْ ‌ٱللَّهَ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [سورة البقرة:281].

أَيُّهَا المسْلِمُونَ: إِنَّ تَرْبِيَةَ الْأَبْنَاءِ يُعَدُّ مِنْ أَصْعَبِ الْأُمُورِ، وَأَكْثَرِهَا تَكْلِفَةً، لَكِنَّ النَّجَاحَ فِي تَرْبِيَتِهِمْ هُوَ فَوْزُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يُعِينُ عَلَى تَرْبِيَةِ النَّشْءِ اللُّجُؤُ إِلَى اللَّهِ بِالدُّعَاءِ، فَإِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ بِيَدِ اللَّهِ، التَّوْفِيقُ بِيَدِهِ وَحْدَهُ سُبْحَانَهُ، وَلَنْ يَنْصَلِحَ حَالُ عَبْدٍ إِلَّا إِذَا امْتَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالصَّلَاحِ؛ وَلِهَذَا يَجِبُ عَلَى الْأَبَوَيْنِ أَنْ يَعْتَنِيَا بِأَمْرِ الدُّعَاءِ لِلْأَبْنَاءِ وَالِاجْتِهَادِ فِي هَذَا الْأَمْرِ، وَالْإِلْحَاحِ عَلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، ثُمَّ الْأَخْذُ بِأَسْبَابِ التَّرْبِيَةِ الصَّحِيحَةِ، وَمِنْ أَعْظَمِ وَسَائِلِ التَّرْبِيَةِ وَأَنْجَحِهَا التَّرْبِيَةُ بِالْقُدْوَةِ، فَالْأَبْنَاءُ بِحَاجَةٍ إِلَى قُدْوَاتٍ لَا إِلَى نُقَّادٍ، جَالِسُوهُمْ، صَادِقُوهُمْ، تَحَدَّثُوا إِلَيْهِمْ، فَرِّغُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ أَجْلِهِمْ، أَعْطُوهُمْ مِنْ وَقْتِكُمْ خَيْرٌ لَهُمْ مِنْ إِعْطِائِهِمْ مِنْ أَمَوالِكُمْ، وَاسْتَثْمِرُوا فِيهِمْ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَسْتَثْمِرُوا لَهُمْ، كُونُوا لَهُمْ قُدْوَةً في حِكْمَةِ الْعَقْلِ، وَعِفَّةِ اللِّسَانِ، وَصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَطَهَارَةِ الْيَدِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ، وَالطِّفْلُ يَتَأَثَّرُ بِالْجَوِّ الْعامِّ لِلْأُسْرَةِ، فَلْتَكُنْ بُيُوتُنا هادِئَةً، قَلِيلَةَ الْخِلَافِ، تَسُودُها الْمَحَبَّةُ وَالْوِئامُ وَحُسْنُ الْإنْصَافِ، وَعَدَمُ تَتَبُّعِ الْعَثَرَاتِ، وَالْتِمَاسُ الْأَعْذَارِ، وَاحْتِمَالُ الْأَذَى، وَابْتَعِدُوا أَيُّها الْأَفاضِلُ عَنْ كَثْرَةِ اللَّوْمِ، وَرَفْعِ الصَّوْتِ وَالمقَارَنَةِ بِالْآخَرِينَ، وَاحْرِصُوا عَلَى التَّفَاهُمِ بَيْنَ الْوَالِدَيْنِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ ما يُهَيِّئُ بِيئَةً نَفْسِيَّةً جَيِّدَةً لِتَرْبِيَةِ جِيلٍ مِنَ النَّاشِئَةِ عَظِيمٍ.

أَيُّها المؤْمِنُونَ: إِنَّ تَرْبِيَةَ الْأَوْلادِ لا يَقْتَصِرُ خَيْرُها عَلَى الْأُسْرَةِ، بَلْ هُوَ حُبٌّ لِأَعْظَمِ بُقْعَةٍ وَأَعْظَمِ وَطَنٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، إِنَّها بِلادُ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، مَهْدُ الْإِسْلامِ، فَالْأَمْرُ يَحْتَاجُ إِخْلَاصًا وَعَمَلًا وَبِنَاءً وَتَعَاوُنً وَحِمَايَةً وَأَمَانَةً وَاحْتِرَامًا، نَحْتاجُ جِيلًا قَوِيًّا فِي بَدَنِهِ وَعَقْلِهِ، رِجَالًا حُرَّاسًا لِلْعَقِيدَةِ وَالْوَطَنِ، يَقِفُونَ فِي وَجْهِ أَعْدَائِهِ المتَرَبِّصِينَ وَالْحاقِدِينَ عَلَيْهِ، نُرِيدُ جِيلًا يَحْفَظُ لِوُلَاةِ الْأَمْرِ حَقَّهُمْ مِنَ الطَّاعَةِ وَالمحَبَّةِ وَالنُّصْحِ وَالدُّعَاءِ وَصِدْقِ الْوَلَاءِ، جِيلًا يَنْبُذُ الْعَصَبِيَّةَ بِكُلِّ أَشْكَالِها، مِنْ قَبَلِيَّةٍ وَمَنْاطِقِيَّةٍ وَطَائِفِيَّةٍ، جِيلًا يُحافِظُ عَلَى الممْتَلَكَاتِ وَالمرَافِقِ الْعامَّةِ، وَيَسْلُكُ سَبِيلَ الرُّشْدِ، وَتَرْشِيدِ الصَّرْفِ وَالِاسْتِهْلَاكِ، جِيلًا يَتَعَوَّدُ مُنْذُ نُعُومَةِ أَظْفَارِهِ عُلُوَّ الْهِمَّةِ؛ فَمَنْ شَبَّ عَلَى شَيْءٍ شَابَ عَلَيْهِ.

هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56] اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الخلفاء الراشدين، وعن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ ومن تبعهم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ اللَّهُمَّ إِنَّا اسْتَوْدَعْنَاكَ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، فَأَصْلِحِ اللَّهُمَّ شُؤُونَهُمْ وَاشْرَحْ صُدُورَهُمْ، وَيَسِّرْ أُمُورَهُمْ، واحْفَظْهُمْ بِعَيْنِكَ الَّتِي لَا تَنَامُ، وَاكْلَأْهُمْ بِرِعَايَتِكَ، وَاصْرِفْ عَنْهُمْ كُلَّ سُوءٍ وَمَكْرُوهٍ. اللَّهُمَّ اجْعَلْهُمْ هُدَاةً مُهْتَدِينَ، غَيْرَ ضَالِّينَ وَلَا مُضِلِّينَ، اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قُلُوبَهُمْ عَلَى دِينِكَ، وَاجْعَلْهُمْ قُرَّةَ عَيْنٍ لِوَالِدِيهِمْ، وَذُخْرًا لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْبِتْهُمْ نَبَاتًا حَسَناً، وَحَبِّبْ إِلَيْهِمُ الْإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِهِمْ، وَكَرِّهْ إِلَيْهِمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ، اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.

في بريطانيا …

 

عمدة لندن … مسلم

عمدة برمنجهام … مسلم

عمدة ليدز … مسلم

عمدة بلاكبيرن … مسلم

عمدة شيفيلد … مسلم

عمدة أكسفورد … مسلم

عمدة لوتون … مسلم

عمدة أولدهام … مسلم

عمدة روشديل … مسلم

 

الآن أغلب المحلات في بريطانيا من غير المسلمين تقدم اللحوم الحلال وكذلك المدارس تطلب اللحوم الحلال !!!

 

كل هذا حققه 4 ملايين مسلم فقط من بين 66 مليون نسمة !!!

 

يقتبس حمزة ياكاساي من كلام بعض الفلاسفة الغربيين بشأن تنبؤهم عن مستقبل الإسلام …

 

1. ليو تولستوي (1828-1910)

الإسلام سيحكم العالم في يوم ما ، لأن فيه مزيج من المعرفة والحكمة.

 

2. هربرت ويلز (1846-1946)

وحتى يعود الإسلام مرة أخرى ، كم من الأجيال سوف تعاني الفضائع ؟ ثم في يوم سوف ينجذب العالم كله للإسلام ، في ذلك اليوم سيحل السلام وسوف يسكن العالم مرة أخرى .

 

3. إلبرت أينشتاين(1879-1955)

أنا أفهم أن المسلمين فعلوا ذلك من خلال ذكائهم ووعيهم الذي لايمكن لليهود القيام به ، وفي الإسلام القوة والحكمة التي يمكن أن تؤدي إلى السلام.

 

4. هوستون سميث (1919-2016)

الإيمان الذي نحن عليه الآن هناك ماهو أفضل منه .. إنه الإسلام ، وإذا فتحنا قلوبنا وعقولنا لذلك فإنه سيكون جيداً بالنسبة لنا .

 

5- مايكل نوستراداموس (1503-1566) الإسلام سيكون الدين الحاكم في أوروبا ، وستصبح مدينة أوروبا الشهيرة عاصمة الدولة الإسلامية.

 

6 – برتراند راسل(1872-1970)

قرأت الإسلام وأدركت أنه سيكون دين العالم كله والبشرية جمعاء ، وسوف ينتشر الإسلام في جميع أنحاء أوروبا ، وسوف يأتي يوم سيكون الإسلام الحافز الحقيقي للعالمية.

 

7- غوستا لوبون(1841-1931)

الإسلام هو الدين الوحيد الذي يتحدث فقط عن السلام والمصالحة ، ودعوة المسيحيين إلى تقدير إيمان المصالحة .

 

8. برنارد شو(1856-1950)

في يوم العالم كله سيقبل الإسلام ديناً واحداً ، وإن كان لايمكن حتى قبوله بإسمه الحقيقي ، ولكن سوف يقبله بإسمه على سبيل الاستعارة ، وسيتقبل الغرب الإسلام في يوم ما ، وسيكون الدين الوحيد الذي يقود العالم .

 

9. يوهان جيث(1749-1832)

علينا جميعاً أن نقبل الإسلام ديناً عاجلاً أم آجلاً ، وإنه هو الدين الحقيقي ، وإذا دُعيت إلى الإسلام لن أشعر بالسوء ، وأنا أقبل هذا كشيء واقع .

 

الحمد لله الذي جعلنا مسلمين …

اللهم نور قلوبنا بالإيمان وزين عقولنا بالحكمة وعافي أبداننا بالصحة والعافية واشملنا بعفوك ورحمتك ولطفك اللهم يسر أمورنا وفرج همومنا واستر عيوبنا وأصلح أحوالنا واغفر لنا ولوالدينا وتوفنا وأنت راض عنا يا أرحم الراحمين

*أَسأَلَ اللهَ لِي ولَگُمْ*

*العَفوَ والعَافِيـةَ فِي الدُّنيَا والآخِرَة*

*اللهم آمين *

 

💐 صباح الخير💐

صباح التوكل على الله

نَجاحُ مَوْسِمِ الْحَجِّ 1447هـ ١٨/١٢/١٤٤٧هـ

﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾

الحَمدُ للهِ الْكَريمِ الرَّحمَنِ، الْعَفُوِّ الْـمَنَّانِ، تَفَضَّلَ عَلَى عِبادِهِ بالجُودِ وَالْإِحْسَانِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةَ تَوحِيدٍ وَإِخْلاصٍ وَإيمانٍ، وَأشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ الـمُصْطَفَى الْعَدْنَانُ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أُوْلِيْ الفَضْلِ وَالعِرْفَانِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيْمًا كَثِيْرًا. أَمَّا بَعْدُ فَأُوْصِيْكُمْ عِبادَ الله، وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ جَلَّ فِي عُلَاهُ، قالَ تَعالَى: ﴿فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصۡلَحَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ﴾ [الأعراف: 35].

مَعَاشِرَ المؤْمِنينَ: لَقَدِ انْقَضَتْ أيَّامُ الْحَجِّ، وَرَجَعَتْ وُفُودُ الْحُجَّاجِ مِنْ أُمِّ الْقُرَى، رَجَعُوا بَعْدَ أَنْ حَجُّوا الْبَيْتَ الْحَرامَ، وَعَادُوا بَعْدَ أَنْ وَقَفُوا بِتِلْكَ الْمَشَاعِرِ الْعِظَامِ، فَهَنِيئًا لَهُمْ هَذِهِ الرِّحْلَةُ الإيمَانيَّةُ الْعَظِيمَةُ، هَنِيئًا لَهُمْ مَا كَسَبُوهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ، وَمَا مُحِيَ عَنْهُمْ مِنَ السَّيِّئَاتِ.

لِيَهْنَأَ مِنْهمْ مَنْ حَجَّ للهِ مُخْلِصًا، وَلِنَبِيِّهِ مُتَّبِعًا، وَابْتَعَدَ عنِ الرِّياءِ وَالسُّمْعَةِ، وَسَلِمَ مِنَ الرَّفَثِ وَالْفُسُوقِ وَالْجِدالِ، فَلْيَطِبْ بِمَا أَسْلَفَ نَفْسًا، ولْيَهْنَأْ بِمَا قَدَّمَ قَلْبًا؛ فَقَدْ أَدَّى فَرْضًا، وَقَضَى تَفَثًا، وَرَجَعَ مِنْ ذُنُوبِهِ خَالِيًا، وَمِنْ خَطَايَاهُ خَاوِيًا، قال صلى الله عليه وسلم: “مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ” [متفق عليه].

أيُّها الْحَاجُّ الْكَرِيمُ: يَا مَنْ بَذَلْتَ النَّفْسَ والنَّفِيسَ، وضَحَّيْتَ بَالْجَهْدِ والْوَقْتِ، واجْتَهَدْتَ حَتَّى أَتَيْتَ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ، فَلَبَّيْتَ وطُفْتَ وَسَعَيْتَ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَ الْمَقَامِ، وَشَرِبْتَ مِنْ زَمْزَمَ، ووقفت بِعَرَفَةَ، وَرَمَيْتَ الْجَمَرَاتِ، وَنَثَرْتَ الْعَبْرَاتِ، وَدَعَوْتَ وَسَأَلْتَ وَرَجَوْتَ الوَهَّابَ، وَتُبْتَ وَأَنَبْتَ، مَنْ أَسْعَدُ مِنْكَ وَأَحْظَى؟! مَنْ أَهْنَأُ مِنْكَ وَأَرْضَى؟! فَيا سَعْدَ مَنْ تَجَرَّدَ للهِ فِي وَحْدَانِيَّتِهِ، وتَوَجَّهَ لَهُ فِي عُبُودِيَّتِهِ!

لَقَدْ دَعَوْتَ ربًّا كَرِيمًا، وسَأَلْتَ مَلِكًا عَظِيمًا، ورَجَوْتَ بَرًّا رَحِيمًا، لا يَتَعَاظَمُهُ ذَنْبٌ أَنْ يَغْفِرَهُ، ولا فَضْلٌ أَنْ يُعْطِيَهُ، سُبْحانَهُ إنْ تَقَرَّبْتَ إليهِ شِبرًا، تَقَرَّبَ إليكَ ذِرَاعًا، وإنْ تَقَرَّبتَ إليهِ ذِرَاعًا، تَقَرَّبَ إِلَيْكَ بَاعًا، وَإِنْ أَتَيْتَه تَمْشِي، أَتاكَ هَرْوَلَةً.

فَأَحْسِنْ ظنَّكَ بربِّكَ، فَإِنَّ رَبَّكَ عِنْدَ ظَنِّكَ، وَعَطَاءَهُ أَعْظَمُ مِنْ أَمَلِكَ، وَجُودَهُ أَوْسَعُ مِنْ مَسْأَلَتِكَ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِكَ مِنْكَ، وَهُوَ الْكَرِيمُ إِذَا أَعْطَى أَغْنَى، وَإِذَا وَهَبَ أَغْدَقَ، قال صلى الله عليه وسلم: “مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمِ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟”[رواه مسلم].

فَهَنِيئًا لَكَ وَبُشْرَى؛ فَقَدْ عُدْتَ كَيَوْمِ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ، فَاجْعَلْ مِنْ حَجِّكَ بِدَايةً لِحَيَاةٍ جَدِيدَةٍ، وفُرْصَةً لِمُعَامَلَةٍ مَعَ اللهِ صَادِقَةٍ، لَقَدْ كُفِيتَ مَا سَلَفَ وَمَضَى، فَاسْتَأْنِفْ عَمَلَكَ وَأَحْسِنْ فِيمَا بَقِيَ، وأَرِ اللهَ مِنْ نَفْسِكَ خَيرًا، اُصْدُقِ التَّوْبَةَ وَأَخْلِصْ فِي الْإِنَابَةِ، وَاعْزِمْ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى الطَّاعَاتِ مَا بَقِيتَ، وَاتْرُكِ الْمَعَاصِي مَا حَيِيتَ؛ فَوَاللهِ إِنَّهَا لَفُرْصَةٌ عَظِيمَةٌ أَنْ نُقِّيتَ مِنَ الْخَطَايا، وَطُهِّرْتَ مِنَ الْأَوْزَارِ، وَعُدْتَ خَفِيفًا مِمَّا أَثْقَلَكَ مِنَ الْأَغْلاَلِ والآصَارِ، فَاتَّقِ اللهَ حَقَّ التَّقْوَى وَحَافِظْ عَلَى مَا اكْتَسَبْتَ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَهْدِمَ مَا شَيَّدْتَ.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: وَإِنَّهُ كَمَا أَكْرَمَ اللهُ الْحُجَّاجَ بِالْحَجِّ، فَقَدْ أَنْعَمَ عَلَى غَيْرِهِمْ بِنِعَمٍ عَظِيمَةٍ، وَيَسَّرَ لَهُمْ عِبَادَاتٍ جَلِيلَةً، فمَرَّتْ بِهِمْ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ أفْضَلُ أيَّامِ الدُّنْيا عِنْدَ اللهِ، وَيَوْمُ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ صِيَامُهُ سَنَتَيْنِ، وَيَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ، فَمَا أَجْدَرَنَا أَنْ نَفْرَحَ بِذَلِكَ كُلِّهِ؛ ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:58] مَا أَجْدَرَنَا أَنْ نَزْدَادَ حَمْدًا للهِ، وَنُضَاعِفَ الْعَمَلَ؛ قَالَ سُبْحَانَه: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:13]، مَا أَجَدْرَنَا أَنْ نَسْتَمِرَّ عَلَى الطَّاعَةِ، وَنَجْعَلَ الْحَيَاةَ كُلَّهَا للهِ كَمَا أَرَادَهَا سُبْحانَه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: 162، 163].

أيُّها المُؤمِنُونَ: بِحَمْدِ اللهِ وَفَضْلِهِ وَتَوفِيقِهِ أُقِيمَتْ شَعِيرَةُ الِحَجِّ هَذا الْعامِ بِنَجَاحٍ اسْتِثْنَائِيٍّ، فَقَدْ تَوَافَدَ أَكْثَرُ مِنْ مِلْيُونٍ وَسَبْعِمِائَةِ أَلْفِ حَاجٍّ وَحَاجَّةٍ، مِنْ جِنْسِيَّاتٍ مُخْتَلِفَةٍ بَلَغَتْ مِائَةً وَخَمْسَةً وَسِتِّينَ جِنْسِيَّةً، قَدِمَ مِنْ خَارِجِ الْمَمْلَكَةِ أَكْثَرُ مِنْ مِلْيُونٍ وَخَمْسِمِائَةِ حَاجٍّ وَحَاجَّةٍ، وَمِنْ دَاخِلِ الْمَمْلَكَةِ أَكْثَرُ مِنْ مِائَةٍ وَسِتِّينَ أَلْفَ حَاجٍّ وَحَاجَّةٍ. جَاءَ هَذَا النَّجَاحُ تَتْوِيجًا لِمَنْظُومَةِ عَمَلٍ مُتَكَامِلَةٍ ضَمَّتْ أَكْثَرَ مِنْ سِتِّينَ جِهَةً حُكُومِيَّةً، سَخَّرَتْ إِمْكَانِيَّاتِهَا الْبَشَرِيَّةَ وَالتَّقْنِيَّةَ لِتَوْفِيرِ أَعْلَى دَرَجَاتِ الْأَمْنِ، وَالسَّلَامَةِ، وَالرَّاحَةِ لِضُيُوفِ الرَّحْمَنِ، وَقَدْ بَرَزَتِ الْجُهُودُ الْمَبْذُولَةُ لِإِنْجَاحِ الْمَوْسِمِ فِي عِدَّةِ قِطَاعَاتٍ رَئِيسَةٍ: كالْخِدْمَاتِ التَّقْنِيَّةِ وَالرَّقْمِيَّةِ، كتَطْبِيقِ “نُسُكْ” الرَّقْمِيُّ، والْبِطَاقَةِ الذَّكِيَّةِ، والتَّسْهِيلَاتِ اللُّوجِسْتِيَّةِ وَالْقُدُومِ، كمُبَادَرَةِ طَرِيقِ مَكَّةَ، مِمّا سَهَّلَ إِجْرَاءَاتِ دُخُولِ الْحُجَّاجِ، وَإِرْشَادِ التَّائِهِينَ، وَمَنْعِ دُخُولِ مُخَالِفِي نِظَامِ التَّصَارِيحِ، وَانْسِيَابِيَّةِ التَّنَقُّلِ، وقد وَفَّرَتِ السُّلُطَاتُ شَبَكَةَ نَقْلٍ مُتَطَوِّرَةً تَضَمَّنَتْ قِطَارَ الْمَشَاعِرِ وَالْحَافِلَاتِ، مَعَ إِدَارَةٍ احْتِرَافِيَّةٍ لِلْحُشُودِ الْمِلْيُونِيَّةِ لِضَمَانِ سَلَامَتِهِمْ، وَكَذَلِكَ الْمُسْتَشْفَيَاتُ وَالْمَرَاكِزُ الصِّحِّيَّةُ الْمُتَنَقِّلَةُ وَعِيَادَاتُ الطَّوَارِئِ فِي مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ وَالْمَشَاعِرِ الْمُقَدَّسَةِ وَالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، والِاسْتِجَابَةُ السَّرِيعَةُ لِلفِرَقِ الإِسْعَافِيَّةِ المتَطَوِّرَةِ لِلتَّدَخُّلِ الْفَوْرِيِّ. وَمِنْ ذَلِكَ الخُطَّةُ الْأَمْنِيَّةُ الَّتِي تَشارَكَتْ فِيها الْقِطَاعَاتُ الْأَمْنِيَّةُ وَالْعَسْكَرِيَّةُ لِضَمَانِ أَمْنِ الْحُجَّاجِ، وَإِدَارَةِ الْحُشُودِ بِكَفَاءَةٍ اسْتِثْنَائِيَّةٍ فِي سَاحَاتِ الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ الشَّرِيفِ وَالْمَشَاعِرِ الْمُقَدَّسَةِ، فَضْلًا عَنِ الْخِدْمَاتِ الْأَسَاسِيَّةِ وَالْمَيْدَانِيَّةِ، فَقَدْ تَمَّ تَجْنِيدُ آلَافِ الْعَامِلِينَ وَالْمُتَطَوِّعِينَ الْمَيْدَانِيِّينَ لِخِدْمَةِ الْحُجَّاجِ، وَتَوْزِيعِ الْمِيَاهِ، وَمُسَاعَدَةِ كِبَارِ السِّنِّ وَذَوِي الِاحْتِيَاجَاتِ الْخَاصَّةِ.

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا.. وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾

الحَمْدُ للهِ الَّذِيْ خَلَقَ فَسَوَّى، وَالَّذِيْ قَدَّرَ فَهَدَى، وَالَّذِيْ أَخْرَجَ الـمَرْعَى فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى، وَأَشْهدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ سَارَ عَلَى طَرِيْقِهِمْ وَاقْتَفَى. أَمَّا بَعدُ فَأُوصِيكُمْ عِبادَ الله، وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ وَإِحْسَانِ الظَّنِّ بِهِ، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾[التوبة: 119].

أيُّها المُؤمِنُونَ: هَذَا النَّجاحُ الِاسْتِثْنائِيُّ فِي تَنْظِيمِ حَجِّ هَذا الْعَامِ، كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَأْتِ مِنْ فَرَاغٍ، وَلَكِنَّهُ بَعْدَ فَضْلِ اللهِ وَتَوْفِيقِهِ، ثَمَرَةُ مُتَابَعَةٍ دَقِيقَةٍ، وَتَوجِيهاتٍ حَكِيْمَةٍ، وَتَخْطِيْطٍ سَلِيمٍ، وَبَذْلٍ سَخِيٍّ، وَنِيَّةٍ طَيِّبَةٍ صَالِحَةٍ، فَشَكَرَ اللهُ لِهَذِهِ الدَّوْلَةِ الْكَرِيمَةِ، جُهُودَهَا الْعَظِيمَةَ فِي خِدْمَةِ الْحَجِيجِ وَرِعَايَةِ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ وَالشُّكْرُ كُلُّ الشُّكْرِ لْكُلِّ مَنْ خَطَّطَ وَأمَرَ وَسَهَّلَ وَرَعَى، ابْتداءً مِنْ قِيَادَتِنا الرَّشِيْدَةِ مُمَثَّلَةً فِي خَادِمِ الحَرَمَيْنِ الشَّرِيْفَينِ وَوَلِيِّ عَهْدِهِ حَفِظَهُمَا اللهُ، وَمُرُورًا بِالقِطَاعَاتِ الأَمْنِيَّةِ وَرِجَالِ الأَمْنِ، وأبْطَالِ الصِّحَّةِ، ومَنْسُوبي وِزَارَةِ الحَجِّ، وَوِزَارَةِ الشُّؤُوْنِ الإِسْلَامِيَّةِ، وَكُلِّ مَنْ شَارَكَ فِي خِدْمَةِ ضُيُوْفِ الرَّحْمَنِ، فَجَزَاهُمْ اللهُ عَلَى ذَلِكَ خَيْرَ الْجَزَاءِ.

اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ منَّا صَالِحَ الأَعمَالِ، وَتَقَبَّلْ مِنَ الْـحُجَّاجِ حَجَّهُمْ وَاغَفَرْ ذُنُوبَنا وَذُنُوبَهُمْ، وَيَسِّرْ لَهُمُ العَوْدَةَ إلَى بِلاَدِهِمْ، وَاحْفَظِ اَللَّهُمَّ بِلاَدَنَا وَأَمْنَنَا وَمُقَدَّسَاتِنَا وجُنُودَنَا وَحُدُودَنَا، اَللَّهُمَّ آمِنَّا فِي دُورِنَا وَأَصْلِحْ أَئِمَّتنَا وَوُلَاةَ أُمورِنَا، وَوَفِّقِ اللَّهُمَّ إِمَامَنَا خَادِمَ الحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَينِ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِهُدَاكَ، وَاجْعَلْ عَمَلَهُمَا فِي رِضَاكَ، وَأَصْلِحْ بِهِمَا البِلَادَ وَالعِبَادَ، إِنَّكَ سَمِيعٌ مُجِيبُ الدُّعَاءِ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإسْلَامَ وَأَهْلَهُ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَأَهْلَهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَأَدِمْ عَلَينَا نِعْمَةَ الأَمْنِ وَالإيْمَانِ، اللهم يَا مَنْ جَعَلَ النَّارَ بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ، يَا مَنْ فَلَقَ الْبَحْرَ لِمُوسَى، يَا مَنْ سَمِعَ نِدَاءَ يُونُسَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ وَنَجَّاهُ، يَا مَنْ حَفِظَ يُوسُفَ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَمِنَ الْفِتَنِ حَمَاهُ، يَا مَنْ رَزَقَ زَكَرِيَّا الذُّرِّيَّةَ الصَّالِحَةَ عَلَى كِبَرٍ إِذْ نَادَاهُ، يَا مَنْ مَنَّ عَلَى أَيُّوبَ بِالْعَافِيَةِ بَعْدَ طُولِ سَقَمٍ وَشَفَاهُ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَبْرَأُ مِنْ حَوْلِنَا وَقُوَّتِنَا وَتَدْبِيرِنَا إِلَى حَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ وَتَدْبِيرِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ لَا يُعْجِزُكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ فَرِّغْ قُلُوبَنَا لِطَاعَتِكَ وَاكْفِنَا أَمْرَ دُنْيَانَا.

وَصَلِّ اللَّهُمَّ وسَلِّمْ وَبارِكْ عَلَى عبدِكَ وَرَسولِكَ مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلهِ وصحبِهِ أَجْمَعينَ، والحمدُ للهِ رَبِّ العَالمينَ.

*المتقاعد.*

قد تراه بسيطًا في مظهره، هادئًا في خطواته، يجلس في زاويةٍ من مجلس، أو يمشي بين الناس دون أن يلفت الانتباه… لكنك إن اقتربت منه، ستدرك أن أمامك حياةً كاملة، لا شخصًا عابرًا.

*أجمل متقاعد… ليس ذاك الذي كان في أعلى المناصب* ولا من تُذكر أسماؤهم في الاحتفالات،

بل ذاك الذي بقي إنسانًا كما هو، قبل وبعد التقاعد.

*هو الذي لم تتغير أخلاقه عندما انتهى منصبه* ولم تنطفئ روحه عندما هدأ صخب العمل.لا يزال يعطي لكن بطريقة مختلفة، ينصح دون أن يفرض، ويساند دون أن يُشعر الآخرين بثقل فضله.*أجمل متقاعد هو من فهم أن التقاعد ليس نهاية الدور* بل بداية دورٍ أعمق… دور الأب الحاضر، والجد القريب، والإنسان الذي يملك الوقت ليكون لطيفًا كما كان يتمنى دائمًا.

*هو الذي حين يجلس مع أبنائه، يشعرون بالأمان* ،

وحين يتحدث، يُنصت له، لا خوفًا، بل احترامًا.وحين يغيب، يُفتقد، لأن وجوده كان قيمة، لا مجرد عادة.

*أجمل متقاعد هو من صنع لنفسه “صندوقًا للحياة”*، ليس فقط ماليًا، بل إنسانيًا: علاقات طيبة، سمعة حسنة، وذكرٌ جميل في القلوب.*ذلك الذي إن مشى بين الناس، ربما لا يعرفه الجميع* لكن من يعرفه لا يستطيع نسيانه.

*هو الذي لا يبحث عن أن يكون مرئيًا* لكنه يُرى في كل أثرٍ تركه، وفي كل إنسانٍ دعمه،*وفي كل دعوةٍ صادقة تلاحقه أينما ذهب* .*أجمل متقاعد…*

ليس قصة تُكتب، بل أثر يُعاش.*أنت ذلك المتقاعد الذي إذا انتهت وظيفته*

*بدأت قيمته الحقيقية.*

تتجلّى في موسم الحج أبهى صور الوفاء حين تتجه أرواح المسلمين نحو القبلة الكبرى وتذوب الفوارق بين الشعوب تحت راية التلبية ويقف رجال الأمن السعوديون
حراسًا للطمأنينة
وفرسانًا للواجب
يكتبون بصمتهم ملحمة من الإخلاص والشرف

يتحوّل الأمن بين زحام المشاعر إلى رسالة رحمة لا تنظّم المسارات فحسب بل تحيط القلوب قبل الأجساد عيون لا تنام تسهر لتنام ملايين الأرواح آمنة وخطوات تمضي تحت لهيب الشمس ليبقى طريق الحاج مغمورًا بالسكينة واليقين

يحمل هؤلاء الرجال أكثر من السلاح يحملون أخلاق وطن آمن بأن خدمة الحرمين شرف ورعاية ضيوف الرحمن عبادة وحماية الحجيج أمانة تكتب في صحائف المجد

يمدون يد العون للعاجز ويحتوون لحظة الخوف ويزرعون في قلب الزحام معنى الإنسانية النبيلة إنهم لا يحمون حدود المكان وحده بل يصونون قداسة اللحظة وهيبة الشعيرة وطمأنينة الإنسان

وفي كل موسم يثبت هؤلاء الفرسان أن خدمة الحاج ليست عملًا عابرًا بل عهد متجدد بين الإنسان وربه وبين الوطن ورسالته فهم وجه المملكة المشرق وصوتها الهادئ في حضرة الملايين وصورتها التي تقول للعالم إن الأمن حين يقترن بالرحمة يصبح حضارة وإن القوة حين تهذبها القيم تصبح طمأنينة

وتبقى الحكمة الخالدة أن الأوطان لا تعلو بقوتها وحدها بل بصدق رجالها ولا تصان المقدسات بالسلاح فقط بل بقلوب مؤمنة تعرف أن أعظم الأمن ما كان رحمة وأن أنبل الخدمة ما صار عبادة وأن من يسهر على راحة الناس ينام في ضمير التاريخ كبيرًا لا يغيب.
https://www.makkahnews.sa/5504471.html

خطبة عيد الأضحى المبارك (1447هـ)
﴿الْخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾
إِنَّ الْحَـمَـــدَ للهِ نَـحْـمَــدُهُ ونَسْـتَعِـيـنُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَاحِبُ اللِّوَاءِ وَالْكَوْثَر، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَإِخْوَانِهِ، مَا لاَحَ هِلاَلٌ وَأَنْوَرَ، أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ، فَإِنَّ الـمُتَّقِينَ هُمْ أَوْلِيَاءُ اللهِ، وَأَكرَمُ الخَلْقِ عَلَى اللهِ، قالَ تَعالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾[الحجرات: 13].
اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، واللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ وَللهِ الْحَمْدُ.
عِبادَ اللهِ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي يَسَّرَ لَنا الْعِبَادَةَ، وَبَلَّغَنا هَذَا الْيَوْمَ الْعَظِيمَ، الَّذِي رَفَعَ اللَّهُ قَدْرَهُ، وَأَعْلَى ذِكْرَهَ، وَسَمَّاهُ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ، وَجَعَلَهُ عِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَجَعَلَهُ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِ الْعَامِ وَأَعْظَمِهَا، فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ الْعَظِيمِ وَقَفَ نَبِيُّنَا صلى الله عليه وسلم دَاعِيًا مُلَبِّيًا، وَقَدْ نَزَلَ جِبْرِيلُ عليه السلام فِي صَعِيدِ عَرَفَاتٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]، آيَةٌ عَظِيمَةٌ نَزَلَتْ فِي يَوْمِ عِيدٍ، تُقَرِّرُ كَمَالَ هَذَا الدِّينِ، فوَقَفَ صلى الله عليه وسلم يُرْسِي مَعَالِمَ الدِّينِ، وَيُحَدِّدُ هُوِيَّةَ الْأُمَّةِ، وَمُمَيِّزَاتِهَا وَخَصَائِصَهَا عَنْ سَائِرِ الْأُمَمِ، وَكَانَ مِمَّا قَرَّرَهُ: حُرْمَةُ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ، قَالَ صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ؛ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا» وَوَثَّقَ صلى الله عليه وسلم رِبَاطَ الْأُخُوَّةِ فِي الدِّينِ فَقَالَ: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مَالُ أَخِيهِ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ»، وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ فِي أَرْضِكُمْ هَذِهِ، وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ»، وَأَبْطَلَ صلى الله عليه وسلم كُلَّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَا كِبْرَ، وَلَا بَطَرَ، وَلَا أَشَرَ، وَلَا وَأْدَ لِلْبَنَاتِ (دَفْنُهُنَّ أَحْيَاءً)، وَلَا فَضْلَ لِقَبِيلَةِ كَذَا عَلَى قَبِيلَةِ كَذَا، وَلَا أَبْيَضَ عَلَى أَسْوَدَ إِلَّا بِالتَّقْوَى وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَقَالَ: «أَلَا وَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ تَحْتَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ»[رواه مسلم: 1218]، إِنَّهَا مَوَاثِيقُ نَعْتَزُّ وَنَفْتَخِرُ بِهَا، سَبَقَتِ الْمَوَاثِيقَ الْعَالَمِيَّةَ، فَلَا سَعَادَةَ وَلَا تَوْفِيقَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا بِاتِّبَاعِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، قالَ تَعالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:21]
اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، واللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ وَللهِ الْحَمْدُ.
عِبادَ اللهِ: إنَّكُمْ فِي يَوْمٍ عَظِيمٍ مِنْ أَيَّامِ اللهِ، تَتْلُوهُ أَيَّامٌ مَعْدُودَاتٌ، هِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، يَحْرُمُ فِيهَا الصِّيَامُ، لِغَيْرِ الْحَاجِّ الَّذِي لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ للهِ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ هِيَ الْحادِي عَشَرَ وَالثَّانِي عَشَرَ وَالثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ شَهْرِ ذِيْ الحِجَّةِ، فِيها يَرْمِي الْحاجُّ الْجَمَراتِ الثَّلاثِ، وَيَبِيتُ بِمِنَى، قالَ تَعالَى: ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾[البقرة:203]. أَكْثَرُ الْعُلَماءِ عَلَى أَنَّها أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَاخْتارَهُ ، فَلْنُكْثِرْ مِنَ الذِّكْرِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ المبارَكَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ: التَّكْبِيرُ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَعَقِبَ الصَّلَواتِ، وَفِي هَذِهِ الْأَيَّامِ المبارَكَةِ ذَبْحُ الْهَدْيِ وَالْأَضاحِي وَيَمْتَدُّ إِلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَيُسْتَحَبُّ الْإِكْثارُ مِنَ الذِّكْرِ، قالَ تَعالَى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾[البقرة:200].وَالْأَكْلَ وَالشُّرْبَ فِي أَيَّامِ الْأَعْيادِ إنِمَّا يُسْتَعانُ بِهِ عَلَى ذِكْرِ اللهِ تَعالَى وَطاعَتِهِ، وَذَلِكَ مِنْ تَمامِ شُكْرِ النِّعْمَةِ:
إِذَا كُنْتَ فِي نِعْمَةٍ فَارْعَهَا فَإِنَّ المعاصِي تُزِيلُ النِّعَمْ
وَداوِمْ عَلَيْها بِشُكْرِ الْإِلَهِ فَشُكْرُ الْإِلَهِ يُزِيلُ النِّقَـمْ
عباد الله: يَوْمُنا يَوْمٌ جَلِيْلٌ، وَشَعِيرَةٌ مِنْ شَعائِرِ دِينِنا، تَمَيَّزْنا بِهِ عَنْ سائِرِ الْأُمَمِ؛ قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم المدِينَةَ، وَلَهُمْ يَوْمانِ يَلْعَبُونَ فِيهِما، فَقَالَ: «ما هَذانِ الْيَوْمانِ؟» قالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِما فِي الجاهِلِيَّةِ، فَقالَ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِما خَيْرًا مِنْهُما: يَوْمَ الْأَضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْرِ» [رواه أبو داود والنسائي]، في الْعِيدِ تَتَأَكَّدُ مَعَانِي الْأُخُوَّةِ وَالْمَحَبَّةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ؛ نجتمع عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ، وَتَوْحِيدِهِ، وَصَلَاةِ الْعِيدِ، وَتَبَادُلِ التَّهَانِي، قالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:10].
‏أَقُوْلُ قَوْلِي هَذَا.. وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوْبُوا إِلَيْهِ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيْمُ.
﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوْا اللهَ أَيُّهَا الـمُسْلِمُونَ بِطَلَبِ مَرْضَاتِهِ، وَالبُعْدِ عَنْ مُحَرَّمَاتِهِ.
اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، واللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ وَللهِ الْحَمْدُ
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللهِ عَلَيْنَا فِي هَذَا الْعِيدِ السَّعِيدِ الْأُسْرَةَ الْمُسْتَقِرَّةَ، وَالْبُيُوتَ الْآمِنَةَ الْمُطْمَئِنَّةَ، وَهَذَا يَكْمُنُ فِي وَعْيِ الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ بِدَوْرِهَا الْعَظِيمِ، وَنَصِيحَتُنَا لِلْأَخَوَاتِ وَالْأُمَّهَاتِ وَالزَّوْجَاتِ أَنْ يَتَّقِينَ اللهَ فِي بُيُوتِهِنَّ وَأَزْوَاجِهِنَّ؛ فَالطَّاعَةُ بِالْمَعْرُوفِ وَقَرَارُ الْبُيُوتِ هُمَا حِصْنُ الْأُسْرَةِ الْحَصِينُ. أَيَّتُهَا الْأُخْتُ الْمُبَارَكَةُ: لَا تَنْخَدِعِي بِأَفْكَارٍ مُضَلِّلَةٍ، وَدَعَوَاتٍ وَافِدَةٍ، زَهَّدَتْ فِي الرَّوَابِطِ الْأُسْرِيَّةِ حَتَّى ارْتَفَعَتْ نِسَبُ الطَّلَاقِ، وَحَذَارِ مِنَ النِّدِّيَّةِ وَالْعِنَادِ مَعَ الرَّجُلِ؛ فَإِنَّ الْعِنَادَ مَا تَوَلَّدَ إِلَّا مِنْ نِدِّيَّةٍ جَافَّةٍ تُفْسِدُ الْوُدَّ وَتُبَدِّدُ السَّكِينَةَ، لَقَدْ جَعَلَ اللهُ جل جلاله لِلرِّجَالِ الْقَوَامَةَ؛ تَفْضِيلًا رَتَّبَتْهُ حِكْمَةُ الْخَالِقِ فِي الْخِلْقَةِ، وَتَكْلِيفًا مَالِيًّا فِي النَّفَقَةِ وَالرِّعَايَةِ، فَقَالَ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: 34]. فَالرَّجُلُ بِمُقْتَضَى هَذِهِ الْقَوَامَةِ يَحْمِي وَيَرْعَى، وَالْمَرْأَةُ سَكَنٌ يَأْوِي إِلَيْهِ وَيَطْمَئِنُّ بِهِ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]. فَاصْبِرِي أَيَّتُهَا الزَّوْجَةُ وَصَابِرِي، وَاعْلَمِي أَنَّ طَاعَةَ زَوْجِكِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةِ اللهِ هِيَ بَوَّابَتُكِ الْوَاسِعَةُ إِلَى الْجَنَّةِ، وَعُنْوَانُ فَوْزِكِ فِي الْآخِرَةِ؛ فَقَدْ قَالَ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا، قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ].
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56] اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الخلفاء الراشدين، وعن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ ومن تبعهم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.

اللحظات المسروقة!

‏”بكت زوجة الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري رضي الله عنه وهو يحتضر في صحراء الربذة، فقال لها متعجبًا:
‏ــ “ما يبكيكِ؟”

‏قالت: “أبكي لأنك ستموت هنا في الصحراء، لا نجد ثوبًا نكفنك فيه، ولا أحدًا يصلي عليك.”

‏فقال لها مطمئنًا: “لا تبكي، فهذا ما بشرني به رسول الله ﷺ يومًا ما، فقد كنت مع جماعة من الصحابة، فدخل علينا النبي ﷺ وقال:
‏«سيموت رجل منكم في الصحراء، ويصلي عليه جماعة عظيمة من المؤمنين».

‏وقد مات جميع من كانوا معي، ولم يبقَ إلا أنا، فأنا المقصود بالبشرى.”

‏فقالت: “وماذا أفعل الآن؟”

‏فأجابها وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة: “ضَعيني علىٰ قارعة الطريق، فأول ركب يمر سيكون هم القوم الذين بشرني بهم رسول الله ﷺ، وسيصلّون عليّ بلا شك.”

‏وبعد قليل مرّ ركب قادم من العراق، فيه كبار الصحابة، ومنهم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فسألوها:
‏ــ “ما يبكيكِ؟”

‏قالت: “هذا زوجي أبو ذر، قد مات ولا نملك كفنًا له.”

‏فتسابق الأنصار أيهم يكفنه في ثوبه، ثم كفنوه وصلّوا عليه جميعًا، ودعوا له بالجنة والمغفرة.

‏وتذكّر الصحابة يوم غزوة تبوك حين تأخر أبو ذر بعدما أعيا جمله، فتركه وأخذ يمشي وحده تحت لهيب الصحراء، تارة يركض وتارة يتعثر، يريد اللحاق برسول الله ﷺ.

‏فلما رآه النبي ﷺ من بعيد امتلأ وجهه بالبشر والسرور، وقال عنه كلمات خالدة أصبحت وسامًا من نور:
‏«يرحمك الله يا أبا ذر، تمشي وحيدًا، وتموت وحيدًا، وتُبعث يوم القيامة وحيدًا».

‏أي: وحيدًا في تميزك وإخلاصك وخصالك الحميدة، وقد تحققت البشرى كما قال النبي ﷺ.

‏رضي الله عن الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري وأرضاه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.”
‏.
‏انظر:
‏مسند الإمام أحمد
‏السيرة النبوية لابن هشام✍️🌹