صِفاتُ المتَّقِينَ
﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحابِهِ وَمَنْ سارَ عَلَى طَرِيقِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
عِبادَ اللهِ، اِتَّقُوا اللهَ حَقَّ التَّقْوَى، وَاسْتَمْسِكُوا مِنَ الْإِسْلامِ بِالْعُروَةِ الْوُثْقَى، قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾[الحشر:18] أَمَّا بَعْدُ:
إِخْوانِي الْكِرامُ، مَا أَجْمَلَ اللَّحَظاتِ حِينَ تُقْضَى بِتَدَبُّرِ كَلامِ رَبِّ الْبَرِيَّاتِ! قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: 82]، وَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: 21]. وَقَدْ أَمَرَ اللهُ بِتَرْتِيلِهِ؛ فَقالَ: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 4]، وَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أَنَّهُ يَسَّرَ الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ؛ فَقالَ: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾[القمر: 17]. وَلَمْ تُطْلَقِ الْخَيْرِيَّةُ فِي الْحَدِيثِ إِلَّا لِأَهْلِ الْقُرْآنِ، قالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» [رواه البخاري، رقم 5027].
آيَاتٌ مِنْ كِتابِ اللهِ هِيَ مَنْهَجُ حَياةٍ لِمَنْ أَرادَ النَّجاةَ، يَقُولُ رَبُّنا جَلَّ وَعَلا: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: 133–136]
أَيُّها الْأَحِبَّةُ، جاءَ الْأَمْرُ فِي هَذِهِ الْآياتِ بِالمسارَعَةِ وَالمسابَقَةِ وَالمنافَسَةِ فِي طاعَةِ اللهِ: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾، وَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: 84]، وَقالَ: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: 26]، وَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [المؤمنون: 61]. فَالمؤْمِنُ سَبَّاقٌ إِلَى الطَّاعَةِ، مُبادِرٌ إِلَى مَرْضاةِ اللهِ، يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الطَّرِيقَ يَحْتاجُ إِلَى مُجاهَدَةٍ وَصَبْرٍ، قالَ تَعالَى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: 28].
وَالتَّقْوَى -عِبادَ اللهِ- أَنْ يَراكَ اللهُ حَيْثُ أَمَرَكَ، وَأَلَّا يَفْتَقِدَكَ حَيْثُ نَهاكَ. قالَ ابْنُ الْوَرْدِيِّ فِي لامِيَّتِهِ:
وَاتَّقِ اللهَ فَتَقْوَى اللهِ مَا
لَيـْسَ مَـنْ يَقْطَعُ طُــرُقًا بَطـَلًا جَاوَرَتْ قَلْبَ امْرِئٍ إِلَّا وَصَلْ
إِنَّمـــــــا مَـــــــنْ يَتَّقِــــــي اللهَ الْبَطَـــــــلْ
تَكَرَّرَ فِي كِتابِ اللهِ الْجَمْعُ بَيْنَ المسارَعَةِ وَالمغْفِرَةِ، فَمَنْ سارَعَ إِلَى الطَّاعاتِ نالَ مَغْفِرَةَ اللهِ، وَإِذَا غَفَرَ اللهُ لَهُ هَنِيئًا لَهُ الطَّهارَةُ مِنَ الذُّنُوبِ، وَمِنْ رَحْمَةِ اللهِ أَنَّ أَسْبابَ المغْفِرَةِ مَيْسُورَةٌ لِلْجَمِيعِ، قالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قالَ: سُبْحانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ مائَةَ مَرَّةً، غُفِرَتْ خَطاياهُ، وَإِنْ كانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ»[متفق عليه، البخاري 6405، مسلم 2691]. قالَ تَعالَى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾، قالَ ابْنُ عَباسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: “كَسَبْعِ سَمَواتٍ وَسَبْعِ أَرَضِينَ لَوْ وُصِلَ بَعْضُها بِبَعْضٍ”، هَذا الْعَرْضُ، أَمَّا الطُّولُ لا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، قالَ تَعالَى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ اُبْتُدِئَ بِصِفَةِ التَّقْوَى لِأَنَّها تَشْمَلُ جَمِيعَ الْأَوْصَافِ الشَّرِيفَةِ، وخَصَّ اللهُ الْمُتَّقِينَ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهُمْ، وَأَنَّهُمُ الْأَصْلُ، وَغَيْرُهُمْ تَبَعٌ لَهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ صِفاتِهُمْ؛ فَلْيَتَأَمَّلْ كُلُّ واحِدٍ مِنَّا نَفْسَهُ: هَلْ تَحَقَّقَتْ فِيهِ هَذِهِ الصِّفاتُ؟ إِنَّما الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَالْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ.
الصِّفَةُ الْأُولَى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللهُ: “أَيْ: فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ”. [تفسير ابن كثير 2/95]، يُنْفِقُ فِي حالِ الْغِنَى، وَفِي حالِ الْفَقْرِ، لا يَخْشَى الْفَقْرَ؛ لِأَنَّ قَلْبَهُ مُتَوَكِّلٌ عَلَى اللهِ، قالَ الْحَسَنُ الْبِصْرِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ: “أَنْفِقُوا مِنْ أَمْوالِكُمْ طَيِّبَةً بِها نُفُوسِكُمْ، فَإِنَّ اللهَ خَلَفٌ لِمَنْ أَنْفَقَ، وَآخِذٌ لِمَنْ أَمْسَكَ” [الزهد للإمام أحمد، رقم 585]، قالَ صلى الله عليه وسلم: «ما نَقَصَ مالٌ مِنْ صَدَقَةٍ» [رواه مسلم، رقم 2588]. وَقالَ صلى الله عليه وسلم لِبِلالٍ رضي الله عنه: «أَنْفِقْ يا بِلالُ وَلَا تَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلالًا» [رواه الطبراني في الأوسط، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم 1507]. وَقالَ صلى الله عليه وسلم لِأَسْماءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْها: «أَنْفِقِي وَلا تُوْعِيْ فَيُوْعِيَ اللهُ عَلَيْكِ» [متفق عليه، البخاري 2590، مسلم 1029]. فَالشَّيْطانُ يَعِدُ الْإِنْسانَ الْفَقْرَ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: 268]، لَكِنَّ المؤْمِنَ يُنْفِقُ طَيِّبَةً بِها نَفْسُهُ، مُخْلِصًا للهِ، قَلِيلَةً كانَتِ الصَّدَقَةُ أَوْ كَثِيرَةً، فَقَدْ تَصَدَّقَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْها بِحَبَّةِ عِنَبٍ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «سَبَقَ دِرْهَمٌ مائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ» [أخرجه النسائي، وحسنه الألباني]، وَمِنْ صِفاتِ المتَّقِينَ: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾، قالَ صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّما الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» [متفق عليه]. قالَ ابْنُ رَجَبٍ -رَحِمَهُ اللهُ: “كَظْمُ الْغَيْظِ هُوَ حَبْسُ النَّفْسِ عَنِ الِانْتِقامِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ خِصالِ الْإِيمانِ” [جامع العلوم والحكم ص 313]، فَالْإِنْسانُ قَدْ يَغْضَبُ فِي بَيْتِهِ أَوْ عَمَلِهِ، لَكِنَّ انْكِسَارَ قُوَّةِ الْغَضَبِ، وَضَبَطَ الِانْفِعالاتِ، وكَظْمَ الغَيْظِ دَلَالَةُ كَمَالِ الْعَقْلِ، وَيُوجِبُ الْحِفْظَ مِنَ الشَّيْطانِ، وَاسْتِحْقاقَ رِضَى الرَّحْمَنِ عزَّ وجلَّ؛ وَقَدْ دَلَّنا نَبِيُّنا عَلَى طُرُقِ ذَلِكَ؛ قالَ صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قالَها لَذَهَبَ عَنْهُ ما يَجِدُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ» [متفق عليه، البخاري 3282، مسلم 2610]. وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا غَضِبَ أَحَدَكُمُ وَهُوَ قائِمٌ فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلَّا فَلْيَضْطَجِعْ» [رواه أبو داود، رقم 4782، وصححه الألباني]. وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطانِ، وَإِنَّ الشَّيْطانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ، وَإِنَّما تُطْفَأُ النَّارُ بِالماءِ، فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ» [رواه أبو داود:4784، وحسنه الألباني]. ثُمَّ قالَ اللهُ: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾، قالَ الْحَسَنُ الْبِصْرِيُّ: “الْعَفْوُ أَنْ تَمْحُوَ الْأَذَى مِنْ قَلْبِكَ؛ فَلَا تَذْكُرُهُ، وَلا تُؤَاخِذْ بِهِ”[الزهد لابن المبارك ص 189]، فَمَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ وَعَفَا، فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ الْحِلْمِ وَالْعَفْوِ، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، الْإِحْسانُ أَعْلَى مِنَ الْحِلْمِ وَالْعَفْوِ، وَيَشْمَلُ الْإِحْسانَ فِي عِبادَةِ اللهِ، وَالْإِحْسانَ إِلَى خَلْقِهِ، وَهُوَ أَنْ تُحْسِنَ إِلَى مَنْ أَساءَ إِلَيْكَ، وَتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ. [تفسير السعدي ص 146]، جاءَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ زَينَ الْعابِدِينَ رحمه الله كانَ لَهُ جارِيَةٌ تَسْكُبُ عَلَيْهِ ماءً لِيَتَوَضَّأَ، فَسَقَطَ الْإِناءُ مِنْ يَدِها، فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ، فَغَضِبَ، فَقالَتْ: يا سَيِّدِي، إِنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾، قالَ: كَظَمْتُ غَيْظِي. قالَتْ: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾، قالَ: عَفَوْتُ عَنْكِ. قالَتْ: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، قالَ: اذْهَبِي فَأَنْتِ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللهِ. وَرَوَى أَبو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ رضي الله عنه قالَ: كُنْتُ أَضْرِبُ غُلامًا لِي بِالسَّوْطِ، فَسَمِعْتُ صَوتًا مِنْ خَلْفِي يَقُولُ: «اِعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، أَنَّ اللهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذا الْغُلامِ»، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقُلْتُ: يا رَسُولُ اللهِ، هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللهِ، فَقالَ: «لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ» [رواه مسلم، رقم 1659]. وَسُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: كَمْ نَعْفُو عَنِ الْخادِمِ يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: «اُعْفُ عَنْهُ سَبْعِينَ مَرَّةً فِي الْيَوْمِ»[رواه أبو داود، رقم 5164، وصححه الألباني]. قالَ زَيْنُ الْعابِدِينَ رَحِمَهُ اللهُ:
لا تَنْهَرَنَّ غَرِيبًا حَالَ غُرْبَتِهِ *** فَالدَّهْرُ يَنْهَرُهُ بِالذُّلِّ وَالْمِحَنِ
نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَرْزُقَنا وَإِيَّاكُمْ صِفاتِ المتَّقِينَ، إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ.
أَقُولُ قَوْلِيْ هَذَا وَاسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِيْ وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الـمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
﴿الخُطْبَةُ الثانية﴾
الْحَمْدُ للهِ وَكَفَى، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى النَّبِيِّ المصْطَفَى، مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحابِهِ وَمَنْ سارَ عَلَى نَهْجِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.. أَمَّا بَعْدُ:
عِبادَ اللهِ، قالَ اللهُ تَعالَى فِي الصِّفَةِ الْخامِسَةِ مِنْ صِفاتِ المتَّقِينَ، دَلالَةً عَلَى سَعَةِ رَحْمَتِهِ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 135]، قالَ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ المُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأنَّهُ قاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخافُ أنْ يَقَعَ عليه، وإنَّ الفاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبابٍ مَرَّ علَى أنْفِهِ فقالَ به هَكَذا، قالَ أبو شِهابٍ: بيَدِهِ فَوْقَ أنْفِهِ» [حديث ابن مسعود، رواه البخاري رقم 6308]. وَجاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي ذُنُوبًا لَوْ وُزِّعَتْ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ لَكَفَتْهُمْ. فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَتَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟» قالَ: نَعَمْ. قالَ: «وَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟» قالَ: نَعَمْ. قالَ: «فَإِنَّ اللهَ يُبَدِّلُ سَيِّئاتِكَ حَسَناتٍ». قالَ: يا رَسُولَ اللهِ وَغَدَراتِي وَفَجَرَاتِي؟ قالَ: «وَغَدَراتِكَ وَفَجَراتِكَ».[رواه أحمد، رقم 22989، وصححه الألباني]. وَقالَ تَعالَى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: 68–70]
فَيَا مَنْ أَذْنَبَ، لا تَيْأَسْ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ؛ بابُ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ ما لَمْ تُغَرْغِرِ الرُّوحُ أَوْ تَطْلَعُ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها.
قالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لا ذَنْبَ لَهُ» [رواه ابن ماجه، رقم 4250، وحسنه الألباني]. ثُمَّ بَيَّنَ اللهُ جَزاءَ هَؤُلاءِ المتَّقِينَ؛ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: 136]
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الخلفاء الراشدين، وعن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ ومن تبعهم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.
*📒سلسلة فوائد السبت.*
*📕 26 ربيع الثاني 1447.*
———————-
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
1️⃣🌼
*مَنْ حرص على العافية، عافاه الله. ومن أوى إلى الله، آواه الله، وجعله هداية لغيره. ومن تحمل الذل في سبيله وابتغاء مرضاته، كان آخر أمره وعاقبته العز العظيم من حيث لا يحتسب. قال تعالى:(وَما عِندَ اللَّهِ خَيرٌ لِلأَبرار).*
(تفسير ابن سعدي)
2️⃣🌼
*قال ﷺ:(المُتشَبِّع بما لم يعْطَ، كَلابِسِ ثَوْبَيْ زُور).هو الذي يلبس ثياب أهل الزهد والعبادة والورع، ومقصوده أن يظهر للناس أنه متصف بتلك الصفة.*
(شرح مسلم،للنووي)
3️⃣🌼
*إنَّ أحسنَ أدوية المِحَن والمُلِمَّات وأنفعها في الحالِ والمآل: هو حُسنُ الظنِّ بالله،من خلال وجود الفَأْلِ الحسن في داخِلَةِ المرء؛ إذ بالفَأْلِ يحسُنُ ظنُّك بربِّك وتقتدِي بهدي نبيِّك ﷺ.*
(د.سعود الشريم)
4️⃣🌼
*قال حاتم الأصم: أربعةٌ يندمون على أربع: المقصر إذا فاته العمل، والمنقطع عن أصدقائه إذا نابته نائبة، والممكن منه عدوه بسوء رأيه، والجريء على الذنوب.*
(الغرياني/الجبل الأشم)
*🌺 سلسلة الفوائد:التيليجرام🌸*
https://goo.gl/EFzbLh
🌹الفرق بين
الإدارة والقيادة
كثيرًا ما نخلط بين
الإدارة و القيادة،
رغم أن الفارق بينهما
عميق في الجوهر
لا في الشكل.
🌷الإدارة منصب،
🌷أما القيادة فموقف ورسالة. الإدارة تبحث عن الكرسي،
بينما القيادة تبحث عن الأثر.
• الإدارة: تقرأ النظام 📑،
أما القيادة: فتفهم النظام 🔑.
• الإدارة: هدفها الكرسي 👑، والقيادة: وسيلتها الكرسي 🎯.
• الإدارة: تمتص الآخرين لتكبر،
والقيادة: تعطي الآخرين
ليكبروا معها.
• الإدارة: تلوم الآخرين
على الفشل ❌،
بينما القيادة: تتحمل
مسؤولية الفشل ✅.
• الإدارة: تلبس ثوب الشخص،
أما القيادة: فتلبس ثوب المبدأ.
• الإدارة: تجعل النظام
وسيلة للاضطهاد 🚫
، بينما القيادة:
تكرم الآخرين بالنظام 🤝.
• الإدارة: تعتمد على الإمكانات،
والقيادة: تصنع الإمكانات.
• الإدارة: يهمها السجلات، بينما القيادة: يهمها النفوس.
• الإدارة: جبانة بعجز،
أما القيادة: شجاعة بحكمة.
• الإدارة: كل عملها
أولويات متزاحمة،
بينما القيادة: ترتب الأولويات بوضوح.
• الإدارة: هيكل بلا روح 🏢، والقيادة: جسد بروح وقلب وعقل
• الإدارة: إن لم تكن معنا فأنت ضدنا،
بينما القيادة: فريق عمل واحد ولا ضد لنا.
• الإدارة: لا تعترف إلا بالشهادات 🎓،
بينما القيادة: لا تعترف
إلا بالقدرات 💡.
• الإدارة: تأمر وتنهى، والقيادة: توحي وتلهم.
• الإدارة: تُسكت الآخرين لتتكلم،
بينما القيادة: تصمت لتصغي.
• الإدارة: فن التعجيز، والقيادة: فن التمكين.
• الإدارة: تُضحي بالآخرين لتسلم،
بينما القيادة: تدافع عن الآخرين لتسلم معهم.
• الإدارة: تجعل الآخرين
جسرًا لمصالحها،
أما القيادة: تبني مع الآخرين جسرًا لأهدافهم.
• الإدارة: توثّق أخطاء الآخرين،
بينما القيادة: تُعالج أخطاءهم.
• الإدارة: تعتبر الناقد عدوًا، بينما القيادة: ترى فيه مبدعًا.
• الإدارة: تخشى المسؤولين، بينما القيادة: تقنعهم.
• الإدارة: يهمها رضا المسؤولين،
بينما القيادة: يهمها
أن تعمل الصحيح.
• الإدارة: تقول
“أنا أرى وأنا أعتقد”،
بينما القيادة: تقول
“نتحاور ونتشاور”.
• الإدارة: منشغلة بالتفاصيل، بينما القيادة: تهتم بالإطار الأشمل.
• الإدارة: تحاسب على الأسلوب،
بينما القيادة: تعتني بالنتيجة.
• الإدارة: ثوب ضيق من النظام،
بينما القيادة: تخترع أثوابًا وتلبسها للنظام.
• الإدارة: سياسة العصا والجزرة،
بينما القيادة: سياستها
أسد يقود أسود 🦁.
• الإدارة: لتنجح لا بد أن يفشل الآخرون،
بينما القيادة: نجاحها
هو نجاح الآخرين.
🌷القيادة ليست لقبًا
ولا منصبًا، بل هي روح ومسؤولية،
شجاعة وحكمة، إلهام وتمكين. فاختر أن تكون
قائدًا يُنير الطريق ويترك أثرًا
في النفوس،
ولا تكتفِ بأن تكون مديرًا يجلس على كرسي.
🌹كونوا قادة في حياتكم… فالعالم لا يحتاج
إلى مزيد من المدراء،
بل إلى مزيد من القادة. �
أَسْبَابُ انْشِرَاحِ الصَّدْرِ
﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾25/4/1447هـ
الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُه وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا، وَسَيِّئاتِ أَعْمالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾[النساء:1] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾[آل عمران:102] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾[الأحزاب:70، 71 ]. أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ تَقْوَى اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا خَيْرُ زَادٍ يُدَّخَرُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ واتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 197].
عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَطَالِبِ الْمَرْءِ وَأَجَلِّهَا رَاحَةَ بَالِهِ وانْشِرَاحَ صَدْرِهِ، فَلَا لَذَّةَ لِلْحَيَاةِ، وَلَا مُتْعَةَ بِالْعَيْشِ إِلَّا بِانْشِرَاحِ الصَّدْرِ وَرَاحَتِهِ، وَهُوَ نُورٌ يَقْذِفُهُ اللهُ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ، فَيُسَبِّبُ إِحْساسًا رُوحيًّا عَمِيقًا بِالطُّمَأْنِينَةِ، وَالرِّضَى، وَالْبَهْجَةِ وَالسَّعادَةِ، وَاللَّذَّةِ الرُّوحِيَّةِ، وَعَكْسُهُ الضِّيقُ وَالْحَرَجُ وَالْحُزْنُ، وَكآبَةُ المشاعِرِ وَالْحَياةِ.
إِذَا أَجْدَبَتِ الْأَرْضُ، وَماتَ الزَّرْعُ، وَجَفَّ الضَّرْعُ، وَذَبُلَتِ الْأَزْهارُ، وَذَوَتِ الْأَشْجارُ، وَغارَ الماءُ، وَقَلَّ الْغِذاءُ، وَاشْتَدَّ الْبَلاءُ، وَحَلَّ الْهَمُّ، وَخَيَّمَ الْغَمُّ، وَاشْتَدَّ الْكَرْبُ، وَعَظُمَ الْخَطْبُ، وَضاقَتِ السُّبُلُ، وَبارَتِ الْحِيَلُ، خَرَجَ الْمُسْتَغِيثُونَ بِالشُّيُوخِ الرُّكَّعِ، وَالْأَطْفالِ الرُّضَّعِ، وَالْبَهائِمِ الرُّتَّعِ، فَنادَوا: يا اللهُ يا اللهُ؛ فَيَنْزِلُ الْغَيْثُ، وَيُفَرَّجُ الْهَمُّ، وَيُنَفَّسُ الْكَرْبُ، وَيُذَلَّلُ الصَّعْبُ: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: 88]. لَمَّا اشْتَدَّ الْكَرْبُ بِمُوسَى عليه السلام قالَ: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ [طه: 25-27].
عِبادَ اللهِ: إِنَّ انْشِراحَ الصَّدْرِ لا يَتَوَقَّفُ عَلَى رَغَدِ الْعَيْشِ؛ فَنَبِيُّنَا صلى الله عليه وسلم كانَ يَمُرُّ عَلَيْهِ الهِلَالُ تِلْوَ الهِلَالِ تِلْوَ الهِلَالِ، ثَلاَثَةُ أَهِلَّةٍ، لَا تُوْقَدُ النَّارُ لِطَبْخِ الطَّعَامِ فِي بَيْتِهِ صلى الله عليه وسلم، وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ أَشْرَحَ النَّاسِ صَدْرًا، قالَ تَعالَى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾[الشرح:1]، فَالرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم فِي ذِرْوَةِ الْكَمَالِ مِنْ شَرْحِ الصَّدْرِ، وَرَفْعِ الذِّكْرِ، وَوَضْعِ الْوِزْرِ، وَذَلِكَ لِقِيامِهِ صلى الله عليه وسلم بِالْعُبُودِيَّةِ التَّامَّةِ لِرَبِّهِ، وَبِقَدْرِ اتِّباعِ سُنَّتِهِ، وَالِاقْتِداءِ بِهَدْيِهِ يَنالُ الْعَبْدُ مِنَ انْشِراحِ صَدْرِهِ، وَقُرَّةِ عَيْنِهِ، وَلَذَّةِ رُوحِهِ، وَكِتابُ رَبِّنا أَصْدَقُ مَنْ يَدُلُّنا عَلَى شَرْحِ الصَّدْرِ، قالَ تَعالَى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر:22]، وَقالَ جَلَّ وَعَلا: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام:١٢٥]، وَنَبِيُّنا صلى الله عليه وسلم هُوَ خَيْرُ مَنْ يَدُلُّنا عَلَى شَرْحِ الصَّدْرِ وَثَمَراتِهِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا دَخَلَ النُّورُ الْقَلْبَ انْفَسَحَ وَانْشَرَحَ. قَالُوا: وَمَا عَلَامَةُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ، وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ، وَالِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِهِ» [أخرجه ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا وابن جرير والحاكم والبيهقي في الشعب وغيرهم، وقال ابن كثير: للحديث طرق مرسلة ومتصلة يشد بعضها بعضًا]
إِنَّ انْشِرَاحَ الصَّدْرِ سَبِيلُهُ فِعْلُ الْمَأْمُوْرَاتِ وَتَرْكُ الـمَحْظُورَاتِ.
وَلَسْتُ أَرَى السَّعَادَةَ جَمْعَ مَالٍ *** وَلَكِــــــنَّ التَّقِـــــــيَّ هُوَ السَّــــــــعِيدُ
أَيُّهَا المُؤْمِنُوْنَ: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ انْشِرَاحِ الصَّدْرِ الْإِيمَانَ الخَالِصَ وَالتَّوْحِيدَ الصَّافِي، وَبِحَسْبِ كَمَالِهِ وَقُوَّتِهِ يَكُوْنُ انْشِرَاحُ الصَّدْرِ وَانْبِسَاطُهُ، وَهَذا النَّعِيمُ وَالسُّرُورُ يَصِيرُ فِي الْقَبْرِ رِياضًا وَجَنَّةً، وَبِحَسْبِ انْتِقاصِ التَّوْحِيدِ وَالْإِيمانِ يَكُونُ ضِيقُهُ وَعَذابُهُ، وَذَلِكَ الضِّيقُ وَالْحَصَرُ يَنْقَلِبُ فِي الْقَبْرِ عَذابًا وَسِجْنًا؛ فَحالُ الْعَبْدِ فِي الْقَبْرِ كَحالِ الْقَلْبِ فِي الصَّدْرِ نَعِيمًا وَعَذابًا، وَسِجْنًا وَانْطِلاقًا، وَلَا عِبْرَةَ بِانْشِراحِ صَدْرٍ لِعارِضٍ، وَلا بِضِيقِ صَدْرٍ لِعارِضٍ، فَإِنَّ الْعَوارِضَ تَزُولُ بِزَوالِ أَسْبابِها، إِنَّما الْعِبْرَةُ بِما هُوَ مُلازِمٌ لِلْقَلْبِ مَهْمَا تَغَيَّرَتْ أَحْوالُهُ، وَمَهْمَا يَجِدُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ رَاحَةٍ نَفْسِيَّةٍ فِي مَبْدَإٍ غَيْرِ طَاعَةِ الرَّحْمَنِ، فَإِنَّمَا هِيَ رَاحَةٌ مُزَيَّفَةٌ وَقْتِيَّةٌ مَآلُها الحَسْرَةُ وَالنَّدَامَةُ.
وَمِنْ أَسْبَابِ انْشِرَاحِ الصَّدْرِ العِلْمُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فالعِلْمُ يَشْرَحُ الصَّدْرَ ويُوَسِّعُهُ، والْجَهْلُ يُورِثُهُ الضِّيقَ والحَصَرَ، فَكُلَّمَا زَادَ عِلْمُ الْعَبْدِ انْشَرَحَ صَدْرُهُ واتَّسَعَ، ولَيْسَ هَذَا لِكُلِّ عِلْمٍ، بَلْ هُوَ لِلْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ، الـَّذِي مَصْدَرُهُ الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وهُوَ العِلْمُ النَّافِعُ، قَالَ أَبُوْ الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه: “كُنْ عَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا أَوْ مُحِبًّا أَوْ مُتَّبِعًا، وَلَا تَكُنْ الَخامِسَ فَتَهْلَكَ، قَالَ الرَّاوِيْ: قُلْت لِلْحَسَنِ: مَنْ الْخَامِسُ؟ قَالَ: الْمُبْتَدِعُ”. فَعَلَى الْـمَرْءِ بَذْلُ جُهْدِهِ فِي التَّعَلُّمِ، مَهْمَا بَلَغَ مِنَ العُمُرِ، إِذْ يَقُوْلُ اﻹِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:
تَعَلَّمْ، فَلَيْسَ الـمَرْءُ يُوْلَدُ عَالِمًا وَلَيْسَ أَخُوْ عِلْمٍ كَمَنْ هُوَ جَاهِلُ
أَيُّهَا المُؤْمِنُوْنَ: وَمِنْ أَسْبَابِ انْشِرَاح ِالصَّدْرِ وَاطْمِئْنَانِ القَلْبِ الإِنَابَةُ إِلَى اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، ومَحَبَّتُهُ بِكُلِّ القَلْبِ، والإِقْبَالُ عَلَيْهِ، والتَّنَعُّمُ بِعِبَادَتِهِ، وذِكْرُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَفِي كُلِّ مَوْطِنٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. فَلَا اطْمِئْنانَ وَلا راحَةَ، وَلا سَكِينَةَ وَلا أَمَلَ إلَّا بِذِكْرِ اللهِ، سُئِلَ صلى الله عليه وسلم: أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: «أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ» [أخرجه مسلم: 782]، فَمَحَبَّةُ اللَّهِ وَدَوَامُ ذِكْرِهِ جَنَّةُ الدُّنْيَا، وَإِنَّ الإِعْرَاضَ عَنِ اللَّهِ وَتَعَلُّقَ القَلْبِ بِغَيْرِهِ وَالغَفْلَةَ، وَالانْكِبَابَ عَلَى الشَّهَوَاتِ؛ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ ضِيْقِ الصَّدْرِ وَغَمِّ النَّفْسِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ، مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ» [متفق عليه].
وَمِنْ أَسْبَابِ انْشِرَاحِ الصَّدْرِ تَقْوَى اللهِ؛ ﴿وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡقُرَىٰٓ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَفَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَرَكَٰاتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذۡنَٰهُم بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ﴾[الأعراف:96]. فَالتَّقْوَى سَبَبُ كُلِّ سَعادَةٍ، كَما أَنَّ المعْصِيَةَ سَبَبُ كُلِّ نَكَدٍ وَخُسْرانٍ، فَالَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ هُمْ أَهْلُ الْفَوْزِ وَالنَّجاةِ.
وَمِنْ أَسْبَابِ انْشِراحِ الصَّدْرِ الْإِحْسَانُ إِلَى الْخَلْقِ، وَنَفْعُهُمْ بِمَا يُمْكِنُ مِنْ الـمَالِ وَالـجَاهِ، وَغَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الإِحْسَانِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلى اللهِ عز وجل أَنْفَعُهُمْ للنَّاسِ، وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلى اللهِ عز وجل: سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِم: تَكْشِفُ عَنهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنهُ دَيْنًا، أَوْ تَطْرُدُ عَنهُ جُوعًا، وَلَأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخٍ في حَاجَةٍ؛ أَحَبُّ إِليَّ مِن أَنْ أَعْتَكِفَ في هَذَا المَسْجِدِ شَهْرًا» [رواه الطبراني، وصححه الألباني].
وَيَنْشَرِحُ الصَّدْرُ بِصَفَاءِ الْقَلْبِ وَطَهَارَةِ النَّفْسِ مِنَ الْحِقْدِ وَالْحَسَدِ، وَالرِّياءِ وَالْكِبْرِ، وَالتَّحَلِّي بِحُسْنِ الظَّنِّ، وَحَمْلِ النَّاسِ عَلَى أَحْسَنِ الْـمَحَامِلِ، وَلَقَدْ ضَرَبَ الصَّحَابَةُ رضي الله عنهم أَرْوَعَ الأَمْثِلَةِ فِي سَلَامَةِ القُلُوبِ، وَطَهَارَةِ الصُّدُوْرِ، كَمَا وَصَفَهُمْ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا بِذَلِكَ؛ حَيْثُ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ والْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ ولَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا ويُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ولَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ومَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9]. فَكَانَتْ سَلَامَةُ الصَّدْرِ مِيزَانَ التَّفَاضُلِ بَيْنَهُمْ؛ إِذْ يَقُوْلُ إِيَاسُ بنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَن أَبِيهِ، فِي وَصْفِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “كَانَ أَفْضَلُهُمْ عِنْدَهُمْ -يَعْنِي: الْـمَاضِينَ – أَسْلَمَهُمْ صَدْرًا، وأَقَلَّهُم غِيْبَةً”.
أَيُّهَا المُؤْمِنُوْنَ: إِنَّ مِمَّا يَشْرَحُ الصَّدْرَ الْإِيمَانَ بِالقَدَرِ، فَإِذَا عَلِمَ الإِنْسَانُ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيْبَهُ اطْمَأَنَّ فُؤَادُهُ وَرَضِيَ بِمَا آتَاهُ مَوْلَاهُ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا، فَقَالَ: «يَا غُلَامُ، إنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ: أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوْكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوْكَ إلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتْ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ» [رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح]
وَمِنْ أَسْبابِ شَرْحِ الصَّدْرِ الشَّجاعَةُ وَالْإِقْدامُ؛ فَإِنَّ الشُّجاعَ الْمِقْدامَ مِنْ أَشْرَحِ النَّاسِ صَدْرًا، وَالْجَبانُ الذَّلِيلُ الْمُهانُ هُوَ مِنْ أَضْيَقِ النَّاسِ صَدْرًا، قالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ -رَحِمَهُ اللهُ-: “مَنْ خافَ اللهَ أَخافَ اللهُ مِنْهُ كُلَّ شَيْءٍ، وَمَنْ لَمْ يَخَفِ اللهَ أَخافَهُ اللهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ”.
وَمِنْ أَسْبابِ شَرْحِ الصَّدْرِ: تَرْكُ فُضُولِ النَّظَرِ وَالْكَلَامِ وَالِاسْتِمَاعِ وَالْمُخَالَطَةِ وَالْأَكْلِ وَالنَّوْمِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْفُضُولَ لا تَزِيدُ الْقَلْبَ إِلَّا غُمُومًا وَهُمُومًا وَضِيقًا.
وَإِنَّ مِنْ هَدْيِ نَبِيِّنا صلى الله عليه وسلم دُعاءَ شَرْحِ الصَّدْرِ وَذَهابَ الْكَرْبِ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ» [متفق عليه].
اللَّهُمَّ اشْرَحْ صُدُوْرَنَا، وَيَسِّرْ أُمُوْرَنَا، وَاسْتُرْ عُيُوبَنَا، وَاخْتِمْ بِالصَّالِحَاتِ أَعْمَالَنَا، وَقِنَا شُرُورَ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا.
أَقُولُ قَوْلِيْ هَذَا وَاسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِيْ وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الـمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
﴿الخُطْبَةُ الثانية﴾
الحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَه عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُوْلُهُ، الَّذِيْ شَرَحَ اللهُ تَعَالَى صَدْرَهُ حِسًّا وَمَعَنىً.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا المُؤْمِنُوْنَ: اعْلَمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ تَعالَى: أَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ وَحْدَهُ بِكُلِّ الْقَلْبِ، وَعِبادَتَهُ وَفِعْلَ ما يُرْضِيهِ سُبْحانَهُ، سَبَبُ انْشِراحِ الصَّدْرِ، وَسُرورَ النَّفْسِ، وَلَذَّةَ الْقَلْبِ، وَنَعِيمَ الرُّوحِ وَغِذَاءَها وَدَواءَها، وأَنَّ الْإِعْراضَ عَنِ اللهِ تَعالَى، وَالْغَفْلَةَ عَنْ ذِكْرِهِ، وَمَحَبَّةَ سِواهُ، وَتَعَلُّقَ الْقَلْبِ بِمَتاعِ الدُّنْيا وَشَهَواتِ النَّفْسِ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبابِ ضِيقِ الصَّدْرِ، فَإِنَّ مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا غَيْرَ اللهِ عُذِّبَ بِهِ، فَمَا فِي الْأَرْضِ أَشْقَى سَعْيًا، وَلا أَكْسَفَ بالًا، وَلَا أَنْكَدَ عَيْشًا، وَلا أَتْعَبَ قَلْبًا مِنْ عَبْدٍ مُعْرِضٍ عَنْ مَوْلاهُ.
عباد الله: مِنْ أَعْظَمِ وَأَيْسَرِ أَسْبَابِ انْشِرَاحِ الصَّدْرِ، الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فَذاكَ سُرُوْرُ النَّفْسِ وَرَاحَةُ القَلْبِ، وَنَعِيْمُ الرُّوحِ، وبِحَسْبِ كَثْرَةِ الصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَكُونُ انْشِرَاحُ الصَّدْرِ، وَمَنْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّهُ، وَقَضَى حَاجَتَهُ، وَغَفَرَ ذَنْبَهُ، وَاسْتَحَقَّ شَفَاعَةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ القِيَامَةِ، فَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي؟ -يعني دعائي- فَقَالَ: «مَا شِئْتَ» قُلْتُ: الرُبُعَ؟ قَالَ: «مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ» قُلْتُ: النِّصْفَ؟ قَالَ: «مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ» قُلْتُ: فَالثُّلُثَيْنِ؟ قَالَ: «مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ» قُلْتُ: أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا؟ قَالَ: «إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ ويُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ» [رواه الترمذيّ وحسّنه الألباني].
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الخلفاء الراشدين، وعن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ ومن تبعهم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.
الطعام والشراب، واللباس والزينة في جنوب المملكة العربية السعودية خلال قرنين (15-14هـ/ 20-21م) – بقلم أ . د . غيثان بن علي بن جريس .
أولاً / الطعام والشراب :
——————————-
إذا أرخنا للطعام والشراب خلال المئة وأربعين سنة الماضية في أنحاء السروات وتهامة نجد أن معظم الأشربة والأطعمة كانت محلية من مزارع الناس، ولحوم مواشيهم ومنتوجاتها. وإذا جلبت بعض المواد الغذائية من خارج بلادهم، فقد كانت قليلة ومحدودة، وغالباً يتم إحضارها من أسواق الحجاز واليمن، وربما جاءت من دول عربية وإسلامية أخرى مثل الشام، ومصر، وبعض الدول الإفريقية، والتركية وغيرها.
– تُطهى جميع الأطعمة والأشربة في المنازل، ونادراً توجد محلات تجارية لصنع الطعام. وإن وجد شيئاً من ذلك ففي بعض المدن والحواضر الكبيرة مثل الطائف، والقنفذة، وأبها، وجازان وغيرها. وكان الناس متقاربين متحابين متعاونين في إعداد موائدهم وأطعمتهم في المناسبات الاجتماعية الكبيرة كالأعياد، والزواجات، والمآتم، وحفلات الختان، واستقبال الضيوف وإكرامهم، وغيرها من الأنشطة الاجتماعية الترفيهية.
– تقوم النساء بإعداد الأشربة والأطعمة لأسرهن، وغالباً في المناسبات الاجتماعية الكبيرة، وبخاصة الطعام المصنوع من الحبوب كالعصيد، والخبز بجميع أنواعه. أما الأطعمة من اللحوم وذبح الذبائح وإكرام الضيوف في المناسبات العامة فالرجال هم من يقومون بهذه المهنة.
وتختلف طرق إعداد الولائم الكبيرة، وأيضاً الوجبات الصغيرة والمتوسطة على مستوى القرى والأسر في تهامة والسراة، بل هناك بعض الاختلافات في المنطقة الواحدة من أرض تهامة أو السراة، من حيث أسماء الأشربة والأطعمة، وأدواتها، ومكوناتها، وطرق إعدادها، وقد وثقت شيئاً من ذلك في بعض مؤلفاتي التي صدرت خلال إلعقود الأربعة الماضية.
(*) عدد الوجبات اليومية ثلاث : فطور (قروع)، وغداء، وعشاء، وغالباً تُقدم في أوقات محددة عند شروق الشمس، ووسط النهار، وبعد المغرب. وأحياناً توجد وجبات قليلة وخفيفة في أوقات أخرى من النهار. وأثناء رحلاتي في مناطق السراة وتهامة خلال الثلاثين سنة الماضية (1416- 1446هـ/ 1996-2024م) جمعت بعض الأخبار عن بعض الأشربة والأطعمة عند الأوائل، ونشرت معظمها في كتبي وبحوث علمية أخرى عديدة. وخرجت ببعض الخلاصات التي أدرج شيئاً منها في النقاط الآتية :
1 – كانت معظم أشربة الناس وأطعمتهم طبيعية وصحية، فهي خالية من التلوث البيئي، وربما نقصت أو انعدمت المواد الغذائية عند الناس، بأسباب القحط وقلة الأمطار وأحياناً تظهر الأمراض في الحيوانات والمزارع فتقضي عليها، ويحل الفقر والجوع والمرض بالناس.
2 ـ زرت العديد من المتاحف التاريخية، والتقيت بالكثير من الأعلام المتقدمين الذين عاشوا أغلب سنين أعمارهم في القرن(14هـ/20م)، فسمعت، منهم وعرفت من بعض الآثار المادية التاريخية أن الذين صنعوا المواد والأواني الخاصة بالأشربة والأطعمة من أهل البلاد أنفسهم، وقليلاً تستورد مواد أو أوعية من خارج البلاد حتى العقود الأخيرة من القرن الهجري الماضي.
3 – ليست حياة الناس في أنماط أشربتهم وأطعمتهم موحدة وطبق الأصل في كل الأجزاء والمناطق السروية والتهامية، بل هناك اختلافات جوهرية وأخرى ثانوية. فسكان الساحل يختلفون عن أهل الخبوت والسهول التهامية، أو القاطنين عند سفوح السروات الغربية. والذين يعيشون في أراضٍ زراعية غير الذين يعتمدون في معاشهم على الصيد البري أو البحري.
وسكان أعالي السروات يختلفون عن البدو الرحل في الأجزاء الشرقية. فالأوائل أهل حرث وزراعة، ويمتلكون المواشي (الأبقار، والأغنام)، أما أهل البوادي فهم بدو ينتقلون من مكان لآخر، واعتمادهم في طعامهم وشرابهم على لحوم وألبان حيواناتهم. وتجرى التعاملات التجارية في أسواقهم الأسبوعية، ويتبادلون السلع المختلفة، وأحياناً تقايض البضائع ببعضها، ومعظم تلك التجارات التهامية والسروية محلية، وفي مقدمتها المواد الغذائية .
4 – اتضح لي أن كل نوع من الشراب والطعام له طرق للإعداد من بداية جلب مواده الأولية إلى تقديمه للأكل بصورة نهائية. وهناك فنون وألفاظ ومصطلحات لكل وجبه أو نوع من الطعام، وفي الغالب تختلف من مكان لآخر، وكل ما بعدت المسافة بين الأمكنة زاد التباين والاختلافات.
بعد ظهور البترول في البلاد السعودية، وانتشار الطرق والمواصلات الحديثة، وتوفر المال عند الناس، وتحسن أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية، وزيادة النمو التجاري والثقافي والتعليمي، والوظائف الحكومية (المدنية والعسكرية). بقى الناس يمارسون حياتهم السابقة فيما يتعلق بأشربتهم وأطعمتهم، وصاروا أيضاً يجلبون مواد غذائية أخرى جديدة من الأسواق الشعبية المحلية، ومن الموانئ والمدن السعودية الأخرى الكبيرة، أو من بعض البلدان العربية والأجنبية.
وأثناء التطور الإداري والمالي والحضاري الذي عاشته أرض السروات وتهامة في العقود الأربعة الأخيرة من القرن (14هـ/20م)، وقدوم الكثير من العناصر البشرية العربية والأجنبية التي عملت في الكثير من القطاعات التنموية الحكومية والأهلية ظهرت الكثير من المواد الغذائية الجديدة، ومعظمها مستوردة من داخل المملكة العربية السعودية، وصار الناس يشاهدون ويرتادون أماكن الأطعمة والأشربة التجارية التي لم تكن موجودة في العقود الوسطى من القرن الهجري الماضي..
واتسعت القاعدة الرئيسية لأسماء وأنواع الطعام والشراب، وقامت المطاعم الكبيرة والصغيرة في أنحاء البلاد، وصارت جميع الأيدي العاملة في هذه المحلات التجارية وافدة من بلدان عربية وإسلامية وأحياناً أجنبية. وعندما كنت طالباً بالجامعة في نهاية القرن الهجري الماضي، وعندي سيارة تاكسي أسافر عليها إلى مدن ومناطق عديدة في السروات وتهامة، أشاهد الدكاكين التجارية المليئة بالمواد الغذائية داخل المدن، وعلى بعض الطرق الرئيسية.
وكذلك (البوفيهات) والمطاعم بالمدن الرئيسية، مثل: الطائف، والباحة، والنماص، وتنومة، وأبها، وخميس مشيط، وبيشة، والقنفذة، وجازان، ونجران. والعاملون فيها من العمالة اليمنية، أو من البخارية والأفغان وغيرهم. وحضرت بعض المناسبات الاجتماعية في مناطق عسير، وجازان، ونجران، والطائف خلال التسعينيات من القرن (14هـ/ 20م) ورأيت ولائمهم متفاوتة في أحجامها، وأنواع الأطعمة والأشربة المقدمة، لكنها كانت خليط من الطعام والشراب المحلي، وبعض الأغذية المستوردة، وكان هناك الكثير من البروتوكولات) والعادات التي تمارس في تلك الاحتفالات.
كما شاهدت الكثير من أنواع الشراب والطعام الذي كان يقدم في المنازل الصغيرة والكبيرة، وفي مناسبات أسرية، أو على مستوى القرية، والبلدان الريفية، ومازال الغالب على تلك الحياة التعاون والتقارب بين أفراد الأسرة، أو الفخذ، أو القرية في إعداد أشربتهم وأطعمتهم الخاصة والعامة، ولم تكن ظهرت المطاعم والأمكنة التجارية التي تقوم على إعداد الشراب والطعام، وإن وجدت فهي قليلة ومحدودة في الحواضر والمدن الكبيرة والرئيسية، أما غالبية البلاد فمازالت تعيش جزءاً كبير من حياة السابقين، إلا أن أحوالهم المالية والاقتصادية أصبحت في مستوى أحسن وأفضل.
بدأ هذا القرن (15هـ/20م)، وبقيت عجلة النماء والتطور تسير في كل اتجاه. والإنسان هو محور الحياة، فهو الذي يؤثر ويتأثر في ركب الحضارة الحديثة والمعاصرة. وبقي نظام الطعام والشراب يتوسع ويتنوع في الإعداد، والطرق، والإمكانات، والأصناف. فزادت أنواع الأشربة والأطعمة عند الأفراد، والأسر، وعلى مستوى القرى، والمدن، والحواضر، والمناطق.
وتراجعت المواد الغذائية المحلية، وفاضت الأشربة والأطعمة المستوردة من بلدان كثيرة في العالم، وتوسعت وتعددت المطاعم، وأنشئت مخازن الأطعمة والأغذية التجارية الكبيرة، وزادت وتعددت الأيدي العاملة الوافدة في قطاع الأغذية والأشربة، وظهرت قاعات وصالات متعددة الأحجام والأغراض تقام فيها الكثير من المناسبات الاجتماعية، وتقدم فيها أصناف الولائم والأطعمة والأشربة .
لقد عشت جزءاً من حياة الأولين، وعاصرت وشاهدت العقود الماضية من هذا القرن (15هـ/ 20ـ21م)، ورأيت التطور التدريجي الذي جرى لتاريخ الشراب والطعام في نهاية القرن الهجري الماضي، والعقدين الأوليين من هذا القرن(15هـ/20م)، ثم التطور الحضاري السريع والكبير الذي حدث للأرض والناس خلال العشرين سنة الأخيرة ( 1425-1446 هـ/ 2004-2024م).
وكان الشراب والطعام أحد المجالات التي جرى عليها الكثير من التحولات الشكلية والمادية والمعنوية، وأصبح الإنسان مذهولاً مما يشاهده من تغيرات في ألوان، وأنواع، ومقادير، وأماكن، وتقاليد، وأنماط، وأعراف ميادين الشراب والطعام.
كما أنه يرى التأثيرات والآثار الإيجابية والسلبية التي يعيشها الناس في أساليب وأنواع طعامهم وشرابهم. ويجد طرق الشراب والطعام القديمة صارت معظمها من الموروث، وحل محلها ثقافات ومفردات ومصطلحات مستوردة وحديثة على بلادنا وحضارتنا المحلية. وهذا بدون شك ولد حاجزاً كبيراً بين تاريخ وحياة الآباء والأجداد، وبين أجيال الوقت الحاضر.
وأصبحت الأشربة والأطعمة القديمة غير مرغوبة ولامستساغة عند أبناء وبنات اليوم. وقد تحضر مناسبة اجتماعية كبيرة أو صغيرة، تُقدم فيها أنواع الأشربة والأطعمة القديمة والحديثة، فترى الأجيال المتأخرة تفضل الطعام الحديث والمستورد، ولا تميل كثيراً إلى الأكلات الشعبية المحلية، التي هي بدون شك أفضل في مكوناتها وفوائدها الصحية.
الحديث يطول ويتشعب إذا أطلقنا العنان في توثيق تاريخ الطعام والشراب المعاصر، ووسائل التواصل والتقنية الحديثة لعبت دوراً رئيسياً في الدعاية والتسويق للمواد الغذائية الحديثة والمستوردة ، واتصال العالم بعضه ببعض في وقتنا الحاضر أوجد الدعم والتثقيف للأغذية والأشربة الدخيلة والوافدة إلى بلادنا. وتراجع الاهتمام والعناية بأنواع الشراب والطعام البلدي القديم، مع أنه الأجود وما جرى ويجرى من التقليل بأهمية الشراب والطعام المحلي، امتد أيضاً إلى كل المجالات الحضارية المحلية الأخرى، وهذه ضريبة العولمة التي تحارب كل قديم وأصيل .
ثانياً / اللباس والزينة :
——————————
لم يكن عند التهاميين والسروييين زيًّا موحداً في النوع والشكل وطريقة اللباس. إنما الظروف الاقتصادية والجغرافية الطبيعية فرضت على الناس نوعية ألبستهم. فأهل الأجزاء التهامية يلبسون الملابس الخفيفة لشدة الحرارة في فصل الصيف واعتدالها في الشتاء. وتتفاوت طبقات المجتمع التهامي في أنواع ألبستها الداخلية والخارجية. فالسواد الأعظم خلال العقود الثمانية الأولى من القرن(14هـ/20م) كانت ألبستهم قليلة جداً وأنواعها رخيصة ورديئة، بعكس الأغنياء والأعيان والوجهاء وعلية القوم فألبستهم وأدوات زينتهم أفضل من غيرهم.
لم تكن أيضاً ألبسة أهل السراة خلال القرون الماضية المتأخرة في وضع ممتاز، لكنها أحسن في النوع والمستوى من أهل تهامة، ومن سكان البوادي في الأجزاء السروية الشرقية. وتذكر بعض المصادر، وبخاصة مدونات الرحالة، بعض الألبسة الرجالية والنسائية في الطائف، وبيشة، وأبها، والنماص، ونجران خلال القرنين (13ــ14هـ/19ــ20م).
لقد وثقت بعض المدونات عن أدوات الزينة وألبسة الرأس، والبدن، والأقدام للرجال والنساء في معظم بلدان تهامة والسراة، وذكرت الكثير من أسماء الألبسة التي كانت مستخدمة خلال القرون الماضية (ق1100ــ1400هـ/ 1688ــ1980م)، وطريقة صنعها واستخدامها وأهميتها، وأشرت إلى الألبسة المصنوعة محليًّا، والمستوردة من الأسواق الأسبوعية التهامية والسروية، أو من حواضر الحجاز الكبرى، أو بعض الأسواق المحلية والإقليمية. داخل شبه الجزيرة العربية وخارجها.
(*) وأثناء إقامتي في سروات بني شهر وبني عمرو خلال العقدين الأخيرين من القرن (14هـ/20م)، وقضاء بضعة أعوام من التاريخ نفسه في مدينة أبها، وسفري إلى بعض مدن المملكة في المناطق الجنوبية، والغربية، والوسطى، والشرقية، شاهدت وتذكرت بعض الصور التاريخية عن ألبسة الناس وأدوات زينتهم ، وأدون في النقاط التالية لمحات من تلك المشاهدات، وهي على النحو الآتي:
أ – كانت حياتنا ريفية، ولا نملك الكثير من اللباس وأدوات الزينة، فالرجال الكبار، والنساء الكبيرات حتى نهاية الثمانينيات من القرن (14هـ/20م) لا يملكون أكثر من ثوب أو ثوبين، وقليلاً جداً الذين عندهم ثلاثة أثواب وملحقاتها مثل العمامة، أو الرداء، أو ألبسة القدم. أما الألبسة الداخلية فهي قليلة جداً عند الجنسين، ونادرة أو لا توجد عند الأطفال ذكوراً أو إناثاً. وحياة الأرياف البعيدة عن القرى أو المراكز الحضارية في معظم السروات من أبها إلى الطائف..
وكذلك سكان البوادي فأحوالهم المعيشية العامة أقل بكثير من أوضاعنا في سروات النماص وما شابهها من القرى الكبيرة. وكنت أشاهد بعض أبناء القرى الذين التحقوا بالوظائف الحكومية في المدن السعودية الكبيرة عندما يعودون إلى قراهم في إجازاتهم الرسمية، يُحضرون معهم الكثير من الهدايا لأفراد أسرهم، وأحياناً لسكان قراهم (رجالاً ونساءً)، ومعظم تلك الهدايا أقمشة، وألبسة للرأس للرجال والنساء الكبار والكبيرات، وجميع تلك الهدايا جلبوها من أسواق المدن الكبيرة في الحجاز، أو نجد، أو المنطقة الشرقية.
وأرى أثناء ذهابي إلى المدرسة في مدينة النماص ألبسة زملائي الطلاب بسيطة ومحدودة، فلا تزيد عن ثوب وغترة وطاقية (قبعة، أو كوفية)، وكلها من الأنواع الرخيصة، ونادراً ترى إنساناً لديه ألبسة غالية حتى بداية العقد التاسع من القرن الهجري الماضي. والمدرسون السعوديون، وهم قليلون جداً، ملابسهم أقل من عادية، والمعلمون المتعاقدون جميعهم أو معظمهم يلبسون البنطال والقميص، وفيهم من كان يلبس الربطة (الكرفتة) في العنق، ورؤوسهم مكشوفة، ويلبسون (الكندرة) في القدم، أو أحذية أخرى أجود من أحذيتنا وأحذية المدرسين السعوديين.
وكان على مقربة من مدرستنا سوق الثلاثاء الأسبوعي، كنا نتردد عليه يوم السوق ونشاهد الكثير من البضائع المحلية، وبعض المستوردة، ومنها الأقمشة، وألبسة أخرى عديدة رجالية ونسائية، أما ألبسة الأطفال فلا توجد أصلاً، وشاهدت بعض الأحذية الجلدية أو البلاستيكية، ونماذج من الأسلحة والأحزمة التي يتزين بها الرجال، وبعض أدوات الزينة مثل: الريحان وأشجار عطرية أخرى، والحناء، والبخور أو ما يسمى بالظفار، وبعض العطور المستوردة من أسواق اليمن والحجاز وغيرها .
ب – كنت في السنوات الأخيرة من العقد الثامن في القرن (14هـ/20م) أجلس في مجالس النساء الكبيرات والرجال الكبار، وأسمعهم يتحدثون عن الفقر والعوز الذي عاصروه ولحقهم من أربعينيات وربما ثلاثينيات القرن نفسه إلى الزمن الذي سمعتهم يروون بعض أخبارهم وقصص من حياتهم وحياة السابقين. كما عاصرت بعض المناسبات الاجتماعية في قرى النماص، وتنومة، وبني عمرو ..
ورأيت الرجال والنساء يلبسون أفضل ما لديهم من لباس وزينة. فالرجال يلبسون الثوب والغترة وأحياناً العقال، وبعض الأحزمة وغيرها من الأسلحة كالبنادق وبعض السيوف. أما النساء فيلبسن الثياب والأقنعة وبعض الجواهر والخواتم وغيرها. ولم يكن كل الناس عندهم تلك الألبسة، فترى أكثرهم (رجالاً ونساءً) يستعيرون بعض الألبسة وأدوات الزينة من غيرهم ومن تتوفر عنده أثناء حضورهم مناسباتهم الاجتماعية كالزواج وغيرها من الاحتفالات الفرائحية.
ج – أوثق هذه المعلومات من خلال المشاهدات الشخصية في سروات بني شهر وبني عمرو وفي الفترة نفسها ذهبت إلى قرى خاط والمجاردة ورأيت ألبسة الناس أدنى في المستوى والجودة من قرى السروات، وعاصرت بعض موظفي الدولة الذين عادوا من وظائفهم لقضاء إجازاتهم في قرى تهامة، أو بعض المدرسين والموظفين المحليين في بلدتيّ المجاردة وخاط، فكانت ألبستهم أنظف وأفضل من ألبسة عامة الناس.
ولم يكن عندي في ذلك الزمن معرفة واسعة عن ألبسة الناس في أرجاء تهامة لكنني بعد القراءات أثناء رحلتي البحثية الطويلة تبين لي أن معظم قرى وبوادي السراة وتهامة لم تكن بعيدة في المستوى عما شاهدته في قرى بني شهر وبني عمرو السروية والتهامية. أما المدن والحواضر الكبيرة في عموم البلاد مثل الطائف، والقنفذة، وأبها، ونجران، وصبيا، وجازان، وخميس مشيط، وبيشة فقد كانت أحوال بعض الناس فيها أفضل من غيرها، لأنها مراكز حضارية وإدارية كبيرة، وفيها الكثير من الأجناس البشرية المتنوعة، وأسواقها الأسبوعية مليئة بالبضائع المحلية والمستوردة، والألبسة والأقمشة وأدوات الزينة من أكثر السلع التجارية الرائجة.
د – سافرت من نهاية الثمانينيات إلى منتصف التسعينيات من القرن الهجري الماضي إلى الحجاز، والرياض، والمنطقة الشرقية، وذهبت إلى أبها وخميس مشيط وبيشة، وتوسعت مداركي ومشاهداتي، ورأيت زيادة وتنوع الألبسة وأدوات الزينة في هذه الأوطان، وأثناء رجوعي إلى موطني الأصلي سروات بني شهر وبني عمرو لاحظت تحسن أوضاع الناس تدريجيًّا، وبدأت ألبستهم وأدوات زينتهم تكثر وتتنوع في الأنواع والأشكال، وصار الأفراد والجماعات يقتنون ملابس داخلية وخارجية متعددة، وأصبحت الكثير من الألبسة وأدوات الزينة تعرض في الأسواق الأسبوعية وبعض المحلات التجارية في مدينة النماص، وبعض القرى الكبيرة في البلاد.
انتقلت من النماص إلى أبها لدراسة الجامعة (1396ــ1400هـ/1976ـ1980م)، وعاصرت وزاملت الكثير من طلاب تهامة والسراة، ورأيت الكثير من أعضاء هيئة التدريس الوافدين من بلدان عربية وإسلامية وأجنبية عديدة. وبدأت العمالة الوافدة تزيد وتتكاثر في كل مكان، وسارت عجلة التنمية الاقتصادية والحضارية نحو التطور والازدهار.
ورأيت الكثير من التغيرات خلال سنوات الجامعة الأربع، ولم تعد الملابس وأدوات الزينة قليلة ومحدودة عند الناس كما كانت في العقود السابقة (1301ــ1390هـ/ 1884ــ1970م)، بل أصبح هناك أسواقاً صغيرة ومتوسطة يومية في المدن الكبيرة ببلاد تهامة والسراة، والكثير من سلعها ألبسة داخلية وخارجية لجميع شرائح المجتمع، وزادت أدوات الزينة المستوردة من أمكنة عديدة داخل المملكة العربية السعودية وخارجها.
وأذكر أيام دراستي في كلية التربية بأبها أنني كنت أتردد على أسواق أبها وخميس مشيط الحديثة، وذهبت إلى مدن عديدة في الحجاز، والمنطقتين الوسطى والشرقية وشاهدت ألبسة متنوعة وكثيرة بعضها صناعة (خياطة) محلية، وأكثرها مستوردة من خارج البلاد. وأصبحت أمكنة الخياطة الرجالية، ومشاغل التجميل والخياطة النسائية في مدن عديدة من مناطق الطائف، والباحة، وعسير، وجازان، ونجران.
لاحظت تنوع الألبسة في حاضرتي أبها وخميس مشيط، بسبب تعدد الأجناس البشرية التي جاءت إلى هذه البلاد. فطلاب الجامعة تتشابه ألبستهم في الشكل العام، لكن هناك أيضاً بعض الاختلافات وتأثيرات بيئاتهم الأصلية، فأهل تهامة من القنفذة إلى جازان تختلف أنواع وهيئات ألبستهم عن أهل السراة.
كانت العناصر الوافدة إلى بلاد عسير وغيرها من أرض السروات سواءً من داخل المملكة أو خارجها، تتفاوت في ألبستها بشكل أوسع وأوضح من السكان المحليين السرويين والتهاميين . فكنت أرى بعض العناصر الحجازية، أو الخليجية وغيرها يختلفون عن بعضهم نوعاً ما، في نوع اللباس وشكله وطرق استخدامه.
والوضع نفسه عند الأجناس الخارجية، فالباكستاني أو الأفغاني مثلاً يختلف عن الكوري أو الصيني أو الأوربي أو الأمريكي، والجنسيات العربية أو الإسلامية تتباين في طرق لبسها، وأسماء ألبستهم وأدوات زينتهم وتقاليدهم وعاداتهم الخاصة بالزينة واللباس. أما تنوع ألبسة النساء فأوسع وأكثر مما عند الرجال.
(*) ذهبت في مطلع هذا القرن (15هـ/20م) للدراسة في أمريكا وأوروبا ، وكنت كل عام أعود في إجازة قصيرة إلى بلادي في منطقة عسير، وعند الانتهاء من الدراسة الخارجية رجعت واستقريت في حاضرة أبها ومازلت أعيش فيها إلى الآن (1447 هـ / 2025م)). وخرجت ببعض الانطباعات العامة عن التاريخ الحديث والمعاصر ( 1401 – 1447هـ / 1981 – 2025م)) في مجال اللباس والزينة، وأذكر أهمها في البنود التالية :
1- إن تحسن أحوال الناس المادية، واتصالهم بغيرهم في الداخل والخارج، ومشاهدات وسائل الإعلام المختلفة جعلت أنواع الألبسة تتنوع في موضوعاتها، وموديلاتها، وصار التأثير الحضاري الخارجي يصل إلى كل فرد وأسرة في بلدان السروات وتهامة بل في جميع مدن وحواضر ومناطق وقرى المملكة العربية السعودية. وثقافة الزينة واللباس من أكثر المجالات البشرية المحلية التي تأثرت بالثقافات الوافدة من خارج البلاد.
2 – لعبت الحياة التجارية أدواراً عديدة في توسيع القاعدة الحضارية الاقتصادية في أنحاء المملكة العربية السعودية. وتهامة والسراة جزء من الوطن السعودي الكبير. وبدأت مجالات التجارة تتزايد وتتوسع وتتنوع خلال العقود الأربعة الماضية ( 1406-1446هـ/ 1986-2024 م)، ونشأت المحلات التجارية الصغيرة أو المتوسطة في بداية هذا القرن(15هـ/20م) ثم تطورت حتى صارت اليوم أسواقاً ومولات كبيرة تشتمل على شتى البضائع الإقليمية والمحلية.
والذاهب في أرجاء محافظات ومدن ومناطق السروات وتهامة يشاهد مئات الأسواق الكثيرة والعملاقة المتخصصة في الألبسة وأدوات الزينة المستوردة من بلدان عربية وإسلامية وأجنبية عديدة، والأقمشة والألبسة الصينية الداخلية والخارجية تتصدر البضائع المعروضة للتسويق. وأصبحت تمثل حيزاً كبيراً من ألبستنا الشخصية اليومية.
وقد تجولت مؤخراً في عدد من أسواق الملابس وأدوات الزينة في مدن الطائف، والباحة، والقنفذة، وبيشة، والنماص، ومحايل عسير، وأبها، وخميس مشيط، وسراة عبيدة، ونجران، وصبيا، والدرب، وأبو عريش، وجازان وغيرها فرأيت آلاف الموديلات من الألبسة النسائية والرجالية، وملابس الأطفال الداخلية والخارجية، وجميعها مستوردة من خارج البلاد، أما الألبسة المحلية القديمة، فتوجد بأعداد قليلة في بعض الأسواق اليومية أو الدكاكين أو الأسواق الشعبية، والإقبال عليها في أدنى المستويات، وزبائنها غالباً من الأجيال الكبيرة والمتقدمة في السن.
3 – ليس هناك وجه مقارنة على الإطلاق بين نظام اللباس والزينة قديماً، وما يعيشه الناس في وقتنا الحاضر. ولا ننكر أن الكثرة والطفرة الحضارية المعاصرة في شتى البضائع تُعد فضل ونعمة من الله (عز وجل)، لكن السلبيات الكثيرة التي جاءت مع التجارات الحديثة، ومنها أدوات الزينة والملابس، يصعب حصرها. ومن أهمها تقليد رجالنا ونسائنا للموضات الخارجية التي تخدش الحياء، وتكشف عورات الناس..
والتشبه بأعداء الإسلام من اليهود والنصارى والبوذيين وغيرهم من الكفار والمشركين. والنقاش في هذا الباب يطول، وصار يُنظر إلى ستر الجسد عند النساء والرجال من الرجعية والتخلف في عيون البعض من أجيال الوقت الحاضر. ومن يذهب إلى أي سوق للزينة واللباس، فالسمة الظاهرة على معظم الملابس الموجودة الصبغة الأجنبية، التي تتعارض مع تعاليم الدين الإسلامي في كل ما يتعلق بأشكال وهيئات الألبسة وستر العورات.
4 – لم نشر إلى تفاصيل كل لباس (رجالي ونسائي) داخلي أو خارجي معاصر، ولا طرق صنعه وجلبه واستخدامه ، ولا الإيجابيات والسلبيات لكل نوع أو شكل، ولا الأسماء والمصطلحات اللغوية لهذه الألبسة الجديدة .ولا مستوى التعاملات التجارية مع أدوات الزينة والملابس المستوردة، ولا آثار هذه الألبسة السلبية على قيمنا ومبادئنا وعقيدتنا عند الجنسيين (النساء والرجال) أو الصغار والكبار..
ولا الظروف والمراحل التاريخية التي مرت بها الألبسة وأدوات الزينة في أرجاء تهامة والسراة من عام (1390ــ1447هـ/1970ــ2025م)، وغيرها من التساؤلات والميادين التي واكبت هذا التاريخ الحضاري المحلي خلال الخمسين عاماً الأخيرة.
وصل الله وسلم على الرسول محمد بن عبد الله ، خاتم النبيين وسيد المرسلين ، عليه أفضل الصلاة والسلام.الاربعاء (٢٣ / ٤ / ١٤٤٧هـ الموافق ١٥ / ١٠ / ٢٠٢٥م).
امرأة تهزّ قصر الإليزيه برسالةٍ أربكت فرنسا كلها!
من قلب أوروبا الباردة… ومن بين جدران الكنيسة التي احتضنتها سبعين عامًا، خرج صوت امرأةٍ يزلزل أركان السياسة والفكر معًا!
إنها مريم بترونين 🇫🇷
الفرنسية التي بلغت الخامسة والسبعين من عمرها، فتركت خلفها حياةً من الترف لتبحث عن الحق المفقود.
✉️ بدأت رسالتها إلى الرئيس ماكرون بكلماتٍ غريبة على مسامع الفرنسيين:
“السلام على من اتبع الهدى…”
ثم كتبت بصدقٍ نادر:
“سيدي الرئيس،
قضيت أربع سنواتٍ أسيرةً في مالي بين المسلمين…
كنت أظن أنني سأُهان، لكنني وجدت الاحترام.
توقّعت القسوة، فوجدت الرحمة.
تصوّرت الجهل، فاكتشفت النور!”
🕊️ وتواصل مريم حكايتها التي أدهشت فرنسا:
“رأيت رجالًا ينهضون خمس مراتٍ في اليوم للوقوف بين يدي الله،
ونساءً أطهر من الثلج،
لا خمر، لا لهو، لا فجور.
فقراء في المال، لكن قلوبهم أغنى من ملوك الأرض.”
ثم وجّهت كلماتها مباشرةً إلى ماكرون بجرأة:
“هل سمعت صوت التلاوة عند الفجر؟
حتى لو لم تفهم حرفًا، ستشعر أنك تسمع لحنًا سماويًا لا يشبه كلام البشر.
هل سجدت يومًا؟ لو جرّبتها مرةً واحدة… لعرفت معنى القرب من الخالق.”
⚡ ثم كتبت الجملة التي دوّت كالرعد في سماء باريس:
“نحن باسم المسيح ارتكبنا ما نخجل من ذكره،
بينما أولئك البسطاء عاملوني بأخلاق الأنبياء التي نسمع عنها ولا نعيشها!”
🌟 وبعد عودتها إلى فرنسا، كانت المفاجأة الكبرى:
أعلنت مريم بترونين إسلامها عن قناعةٍ ويقين،
لم يُجبرها أحد، لم يُساومها أحد،
بل قالتها أمام الجميع بثباتٍ وإيمانٍ عجيب:
“وجدت النور الذي ضاع منكم،
وجدت الإيمان الذي غاب عن قلوبكم.”
واختتمت رسالتها بكلماتٍ تهزّ الضمير الإنساني:
“أدعوك يا ماكرون…
راجع نفسك،
وأعد النظر في موقفك من هذا الدين،
فهو ليس دين العرب وحدهم،
بل رسالة كل الأنبياء من آدم إلى عيسى… وصولًا إلى محمد ﷺ.”
🌿 هذه هي مريم… امرأة فتحت قلبها للحق حين أغلق غيرها العقول.
وجدت الله في البساطة، لا في القصور.
وفي السجود… لا في الشعارات.
___________
*إنشر داعيا ومعلما ومتعلما ومحتسباً*
” ألا بذكر الله تطمئن القلوب ”
الحمد لله الذي طمأن قلوب الصالحين بذكره، وأعان أولياءَه على حمده وشكره، أغدق عليهم نعمه، وشرّفهم بالسجود له، وهو الغني عنهم وعن الخلق أجمعين، فالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي المصطفى وعلى آله وصحبه ومن سار على دربهم واقتفى ،،
قال سبحانه في كتابه المجيد: (( الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب )) قال السعدي رحمه الله في تفسيره: ” أي: يزول قلقها واضطرابها، وتحضرها أفراحها ولذاتها، فلا شيء ألذ للقلوب ولا أشهى ولا أحلى، من محبة خالقها، والأُنس به ومعرفته، وعلى قدر معرفتها بالله ومحبتها له يكون ذكرها له، هذا على القول بأن ذكر الله: هو ذكر العبد لربه، من تسبيح وتهليل وتكبير وغير ذلك، وقيل: إن المراد بذكر الله كتابه الذي أنزله ذكرى للمؤمنين، فعلى هذا معنى طمأنينة القلوب بذكر الله: أنها حين تعرف معاني القرآن وأحكامه تطمئن لها، فهي تدل على الحق المبين، المؤيد بالأدلة والبراهين، وبذلك تطمئن القلوب، فإنها لا تطمئن إلا بالعلم واليقين، وذلك في كتاب الله مضمون على أتم الوجوه وأكملها، وأما ما سواه من الكتب التي لا ترجع إليه، فلا تطمئن بها، بل لا تزال قلقة من تعارض الأدلة وتضاد الأحكام، وصدق الله: (( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيرا )). ” انتهى كلامه رحمه الله.
وفي أُنس الذاكر بربه قال مالك بن دينار: ” ما تلذّذ المتلذذون بمثل ذكر الله عز وجل، فليس شيء من الأعمال أقل مُؤنةً، ولا أعظم لذةً، ولا أكثر فرحةً وابتهاجاً للقلب من ذكر الله “.
ويكفي والله في فضل الذكر وشرفه أن الذاكر يذكره الله في الملأ الأعلى، وقد جاء في الحديث القدسي عند البخاري: ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يقول الله جل جلاله: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منه )، وقد قال ربي في كتابه العزيز: (( فاذكروني أذكركم )) قال السيوطي هنا: ” توقف وتأمل في هذه الآية، فوالله لو تيقن منها قلبك ما جفّت شفتاك “، صدق والله، فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
ولنعلم أيها الأفاضل ،، أن الإكثار من ذكر الله مرتبة عالية لا ينالها ويواظب عليها إلا من وفقه الله وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، وقد أمر الله سبحانه المؤمنين بالإكثار من ذكره فقال جل في علاه: (( يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا * وسبحوه بكرة وأصيلا * هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما ))، روى الطبري هنا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في هذه الآيات: ” إن الله تعالى لم يفرض على عباده فريضة إلا جعل لها حدا معلوما، ثم عذر أهلها في حال العذر، غير الذكر، فإن الله تعالى لم يجعل له حدا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا على تركه، فقال: (( فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم )) بالليل والنهار، وفي البر والبحر، وفي السفر والحضر، وفي الغنى والفقر، والسقم والصحة، والسر والعلانية، وعلى كل حال، وقال عز وجل: (( وسبحوه بكرة وأصيلا )) فإذا فعلتم ذلك صلى الله عليكم وملائكته “.
وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لئن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، أحب إلي مما طلعت عليه الشمس ). والشمس تطلع على الأرض بما فيها من الكنوز والأراضي والخيرات، بل تطلع على الكواكب وعلى عوالم أخرى لا يعلمها إلا الله، فنسأل الله أن يجعلنا وإياكم وأهلينا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات.
__ قبل الختام:
قال أهل العلم: ” لذكر الله عز وجل أثرٌ كبير في انشراح الصدر، ورباطة الجأش، وذهاب الرهبة، وتيسير الأمر، وحل عقدة اللسان والقلم “.
وقالوا: ” التوفيق ليس بيتا تسكنه ، ولا ثوبًا ترتديه ، التّوفيق غيث إنْ أذنَ الله بهطوله على حياتك ما شقيت أبداً ، فاستمطره بالصلاة والدّعاء والاستعانة بالله في كل الأحوال والإنابة إليه، وحسن الظن به جل في علاه، وحتى تتيقن أن المسألة مسألة ” توفيق ” ، انظر إلى ” الذِّكر ” من أسهلِ الطاعات ، لكن لا يوفق له إلا القليل “.
__ ختاماً:
قال أحد السلف: ” علامة حب الله كثرة ذكره، فإنك لن تحب شيئا إلا أكثرت ذكره “.
فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك واملأ قوبنا حباً لك وحياءً منك وإقبالاً عليك، وأعنا على ما يرضيك ويقربنا إليك ،،
*حين يتحوّل الكرم إلى مسرحية استعراضية!*
الدكتور / وليد أبو ملحة
لم يعد الكرم عند بعض الناس عفويًّا .. ولا عُرف الضيافة موروثًا نقيًّا .. بل تحوّل إلى مهرجان “هياط” تفرضه عدسات الجوالات .. وتغذّيه شهية الاستعراض .. حتى صرنا نرى في كل مناسبةإجتماعية كرنفالًا من التكلّف والتصنّع.
تخيّل أن يقف الضيف في الحوش أو الساحة وكأنه مذيع أخبار .. ليعطي “العلم” أمام الكاميرات .. ثم يخرج ليقول بملء فيه: “جينا ومعنا رمز عطاء ومبلغ وقدره …” .. وكأنها صفقة تجارية لا زيارة أخوية! .. وكأن المناسبة اجتماع جمعية خيرية مدعومة من صندوق النقد الدولي .. لا جلسة بين أهل وأقارب وأصدقاء .. والأدهى والأمرّ أن بعض المجالس لم تعد تحفظ مقاماتها .. فترى الصغير يتقدّم الكبير في الكلمة والمكان .. ونرى ممن أغتنوا في غفلة من الزمن يصولون ويجولون ويختالون كالطووايس .. وتتحوّل الليلة إلى حفل خطابي مملّ .. قصائد وصوتيات وتطبيل وإستعراض وتصوير مباشر .. حتى يغدو المُضيّف بطلًا قوميًا لأنه ذبح بهيمة! .. او اعددت فنجال قهوة وجيشت له الفلاشات والتغطيات . أصبحت بطلًا قوميًّا .. وبيتَ كرم يُشاد به في كل الأصقاع .. وقد رأينا ممنن نحسبهم قدوة من مشائخ القبائل .. من يُعلن هداياه لمن أستضافهم على الملأ .. وآخر يُعلن لضيوفه كم من البهائم قام بذبحها .. وقس على ذلك من اعاجيب كرم هذا الزمان.
-هذه الممارسات ليست من كرمنا ولا من عاداتنا .. بل هي امتداد مباشر لـ موجة الهياط التي اجتاحت المجتمع مع جنون “أخذ اللقطة” .. فأصبح همّ الكثيرين أن يوثقوا المشهد لا أن يعيشوا المعنى .. وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي هي الحاكم الجديد .. فمن لا يوثّق .. فكأنما لم يُضِف ولم يُكرِم.
وهكذا طغت هيمنة الاستعراض على الجوهر .. وصار الكرم الحقيقي يُقاس بعدد المتابعين وعدسات السناب .. وبالسمعة المزعومة التي أُكتسبت لا بصدق النية وكرم الفعل.
كرم أجدادنا لم يكن بحاجة إلى قصيدة مدح .. ولا إلى تصوير من عشر زوايا .. لقد كانوا يقدّمون الزاد ببساطة وبلا إعلان .. وكانوا يعتبرون أن الكرم يُخفى ليُحفظ قدره .. لا يُعلن ليُستهلك كسلعة. أجدادنا كانوا يكرمون الضيف في صمت .. يقدمون الطعام بلا منّة ولا “فلتر سناب” .. يعتبرون الكرم دينًا وواجبًا لا حملة دعائية.
ما نحتاجه اليوم ليس المزيد من “الحفلات الخطابية” .. بل عودة إلى روح الضيافة الأصيلة: الكرم الصامت .. العطاء الخفي .. وتقدير الكبير قبل الصغير. فالكرم الحقيقي لا يُختزل في ذبح بهيمة .. ولا يُرفع شأن صاحبه بكمّ القصائد التي أُلقيت في حقه .. إنما يُعرف الكرم عندما يُمارس ببساطة .. حين يُحفظ للضيف قدره دون منّة .. ويُقدَّم العطاء دون استعراض !!ح
هذا *زعل*
وهذا *رحل*
وهذا *غيرته الأيام*
أخبروا الجميع بأن *من أكثرَ التَّدقيق حُرِمَ التَّوفيق!*
قال ابِنُ الجوزيِّ:
*العاقلُ الذَّكِيُّ من لا يُدقِّق، في كل صغيرةٍ وكبيرةٍ مع أهله وأصحابه وأحبابه وجيرانه!*
أحياناً أجمل ردَّة فعلٍ هي *ان لا يكون لكَ ردَّة فعل!* لان لو كان في الرد خيراً لما أسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم! بعض الأمور السكوت والتغافل عنها *قوة وفضيلة*.
*لا تُحلِّل كلَّ تصرُّف*، *ولا تقفُ عند كلِّ كلمة،* النَّاسُ فُطِروا على الهفوات فاحتملها منهم. من النِعَم الكريمة أن *تألَف وتُؤلَف*، أن تكون *هيّنًا ليّنًا مُهذّبًا، لا غليظًا ولا فظاً ولا بذيئًا*. يحبك الناس لما يجدونه فيك من الطيبة واللطف والسماحة، ويأنسون بقُربك وصُحبتك، وهذه السمات من *مكارم الأخلاق* التي ترتقي بصاحبها، ومَن حازَها حازَ خيرًا كثيرًا.
اللّهِمّ إّنا نسأْلك قبولاً في الأرضِ بين خلقك وقبولًا في عنان السماء بين ملائكتِك وقبولًا بيننا وبينك يجعلَنا نلقاك وأنتَ راضٍ عنّا.
اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد ﷺ.
–
عَلى الإنسان أن يُدرك..
«أنّ أوقات الإنشغال نعمة، وأنّ التَّعّب المُثمر نعمة، وكلّ دقيقةٍ تقضِيها في الاشتغال على نفسك وعقلك وقلبكَ، هي استثمارٌ مؤجّل لو لَم تَرَ النتائج الآن! النَّفس تَميل لراحتها، ولاتعلَم أنّها ترتاح بالتَّعَب.
كلّ لحظة قراءةْ استصعَبتَها لكنّك أكمَلتَ الكِتاب، كلّ مشروعٍ لم تتركهُ في المُنتصف، كلّ فكرةٍ عَزمت على إتمامها، كلّ لحظةٍ استثمرت ما فيها، كلّ برنامجٍ ودورةٍ ومحاضرةٍ ولقاءٍ أخذت منه حدّ الارتِواء!
كلّ دفترٍ ملأته، و قلمٍ أنهَيتَه، وكتابٍ قرأتهُ، وحقيبةٍ حَملتها،وخطىً سِرتَها، وساعة خَلَوتَ بها،كلّ هذا يشهد لك؛كلّه ذاتَ يومٍ يرفعك!»