الأسوة والقدوة .
إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا، وَسَيِّئاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَاتَّقُوا اللهَ عِبادَ اللهِ، وَعَلَيْكُمْ بِالْجَماعَةِ، فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ مَعَ الْجَماعَةِ، وَمَنْ شَذَّ شَذَّ إِلَى النَّارِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]. أما بعد..الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ لَنَا مِنَ الْأنبيَاءِ والصَّالحِينَ قُدوَةً وَمَثَلًا، وَسُبْحانَ مَنْ جَبَلَ النُّفُوسَ عَلَى الْقُدْوَةِ، فَتَرَى النَّاسَ يُقَلِّدُونَ بَعْضَهُمْ فِي الْخَيرِ أَوِ الشَّرِّ، لَكِنَّ اللهَ أَمَرَنا بِالْقُدْوَةِ فِي الْخَيرِ، فَأَمَرَ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَقْتَدِيَ بِإِخْوَانِهِ مِنَ الْأَنْبِياءِ، فَقَالَ تَعالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90]، ولَمَّا اشْتَدَّ بِهِ صلى الله عليه وسلم البَلاءُ أَمَرَهُ رَبُّهُ بِالصَّبرِ كَإِخْوانِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَقالَ سُبحَانَهُ: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 35]، وَلَقدْ تَحَقَّقَ هَذَا فِي خُلُقِهِ صلى الله عليه وسلم ، فَفِي يَوْمِ حُنَيْنٍ أَعْطَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَشْرَافَ الْعَرَبِ مِنَ الْغَنائِمِ يَتَأَلَّفُ قُلُوبَهُمْ، فَقَالَ رَجُلٌ: وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ القِسْمَةَ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ، فَلَمَّا أُخْبِرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يَعْدِلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ»[متفق عليه]، وَقَدْ جَعَلَ اللهُ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم قُدْوَةً لَنا، قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:21]، أَيْ يا مَعْشَرَ الموَحِّدِينَ عَلَيْكُمْ بِالِاقْتِداءِ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي خُلُقِهِ، وَاجْتِهادِهِ فِي الْعِبادَةِ، وَصَبْرِهِ وَمُصَابَرَتِهِ، وَمُرَابَطَتِهِ، وَانْتِظَارِهِ الْفَرَجَ مِنْ رَبِّهِ عز وجل؛ فَالقُدْوَةُ الْحَسَنَةُ تَأْخُذُ بِيَدِ الْإِنْسانِ إِلَى المعالِي، وَتُبْعِدُهُ عَنِ سَفاسِفِ الْأُمُورِ.
أَيُّها المؤمِنونَ: إِنَّ مِنْ أَهَمِّ وَسَائِلِ التَّرْبِيَةِ الصَّحِيحَةِ التَّربِيَةَ بِالْقُدْوَةِ؛ فَإِنَّ الْأَفْعَالَ أَكْثَرُ تَأْثِيرًا مِنَ الْأَقْوالِ وَالتَّوْجِيهاتِ، فَالطِّفْلُ يَتَعَلَّمُ مِنْ وَالِدَيْهِ وَمُعَلِّمِهِ بِنَظَرِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمَ بِأُذُنَيْهِ، فَيَبْدَأُ بِتَقْلِيدِهِما فِي الْحَرَكَاتِ، أَوْصَى أَحَدُ السَّلَفِ مُعَلِّمَ وَلَدِهِ قَائِلًا: “لِيَكُنْ أَوَّلَ إِصْلاحِكَ لِوَلَدِي إِصْلاحُكَ لِنَفْسِكَ، فَإِنَّ عُيُونَهُ مَعْقُودَةٌ بِعَينِكَ، فَالْحَسَنُ عِنْدَهُ ما صَنَعْتَ، وَالْقَبِيحُ عِنْدَهُ ما تَرَكْتَ”، فَالْأَبْناءُ عُيُونُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ عَلَى مَحَلِّ اهْتِمامِ وَالِدِيهِمْ، فَعِنْدَما يَرَوْنَ أَباهُمْ يَسْتَعِدُّ لِلصَّلاةِ قَبْلَ الْأَذانِ، أَوْ أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ سَماعِهِ الْأَذانَ تَرَكَ ما فِي يَدِهِ وَذَهَبَ يَتَوَضَّأُ، وَيَرَوْنَهُ يُكْرِمُ ضَيْفَهُ، وَيَفْزَعُ لِجارِهِ، فَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ أَسْبابِ صَلاحِهِمْ، وَالْبَناتُ اللَّاتِي يُشاهِدْنَ الْأُمَّ تُحافِظُ عَلَى صَلاتِها، وَتُطِيعُ زَوْجَها، وَتُكْرِمُ جِيرانَها، فَسَيَنْشَأْنَ عَلَى هَذِهِ الصِّفاتِ الْحَمِيدَةِ؛ لِهَذَا كانَ نَبِيُّنا صلى الله عليه وسلم حَرِيصًا عَلَى هَذَا الأُسلُوبِ منَ التَّرْبِيةِ، حتَّى نشَّأَ جِيلًا من الصَّحَابَةِ كالنُّجُومِ وَسْطَ الظَّلامِ، اقْتَدَتْ بِأَخْلاقِهِمُ الْأُمَمُ؛ وَمِنَ السَّهْلِ عَلَى النَّاسِ الْكَلامُ عنِ الْمُثُلِ الْعُلْيَا، لكنَّهُم لاَ يسْتَطِيعُونَ أَنْ يَعِيشُوهَا. قَامَ أعرابيُّ يَبُولُ فِي مَسْجِدِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَثَارَ إلَيْهِ النَّاسُ ليَقَعُوا به، فَقالَ لهمْ صلى الله عليه وسلم: «دَعُوهُ، وأَهْرِيقُوا علَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِن مَاءٍ -أوْ سَجْلًا مِن مَاءٍ- فإنَّما بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ ولَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» وَفِي رِوايَةِ مُسْلِمٍ أَنَّ الرَّسُولَ قالَ لِلْأَعْرابِيِّ: «إنَّ هذِه المساجِدَ لا تَصْلُحُ لِشيءٍ مِن هَذا البَوْلِ، ولا القَذَرِ إنَّما هي لِذِكْرِ اللهِ عزَّ وجلَّ، والصَّلاةِ وقِراءَةِ القُرْآنِ»، وَكانَ صلى الله عليه وسلم يمشِي يُسَلِّمُ علَى الصِّبْيَانِ، ويسْتَمِعُ للإِمَاءِ؛ مَرَّ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله عنه عَلَى صِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُهُ، [متفق عليه]، قالَ أَنَسٍ رضي الله عنه: «إِنْ كَانَتِ الْأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ المدِينَةِ، لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ»، وَقامَ صلى الله عليه وسلم يَحْفِرُ مَعَ أَصْحابِهِ رضي الله عنهم فِي الْخَنْدَقِ وَيَحْمِلُ عَلَى عاتِقِهِ الشَّرِيفِ التُّرابَ، وَ«كانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ» [أخرجه البخاري: 4837]، وَسُئِلَتْ أُمُّنا عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْها: ما كانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قالَتْ: «كانَ يَكونُ في مِهْنَةِ أهْلِهِ- تَعْنِي خِدْمَةَ أهْلِهِ- فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إلى الصَّلَاةِ» [أخرجه البخاري: 676]، وَفِي رِوايَةٍ: قالَتْ: «كانَ يَخِيطُ ثَوْبَهُ، وَيَخْصِفُ نَعْلَهُ».
عِبادَ اللهِ: لَقَدِ الْتَزَمَ الصَّحَابةُ رضي الله عنهم بِكُلِّ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ مِنَ السُّنَّةِ الْقَوْلِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ وَالتَّقْرِيرِيَّةِ، فَقَدْ كانَتْ عُيُونُهُمْ وَآذانُهُمْ عَلَى كُلِّ ما يَصْدُرُ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم فَما أَعْظَمَها مِنْ قُدْوَةٍ، كانُوا يَتَسابَقُونَ فِي فِعْلِ الخَيْراتِ، وَالتَّمَسُّكِ بِالسُّنَّةِ، لقدْ تَرَبَّوا فِي مَدْرَسَةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فَكانُوا خَيْرَ مِثالٍ لِأَبْنائِهِمْ، فَفِي مَعْرَكَةِ بَدْرٍ قَالَ صلى الله عليه وسلم لِأَصْحابِهِ: «قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ» فقَالَ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الْأَنْصَارِيُّ: “يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ؟” قَالَ: «نَعَمْ»، فَقَالَ: “بَخٍ بَخٍ”، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ بَخٍ بَخٍ»، قَالَ: “لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِلَّا رَجَاءَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا”، قَالَ: «فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا» فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ، ثُمَّ قَالَ: “لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ، إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ”، فَرَمَى بها، وَقَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ، وَإِنَّما أَرادَ صلى الله عليه وسلم مِنْ سُؤَالِهِ لِعُمَيْرٍ أَنْ يَسْتَوْثِقَ مِنْ إِخْلاصِهِ فِي طَلَبِ الشَّهادَةِ، وَيُبَشِّرَهُ بِالشَّهادَةِ وَالْجَنَّةِ.
وَيَنْشَأُ نَاشِئُ الْفِتْيَانِ مِنَّا *** عَلَى مَا كَانَ عَوَّدَهُ أَبُوهُ
عِبادَ اللهِ: القُدْوَةُ الحَسَنَةُ، لا بُدَّ أَنْ يَتَّصِفَ بِالْإِخْلاصِ، وَالِالْتِزامِ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَمُوافَقَةِ الْعَمَلِ الْقَوْلَ، وَعُلُوِّ الْهِمَّةِ، وَالتَّحَلِّي بِالْأَخْلاقِ الْحَمِيدَةِ، كَالْحِلْمِ وَالصَّبْرِ وَالصِّدْقِ، وَالشَّجاعَةِ وَالْوَفاءِ، وَالْحِكْمَةِ وَالْعَدْلِ، وَإِنَّ واقِعَ الممْلَكَةِ وَتارِيِخَها -بِفَضْلِ اللهِ سُبْحانَهُ- مَلِيءٌ بِالْقُدْواتِ الصَّالِحَةِ فِي شَتَّى المجالاتِ، الْعِلْمِيَّةِ، والِاجْتِماعِيَّةِ، وَالدِّينِيَّةِ، وَالصِّحِّيَّةِ، وَالِاقْتِصادِيَّةِ، وَغَيْرِها، فَوَجَبَ عَلَيْنا إِبْرازُ وَتَقْدِيمُ هَذِهِ النَّماذِجِ؛ لِيَكُونُوا -بِإِذْنِ اللهِ تعالَى- بُناةَ خَيْرٍ لِأُسَرِهِمْ وَمُجْتَمَعِهِمْ، اللَّهُمَّ آمِنْ خَوْفَنَا يَوْمَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَوَفِّقْنَا لِشُكْرِ نِعَمِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ.
أَقُوْلُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾
الْحَمْدُ للهِ الذِي جَعلَ لنَا مِنَ الأنبيَاءِ والصَّالحِينَ قُدوَةً وَمَثَلاً، وَأَشهَدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ يُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ بفضلِهِ، ويُذِلُّ مَن يشَاءُ بِعدْلِهِ، وأشْهدُ أنَّ محمَّدًا عَبدُهُ ورسُولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ… أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ -عِبادَ اللهِ- فَإِنَّ تَقْوَى اللهِ نَجَاةٌ، والخَوفَ مِنهُ أَمَانٌ، قالَ تَعالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119].
واعْلَمُوا أَنَّ أَبْنَاَءَنَا أمَانَةٌ فِي أعنَاقِنَا، يَجِبُ عَليْنَا أَنْ نَكُونَ قُدْواتٍ حَسَنَةً، وَأَمْثِلَةً صالِحَةً لَهُمْ، وَلِكُلِّ مَنْ حَوْلَنا؛ فَلِكُلِّ مَنْ دَلَّ النَّاسَ إِلَى الْخَيْرِ أَجْرُهُ، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَذا الْخَيْرِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، يَجِدُ ذَلِكَ فِي مَوازِينِ حَسَناتِهِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «مَن دَعا إلى هُدًى، كانَ له مِنَ الأجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَن تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَن دَعا إِلَى ضَلالَةٍ، كانَ عَلَيْهِ مِنَ الإثْمِ مِثْلُ آثامِ مَن تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلكَ مِن آثامِهِمْ شيئًا» [أخرجه مسلم: 2674]، وَالْقُدْوَةُ لا تُفِيدُ الْمُقْتَدِي فَقَطْ، بَلْ تُفِيدُ الْمُقْتَدَى بِهِ، فَتَجْعَلُهُ فِي ارْتِقاءٍ دَائِمٍ حَتَّى يَصِلَ إِلَى مَكانَةٍ رَفِيعَةٍ بَيْنَ النَّاسِ.
اِعْلَمْ يا رَعاكَ اللهُ: أَنَّ كُلَّ مَنْ حَوْلَكَ يُقَلِّدُونَكَ، فَكُنْ قُدْوَةً صالِحَةً لَهُمْ رَفِيقًا بِهِمْ، خاصَّةً مَعَ الضُّعَفاءِ، وَمَنْ هُمْ أَدْنَى مِنْكَ، وَضَعْ نَصَبَ عَيْنَيْكَ: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:159] فَاجْعَلْ أَفْعالَكَ وَتَصَرُّفاتِكَ أَداةَ بِناءٍ لِمَنْ حَوْلَكَ، وعَلَى الْوالِدَيْنِ والْمُعَلِّمِينَ أَنْ يَكُونَوا في مُقَدِّمَةِ صُفُوفِ الْقُدْوَةِ الْحَسَنَةِ؛ لِأَنَّ النَاشِئَةَ الصِّغَارِ أَكْثَرُ ما يَتَأَثَّرُونَ بِأَخْلاقِهِمْ وَأَفْعالِهِمْ قَبْلَ أَقْوالِهمْ وَتَنْبِيهَاتِهمْ، فَلْيَكُونُوا كَالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فقَدْ كَانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، كَانَ قُرْآنًا يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ.
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الخلفاء الراشدين، وعن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ ومن تبعهم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.
⤵️👇🏻⤵️
تأديب من نوع آخر
يقــول مــدير مدرســــة ثانوية توجهت للمدرســــــــة وإذا بي
اتفاجأ بكتابة وتشويهات بالبخاخ على الســـور الخارجي للمدرسة
وبعد التحري وحصر المتغيبين في ذلك اليوم تم معرفة الفاعل
طالب في الصــف الثالث ثانوي
تم التواصل مع ولي أمر الطالب
وبعد حضوره ومشاهدته للكتابة على ســـــور المدرسة ومناقشة المشكلة معه .
طلب ولي الأمٌـــــر وبكل هدوء حضور ابنه وسمع اعترافه بهذا العمل …
فأخـــــرج الجوال واتصل على (دهان ) وطلب منه الحـضـور للمدرســـة بعد تحديد موقعها
وأتفـــــق معه على أعادة دهان الجدار بنفس اللون ليعود افضل مما كان ..
ثم التفت لإبنـــــــه وقال بهدوء
(ياولدي إذا ما تقدر ترفع رأسي لا توطيه) !!!!!!
ثم استأذن وانصرف !!!!
يقول المدير نظرت إلى الطالب وإذا هو واضع كفيه على وجهـه ويبكي ..
وأنا والمرشـــد الطلابي في قمة الذهـــول من اسلوب هذا الوالد واثر هذا الأســــــلوب على ولده
فقال الطـــالب وهو يبكي يا ليت ضـربني ولا قال لي هذا الكلام ثم اعتذر الطــالب وابدى ندمه على ما قام به !!!
وبعدها صار من خيرة طــــــلاب المدرسة .
المربي الناجح هو من يســـتثمر الخطأ والمشكلة لتعديل وتقويم السلوك .
وقديما :
قيل الخطأ طريق الصواب !!!!!(العقاب ليس هدفا)!!!!!!!
الهدف علاج المشكلة والخروج بنتائج إيجابية !!!!!!
(إذا ما راح ترفع رأس أبوك لا توطيه)!!!!!!!!!!
درس عظيم في التربية من هذا الأب !!…
النزاهةُ وحِفْظُ الأَمَانَةِ وَمُحَارَبَةُ الفَسَادِ 14/60/1447هـ
﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾
الحَمْدُ للهِ الَّذِيْ أَمَرَ بِأَدَاءِ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا، نَحْمَدُهُ عَلَى فَضْلِهِ وَإِنْعَامِهِ، وَنَسْتَعِيْنُ بِهِ عَلَى أَدَاءِ الحُقُوْقِ لِأَصْحَابِهَا، وَنَسْتَغْفِرُهُ مِنْ كُلِّ تَقْصِيْرٍ فِيْ حَقِّهِ سُبْحَانَهُ، وَنَعُوْذُ بِهِ مِنْ شُرُوْرِ أَنْفُسِنَا وَأَهْوَائِهَا، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى الصَّادِقِ الأَمِيْنِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِيْنَ. أَمَّا بَعْدُ عِبَادَ اللهِ: فَاتَّقُوْا اللهَ وَاعْلَمُوْا أَنَّ اللهَ قَدْ عَرَضَ أَمَانَةَ التَّكْلِيْفِ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، فَأَشْفَقْنَ مِنْهَا، وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ بِظُلْمِهِ وَجَهْلِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:72].
وَالأَمَانَةُ هِيَ صِفَةُ أَكْرَمِ الخَلْقِ عَلَى اللهِ، وَهُمْ الأَنْبِيَاءُ، وَعَلَى رَأْسِهِمْ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم؛ حَيْثُ كَانَ قَوْمُهُ يُلَقِّبُوْنَهُ بِالأَمِيْنِ قَبْلَ بِعْثَتِهِ، وَوَصَفَ اللهُ الـمُؤْمِنِيْنَ بِصِفَاتٍ جَلِيْلَةٍ كَانَ مِنْهَا رِعَايَتُهُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ، فَقَالَ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:1] إِلَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون:8] وَفَرَضَ اللهُ عَلَيْنَا أَدَاءَ الأَمَانَةِ وَالقِيَامَ بِحَقِّهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾[النساء:58] وَأَوْصَانَا نَبِيُّنَا صلى الله عليه وسلم بِقَوْلِهِ: «أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» [رواه أبو داودَ والترمذيّ وصححه الألباني].
أَدَاءُ الأَمَانَةِ يَا عِبَادَ اللهِ يَعْنِيْ رِعَايَةَ الحُقُوْقِ وَارْتِفَاعَ النُّفُوْسِ عَنْ الدَّنَايَا، وَالعَلاقَةُ بِيْنَ الِإيْمَانِ وَالأَمَانَةِ لَا تَنْفَكُّ، فَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ أَدَاءَ الأَمَانَةِ وَرِعَايَتَهَا عَلَامةٌ لِلْإِيْمَانِ؛ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «لَا إِيْمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ» [رواه أحمد والمنذري وصححه الألباني]. وَفي الـمُقَابِلِ؛ فَإِنَّ تَضْيِيْعَ الأَمَانَةِ وَالاسْتِهَانَةَ بِهَا وَخِيَانَتَهَا عَلَامَةٌ لِلنِّفَاقِ، فَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «آيَةُ الـمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» [متفق عليه]. وَتَضْيِيْعُ الأَمَانَةِ عَلَامَةٌ مِنْ عَلَامَاتِ السَّاعَةِ، قَالَ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ» [رواه البخاري]. أيها المسلمون: اعْلَمُوا رَحِمَكُمْ اللهُ أَنَّ الأَمَانَةَ تَدْخُلُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، فَهِيَ أَصْلٌ فِي سَائِرِ العِبَادَاتِ وَالـمُعَامَلَاتِ، فَإِنَّ دِيْنَ اللهِ أَمَانَةٌ، وَالدَّعْوَةَ إِلَيْهِ أَمَانَةٌ، وَكِتَابَ اللهِ أَمَانَةٌ، وَتَبْلِيْغَهُ أَمَانَةٌ، وَهَكَذَا جَمِيْعُ العِبَادَاتِ الـمَفْرُوْضَةِ، فَالصَّلَاةُ أَمَانَةٌ فِي عُنُقِكَ، تُؤَدِّيْهَا فِي أَوْقَاتِهَا كَامِلَةَ الشُّرُوْطِ وَالوَاجِبَاتِ، وَالصِّيَامُ أَمَانَةٌ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللهِ، وَالزَّكَاةُ أَمَانَةٌ، وَالأَيْمَانُ وَالعُهُوْدُ وَالموَاثِيْقُ وَالـمُبَايَعَاتُ بَيْنَ النَّاسِ أَمَانَةٌ، وَالالْتِزَامَاتُ وَالحُقُوْقُ وَالموَاعِيَدُ أَمَانَةٌ كَذَلِكَ، وَالصِّحَّةُ أَمَانَةٌ، وَتَرْبِيَةُ الأَوْلَادِ أَمَانَةٌ، وَالسَّمْعُ وَالبَصَرُ وَاللِّسَانُ وَالقَلْبَ وَسَائِرُ الجَوَارِحِ أَمَانَةٌ عِنْدَكَ، وَسَوْفَ تُسْأَلُ عَنْهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:36] وَأَدَاءُ هَذِهِ الأَمَانَاتِ مَعَ أَنَّهُ مَطْلُوْبٌ شَرْعًا؛ فَإِنَّهُ مِنْ شِيَمِ كِرَامِ الرِّجَالِ طَبْعًا، كَمَا قَالَ الصَّحَابِيٌّ الشَّاعِرُ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ رضي الله عنه:
أَرْعَى الأَمَانَةَ، لَا أَخُوْنُ أَمَانَتِيْ *** إنَّ الخَؤُوْنَ عَلَى الطَّرِيْقِ الأَنْكَبِ
عِبادَ اللهِ: قَدْ نَهَانَا اللهُ عَنْ خِيَانَةِ الأَمَانَةِ فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: 27]، وَلَقَدِ اسْتَعَاذَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْخِيَانَةِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الثَّابِتِ: «أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخِيَانَةِ فَإِنَّهَا بِئْسَتِ الْبِطَانَةُ» [رواه مسلم]،
وَمِنْ أَعْظَمِ الخِيَانَةِ فِي الأَمَانَاتِ خِيَانَةُ عِبَادِ اللهِ الـمُؤْمِنِينَ؛ بِأَكْلِ أَمْوَالِهِمْ بِالبَاطِلِ، أَوْ الكَذِبِ عَلَيْهِمْ أَوْ خِدَاعِهِمْ أَوْ غِشِّهِمْ أَوْ مُمَاطَلَتِهِمْ في حُقُوْقِهِمْ.
وَمِنْ الأَمَانَاتِ العَظِيْمَةِ تَحَمُّلُ الوِلَايَاتِ العَامَّةِ، كَالِإمَارَةِ وَالقَضَاءِ وَسَائِرِ الوِلَايَاتِ، كَمَنْ اسْتَأْمَنَهُمْ اللهُ عَلَى أَمْوَالِ النَّاسِ أَوْ تَعْلِيْمِهِمْ أَوْ صِحَّتِهِمْ، وَتَحَمُّلُ هَذِهِ الوِلَايَاتِ أَمْرٌ عَظِيْمٌ؛ فَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي؟ قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِيْ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيْفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ، وَإِنَّهَا يَوْمَ القِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِيْ عَلَيْهِ فِيْهَا» [رواه مسلم]، وَيُقْصَدُ بِالضَّعْفِ هُنَا: عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى تَحَمُّلِ مَسْؤُولِيَّةِ الْإِمارَةِ وَتَبِعاتِها. قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: “هَذَا الحَدِيْثُ أَصْلٌ عَظِيْمٌ فِي اجْتِنَابِ الوِلَايَاتِ، لَا سِيَّمَا لِمَنْ كَانَ فِيْهِ ضَعْفٌ عَنْ القِيَامِ بِوَظَائِفِ تِلْكَ الوِلَايَةِ”.
وَمِنْ تَضْيِيْع ِالأَمَانَةِ اسْتِغْلَالُ الرَّجُلِ مَنِصَبَهُ الَّذِيْ عُيِّنَ فِيْهِ لِـتَحْصِيْلِ مَنْفَعَةٍ لَهْ، أَوْ لِقَرَابَتِهِ بِمَا لَا يَحِقُّ لَهُمْ، وَمِنْ الصُّوَرِ الظَّاهِرَةِ لِذَلِكَ التَّشَبُّعُ مِنْ الـمَالِ العَامِّ بِغَيْرِ وَجْهِ حَقٍّ، وَهَذَهِ جَرِيْمَةٌ وَفَسَادٌ لَا يَرْضَاهُ اللهُ تَعَالَى، وَشَاهِدُ ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَرَزْقْنَاهُ رِزْقًا؛ فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ غُلُوْلٌ» [رواه أبو داود، وصححه الألباني]. وَاسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رَجُلًا لِيَجْمَعَ صَدَقَاتِ بَنِيْ سُلَيْمٍ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ إِلَيَّ. فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «فَهَلَّا جَلَسْتَ فِيْ بَيْتِ أَبِيْكَ وَأُمِّكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا؟» [رواه البخاري ومسلم].
عِبَادَ اللهِ إِنَّ الْمَالَ الْعَامَّ يَحْرُمُ أَخْذُهُ بِأَيِّ صُورَةٍ؛ فَالْأَخْذُ مِنْهُ غُلُولٌ، وَقد حَذَّرَنا رَبُّنا منه، قالَ تَعالَى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران:161]، وَإِنَّ لِلْغُلُولِ مِنَ المالِ الْعامِّ صُورًا كَثِيرَةً، مِنْها: اسْتِغْلَالُ الْمَرْكَبَاتِ وَالْمُنْشَآتِ لِلمَصَالِحِ الشَّخْصِيَّةِ، وَمِنْ ذَلِكَ التَّغاضِي عَنْ بَعْضِ الْأَخْطاءِ فِي تَنْفِيذِ الْعُقُودِ مُقَابِلَ مَصَالِحَ شَخْصِيَّةٍ، وَتَسَاهُلُ بَعْضِ النَّاسِ فِي صِيَانَةِ الْمُنْشَآتِ، وَعَدَمُ الْعِنَايَةِ بِهَا، وَمِنْ ذَلِكَ اللَّامُبَالَاةُ فِي اسْتِعْمالِ أَجْهِزَةِ التَّكْيِيفِ وَالْأَنْوَارِ، فَتُكَلِّفُ خِزَانَةَ الدَّوْلَةِ فَوَاتِيرَ طَائِلَةً، وَمِنْهُ الْقِيامُ بِتَوْظِيفِ مَنْ لَهُمْ بِهِمْ صِلَةٌ، وَتَقْدِيمِهِمْ عَلَى غَيْرِهِمْ، مُقَابِلَ مَبَالِغَ مَالِيَّةٍ، فَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا مِنَ الظُّلْمِ وَاسْتِغْلَالِ السُّلْطَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا.
اعْلَمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- أَنَّ ضَياعَ الْأَمانةِ لا يُعَدُّ خُسارَةً مادِيَّةً فَقَطْ، بَلْ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ، بَلْ يُوجِبُ عَذابَ اللهِ، فَفِي يَوْمِ خَيْبَرَ أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ، وَفُلَانٌ شَهِيدٌ، حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ، فَقَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «كَلَّا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ فِي بُرْدَةٍ غَلَّهَا، أَوْ عَبَاءَةٍ غَلَّهَا»[أخرجه مسلم]. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: «قَامَ فِينَا رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَومٍ، فَذَكَرَ الغُلُولَ، فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ، ثُمَّ قالَ: لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَومَ القِيَامَةِ علَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ له رُغَاءٌ يقولُ: يا رَسولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فأقُولُ: لا أَمْلِكُ لكَ شيئًا، قدْ أَبْلَغْتُكَ، لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَومَ القِيَامَةِ علَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ له حَمْحَمَةٌ، فيَقولُ: يا رَسولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فأقُولُ: لا أَمْلِكُ لكَ شيئًا، قدْ أَبْلَغْتُكَ، لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَومَ القِيَامَةِ علَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ يقولُ: يا رَسولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فأقُولُ: لا أَمْلِكُ لكَ شيئًا، قدْ أَبْلَغْتُكَ، لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَومَ القِيَامَةِ علَى رَقَبَتِهِ نَفْسٌ لَهَا صِيَاحٌ، فيَقولُ: يا رَسولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فأقُولُ: لا أَمْلِكُ لكَ شيئًا، قدْ أَبْلَغْتُكَ، لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَومَ القِيَامَةِ علَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ، فيَقولُ: يا رَسولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فأقُولُ: لا أَمْلِكُ لكَ شيئًا، قدْ أَبْلَغْتُكَ، لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَومَ القِيَامَةِ علَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ، فيَقول: يا رَسولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فأقُولُ: لا أَمْلِكُ لكَ شيئًا، قدْ أَبْلَغْتُكَ»
[متفق عليه، واللفظ لمسلم]. وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْعُهَدُ الْعَسْكَرِيَّةُ وَغَيْرُها مِنَ الْمُمْتَلَكَاتِ وَالمالِ الْعامِّ.
وَمِمَّا يُذْكَرُ فَيُشْكَرُ فِي هَذَا الـمَقَامِ حَزْمُ وُلَاةِ أَمْرِنَا -وَفَّقَهُمْ اللهُ- فِي مُحَاسَبَةِ الفَاسِدِيْنَ وَمُضَيِّعِيْ الأَمَانَةِ، وَالأَخْذُ عَلَى أَيْدِيْهِمْ، وَرَدُّ الحُقُوْقِ لَأَصْحَابِهَا، فَجَزَى اللهُ عَنَّا وُلَاةَ أَمْرِنَا خَيْرَ الجَزَاءِ عَلَى هَذَا العَمَلِ الصَّالِحِ وَالـمَسْلَكِ الرَّشِيْدِ.
وَيَنْبَغِي عَلَيْنَا جَمِيعًا ألَّا نَتَرَدَّدَ فِي ِإبْلَاغِ الجِهَاتِ الرَّسْمِيَّةِ الـمُخْتَصَّةِ عَنْ الفَسَادِ وَالـمُفْسِدِيْنَ؛ فَإِنَّ هَذَا الاحْتِسَابَ مِنْ إِنْكَارِ الـمُنْكَرِ. والْمَالِ الْعَامِّ مَسْؤُولِيَّةٌ عامَّةٌ؛ فِي ذِمَّةِ جَمِيعِ أَفْرَادِ الْأُمَّةِ .وَفَّقَنَا اللهُ لَأَدَاءِ الحُقُوْقِ وَحِفْظِ الأَمَانَةِ.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأُصَلِّيْ وَأُسَلِّمُ عَلَى رَسُولِهُ الدَّاعِيْ إِلَى رِضْوانِهِ، أَمَّا بَعدُ عِبادَ اللهِ: فَاتَّقُوا اللهَ حَقَّ تَقوَاهُ، وَأدُّوا الأَمَانَةَ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ تَقْوَى اللهِ الَّتِي أُمِرْتُمْ بِهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَٱتَّقُواْ يَوۡما تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡس مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ﴾ [البقرة: 281].
أَيُّهَا الـمُؤْمِنُونَ: بِحِفْظِ الأَمَانَةِ يُحْفَظُ الدِّيْنُ، وَتُصَانُ الأَعْرَاضُ وَالأَمْوَالُ، وَتَسْلَمُ الأَوْطَانُ، وَالأَجْسَامُ وَالأَرْوَاحُ، وتُضْبَطُ الـمَعَارِفُ وَالعُلُومُ، وَالوِلَايَةُ وَالوِصَايَةُ، وَالشَّهَادَةُ وَالقَضَاءُ وَالكِتَابَةُ، وَكُلُّ أَمْرٍ مَحْمُوْدٍ.
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56] اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الخلفاء الراشدين، وعن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ ومن تبعهم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَنْتَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ الْغَنِيُّ وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ، أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ. اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثَا هَنِيئًا مَرِيعًا مَرِيئًا، غَدَقًا مُجَلِّلًا عَامًّا، نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ، عَاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ، اللَّهُمَّ لِتُحْيِيَ بِهِ الْبِلَادَ، وَتُغِيثَ بِهِ الْعِبَادَ، وَتَجْعَلَهُ بَلَاغًا لِلْحَاضِرِ وَالْبَادِ، اللَّهُمَّ سُقْيَا رَحْمَةٍ لَا سُقْيَا عَذَابٍ، وَلَا هَدْمٍ، وَلَا بَلَاءٍ، وَلَا غَرَقٍ، يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.
عِبادَةُ الِاسْتِعانَةِ 7/6/1447هـ
﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾
إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا، وَسَيِّئاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَاتَّقُوا اللهَ عِبادَ اللهِ، وَعَلَيْكُمْ بِالْجَماعَةِ، فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ مَعَ الْجَماعَةِ، وَمَنْ شَذَّ شَذَّ إِلَى النَّارِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]. أمَّا بعدُ.. عِبادَ اللهِ لا مُعِينَ لِلعَبدِ عَلَى مَصالِحِ دِينِهِ وَدُنياهُ إِلَّا اللهُ عز وجل، فَمَنْ أَعانَهُ اللهُ فَهُو الْمُعانُ، وَمَنْ خَذَلَهُ فَهُو المخْذُولُ، وَهَذا تَحْقِيقُ مَعْنَى قَوْلِ: “لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ”؛ يَقُولُها المؤْمِنُ فِي كُلِّ أُمُورِهِ، وَعِنْدَ النِّداءِ لِلصّلاةِ “حَيِّ عَلَى الصَّلاةِ، حَيِّ عَلَى الْفَلاحِ” فَسُبْحانَكَ رَبُّنا وَبِحَمْدِكَ! لم تَتْرُكْ عِبادَكَ لِعَجْزِهِمْ وَفَقْرِهِمْ وَجَهْلِهِمْ، بَلْ دَلَلْتَهُمْ إِلى الِاسْتِعانَةِ بِكَ، فَكُلُّ الْخَلْقِ فُقَراءُ إِلى اللهِ لِتَفَرُّدِهِ سُبْحانَهُ بِالْخَلْقِ وَالْأَمْرِ، وَالتَّدْبِيرِ وَالضَّرِّ والنَّفْعِ وَالْعَطاءِ وَالمنْعِ، وَأَنَّهُ ما شاءَ كانَ، وَما لم يَشَأْ لم يَكُنْ، قالَ صلى الله عليه وسلم لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: «يا غُلامُ إنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِماتٍ، اِحْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، اِحْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تِجاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيءٍ لَمْ يَنفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لم يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ» [رواه الترمذي، وصححه الألباني]، فَاعْلَمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- أَنْ لا نَجاةَ لِلْعَبْدِ مِنْ فِتَنِ الدُّنْيا، وَأَحْداثِ الزَّمانِ، وَتَسَلُّطِ الْعَدُوِّ، وَشَرِّ النُّفُوسِ، وَسَيِّئِ الْأَسْقامِ وَالْأَمْراضِ إِلَّا بِالِاسْتِعانَةِ باللهِ، الَّتِي هِيَ: طَلَبُ الْعَوْنِ مِنَ اللهِ تَعالَى، مَعَ كَمالِ الذُّلِّ، وَتَفْوِيضِ الْأَمْرِ للهِ وَحْدَهُ، وَاعْتِقادِ كِفايَتِهِ سُبْحانَهُ وَقُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ.
عِبادَ اللهِ: مِنْ أُصُولِ الْإِيمانِ أَنْ نَسْتَعِينَ بِاللهِ وَحْدَهُ، كَمَا نَعْبُدُهُ وَحْدَهُ سُبْحانَهُ، قالَ ابْنُ رَجَبٍ-رَحِمَهُ اللهُ تَعالَى- “الْعَبْدُ مُحْتاجٌ إِلَى الِاسْتِعانَةِ باللهِ فِي فِعْلِ الْمَأْمُوراتِ وَتَرْكِ المحْظُوراتِ وَالصَّبْرِ عَلى المقْدُوراتِ، وَلا يَقْدِرُ عَلى اﻹْعانَةِ عَلى ذَلِكَ إِلَّا اللهُ عز وجل وَمَنْ تَرَكَ الِاسْتِعانَةَ بِاللهِ وَاسْتَعانَ بِغَيْرِهِ وَكَلَهُ اللهُ إِلَى مَنِ اسْتَعانَ بِهِ فَصارَ مَخْذُولًا”، فَشَأْنُ الِاسْتِعانَةِ عَظِيمٌ؛ فَوَحْدَها الَّتِي قُرِنَتْ بالْعِبادَةِ، وَجُعِلَتْ في كُلِّ رَكْعَةٍ مِنَ الصَّلَواتِ، فَالْعِبادَةُ هِيَ الْغَايَةُ، وَالِاسْتِعانَةُ هِيَ الْوَسِيلَةُ إِلَيْها، فَسَعادَةُ الْعَبْدِ في الدُّنْيا وَالآخِرَةِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلى تَحْقِيقِهِما: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾[الفاتحة: 5]، أَيْ: لا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاكَ ولا نَسْتَعِينُ إِلَّا بِكَ، فَكَمالُ غِنَى الْعَبْدِ في التَّبَرُّؤِ مِنْ حَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ، وَالِاسْتِعانَةِ باللهِ وَحْدَهُ. قالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَتَقْدِيمُ الْعِبادَةِ عَلَى الِاسْتِعانَةِ؛ لِأَنَّ الْعِبادَةَ غايَةُ الْعِبادِ، الَّتِي خُلِقُوا لَها، وَالِاسْتِعانَةَ وَسِيلَةٌ إِلَيْها، وَلِأَنَّ (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) مُتَعَلِّقٌ بِأُلُوهِيَّتِهِ سُبْحانَهُ، وَ(وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) مُتَعَلِّقٌ بِرُبُوبِيَّتِهِ، وَذَلِكَ يَتَناسَبُ مَعَ تَقْدِيمِ اسْمِ (اللهِ) عَلَى لَفْظِ (الرَّبِّ)، وَﻷِنَّ الْعِبادَةَ الْمُطْلَقَةَ تَتَضَمَّنُ الِاسْتِعانَةَ، فَالِاسْتِعانَةُ جُزْءٌ مِنَ الْعِبادَةِ، وَﻷِنَّ الِاسْتِعانَةَ طَلَبٌ مِنْهُ سُبْحانَهُ، وَالْعِبادَةَ طَلَبٌ لَهُ فَقَدَّمَ مَا هُوَ لَهُ عَلَى ما هُوَ مِنْهُ، وَالْعِبادَةَ لا تَكُونُ إِلَّا مِنْ مُخْلِصٍ، وَالِاسْتِعانَةَ تَكُونُ مِنْ مُخْلِصٍ وَغَيْرِ مُخْلِصٍ، وَالْعِبادَةَ حَقُّ اللهِ الَّذِي أَوْجَبَهُ عَلَى الْعَبْدِ، وَالِاسْتِعانَةَ طَلَبُ الْعَوْنِ عَلَى الْعِبادَةِ، وَالْعِبادَةَ شُكْرٌ لِنِعْمَتِهِ عَلَيْكَ، وَاﻹْعانَةَ فِعْلُهُ بِكَ وَتَوْفِيقُهُ لَكَ، وَﻷِنَ َّ(إِيَّاكَ نَعْبُدُ) للهِ، (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) بِهِ سُبْحانَهُ وَالَّذِي لَهُ مُقَدَّمٌ عَلى ما بِهِ وَلِهَذا لا يَسْتَقِرُّ في النَّارِ شَيْءٌ للهِ أَبَدًا”، يَقُولُ السّعْدِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ: “وَتَقْدِيمُ الْعِبادَةِ عَلَى الِاسْتِعانَةِ لِاحْتِياجِ الْعَبْدِ في جَمِيعِ عِباداتِهِ إِلى الِاسْتِعانَةِ باللهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ إِنْ لم يُعِنْهُ اللهُ لم يَحْصُلْ لَهُ ما يُرِيدُ مِنْ فِعْلِ الْأَوامِرِ وَاجْتِنابِ النَّواهِيْ”، قالَ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ تَعالَى- “الِاسْتِعانَةُ تَجْمَعُ أَصْلَيْنِ: الثِّقَةَ بِاللهِ، وَالِاعْتِمادَ عَلَيْهِ”، وَلا تُنافِي الْأَخْذَ بِالْأَسْبابِ؛ قالَ صلى الله عليه وسلم: «اِحْرِصْ عَلَى ما يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَلا تَعْجَزْ» [أخرجه مسلم]، يَعْنِي: لا تَعْتَمِدْ علَى الْحِرْصِ فَقَطْ، وَلَكِنْ مَعَ الحِرْصِ اسْتَعِنْ باللهِ سُبْحانَهُ؛ لِأَنَّهُ لا غِنَى لَكَ عَنِ اللهِ، وَمَهْمَا بَذَلْتَ مِنَ الْأَسْبابِ فَإِنَّها لا تَنْفَعُ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ عز وجل.
وَقَدِ اهْتَمَّ أَنْبِياءُ اللهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ بِالِاسْتِعانَةِ باللهِ عز وجل؛ فَهذَا نَبِيُّنا صلى الله عليه وسلم يَدْعُو رَبَّهُ، وَيَسْتَعِينُ بِهِ عَلى الْكُفّارِ الْمُكَذِّبينَ: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: 112]، وَيأْخُذُ بِيَدِ مُعاذٍ رضي الله عنه ثُمَّ يقَولُ: «يَا مُعَاذُ! وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ»، فَقَالَ مُعَاذٌ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَنَا وَاللَّهِ أُحِبُّكَ، فَقَالَ: «أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ؛ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» [رواه أحمد، وصححه الألباني]، وَيَأْمُرُ مُوسَى عليه السلام قَوْمَهُ أَنْ يَسْتَعِينُوا باللهِ في مُواجَهَةِ فِرْعَوْنَ: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: 128]، وَيَعْقُوبُ عليه السلام يَسْتَعِينُ باللهِ مِنْ شَرِّ أَفْعالِ بَنِيهِ: ﴿قَالَ بَلۡ سَوَّلَتۡ لَكُمۡ أَنفُسُكُمۡ أَمۡرًاۖ فَصَبۡرٌ جَمِيلٌۖ وَٱللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 18]، وَيُوَجِّهُ اللهُ عِبادَهُ المؤْمِنينَ فِي كُلِّ زَمانٍ وَمَكانٍ إِلى الْتِزامِ الِاسْتِعانَةِ، قالَ سُبْحانَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153]، وَيُونُسُ عليه السلام يُنادِي في الظُّلُماتِ مُسْتَعِينًا باللهِ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87]، فَنَجَّاهُ رَبُّهُ، وَهَذا ابْنُ نُوحٍ عليه السلام اِسْتَعانَ بِغَيْرِ اللهِ عز وجل فَهَلَكَ في الدُّنْيا وَالآخِرَةِ: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: 42، 43]، وَمِنْ دُعاءِ نَبِيِّنا صلى الله عليه وسلم «رَبِّ أَعِنِّي، وَلا تُعِنْ عَلَيَّ» [رواه ابن حبان، وصححه الألباني]، وَإِذَا غَزَا قالَ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ عَضُدِي، وَأَنْتَ نَصِيرِي، وَبِكَ أُقاتِلُ» [رواه الترمذي، وصححه الألباني]، وَكانَ مُوسَى عَلَيْهِ وَعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ وَالسَّلامُ يَقُولُ: “اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، وَإِلَيْكَ الْمُشْتَكَى، وَأَنْتَ المسْتَعانُ، وَبِكَ المسْتَغاثُ، وَعَلَيْكَ التُّكْلانُ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ”، وَقِيلَ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها: مَا لَكِ وَلِلدَّيْنِ؟ قالَتْ: “أَلْتَمِسُ عَوْنَ اللهِ لِلْعَبْدِ، يَسْتَدِينُ عَلَى نِيَّةِ اﻷْدَاءِ”، وَقالَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ لِابْنِهِ عَبْدُ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما في وَصِيَّتِهِ لِقَضاءِ دَيْنِهِ: “إِنْ عَجَزْتَ فَاسْتَعِنْ بِمَوْلايَ” قالَ: يا أَبَتِ مَنْ مَوْلاكَ؟ قالَ: اللهُ”، وَقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: “يا رَبِّ، عَجِبْتُ لِمَنْ يَعْرِفُكَ، كَيْفَ يَسْتَعِينُ بِغَيْرِكَ؟”.
عِبادَ اللهِ: مَنِ اسْتَعانَ بِغَيْرِ اللهِ فِيما لا يَقْدِرُ عَلَيهِ إِلَّا اللهُ فَقَدْ أَشْرَكَ، كَالِاسْتِعانَةِ بِالْأَمْواتِ، وَالْغائِبِينَ، وَالْجَماداتِ، وَالْجِنِّ وَالشَّياطِينِ، أَمَّا الِاسْتِعانَةُ بِالمخْلُوقِ فَهِيَ جائِزَةٌ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ المسْتَعانُ بِه حَيًّا غَيْرَ مَيِّتٍ، حاضِرًا غَيْرَ غائِبٍ، قادِرًا غَيْرَ عاجِزٍ، فَهذا مِنَ التَّعاوُنِ عَلى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَيُثابُ المسْتَعانُ بِه، وَلِلنَّاسِ مَعَ الِاسْتِعانَةِ أَرْبَعَةُ أَحْوالٍ: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ وَيَسْتَعِينُ بِغَيْرِ اللهِ، وَهَذا قَدْ وَقَعَ في الشِّرْكِ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ لَكِنَّ اسْتِعانَتَهُ ضَعِيفَةٌ، وَهَؤُلاءِ قَدِ اسْتَحْوَذَتْ عَلَيْهِمُ الشَّهَواتِ، وَيَكْثُرُ اعْتِمادُهُمْ عَلى غَيْرِ اللهِ في كَثِيرٍ مِنَ الْأُمُورِ، وَهُناكَ مَنْ يَسْتَعِينُ باللهِ عز وجل وَحْدَهُ، لَكِنَّهُ يَعْبُدُ غَيْرَهُ، وَهَذا يَقَعُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ عُبَّادِ الصُّوفِيَّةِ وَالْفَلاسِفَةِ، وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ عِبادَةِ اللهِ وَالِاسْتِعانَةِ بِهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، نَسْأَلُ اللهَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ أَنْ نَكُونَ جَمِيعًا مِنْهُمْ.
يَجِبُ عَلى المسْتَعِينِ بِرَبِّهِ أَنْ يَسْلَمَ مِنَ الشِّرْكِ خاضِعًا مُتَذَلِّلًا لِمَوْلاهُ، وَأَنْ يَثِقَ في قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وَكِفايَتِهِ لِعِبادِهِ، مُفَوِّضًا أَمْرَهُ كُلَّهُ لِخالِقِهِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «ثَلاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللهِ عَوْنُهُمْ: المجاهِدُ في سَبِيلِ اللهِ، وَالْمُكاتِبُ الَّذِي يُرِيدُ اﻷْداءَ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفافَ» [رواه الترمذي، وحسنه الألباني].
أَقُوْلُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾
الحمدُ للهِ الواحِدِ القَهَّارِ، يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَيَخْلُقُ مَا يَشاءُ ويَخْتَارُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ الْحَقُّ الْمُبِينُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَرْسَلَهُ رَحْمَةً للعالمينَ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا أَمَّا بَـعْدُ: فاتَّقُوا اللهَ عِبادَ اللهِ، وَاسْتَعِينُوا باللهِ وَحْدَهُ عَلى أُمُورِكُمْ وَأَحْوالِكُمْ كُلِّها، في الْهِدايَةِ وَالِاسْتِقامَةِ وَصَلاحِ الْقَلْبِ، وَفِعْلِ الْمَأْمُوراتِ، وَاسْتَعِينُوا بِهِ سُبْحانَهُ عَلى تَرْكِ المحْظُوراتِ، وَعَلى قَضاءِ الْحَوائِجِ وَالمصالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ، الَّتِي نَفْتَقِرُ إِلَيْها في مَعاشِنا ، وَتَمْتَدُّ الِاسْتِعانَةُ باللهِ سُبْحانَهُ بَعْدَ الموْتِ، فَنَسْتَعِينُ بِهِ عز وجل مِنْ أَهْوالِ الْبَرْزَخِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ، فَمَنِ اسْتَعانَ باللهِ وَحْدَهُ جَعَلَ لَه مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ عُسْرٍ يُسْرًا.
اِعْلَمُوا عِبادَ اللهِ أَنَّ الِاسْتِعانَةَ سَبَبٌ في الْقِيامِ بِالْقُرُباتِ وَالطَّاعاتِ، وَابْتِعادِ الْعَبْدِ عَنِ المحَرَّماتِ، وَهِيَ سَبَبُ عِلاجِ أَمْراضِ الْقُلُوبِ، كَالْعُجْبِ وَالرِّياءِ، وَهِيَ وَسِيلَةٌ لِلصَّبْرِ عَلى الْأَقْدارِ الْمُؤْلِمَةِ في النَّفْسِ وَالْأَهْلِ وَالمالِ، وَهِيَ سَبَبٌ لِتَحَقُّقِ النَّصْرِ على الْأَعْداءِ، إِنَّ الِاسْتِعانَةَ مَظْهَرٌ مِنْ مَظاهِرِ الْعُبُودِيَّةِ وَالتَّوْحِيدِ، وَتَنْفِي عَنِ الْعَبْدِ الشُّعُورَ بِالْعَجْزِ، وَتُصْلِحُ الْقَلْبَ، وَتَسُدُّ خُلَّةَ الرُّوحِ؛ ﻷِنَّ الْعَبْدَ المسْتَعِينَ لا يُواجِهُ المشاكِلَ وَحْدَهُ، بَلْ مَعَهُ رَبُّهُ.
قالَ ابْنُ عُثَيْمِينَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعالَى-: “فَلا تَطْلُبِ الْعَوْنَ مِنْ أَيِّ إِنْسانٍ إِلَّا لِلضَّرُورَةِ الْقُصْوَى، وَإِذَا اضْطُرِرْتَ إِلَى الِاسْتِعانَةِ بِالْمَخْلُوقِ فَاجْعَلْ ذَلِكَ وَسِيلَةً وَسَبَبًا لا رُكْنًا تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ! اِجْعَلِ الرُّكْنَ الْأَصِيلَ هُوَ اللهُ عز وجل”.
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ سبحانه: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الخلفاء الراشدين، وعن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ ومن تبعهم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.
طلاقة الوجه 30/ 5/ 1447هـ
﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾
إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا، وَسَيِّئاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَاتَّقُوا اللهَ عِبادَ اللهِ، وَعَلَيْكُمْ بِالْجَماعَةِ، فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ مَعَ الْجَماعَةِ، وَمَنْ شَذَّ شَذَّ إِلَى النَّارِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]. أمَّا بعدُ.. قالَ صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ يَألَفُ وَيُؤْلَفُ، وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَألَفُ وَلَا يُؤْلَفُ» [رواه أحمد، والدار قطني، وصححه الألباني]، الحمدُ للهِ الَّذِي جَعلَ الأَخْلاقَ رَحْمةً إِلَهِيَّةً، وَمِنْحَةً رَبَّانِيَّةً، يَهَبُها عَزَّ وَجَلَّ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ، قالَ طاوُوسٌ -رَحِمَهُ اللهُ: “إِنَّ هَذِهِ الْأَخْلَاقَ مَنَائِحُ يَمْنَحُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِعَبْدٍ خَيْرًا مَنَحَهُ مِنْهَا خُلُقًا صَالِحًا”، وَقَدْ مَدَحَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ سَيِّدَ وَلَدِ آدَمَ صلى الله عليه وسلم ، فَقالَ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:4]. وَجَعلَ مِنْ خُلُقِهِ صلى الله عليه وسلم طَلاقَةَ الْوَجْهِ، هَذا الْخُلُقُ الْعَظيمُ وَسَطٌ بَيْنَ عُبُوسِ الْوَجْهِ، وَتَقْطِيبِ الْجَبِينِ، وَالتَّكَبُّرِ عَلَى الْخَلْقِ، الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ تَنْفِيرُ النَّاسِ مِنْ صاحِبِهِ، وَبَيْنَ كَثْرَةِ الْمُمَازَحَةِ وَالِاسْتِرْسالِ مَعَ كُلِّ أَحَدٍ، الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ ذَهابُ الْهَيْبَةِ وَالوَقَارِ، وَيُخِلُّ بِالمرُوءَةِ، وَيَقْدَحُ فِي الْحَياءِ، فَسُبْحانَ الَّذِي حَثَّ المؤْمِنِينَ عَلَى طَلاقَةِ الْوَجْهِ، وَالْبَشاشَةِ والبِشْرِ، والسُّهولَةِ وَالْيُسْرِ، وَقَدْ كانَتْ هَذِهِ صِفَةَ نَبِيِّنا صلى الله عليه وسلم ؛ فَمَنْ رَآهُ بَدِيهَةً هَابَهَ، ومَنْ خَالَطَهُ عِشْرَةً أَحَبَّهُ، ﴿فَبِمَا رَحۡمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَانفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ﴾ [آل عمران:159] .
عِبادَ اللهِ: إِنَّ طَلاقَةَ الْوَجْهِ عِبادَةٌ قَلْبِيَّةٌ، وَسُلُوكٌ عَمَلِيٌّ، وَخُلُقٌ نَبَوِيٌّ رَفِيعٌ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ» [رواه مسلم]، وَهَذا الْخُلُقُ الْعَظِيمُ يَكُونُ بِاللُّطْفِ فِي التَّعامُلِ، وَلِينِ الْقَوْلِ، وَسُهُولَةِ الطَّبْعِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «وتَبَسُّمُكَ في وجْهِ أخيكَ صدقةٌ» [أخرجه ابن حبان، وصححه الألباني]، فَالْبَشاشَةُ بِذْرَةٌ طَيِّبَةٌ تُؤْتِي أُكُلهَا ضِعْفَيْنِ، قَبُولًا وَمَحَبَّةً عِنْدَ النَّاسِ في الدُّنْيَا، وَأَجْرًا وَرِفْعَةً عِنْدَ اللهِ يَومَ الْقِيَامَةِ، لِمَا فِيها مِنْ إِدْخالِ السُّرُورِ عَلَى المسْلِمينَ، وَبَثِّ الموَدَّةِ، وَإِزالَةِ الْوَحْشَةِ مِنَ النُّفُوسِ، وَهِيَ مِنَ السُّنَنِ النَّبَوِيَّةِ الْفِعْلِيَّةِ وَالْقَوْلِيَّةِ، فَذُو الْوَجْهِ الطَّلْقِ تَجِدْهُ هاشًّا باشًّا لَكَ عِنْدَ اللِّقاءِ، دَفَعَهُ إِيمانُهُ، وَحُسْنُ خُلُقِهِ، وَحُبُّهُ الْخَيْرَ لِلنَّاسِ أَنْ يُشِيعَ الْبَهْجَةَ وَالسَّعادَةَ فِيمَنْ حَوْلَهُ.
أَيُّها المؤْمِنونَ: إِنَّ طَلاقَةَ الْوَجْهِ لا تُكَلِّفُ مالًا وَلا جُهْدًا، قالَ أَحَدُ السَّلَفِ: “إِنَّ البِرَّ شَيْءٌ هَيِّنٌ، وَجْهٌ طَلِيقٌ، وَكَلَامٌ لَيِّنٌ”، وَلَكِنَّ أَثَرَها عَظِيمٌ عَلَى مُسْتَوى الْفَرْدِ وَالْجَماعَةِ، فَطَلاقَةُ الْوَجْهِ تَنْشُرُ الموَدَّةَ وَتَرْفَعُ الْكُلْفَةَ، وَهِيَ امْتِثالٌ لِأَمْرِ رَبِّنا وَسُنَّةِ نَبِيِّنا صلى الله عليه وسلم ، وَتُورِثُ المحَبَّةَ بَيْنَ المسْلِمينَ، وَتَبْعَثُ الطُّمَأْنِينَةَ فِي النُّفُوسِ، وَفِيها مَرْضاةٌ لِلرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ، وَحُسْنُ ظَنٍّ بِهِ سُبْحانَهُ، وَفِيها اقْتِداءٌ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:21]، اِسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: «بِئْسَ أَخُو العَشِيرَةِ، وَبِئْسَ ابْنُ العَشِيرَةِ» فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ قَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْها: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حِينَ رَأَيْتَ الرَّجُلَ قُلْتَ لَهُ كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ تَطَلَّقْتَ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطْتَ إِلَيْهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «يَا عَائِشَةُ، مَتَى عَهِدْتِنِي فَحَّاشًا، إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ» وَفِي رِوايَةٍ: «يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَاحِشَ الْمُتَفَحِّشَ» [متفق عليه].
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ الْبَشاشَةَ سَمْتُ الْعُلَماءِ، وَصِفَةُ الْحُكَماءِ، وَهِيَ سَبَبُ ائْتِلافِ الْقُلُوبِ، وَدَلِيلُ الْجُودِ وَالْكَرَمِ، فَإِنَّ: (مَنْ ضَنَّ ببِشْرِهِ كَانَ بِمَعْرُوفِهِ أَضَنَّ)، فَالْوَجْهُ الْبَشُوشُ يُشِيعُ الْمَوَدَّةَ وَالْمَحَبَّةَ، وَيَسْتَلُّ الضَّغَائِنَ وَالْأَحْقادَ؛ قَالَ عَبْدُاللهِ بْنُ المبارَكِ -رَحِمَهُ اللهُ-: “حُسْنُ الْخُلُقِ: طَلاقَةُ الْوَجْهِ وَبَذْلُ المعْرُوفِ، وكَفُّ الأذَى”، وَطَلاقَةُ الْوَجْهِ وَسِيلَةٌ مُؤَثِّرَةٌ لا تَحْتاجُ تَكْلُفَةً، قالَ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّكُمْ لَنْ تَسَعُوا النَّاسَ بِأَمْوَالِكُم ولَكِن يَسَعُهم مِنْكُم بَسْطُ الوَجْهِ وحُسْنُ الخُلُقِ» [أخرجه البزار وأبو يعلى والطبراني، وحسنه الألباني]، الْبَشاشَةُ وَسِيلَةٌ لِتَلْطِيفِ الْأَجْواءِ فِي الْمَواقِفِ الصَّعْبَةِ، وَهِيَ عُنوانٌ لِصاحِبِها، وَدَلِيلٌ عَلَى سَلامَةِ صَدْرِهِ، فَالْوَجْهُ مِرْآةُ الْقَلْبِ، يُظْهِرُ مَا فِيهِ، وَعَلَى قَدْرِ مَا فِي الْقَلْبِ مِنَ الْوُدِّ وَالحُبِّ، تَكُونُ البَشَاشَةُ والطَّلاقَةُ في الْوَجْهِ، وَلِلْبَشُوشِ سِيرَةٌ حَسَنَةٌ بَيْنَ النَّاسِ، فَكُلُّ مَنْ رَآهُ أَحَبَّهُ، وَمَدَحَ فِيهِ هَذا الْخُلُقَ الْعَظِيمَ، وَصاحِبُ الْوَجْهِ الطَّلْقِ بَعِيدٌ عَنِ الْفُحْشِ وَالْمُتَفَحِّشِينَ.
إِنَّ مَنْ يُوَفَّقْ لِعِبادَةِ طَلاقَةِ الْوَجْهِ فَقَدْ فَتَحَ اللهُ لَهُ مِنْ أَبْوابِ الْخَيْرِ الشَّيْءَ الْعَظِيمَ؛ فَقَدْ يَكُونُ سَبَبًا فِي ذَهابِ هُمُومِ وَغُمُومِ مَنْ حَوْلَهُ، قَدْ يُفَرِّجِ اللهُ بِبَشاشَةِ وَجْهِهِ كُرَبَ مَنْ حَوْلَهُ، قَدْ يُبَصِّرُ مَخْدُوعًا فِي حَقِيقَةِ الدُّنْيا، مَهْمُومًا مِنْ أَجْلِها، فَيُنَبِّئُهُ وَجْهُ الْبَشُوشِ أَنَّ السَّعادَةَ لَيْسَتْ بِكَثْرَةِ الْكَدْحِ وَالتَّعَبِ، وَأَنَّ الْجَمالَ جَمَالُ الرُّوحِ، وَالسَّعادَةَ سَعادَةُ الْإِيمانِ، فَيَتَعَلَّمُ حُسْنَ الظَّنِّ بِاللهِ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، قَدْ يُساهِمُ الْبَشُوشُ فِي إِدْخالِ غَيْرِ المسْلِمينَ خاصَّةً مِنَ الْعِمالَةِ فِي دِينِ الْإِسْلامِ بِطَلاقَةِ الْوَجْهِ وَالسَّماحَةِ وَالتَّلَطُّفِ مَعَهُمْ، أَرَأَيْتُمْ عِبادَ اللهِ، كَمْ مِنَ الْخَيْرِ يَكْمُنُ فِي هَذِهِ الْعِبادَةِ الْعَظِيمَةِ؟!
عِبَادَ اللهِ: بَشاشَةُ الْوَجْهِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَصَفَهُمُ اللهُ عزَّ وَجلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:22-23] وَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: 38-39] وَكانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم دَائِمَ الْبِشْرِ طَلْقَ الْوَجْهِ، قالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِاللهِ رضي الله عنه: “ما حَجَبَنِي النبيُّ صلى الله عليه وسلم مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَا رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي” [أخرجه البخاري]، وَقالَ عبدُاللهِ بنُ الحارثِ رضي الله عنه: “مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ تَبَسُّمًا مِنْ رَسُولِ اللهِ” [أخرجه الترمذي، وصححه الألباني].
عِبَادَ اللهِ: وَكانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بَاشَّ الوَجْهِ حَتَّى عِنْدَ الغَضَبِ، فَفِي حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ رضي الله عنه لَمَّا تَخَلَّفَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، يَقُولُ كَعْبٌ: “فَجِئْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ” [متفق عليه].
حُقَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَجْعَلَ عِبادَةَ طَلاقَةِ الْوَجْهِ عادَةً فِي حَياتِهِ؛ فَهِيَ عِبادَةٌ تَعُودُ عَلَى صاحِبِها بِالْخَيْرِ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ. اللَّهُمَّ آمِنْ خَوْفَنَا يَوْمَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَوَفِّقْنَا لِشُكْرِ نِعَمِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ.
أَقُوْلُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾
الحمدُ للهِ الواحِدِ القَهَّارِ، يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَيَخْلُقُ مَا يَشاءُ ويَخْتَارُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ الْحَقُّ الْمُبِينُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَرْسَلَهُ رَحْمَةً للعالمينَ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا أَمَّا بَـعْدُ: فاتَّقُوا اللهَ عِبادَ اللهِ واعلمُوا أنَّ التَّقْوَى خَيْرُ زادٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعالَى: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة:197]، وَأَنَّ لِباسَهَا خَيْرُ لِباسٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعالَى: ﴿وَلِباسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦].
أَيُّها الْمُوَحِّدُونَ: إِذَا كانَتِ طَلَاقَةُ الْوَجْهِ مَطْلُوبَةً مَعَ سَائِرِ النَّاسِ، فَهِيَ مَعَ الْأَبْناءِ وَالْأَهْلِ خَاصَّةً الْوالِدَيْنِ أَوْلَى وأَلْزَمُ، فَاجْعَلُوهَا عَلامَةً لِمَحَبَّتِكُمْ، وَبَابًا لِلْحِوارِ بَيْنَكُمْ، بِهَا تَأْسِرُونَ قُلُوبَهُمْ، وتَحْظَوْنَ بقُرْبِهِم، وتَمْلِكُونَ سِرَّهُمْ.
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الخلفاء الراشدين، وعن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ ومن تبعهم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.
الأسوة والقدوة 23/ 5/ 1447هـ
﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾
إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا، وَسَيِّئاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَاتَّقُوا اللهَ عِبادَ اللهِ، وَعَلَيْكُمْ بِالْجَماعَةِ، فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ مَعَ الْجَماعَةِ، وَمَنْ شَذَّ شَذَّ إِلَى النَّارِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]. أما بعد..الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ لَنَا مِنَ الْأنبيَاءِ والصَّالحِينَ قُدوَةً وَمَثَلًا، وَسُبْحانَ مَنْ جَبَلَ النُّفُوسَ عَلَى الْقُدْوَةِ، فَتَرَى النَّاسَ يُقَلِّدُونَ بَعْضَهُمْ فِي الْخَيرِ أَوِ الشَّرِّ، لَكِنَّ اللهَ أَمَرَنا بِالْقُدْوَةِ فِي الْخَيرِ، فَأَمَرَ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَقْتَدِيَ بِإِخْوَانِهِ مِنَ الْأَنْبِياءِ، فَقَالَ تَعالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90]، ولَمَّا اشْتَدَّ بِهِ صلى الله عليه وسلم البَلاءُ أَمَرَهُ رَبُّهُ بِالصَّبرِ كَإِخْوانِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَقالَ سُبحَانَهُ: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 35]، وَلَقدْ تَحَقَّقَ هَذَا فِي خُلُقِهِ صلى الله عليه وسلم ، فَفِي يَوْمِ حُنَيْنٍ أَعْطَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَشْرَافَ الْعَرَبِ مِنَ الْغَنائِمِ يَتَأَلَّفُ قُلُوبَهُمْ، فَقَالَ رَجُلٌ: وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ القِسْمَةَ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ، فَلَمَّا أُخْبِرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يَعْدِلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ»[متفق عليه]، وَقَدْ جَعَلَ اللهُ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم قُدْوَةً لَنا، قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:21]، أَيْ يا مَعْشَرَ الموَحِّدِينَ عَلَيْكُمْ بِالِاقْتِداءِ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي خُلُقِهِ، وَاجْتِهادِهِ فِي الْعِبادَةِ، وَصَبْرِهِ وَمُصَابَرَتِهِ، وَمُرَابَطَتِهِ، وَانْتِظَارِهِ الْفَرَجَ مِنْ رَبِّهِ عز وجل؛ فَالقُدْوَةُ الْحَسَنَةُ تَأْخُذُ بِيَدِ الْإِنْسانِ إِلَى المعالِي، وَتُبْعِدُهُ عَنِ سَفاسِفِ الْأُمُورِ.
أَيُّها المؤمِنونَ: إِنَّ مِنْ أَهَمِّ وَسَائِلِ التَّرْبِيَةِ الصَّحِيحَةِ التَّربِيَةَ بِالْقُدْوَةِ؛ فَإِنَّ الْأَفْعَالَ أَكْثَرُ تَأْثِيرًا مِنَ الْأَقْوالِ وَالتَّوْجِيهاتِ، فَالطِّفْلُ يَتَعَلَّمُ مِنْ وَالِدَيْهِ وَمُعَلِّمِهِ بِنَظَرِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمَ بِأُذُنَيْهِ، فَيَبْدَأُ بِتَقْلِيدِهِما فِي الْحَرَكَاتِ، أَوْصَى أَحَدُ السَّلَفِ مُعَلِّمَ وَلَدِهِ قَائِلًا: “لِيَكُنْ أَوَّلَ إِصْلاحِكَ لِوَلَدِي إِصْلاحُكَ لِنَفْسِكَ، فَإِنَّ عُيُونَهُ مَعْقُودَةٌ بِعَينِكَ، فَالْحَسَنُ عِنْدَهُ ما صَنَعْتَ، وَالْقَبِيحُ عِنْدَهُ ما تَرَكْتَ”، فَالْأَبْناءُ عُيُونُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ عَلَى مَحَلِّ اهْتِمامِ وَالِدِيهِمْ، فَعِنْدَما يَرَوْنَ أَباهُمْ يَسْتَعِدُّ لِلصَّلاةِ قَبْلَ الْأَذانِ، أَوْ أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ سَماعِهِ الْأَذانَ تَرَكَ ما فِي يَدِهِ وَذَهَبَ يَتَوَضَّأُ، وَيَرَوْنَهُ يُكْرِمُ ضَيْفَهُ، وَيَفْزَعُ لِجارِهِ، فَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ أَسْبابِ صَلاحِهِمْ، وَالْبَناتُ اللَّاتِي يُشاهِدْنَ الْأُمَّ تُحافِظُ عَلَى صَلاتِها، وَتُطِيعُ زَوْجَها، وَتُكْرِمُ جِيرانَها، فَسَيَنْشَأْنَ عَلَى هَذِهِ الصِّفاتِ الْحَمِيدَةِ؛ لِهَذَا كانَ نَبِيُّنا صلى الله عليه وسلم حَرِيصًا عَلَى هَذَا الأُسلُوبِ منَ التَّرْبِيةِ، حتَّى نشَّأَ جِيلًا من الصَّحَابَةِ كالنُّجُومِ وَسْطَ الظَّلامِ، اقْتَدَتْ بِأَخْلاقِهِمُ الْأُمَمُ؛ وَمِنَ السَّهْلِ عَلَى النَّاسِ الْكَلامُ عنِ الْمُثُلِ الْعُلْيَا، لكنَّهُم لاَ يسْتَطِيعُونَ أَنْ يَعِيشُوهَا. قَامَ أعرابيُّ يَبُولُ فِي مَسْجِدِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَثَارَ إلَيْهِ النَّاسُ ليَقَعُوا به، فَقالَ لهمْ صلى الله عليه وسلم: «دَعُوهُ، وأَهْرِيقُوا علَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِن مَاءٍ -أوْ سَجْلًا مِن مَاءٍ- فإنَّما بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ ولَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» وَفِي رِوايَةِ مُسْلِمٍ أَنَّ الرَّسُولَ قالَ لِلْأَعْرابِيِّ: «إنَّ هذِه المساجِدَ لا تَصْلُحُ لِشيءٍ مِن هَذا البَوْلِ، ولا القَذَرِ إنَّما هي لِذِكْرِ اللهِ عزَّ وجلَّ، والصَّلاةِ وقِراءَةِ القُرْآنِ»، وَكانَ صلى الله عليه وسلم يمشِي يُسَلِّمُ علَى الصِّبْيَانِ، ويسْتَمِعُ للإِمَاءِ؛ مَرَّ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله عنه عَلَى صِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُهُ، [متفق عليه]، قالَ أَنَسٍ رضي الله عنه: «إِنْ كَانَتِ الْأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ المدِينَةِ، لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ»، وَقامَ صلى الله عليه وسلم يَحْفِرُ مَعَ أَصْحابِهِ رضي الله عنهم فِي الْخَنْدَقِ وَيَحْمِلُ عَلَى عاتِقِهِ الشَّرِيفِ التُّرابَ، وَ«كانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ» [أخرجه البخاري: 4837]، وَسُئِلَتْ أُمُّنا عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْها: ما كانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قالَتْ: «كانَ يَكونُ في مِهْنَةِ أهْلِهِ- تَعْنِي خِدْمَةَ أهْلِهِ- فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إلى الصَّلَاةِ» [أخرجه البخاري: 676]، وَفِي رِوايَةٍ: قالَتْ: «كانَ يَخِيطُ ثَوْبَهُ، وَيَخْصِفُ نَعْلَهُ».
عِبادَ اللهِ: لَقَدِ الْتَزَمَ الصَّحَابةُ رضي الله عنهم بِكُلِّ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ مِنَ السُّنَّةِ الْقَوْلِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ وَالتَّقْرِيرِيَّةِ، فَقَدْ كانَتْ عُيُونُهُمْ وَآذانُهُمْ عَلَى كُلِّ ما يَصْدُرُ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم فَما أَعْظَمَها مِنْ قُدْوَةٍ، كانُوا يَتَسابَقُونَ فِي فِعْلِ الخَيْراتِ، وَالتَّمَسُّكِ بِالسُّنَّةِ، لقدْ تَرَبَّوا فِي مَدْرَسَةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فَكانُوا خَيْرَ مِثالٍ لِأَبْنائِهِمْ، فَفِي مَعْرَكَةِ بَدْرٍ قَالَ صلى الله عليه وسلم لِأَصْحابِهِ: «قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ» فقَالَ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الْأَنْصَارِيُّ: “يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ؟” قَالَ: «نَعَمْ»، فَقَالَ: “بَخٍ بَخٍ”، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ بَخٍ بَخٍ»، قَالَ: “لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِلَّا رَجَاءَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا”، قَالَ: «فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا» فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ، ثُمَّ قَالَ: “لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ، إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ”، فَرَمَى بها، وَقَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ، وَإِنَّما أَرادَ صلى الله عليه وسلم مِنْ سُؤَالِهِ لِعُمَيْرٍ أَنْ يَسْتَوْثِقَ مِنْ إِخْلاصِهِ فِي طَلَبِ الشَّهادَةِ، وَيُبَشِّرَهُ بِالشَّهادَةِ وَالْجَنَّةِ.
وَيَنْشَأُ نَاشِئُ الْفِتْيَانِ مِنَّا *** عَلَى مَا كَانَ عَوَّدَهُ أَبُوهُ
عِبادَ اللهِ: القُدْوَةُ الحَسَنَةُ، لا بُدَّ أَنْ يَتَّصِفَ بِالْإِخْلاصِ، وَالِالْتِزامِ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَمُوافَقَةِ الْعَمَلِ الْقَوْلَ، وَعُلُوِّ الْهِمَّةِ، وَالتَّحَلِّي بِالْأَخْلاقِ الْحَمِيدَةِ، كَالْحِلْمِ وَالصَّبْرِ وَالصِّدْقِ، وَالشَّجاعَةِ وَالْوَفاءِ، وَالْحِكْمَةِ وَالْعَدْلِ، وَإِنَّ واقِعَ الممْلَكَةِ وَتارِيِخَها -بِفَضْلِ اللهِ سُبْحانَهُ- مَلِيءٌ بِالْقُدْواتِ الصَّالِحَةِ فِي شَتَّى المجالاتِ، الْعِلْمِيَّةِ، والِاجْتِماعِيَّةِ، وَالدِّينِيَّةِ، وَالصِّحِّيَّةِ، وَالِاقْتِصادِيَّةِ، وَغَيْرِها، فَوَجَبَ عَلَيْنا إِبْرازُ وَتَقْدِيمُ هَذِهِ النَّماذِجِ؛ لِيَكُونُوا -بِإِذْنِ اللهِ تعالَى- بُناةَ خَيْرٍ لِأُسَرِهِمْ وَمُجْتَمَعِهِمْ، اللَّهُمَّ آمِنْ خَوْفَنَا يَوْمَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَوَفِّقْنَا لِشُكْرِ نِعَمِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ.
أَقُوْلُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾
الْحَمْدُ للهِ الذِي جَعلَ لنَا مِنَ الأنبيَاءِ والصَّالحِينَ قُدوَةً وَمَثَلاً، وَأَشهَدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ يُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ بفضلِهِ، ويُذِلُّ مَن يشَاءُ بِعدْلِهِ، وأشْهدُ أنَّ محمَّدًا عَبدُهُ ورسُولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ… أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ -عِبادَ اللهِ- فَإِنَّ تَقْوَى اللهِ نَجَاةٌ، والخَوفَ مِنهُ أَمَانٌ، قالَ تَعالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119].
واعْلَمُوا أَنَّ أَبْنَاَءَنَا أمَانَةٌ فِي أعنَاقِنَا، يَجِبُ عَليْنَا أَنْ نَكُونَ قُدْواتٍ حَسَنَةً، وَأَمْثِلَةً صالِحَةً لَهُمْ، وَلِكُلِّ مَنْ حَوْلَنا؛ فَلِكُلِّ مَنْ دَلَّ النَّاسَ إِلَى الْخَيْرِ أَجْرُهُ، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَذا الْخَيْرِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، يَجِدُ ذَلِكَ فِي مَوازِينِ حَسَناتِهِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «مَن دَعا إلى هُدًى، كانَ له مِنَ الأجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَن تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَن دَعا إِلَى ضَلالَةٍ، كانَ عَلَيْهِ مِنَ الإثْمِ مِثْلُ آثامِ مَن تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلكَ مِن آثامِهِمْ شيئًا» [أخرجه مسلم: 2674]، وَالْقُدْوَةُ لا تُفِيدُ الْمُقْتَدِي فَقَطْ، بَلْ تُفِيدُ الْمُقْتَدَى بِهِ، فَتَجْعَلُهُ فِي ارْتِقاءٍ دَائِمٍ حَتَّى يَصِلَ إِلَى مَكانَةٍ رَفِيعَةٍ بَيْنَ النَّاسِ.
اِعْلَمْ يا رَعاكَ اللهُ: أَنَّ كُلَّ مَنْ حَوْلَكَ يُقَلِّدُونَكَ، فَكُنْ قُدْوَةً صالِحَةً لَهُمْ رَفِيقًا بِهِمْ، خاصَّةً مَعَ الضُّعَفاءِ، وَمَنْ هُمْ أَدْنَى مِنْكَ، وَضَعْ نَصَبَ عَيْنَيْكَ: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:159] فَاجْعَلْ أَفْعالَكَ وَتَصَرُّفاتِكَ أَداةَ بِناءٍ لِمَنْ حَوْلَكَ، وعَلَى الْوالِدَيْنِ والْمُعَلِّمِينَ أَنْ يَكُونَوا في مُقَدِّمَةِ صُفُوفِ الْقُدْوَةِ الْحَسَنَةِ؛ لِأَنَّ النَاشِئَةَ الصِّغَارِ أَكْثَرُ ما يَتَأَثَّرُونَ بِأَخْلاقِهِمْ وَأَفْعالِهِمْ قَبْلَ أَقْوالِهمْ وَتَنْبِيهَاتِهمْ، فَلْيَكُونُوا كَالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فقَدْ كَانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، كَانَ قُرْآنًا يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ.
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الخلفاء الراشدين، وعن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ ومن تبعهم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.
﴿خُطْبَةُ الاسْتِسْقَاءِ﴾ 22/ 5/ 1447هـ
الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُه وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا، وَسَيِّئاتِ أَعْمالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾[النساء:1] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾[آل عمران:102] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾[الأحزاب:70، 71 ].
أَمَّا بَعْدُ عِبَادَ اللهِ: فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى، وَأَنِيبُوا إِلَيْهِ، فَإِنَّكُمْ مَا خَرَجْتُمْ لِهَذِهِ الصَّلَاةِ الْعَظِيمَةِ، إِلَّا لِتُظْهِرُوا فَاقَتَكُمْ، وَتَطْلُبُوا السُّقْيَا مِنْ رَبِّكُمْ، وَتَتُوبُوا مِنْ ذُنُوبِكُمْ، فَأَكْثِرُوا مِنَ الِاسْتِغْفَارِ، فَإِنَّهُ سَبَبٌ لِنُزُولِ الْقَطْرِ مِنَ السَّمَاءِ، ﴿وَيَقَومِ ٱستَغفِرُواْ رَبَّكُم ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيهِ يُرسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيكُم مِّدرَارا وَيَزِدكُم قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُم وَلَا تَتَوَلَّواْ مُجرِمِينَ﴾[هود:52]، وَعَظِّمُوا رَبَّكُمْ.. وَأَكْثِروا مِنَ الْأَعْمالِ الصَّالِحَةِ الَّتِي تُقَرِّبُكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ يُغِثْ قُلُوبَكُمْ بِالإِيمَانِ وَيُحَبِّبْ إِلَيْكُمُ الطَّاعَاتِ، وَيُغِثْ بِلاَدَكُمْ بِالأَمطَارِ وَالخَيرَات، ﴿فَقُلتُ ٱستَغفِرُواْ رَبَّكُم إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارًا يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارًا وَيُمۡدِدۡكُم بِأَمۡوَٰلٍ وَبَنِينَ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ جَنَّٰتٍ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ أَنۡهَٰرًا﴾[نوح:10- 12].
أَيُّهَا المُؤْمِنُوْنَ: مَنْ عَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا رَحِيمًا كَرِيمًا، وَأَرَادَ الْغَوْثَ الْحِسِّيَ بِالمطَرِ وَالْبَرَكَةِ وَالمعْنَوِيَّ بِالْهُدَى وَالْإِيمانِ، فَلْيَلْجَأْ إِلَى اللهِ عز وجل فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ، يَدْعُوهُ وَيَتَوَسَّلُ إلَيهِ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِي سَيَدۡخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾[غافر:60]. الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ يُحَافِظُون عَلَى صَلاَتِهِمْ مَعَ جَمَاعَةِ المسْلِمِيْنَ، ويَحْذَرُون الوَعِيْدَ الشَّدِيدَ مِنَ اللهِ لِمَنْ فَرَّطَ فِي هَذِهِ العِبَادِةِ وَالرُّكْنِ العَظَيْمِ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِۖ فَسَوۡفَ يَلۡقَوۡنَ غَيًّا﴾[مريم:95]. الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، يُكْثِرونَ مِنَ الِاسْتِغْفارِ وَالتَّوْبَةِ، وَإِنْ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾[الزمر:53]..
الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، يَصِلُونَ أَرْحَامَهُمْ، فَصِلَةُ الرَّحِمِ جَعَلَهَا اللهُ سَبَبًا شَرْعِيًّا لِبَسْطِ الرِّزْقِ وَسَعَتِهِ، يَقُولُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: »مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ« مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
عِبَادَ اللهِ: الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، يَحْفَظُونَ حُقُوقَ إِخْوانِهِمْ فِي غَيْبَتِهِمْ، وَيُدافِعُونَ عَنْهُمْ، ويَتَرَفَّعُونَ عَنِ الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ، وَيَعْلَمُوَنَ أَنَّهَا هِيَ الْحَالِقَةُ لِهَذِهِ الطَّاعَاتِ، فَهُمْ لَا يَغْتَابُونَ غَيْرَهُمْ، وَلَا يَخُوضُونَ فِي أَعْراضِ النَّاسِ، وَلَا يَنُمُّونَ، والَّذِينَ يُرِيدُونَ الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، يَأْكُلُونَ الْحَلالَ الطَّيِّبَ، وَيَتَرَفَّعُونَ عَنْ أَكْلِ الْحَرامِ، وَيُعْطُونَ الْأَجِيرَ حَقَّهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ﴾[البقرة: 188، والنساء:29].
أَيُّهَا المُؤْمِنُوْنَ: الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ يُتَاجِرُونَ مَعَ اللهِ بِإِطْعامِ الطَّعامِ، وَصِلَةِ الْأَرْحامِ، وَالتطوع بالصِّيامِ، وَالدُّعاءِ وَالصَّلاةِ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيامٌ، وَيَبْتَعِدُونَ عَنْ أَكَلَ الحَرَامَ أوَ لَبِسَهُ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: »إنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ﴾، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ! يَا رَبِّ! وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لَهُ؟« [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]، فَلاَ قَبُوْلَ إِلاَّ بِإِصْلاَحِ المظْهَرِ وَالمخْبَرِ، وَأَطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ.
عِبَادَ اللهِ: اقْتَدُوا بِسُنَّةِ نَبِيِّكُمْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَقَدْ كَانَ يَقْلِبُ رِدَاءَهُ حِينَ يَسْتَسْقِي، تَفَاؤُلًا بِقَلْبِ حَالِ الشِّدَّةِ إِلَى الرَّخَاءِ، وَالْقَحْطِ إِلَى الْغَيْثِ، وَادْعُوا اللهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ وَأَلِحُّوا فِي الْمَسْأَلَةِ، وَأَكْثِرُوا مِنَ الِاسْتِغْفَارِ وَالصَّدَقَةِ، عَسَى رَبُّنَا أَنْ يَرْحَمَنَا.
فَاللَّهُمَّ أَنْتَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ الْغَنِيُّ وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ، أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ. اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثَا هَنِيئًا مَرِيعًا مَرِيئًا، غَدَقًا مُجَلِّلًا عَامًّا، نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ، عَاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ، اللَّهُمَّ لِتُحْيِيَ بِهِ الْبِلَادَ، وَتُغِيثَ بِهِ الْعِبَادَ، وَتَجْعَلَهُ بَلَاغًا لِلْحَاضِرِ وَالْبَادِ، اللَّهُمَّ سُقْيَا رَحْمَةٍ لَا سُقْيَا عَذَابٍ، وَلَا هَدْمٍ، وَلَا بَلَاءٍ، وَلَا غَرَقٍ، يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ. اللَّهُمَّ اسْقِ عِبَادَكَ وَبِلَادَكَ وَبَهَائِمَكَ، وَانْشُرْ رَحْمَتَكَ، وَأَحْيِ بَلَدَكَ الْمَيِّتَ؛ اللَّهُمَّ وَأَدِرَّ لَنَا الضَّرْعَ، وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِكَ، وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْتَهُ عَلَيْنَا قُوَّةً لَنَا عَلَى طَاعَتِكَ وَبَلَاغًا إِلَى حِينٍ، اللَّهُمَّ إِنَّا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِكَ فَلَا تَمْنَعْ عَنَّا بِذُنُوبِنَا فَضْلَكَ، يَا حَيُّ يَا قَيُّوْمُ. اللَّهُمَّ اكْشِفْ عَنَّا مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَا يَكْشُفُهُ إِلَّا أَنْتَ، اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْأَطْفَالَ الرُّضَّعَ، وَالْبَهَائِمَ الرُّتَّعَ، وَالشُّيُوخَ الرُّكَّعَ، وَارْحَمِ الْخَلَائِقَ أَجْمَعِينَ. اللَّهُمَّ أَرْسِلْ لَنَا سَحَابًا ثِقَالًا، وَأَنْزِلْ لَنَا مَطَرًا مِدْرَارًا، وَأَخْرِجْ لَنَا حَبًّا وَنَبَاتًا، وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا، يَا ذَا الجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.
تأملات في خواتيم سورة المؤمنون
﴿الخُطْبَةُ الْأُوْلَى﴾ 16/5/1447هـ
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الْمَلِكُ العَلَّامُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيِّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُه صلى الله عليه وسلم، أَرْسَلَهُ رَبُّهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الحَقِّ؛ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَيُقِيمَ بِهِ الْحَقَّ بَيْنَ الْخَلْقِ، أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى حَقَّ التَّقْوَى، وَاسْتَمْسِكُوا مِنَ الإسْلامِ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102] فَلَا سَعَادَةَ لَلْخَلْقِ، إِلَّا فِي تَوْحِيْدِ رَبِّهَم وطَاعَتِهِ، وَاجْتِنَابِ مَعْصِيَتِهِ.
عِبَادَ اللهِ: ما أَعْظَمَ الْوَصايا فِي كَلامِ رَبِّنا عز وجل، وَلَنا وَقْفَةٌ مَعَ أَواخِرِ سُورَةِ المؤْمِنُونَ، يَقُولُ عز وجل: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: 97–98]. يُرْشِدُنا رَبُّنا سُبْحانَهُ أَنْ نَتَعامَلَ مَعَ شَيْطَانِ الْإِنْسِ بِاللِّينِ، وَالْعَفْوِ، وَالْإِعْرَاضِ عَنْ جَهْلِهِ وَإِسَاءَتِهِ، قالَ تَعالَى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون:96]، وَقالَ عز وجل: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] ، وَعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها قَالَتْ: اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «ائْذَنُوا لَهُ، بِئْسَ أَخُو العَشِيرَةِ، أَوِ ابْنُ العَشِيرَةِ» فَلَمَّا دَخَلَ أَلَانَ لَهُ الكَلَامَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْتَ الَّذِي قُلْتَ، ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ الكَلَامَ؟ قَالَ: «أَيْ عَائِشَةُ، إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ، أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ، اتِّقَاءَ فُحْشِهِ» [البخاري] أَمَّا شَيْطَانُ الْجِنِّ لَا مَنْجَى مِنْهُ إِلَّا بِالِاسْتِعَاذَةِ بِاللَّهِ، قالَ تَعالَى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: 200]، وَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون:97، ٩٨] ، ثُمَّ قالَ تَعالَى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: 99–100]. الْكَافِرُ وَالْمُفَرِّطُ فِي عَمَلِ الْخَيْرِ يَطْلُبانِ الرَّجْعَةَ إِلَى الْحَيَاةِ، لِيَعْمَلَا صالِحًا يُدْخِلُهُمَا الْجَنَّةَ، وَيَتَدَارَكَا بِهِ مَا سَلَفَ مِنْهُمَا مِنَ الْكُفْرِ وَالتَّفْرِيطِ، وَلَكِنَّهُمَا لَا يُجَابَانِ، وَ﴿كَلَّا﴾ للزَّجْرِ وَالرَّدْعِ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالَى: ﴿فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: 10]؛ فَتَأَمَّلْ رَدَّ اللهِ سُبْحانَهُ عَلَى الْكَافِرِ وَالمفَرِّطِ: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: 100]. ثُمَّ قالَ تَعالَى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: 101]. انْقَطَعَتْ آثَارُ الْأَنْسابِ الَّتِي كَانَتْ للتَّفَاخُرِ بِالْآبَاءِ، وَالنَّفْعِ وَالْعَوَاطِفِ وَالصِّلَاتِ، فَكُلُّ إِنْسَانٍ لَا يَهَمُّهُ إِلَّا نَفْسَهُ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: 37]. لَمَّا أُنْزِلَتْ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] قالَ صلى الله عليه وسلم: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللهِ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ، سَلِينِي بِمَا شِئْتِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا» [مسلم: 206/ 351]، فَيَوْمَ القيامَةِ لا يَنْفَعُ الْإِنْسانَ إِلَّا عَمَلُهُ، يَغْفِرُ اللهُ مِنْ حَقِّهِ مَا شَاءَ، وَلَا يَغْفِرُ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ شَيْئًا ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: 102–104]. تَحْرِقُ النَّارُ وُجُوهَهُمْ إِحْرَاقًا شَدِيدًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [الأحزاب: ٦٦] ، وَقَوْلِهِ عز وجل: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [النمل: ٩٠]، وَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠] ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤]، الْكَالِحُ: الَّذِي تَقَلَّصَتْ شَفَتَاهُ حَتَّى بَدَتْ أَسْنَانُهُ، فَالنَّارُ -وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ- تَحْرِقُ شِفَاهَهُمْ، حَتَّى تَتَقَلَّصَ عَنْ أَسْنَانِهِمْ، كَمَا يُشَاهَدُ فِي رَأْسِ الشَّاةِ الْمَشْوِيِّ، ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: 105–108]. لَقَدْ كَذَّبْتُمْ بآياتِ اللهِ وَرُسُلِ اللهِ، وَهَذَا اعْتِرافُكُمْ: ﴿وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ اعْتِرَافٌ حَيْثُ لَا يَنْفَعُ الِاعْتِرَافُ بِالذَّنْبِ وَلَا النَّدَمُ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١١]، فَفَوْقَ تَقَلُّبِهِمْ فِي النَّارِ هُناكَ الْعَذابُ النَّفْسِيُّ بِسُؤالِهِمْ وَتَبْكِيتِهِمْ؛ فَيُصِيبُهُمُ الخِزْيُ وَالمذَلَّةُ وَالْغَمُّ. يَقُولُ اللهُ عز وجل: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّىٰ أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون: 109–111]. بِسَبَبِ اسْتِهْزَائِهِمْ وَسُخْرِيَتِهِمْ مِنْ ضُعَفَاءِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا، يَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُمْ بِما يُطَيِّبُ بِهِ قُلُوبَ أَوْلِيائِهِ، فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، قالَ أَحَدُ المنافِقِينَ: ما نَرَى قُرَّاءَنا هَؤُلاءِ إِلَّا أَرْغَبَ بُطُونًا، وَأَجْبَنَ عِنْدَ اللِّقاءِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالَى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَلَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: 65–66]
ثُمَّ يُقِيمُ اللهُ الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ، قالَ تَعالَى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: 112–114]. أَهْوالُ الْقِيامَةِ أَذْهَلَتْ عُقُولَهُمْ عَنْ مُدَّةِ مُكْثِهِمْ فِي الدُّنْيا، فَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾، وَفَرِيقٌ يُقْسِمُ: ﴿مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ وَيَتَهامَسُ آخَرُونَ: ﴿إِنْ لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا عَشۡرًا﴾، وَيُصَدِّقُهُمُ اللهُ فِيما قالوا؛ لِأَنَّ مُدَّةَ مُكْثِهِمْ فِي الدُّنْيَا قَلِيلَةٌ جِدًّا، بِالنِّسْبَةِ إِلَى طُولِ الآخِرَةِ، يَوْمَ يُنادِي المنادِي: «يَا أَهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ» [متفق عليه]، فَيالَيْتَهُمْ صَدَّقُوا كلامَ رَبِّهِمْ، وَاتَّبَعُوا رُسُلَهُ، وَأَنَّ الدُّنْيا مَمَرٌّ، وَأَنَّهُمْ خُلِقُوا لِغَايَةٍ عَظِيمَةٍ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]. وَقَدْ أَخْبَرَنا نَبِيُّنا صلى الله عليه وسلم أَنَّ أَعْمارَ أُمّتِهِ بَيْنَ السِّتِّينَ وَالسَّبْعِينَ، وَأَنَّ الموتَ يَأْتِي فَجْأَةً، وَأَوْصانا بِالتَّزَوُّدِ لِلْآخِرَةِ.
سُبْحانَهُ وَتَعالَى لَمْ يَخْلُقْ عَبَثًا وَلَا باطِلًا، قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا بَٰطِلًاۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ فَوَيۡلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ﴾[ص: 27]، فَلَا بُدَّ لِلْخَلْقِ مِنَ الْعَوْدَةِ إِلَى رَبِّهِمْ: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ أَظْنَنْتُمْ أَنَّا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا لَا لِحِكْمَةٍ، وَأَنَّكُمْ لَا تُرْجَعُونَ إِلَيْنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِمُحاسَبَتِكُمْ؟ ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ أَيْ: تَعَاظَمَ وَتَقَدَّسَ، وَتَنَزَّهَ عَنْ كُلِّ مَا لَا يَلِيقُ بِكَمَالِهِ وَجَلَالِهِ، وَمِنْهُ خَلْقُكُمْ عَبَثًا، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا. جَعَلَنِي اللهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ.
أَقُوْلُ مَا تَسْمَعُونَ.. وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيْمُ.
﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيةُ﴾
الْحَمْدُ للهِ حَمْدَ الشَّاكِرِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، خَيْرُ خَلْقِ اللهِ أَجْمَعِينَ، وَرَضِيَ اللهُ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ: عِبَادَ اللهِ: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ أَعْظَمُ الْكَافِرِينَ كُفْرًا هُوَ مَنْ يَدْعُو مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، لَا دَلِيلَ لَهُ بِهِ، فَهَذا مُؤَكَّدٌ هَلَاكُهُ، وَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فالْبَرَاهِينُ الْقَطْعِيَّةُ الْمُتَوَاتِرَةُ، دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ اللهَ هُوَ الْمَعْبُودُ وَحْدَهُ عز وجل، وَقَدْ حَذَّرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنَ الشِّرْكِ فِي آيَاتٍ وَأَحادِيثَ كَثِيرَةٍ، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ﴾ [النساء: 48]، وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ» [البخاري: 129]، ثُمَّ تُخْتَمُ السُّورَةُ الْكَريمةُ بِقَوْلِهِ تَعالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: 115–118]. فالَّذِينَ كَانُوا يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ مُوَفَّقُونَ فِي دُعَائِهِمْ؛ لِذَلك أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَأَمَرَ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَدْعُوَ بِهِ؛ لِتَقْتَدِيَ بِهِ أُمَّتُهُ فِي ذَلِكَ، والْمَغْفِرَةُ: سَتْرُ الذُّنُوبِ بِعَفْوِ اللَّهِ وَحِلْمِهِ، فَلا يَتَضَرَّرُ بِها صَاحِبُهَا، وَالرَّحْمَةُ صِفَةُ اللَّهِ فهو سُبْحانَهُ الرَّحْمَنُ، والرَّحِيمُ صِفَةٌ تَظْهَرُ آثَارُهَا فِي خَلْقِهِ، وقَوْلِهِ: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾؛ لِأَنَّ الْمَخْلُوقِينَ قَدْ يَرْحَمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَلَا شَكَّ أَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ تَخْتَلِفُ عَنْ رَحْمَةِ خَلْقِهِ، كاخْتِلافِ ذَاتِهِ وَسَائِرِ صِفَاتِهِ سُبْحانَهُ عَنْ ذَوَاتِهِمْ وَصِفَاتِهِمْ.
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الخلفاء الراشدين، وعن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ ومن تبعهم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أنت الله لا إله إلا أنت، الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيثَ، واجعل ما أنزلتَ لنا قوة وبلاغًا إلى حين، اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثاً مُغِيثاً مَرِيئاً مَرِيعاً، نَافِعاً، غَيْرَ ضَارٍّ، عَاجِلاً غَيْرَ آجِلٍ، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.
سلسلة حقوق المسلم – حق السلام
﴿الخُطْبَةُ الْأُوْلَى﴾ 2/5/1447هـ
الْحَمْدُ للهِ الحَقِّ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ، أَقامَ الْحُقُوقَ وَجَعَلَ لَها فِي الدِّينِ شَأْنًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الْمَلِكُ العَلَّامُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيِّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُه صلى الله عليه وسلم، أَرْسَلَهُ رَبُّهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الحَقِّ؛ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَيُقِيمَ بِهِ الْحَقَّ بَيْنَ الْخَلْقِ، أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى مَعْشَرَ المؤْمِنِينَ، ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة: 281] وَامْتَثِلُوا أَوَامِرَ رَبِّكُمْ، وَاجْتَنِبُوا نَوَاهِيَهُ، وَاحْذَرُوا الْهَوَى وَدَوَاعِيَهُ، فَلَا رَاحَةَ لِلنَّفْسِ، وَلَا سَعَادَةَ لَهَا، إِلَّا فِي تَوْحِيْدِ رَبِّهَا وطَاعَتِهِ، وَاجْتِنَابِ مَعْصِيَتِهِ.
عِبَادَ اللهِ: الْحَمْدُ للهِ ارْتَضَى لَنا الْإِسْلامَ دِينًا، فَجَعَلَ حُقُوقَهُ عَلَى عِبادِهِ، مِنْ عِباداتٍ بَدَنِيَّةٍ كَالصَّلاةِ وَالصَّيامِ، وَمالِيَّةٍ كَالصَّدَقَةِ، وَقَلْبِيَّةٍ كَالمحَبَّةِ وَالْإِنابَةِ، مَبْنِيَّةً عَلَى المسامَحَةِ وَالصَّفْحِ وَالتَّجاوُزِ، فَإِنَّ اسْتِغْفارَ الْعَبْدِ وَتَوْبَتَهُ تَمْحُو خَطاياهُ، وَإِنْ بَلَغَتْ عَنانَ السَّماءِ، أَمَّا حُقُوقُ الْعِبادِ فِيما بَيْنَهُمْ فَبُنِيَتْ عَلَى الْمُشاحَّةِ، فَلا بُدَّ أَنْ يَعْفُوَ المظلُومُ أَوْ يُوَفَّى حَقَّهُ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «أَتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟» قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، قال صلى الله عليه وسلم: «الْمُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ بِصَلَاتِهِ وَصِيَامِهِ وَزَكَاتِهِ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا فَيَقْعُدُ، فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ، قَبْلَ أَنْ يُقْتَصّ مَا عَلَيْهِ مِنَ الخَطَايَا، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» [أخرجه مسلم: 2581]، وَمِنْ حُقُوقِ المسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «حقُّ المسْلِمِ عَلَى المسْلِمِ سِتٌّ: إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَشَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا ماتَ فَاتْبَعْهُ»[رواه مسلم: 2162]. وَنَبْدَأُ الْيَومَ مَعَ الْحَقِّ الْأَوَّلِ، وَهُوَ السَّلامُ، وَلِأَهَمِّيَّتِهِ بَدَأَ الْحَدِيثُ بِهِ؛ لِأَنَّ دِينَنا دِينُ السَّلَامِ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِلَى جَمِيْعِ الأَنَامِ، وَقَدْ عَمَّقَ الْإِسْلَامُ مَبْدَأَ السَّلام فِي نُفُوسِ المسْلِمِينَ، فَغَدَا السَّلَامُ لَهُمْ شِعَارًا، كَيْفَ لَا ونَبِيُّنَا صلى الله عليه وسلم جَاءَ سَلَامًا وَرَحْمَةً لِلْبَشَرِيَّةِ لِإِنْقَاذِهَا وَإِخْرَاجِهَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ؟
أَيُّهَا المسْلِمُونَ: السَّلَامُ مُشْتَقٌّ مِنْ صِفَةِ اللهِ وَاسْمِهِ الْكِريْمِ السَّلَامِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ﴾[سورة الحشر: 22]. وَقَدْ وَرَدَ لَفْظُ السَّلَامِ وَمَا اشْتُقَّ مِنْهُ فِي كِتَابِ اللهِ فِي أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ آيَةً، وَجَاءَ بِمعَانٍ كَثِيرَةٍ، مِنْهَا الثَّنَاءُ الجَمِيلُ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [سورة الصافات:181] وَبِمَعْنَى السَّلَامَةِ مِنْ كُلِّ شَرٍّ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ۖ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾[سورة ق: 34] وَدَارُ السَّلَامِ هِيَ الْجَنَّةُ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِندَ رَبِّهِمْ ۖ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[سورة الأنعام: 127]. وَتَحِيَّةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ السَّلَامَ، وَمَعْنَى تَحِيَّةِ السَّلَامِ الدُّعَاءُ بِالسَّلَامَةِ مِنْ كُلِّ آفَةٍ، فَإِذَا قُلْتَ لِشَخْصٍ: السِّلَامُ عَلَيْكَ، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّكَ تَدْعُو لَهُ بِأَنَّ اللهَ يُسَلِّمَهُ مِنْ كُلِّ آفَةٍ: يُسَلِّمُهُ مِنْ أَمْراضِ الْأَبْدانِ وَالْقُلُوبِ، يُسَلِّمُهُ مِنْ شَرِّ النَّاسِ، يُسَلِّمُهُ مِنَ المعَاصِي، يُسَلِّمُهُ مِنَ النَّارِ، فَهُوَ لَفْظٌ عَامٌّ، مَعْنَاهُ الدُّعَاءِ لِلْمُسَلَّمِ بِالسَّلَامَةِ مِنْ كُلِّ شَرٍّ، وَالْغَنِيمَةِ مِنْ كُلِّ بِرٍّ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: “وَمَعْنَى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: سَلَّمَكُمُ اللهُ فِي دِينِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ”، وَنَقَلَ ابْنُ حَجَرٍ عن القاضي عِيَاضٍ -رَحِمَهُمَا اللهُ- أَنَّ مَعْنَى (سَلَامُ اللهِ عَلَيْكَ) أَيْ: “كَلَاءَةُ اللهِ عَلَيْكَ وَحِفْظُهُ؛ كَمَا يُقَالُ: اللهُ مَعَكَ وَمُصَاحِبُكَ”.
عِبَادَ اللهِ: السَّلَامُ تَحِيَّةُ المؤْمِنِينَ فِي الْآخِرَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ ۚ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾[سورة الأحزاب:44]، وَهُوَ تَحِيَّتُهُمْ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ ذَلِكَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾[سورة النور: 61] وَقَدْ حَثَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى إِفْشَاءِ السَّلَامِ بَيْنَ المسْلِمِينَ، فَجَعَلَ أَوَّلَ ما يَحْدُثُ عِنْدَ اللِّقاءِ السَّلامَ، فَإِلْقاءُ السَّلامِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَماءِ، مِنْهُمْ سَماحَةُ الشَّيْخِ ابْنِ بازٍ -رَحِمَهُ اللهُ- إِلَى وُجُوبِهِ؛ أَخْذًا بِظاهِرِ الْحدِيثِ «إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ»، فَهُوَ أَمْرٌ يُفِيدُ الْوُجُوبَ، أَمّا رَدُّ السَّلامِ فَواجِبٌ بِالْإِجْماعِ، قالَ تَعالَى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾[النساء: 86]. فَإِذَا سَلَّمَ الرَّجُلُ عَلَى جَماعَةٍ، وَرَدَّ السَّلامَ واحِدٌ مِنْهُمْ كَفَى عَنِ الْجَمِيعِ، أَمّا إِذَا لَمْ يَرُدَّ أَحَدٌ رَدَّتْ عَلَى الْمُسَلِّمِ الملائِكَةُ، وَحَلَّ الخُسْرانُ بِالْجَماعَةِ الَّتِي أَبَتْ رَدَّ السَّلامِ.
وَجَعَلَ اللهُ السَّلَامَ فِي تَشَهُّدِ الصَّلاةِ؛ وَالتَّشَهُّدُ الْأَوْسَطُ سُنَّةٌ، وَالتَّشَهُّدُ الْأَخِير رُكْنٌ مِنْ أَرْكانِ الصَّلاةِ، وَبَعْضُ الْعُلَماءِ يَجْعَلْهُ واجِبًا، أَوْ سُنَّةً، وَقَدْ عَلَّمَنا إِيَّاهُ نَبِيُّنا صلى الله عليه وسلم: »قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَإِنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ« [متفق عليه، واللفظ للبخاري]. فَإِنْ كُنْتَ صَالِحًا دَعَا لَكَ كُلُّ مُسْلِمٍ فِي كُلِّ صَلَاةٍ، وَبَلَغَتْ دَعْوَتُكَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ لِكُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ.
وَمِن ثَمَرَاتِ إِفْشَاءِ السَّلَامِ يَا عِبَادَ اللهِ: أَنَّهُ سَبَبٌ لِسَلَامَةِ الصَّدْرِ، وَمِفْتَاحُ كَسْبِ الْقُلُوبِ وَمَحَبَّةِ النَّاسِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: »وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ« [رواه مسلم: 93].
وَمِنْهَا: أَنَّ فِي إِفْشَاءِ السَّلَامِ أَجْرًا كَبِيرًا، وَهُوَ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ، قَالَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: »جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ، ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَشْرٌ. ثُمَّ جَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ. فَرَدَّ عَلَيْهِ، فَجَلَسَ، فَقَالَ: عُشْرُونَ. ثُمَّ جَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، فَجَلَسَ، فَقَالَ: ثَلَاثُونَ« [رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني]. أَيْ: كُتِبَتْ لَهُ ثَلَاثُونَ حَسَنَةً.
وَبِإِفْشَاءِ السَّلَامِ يَعْلُو شَأْنُ الـمُسْلِمينَ؛ قَالَ صلى الله عليه وسلم: »أَفْشُوا السَّلَامَ كَيْ تَعْلُوا« [رواه الطبراني بإسناد حسن]. قَالَ الْمِنَّاوِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: “أَيْ: يَرْتَفِعُ شَأْنُكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ إِذَا أَفْشَيْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ، فَاجْتَمَعَتْ كَلِمَتُكُمْ، فَقَهَرْتُمْ عَدُوَّكُمْ وَعَلَوْتُمْ عَلَيْهِ، وَأَرَادَ الرِّفْعَةَ عِنْدَ اللهِ”.
كَمَا أَنَّ إِفْشَاءَ السَّلَامِ سَبَبٌ لِمَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ؛ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: »إِنَّ مِنْ مُوجِبَاتِ المغْفِرَةِ بَذْلَ السَّلَامِ، وَحُسْنَ الْكَلَامِ« [رواه الطبراني وصححه الألباني]. وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ مِنْ خَيْرِ الْأَعْمَالِ؛ كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما قَالَ: »إِنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ« [رواه البخاري ومسلم].
وَهُوَ مِنْ مُوجِبَاتِ دُخُولِ الجَنَّةِ، قَالَ صلى الله عليه وسلم: »يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلَامٍ« [رواه الترمذي والحاكم وصحَّحَه كلاهما]. وَقَدْ جُعِلَ السَّلامُ مِقْياسًا لِلْخَيْرِيَّةِ؛ قالَ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ» [متفق عليه]، جَعَلَنِي اللهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ. أَقُوْلُ مَا تَسْمَعُونَ.. وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيْمُ.
﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيةُ﴾
الْحَمْدُ للهِ حَمْدَ الشَّاكِرِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، خَيْرُ خَلْقِ اللهِ أَجْمَعِينَ، وَرَضِيَ اللهُ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ: عِبَادَ اللهِ: فَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: »إِنَّ أَبْخَلَ النَّاسِ مَنْ بَخِلَ بِالسَّلَامِ، وَأَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ عَنِ الدُّعَاءِ« [رواه البخاري في الأدب المفرد وابن حبان في صحيحه وصححه الألباني]. أَمَّا بَاذِلُ السَّلَامِ؛ فَهُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِاللهِ؛ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ صلى الله عليه وسلم:»إنَّ أوْلَى النَّاسِ بِاللهِ، مَنْ بَدَأَهُمْ بِالسَّلَامِ«[رواه أبو داود وصححه الألباني].
أَيُّهَا المسْلِمُونَ: إِنَّ لِلسَّلامِ آدَابًا يَنْبَغِي لِلمُسْلِمِ أَنْ يَتَحَلَّى بِهَا مِنْهَا: أَنْ يُسَلِّمَ الرَّاكِبُ عَلَى الماشِي، وَالماشِي عَلَى الْقَاعِدِ، وَالصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرُ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ؛ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: »يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الماشِي، وَالماشِي عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ«، وَفِي لَفْظٍ: »وَالصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ« [متفق عليه].
وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا عَدَمُ الِاكْتِفَاءِ بِالْإِشَارَةِ بِالْيَدِ أَوِ الرَّأْسِ؛ فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانَ بَعِيدًا، فَإِنَّهُ يُسَلِّمُ بِلِسَانِهِ وَيُشِيرُ بِيَدِهِ، وَلَا يَكْتَفِي بِالْإِشَارَةِ؛ وَذَلِكَ لِنَهْيِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَنْ ذَلِكَ. وَإِذَا دَخَلَ مَنْ يُرِيْدُ السَّلَامَ عَلَى قَوْمٍ فِيْهِمْ نَائِمٌ فَالسُّنَّةُ فِي حَقِّهِ أَنْ يُسَلِّمَ بِصَوْتٍ مَسْمُوعٍ، لَا يُوقِظُ النَّائِمَ، وَيَسْمَعُهُ الْيَقْظَانُ؛ كَمَا فِي حَدِيثِ المِقْدَادِ رضي الله عنه قَالَ: »كُنَّا نَحْتَلِبُ، فَيَشْرَبُ كُلُّ إنْسَانٍ مِنَّا نَصِيبَهُ، وَنَرْفَعُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نَصِيبَهُ، قَالَ: فَيَجِيءُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيُسَلِّمُ تَسْلِيمًا لَا يُوقِظُ نَائِمًا، وَيُسْمِعُ الْيَقْظَانَ« [رواه مسلم: 2055].
وَإِنَّ مِمَّا يَجْدُرُ التَّحْذِيرُ مِنْهُ سَلَامَ الخَاصَّةِ، وَهُوَ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ الصُّغْرَى، وَهُوَ أَنْ يُسَلِّمَ الـمَرْءُ عَلَى خَاصَّتِهِ، وَمَنْ يَعْرِفُهُمْ دُونَ عَامَّةِ المسْلِمِينَ إِذَا مَرَّ بِهِمْ، وَقَدْ حَذَّرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ ذَلِكَ؛ كَمَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: ذَكَرَ صلى الله عليه وسلم: »أَنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ تَسْلِيمَ الخَاصَّةِ« [رواه البخاري في الأدب المفرد، وأحمد، وصححه الألباني] فَإِنَّ مِنْ تَمَامِ إِفْشَاءِ السَّلَامِ أَنْ تُسَلِّمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ، وَمِمَّا يُلَاحَظُ فِي هَذَا الزَّمَانِ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ لَا يُسَلِّمُ على غَيْرِهِ إِلَّا لِمَصْلَحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ في الغَالِبِ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ، وَأَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ الَّذِيْ لَا يَرُدُّ السَّلَامَ إِذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ مَنْ لَايَعْرِفُهُ! بَلْ إِنَّ بَعْضَهُمْ يَسْتَنْكِرُ ذَلِكَ السَّلَامَ، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: »إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُسَلِّمَ الرَّجُلُ عَلَى الرَّجُلِ، لَا يُسَلِّمُ عَلَيهِ إِلَّا لِلْمَعْرِفَةِ« [رواه أحمد بإسناد صحيح]، فَأَحْيُوا عِبَادَ اللهِ هَذِهِ السُّنَّةَ الْعَظِيمَةَ بَيْنَ المسْلِمِينَ؛ لِتَتَقَارَبَ الْقُلُوبُ، وَتَتَآلَفَ الْأَرْوَاحُ، وَيَحْصُلَ الْأَجْرُ وَالْمَثُوبَةُ.
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الخلفاء الراشدين، وعن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ ومن تبعهم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.
البروف عايض الزهراني يكتب:
*نحتاج مؤرخًا ناقدًا ومنهجًا علميًا يعيدان للتاريخ دوره في بناء الوعي وصناعة الحضارة.*
التاريخ… من الوجدان إلى المنهج
https://www.makkahnews.sa/5478268.html
✖️
https://x.com/makkahnews1/status/1982040800138510628?s=46