28 شوال, 1447

⚠️ عُقُوبَةُ “الجُفُونِ المَيِّتَة”.. القِصَّةُ الَّتِي زَلْزَلَتْ لُوسْ أَنْجِلُوس وَأَنْقَذَتْ مُنْتِجَ الأفلام الإباحية🔞👁️

✒️ مِنْ رَوائعِ مَا رَوَاهُ الدُّكْتُور مُحمَّد راتِب النابلسِي عَنْ سِرِّ الهِدَايَةِ وَبَطْشِ الله 📖

===

📍 المَشْهَدُ الأَوَّل: اِعْتِرَافٌ صَادِمٌ فِي آخِرِ الدُّنْيَا! 🇺🇸 🌑

يروي الدكتور النابلسي: التقيتُ رجلاً في “لوس أنجلوس” 🇺🇸، قال لي بمرارة: “أنا عملي أقذر عمل في الأرض!”. ثم اعترف بأنه يعمل في “إنتاج الأفلام الإباحية” 🔞. لكنَّ المفاجأة كانت قوله: “لقد سمعتُ لك شريطاً (50 مرة) 📼، وتبتُ إلى الله، وتركتُ هذا العمل القذر!” 🧼.

📍 المَشْهَدُ الثَّانِي: سِرُّ الآيَةِ الَّتِي زَلْزَلَتِ الكِيَان! ⚖️ 🔥

عندما التقيته مرة أخرى في “واشنطن”، كان قد صار شاباً عرف الله حق المعرفة 🕯️. سألتُه: أي شريط سمعت؟ قال: شرح آية:

> {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} 📖.

>

قال لي: “لقد شرحتَها شرحاً مخيفاً ⛈️، ولكنَّ قصةً واحدةً ذكرتها كانت هي السبب في توبتي!”.

📍 المَشْهَدُ الثَّالِث: قِصَّةُ “الجُفُونِ المَيِّتَةِ” فِي دِمَشْق! 🇸🇾 👁️

القصة كانت عن رجلٍ في “المزة” بدمشق 🇸🇾، شارف على الستين، وله عادةٌ سيئة؛ يذهب في الصيف إلى “الصالحية” و”الجسر” 🛣️، لا ليفعل شيئاً، بل ليُمتع عينيه بالحرام 👁️ 🚫.

* العقوبة الإلهية: أصابه مرض “ارتخاء الجفون” 🥀.

* الحال: صار إذا أراد أن يرى شخصاً، يمسك جفنيه بيديه ويرفعهما ليرى! 👐 👁️. لقد عاقبه الله من “جنس عمله”؛ فالعين التي تذوقت الحرام، حُرمت من أبسط حقوقها وهو (النظر الطبيعي).

💡 السِّرُّ العَظِيم: “مِفْتَاحُ التَّشْغِيل” الخاص بك! 🗝️ ✨

يُعقب الدكتور النابلسي بدرسٍ بليغ:

> “يا محمود.. يا أخي.. كل إنسان له (مفتاح تشغيل) ⚙️. قد تحضر دروساً كثيرة ولا تتأثر، ولكنَّ (كلمة واحدة) 🗣️ قد تقلب حياتك 180 درجة! هذا الشاب في آخر الدنيا خاف من بطش الله بعد أن سمع القصة، فأكرمه الله بالتوبة 🕊️.”

>

🧠 الرِّسَالَةُ التَّرْبَوِيَّة: لَا تَهْجُرْ مَجَالِسَ العِلْم! 🕌

احضر الدروس كلها، ولا تقل “هذا الموضوع مكرر”. فأنت لا تدري في أي لحظة، ومن أي آية، وفي أي قصة يكمن (مفتاحك الشخصي) 🗝️ الذي سيفتح لك أبواب الجنة ويغلق عنك أبواب الحرام 🛡️.

📩 رِسَالَةُ اليَقِين: 💌

قد تكون هذه القصة هي (مفتاح التشغيل) 🗝️ لإنسانٍ يقرأ الآن. الله ينتظر عودتك 🤲، وبطشه شديد، لكنَّ رحمته سبقت غضبه.

(اكتب “اللهم تب علينا لنتوب” 🤲 وشارك هذه القصة المذهلة لتكون سبباً في هداية غافل! 👇 🇸🇾 ✨)

تتحمل الجامعة مسؤولية أخلاقية كاملة حين تسمح بأن يفرغ التحكيم الأكاديمي
من معناه وحين يدار باسم اللوائح ما يناقض جوهر العلم.
فالتحكيم ليس إجراءً روتينيًا ولا سلطة صامتة تمارس من خلف المكاتب
بل فعل عدالة يمس مصائر علمية ومهنية
وأي خلل فيه هو خلل مباشر في صميم
الضمير المؤسسي.

وتقع المسؤولية صراحة على كل من قبل مهمة التحكيم دون أهلية علمية كافية
أو دون استقلال أخلاقي أو دون إلمام دقيق بالأنظمة
فقبول التكليف
بلا كفاءة ليس خدمة
بل إساءة والإصرار
على الموقع بلا قدرة
على العدل ليس اجتهادًا بل تعدٍّ صريح على العلم، ولا يُغير من ذلك شيء
أن يكون الخطأ مغطّى بإجراء نظامي
أو توقيع رسمي.

وتدان كل ممارسة تدار فيها القرارات
بمنطق الأسماء
لا بمنطق النصوص
وبالاعتبارات الشخصية
لا بالمعايير العلمية. فالمكانة الوظيفية
والعلاقات والتاريخ الإداري لا تمنح أحدًا
حق تجاوز جودة البحث وأصالته ومنهجيته.
وكل قرار يمنح
بغير استحقاق
أو يحجب ظلما
هو قرار فاقد
للشرعية الأخلاقية
مهما بدا سليما
في شكله الإجرائي.
وتبلغ المساءلة أقصاها عند التساهل مع
الزيف الأكاديمي
وفي مقدّمته تمرير أبحاث لم ينجزها أصحابها فعليا
أو التغاضي عن تفويض الجهد البحثي لآخرين
سواء عبر الاستكتاب المأجور، أو شراء الأبحاث أو إعادة تدوير أعمال الغير بأسماء مختلفة
فهذه ليست مخالفات فردية
بل فساد معرفي مكتمل يكافئ المال أو النفوذ ويقصي الجهد الحقيقي
ويُحوّل الترقية
إلى جائزة على
التحايل
لا على الاستحقاق.

كما يدان بوضوح
أي تهاون مع الانتحال
أو السرقة العلمية
أو أي تعامل شكلي
مع أدوات كشف التشابه.
فتمرير بحث مسروق
أو مشكوك في أصالته ليس خطأً إداريا
بل خيانة مباشرة
للعلم
وطعن في مصداقية الجامعة ورسالة ضمنية بأن الرداءة مقبولة
متى ما احسن تغليفها.

وتحمل المسؤولية
كذلك لكل تسويف
إداري بلا مسوغ
ولكل احتجاز للملفات
ولكل تأخير متعمد
في القرارات.
فالزمن الأكاديمي جزء من الحق وتأخير الحكم ظلم لا يقل فداحة
عن الحكم الجائر
والشفافية في تسبيب القرارات واجب لا خيار ومن يتخلى عنها يضع نفسه موضع مساءلة أخلاقية صريحة.

إن الجامعة التي
لا تُحاسِب ذاتها علنا تُشرعن الزيف
وتكافئ الرداءة
وتفقد ثقة المجتمع. ويبقى السؤال الذي
لا يجوز الهروب منه
من يعمل حقًا
ومن يوقّع فقط
فحيث لا تُواجَه هذه الأسئلة بشجاعة
لا علم يصان
ولا جامعة تحترم،
ولا مستقبل يؤتمن.

الجامعة والضمير العلمي

المحافَظَةُ عَلَى الْبِيئَةِ وَعَدَمُ الْإِضْرارِ بِهَا 20/ 7/ 1447هـ

﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾

إِنَّ الْحَمْدَ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا وَسَيِّئاتِ أَعْمالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، وَلَا نَتَعَلَّقُ بِأَحَدٍ سِواهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَخَلِيلُهُ وَمُصْطَفاهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ سارَ عَلَى طَرِيقِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ عِبَادَ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ حَقَّ التَّقْوَى، وَاسْتَمْسِكُوا مِنَ الْإِسْلامِ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، وَالْتَمِسُوا مِنَ الْأَعْمالِ مَا يُحِبُّ رَبُّنا وَيَرْضَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.

أَيُّهَا المسلِمُونَ: الحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَنا، وَاستَخلَفَنا فِي الأرض، وَخَلَقَ لَنا كُلَّ مَا فِيهَا بِرًّا مِنهُ سبحانه، وَرَحمَةً وَإِحسَانًا؛ لِنَأْكُلَ وَنَنْتَفِعَ وَنَتَمَتَّعَ وَنَتَفَكَّرَ، وَنَتَقَوَّى عَلَى عِبادَتِهِ، وَنَتَّعِظَ وَنَعتَبِرَ، قَالَ جَلَّ وَعَلا: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ ۝ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ۝ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾[إبراهيم: 32- 34]، وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الدُّنيَا حُلوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللهَ مُستَخلِفُكُم فِيهَا فَيَنظُرُ كَيفَ تَعمَلُونَ» [رَوَاهُ مُسلِمٌ]، فإِنَّ الأَرضَ وَمَا فِيهَا مُلْكٌ للهِ، هُوَ الَّذِي خَلَقَهَا وَهَيَّأَها، وَأَنزَلَ الإِنسَانَ عَلَيهَا لِيَعْمُرَهَا، قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61] فَالوَاجِبُ عَلَى الإِنسَانِ تَعْمِيرُ الأَرضِ لا تَدمِيرُهَا، وَحِمَايَتُهَا لا العَبثُ فِيهَا، فَالأَشجَارُ وَالنَّبَاتَاتُ وَالثِّمَارُ، وَالحَيَوَانَاتُ وَالجِبَالُ وَالنُّجُومُ وَالبِحَارُ، كُلُّهَا مُسَخَّرَةُ لِلإِنسَانِ غِذَاءً وَدَوَاءً وَمَنفَعَةً، وَقَضَاءً لِحَاجَةٍ أَو سَدًّا لِضَرُورَةٍ، وَلا مانِعَ مِنْ أَنْ يَبتَهِجَ بِهَا، وَيُسَرَّ، وَيَفرَحَ، قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: 60]. فَالْإِنْسَانُ في الْأَرْضَ مُسْتَخْلَفٌ وَصِيٌّ لا مَالِكٌ، مُحَافِظٌ لا مُفسِدٌ، أَمِينٌ لا خَائِنٌ، شَاكِرٌ لِلمُنعِمِ لا كَافِرٌ بِنِعَمِهِ، نَعَمْ لا بَأسَ أَنْ يَستَمتِعَ بِمَا أَحَلَّهُ اللهُ فِيهَا مِن مَتَاعٍ، لَكِنْ تَجِبُ المحافَظَةُ عَلَيْها، وَعَلَى نَظافَتِها خَاصَّةً الْأَماكِنَ العامَّةَ، وَمَواقِعَ التَّنَزُّهِ في الْبَرِّيَّةِ، فَتَلْوِيثُها وَتَرْكُ المخَلَّفاتِ فِيها مِنْ صُوَرِ الْإِفْسادِ في الْأَرْضِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ شَرْعًا، قالَ تَعالَى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: 85] أَلَا فَلْنَتَّقِ اللهَ في أَرْضِ وَطَنِنا الْحَبِيبِ وَخَيرَاتِهَا وَأَشجَارِهَا وَنَبَاتِهَا، وَطَبِيعَتِهَا وَمَرَاعِيْهَا وَمَحمِيَّاتِهَا، وَلْنَمْتَثِلْ أَمْرَهُ لَنَا إِذْ قَالَ سُبحَانه: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: 60]، وقالَ عز وجل: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: 205].

أَيُّهَا المسلِمُونَ: إِنَّ دِينَنا يَحُثُّنا عَلَى التَّعْمِيرِ وَالإِصْلاحِ وَالبِنَاءِ، وَإِرَادَةِ الخَيرِ بالأَرضِ وَسَاكِنِيهَا، وَحِفظِ مَوَارِدِهَا، وَيُحَذِّرُنا مِنَ التَّدمِيرِ وَالإِفسَادِ وَالعَبثِ وَالإِيذَاءِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفي يَدِ أَحَدِكُم فَسِيلَةٌ فَإِنِ استَطَاعَ أَلاَّ تَقُومَ حَتى يَغرِسَهَا فَلْيَغرِسْهَا» [رَوَاهُ الإِمَامُ أَحمَدُ وَغَيرُهُ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ]، وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِن مُسلِمٍ يَغرِسُ غَرْسًا إِلاَّ كَانَ مَا أُكِلَ مِنهُ لَهُ صَدَقَةً، وَمَا سُرِقَ مِنهُ صَدَقَةً، وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةً، وَمَا أَكَلَتِ الطُّيُورُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةً، وَلا يَرزَؤُهُ أَحَدٌ إِلاَّ كَانَ لَهُ صَدَقَةً» [رَوَاهُ مُسلِمٌ]، وَجَعَلَ دِينُنا إِماطَةَ الْأَذَى عَنْ طُرُقاتِ المسلِمِينَ وَأَماكِنِ جُلُوسِهِمْ مِنْ أَعْمالِ الْبِرِّ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «وَتُمِيطُ الْأَذَى ‌عَنِ ‌الطَّرِيقِ ‌صَدَقَةٌ» [متفق عليه]، وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «لَقَد رَأَيتُ رَجُلاً يَتَقَلَّبُ في الجَنَّةِ، في شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِن ظَهرِ الطَّرِيقِ كَانَت تُؤذِي النَّاسَ» [أخرجه مسلم]، فَاللهَ اللهَ أَيُّهَا المسلِمُونَ، لِنَكُنْ مِمَّنْ يُصلِحُ وَلا يُفسِدُ، وَيَنفَعُ وَلا يَضُرُّ، وَيُعطِي وَلا يُؤذِي، وَحَذَارِ حَذَارِ مِنَ الإِفسَادِ في الأَرضِ بِقَطعِ الأَشجَارِ الَّتي يَستَظِلُّ بِهَا النَّاسُ، أَو إِشعَالِ النَّارِ في أَمَاكِنِ جُلُوسِهِمْ، أَو تَلويثِهَا بِبَقَايَا الطَّعَامِ، أَو رَميِ الأَوسَاخِ وَالمخَلَّفَاتِ وَالقَاذُورَاتِ، أَو تَركِ مَا يُؤذِي النَّاسَ وَالدَّوَابَّ؛ قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤذُونَ المؤمِنِينَ وَالمؤمِنَاتِ بِغَيرِ مَا اكتَسَبُوا فَقَدِ احتَمَلُوا بُهتَانًا وَإِثمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 58].

أَيُّها الموَحِّدُونَ: دِينُنا دِينُ النَّظافَةِ وَالنِّظامِ، وَقَدْ هَيَّأَ لَنا مِنَ الخَيْرِ ما حُرِمَ مِنْهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ؛ فَلْنُحافِظْ عَلَى هَذَا الخَيْرِ، وَمِنَ الْحِفاظِ عَلَيْهِ صَوْنُهُ وَتَنْمِيَتُهُ وَنَظافَتُهُ، والنِّفاياتُ تُوضَعُ في أَماكِنِها المخَصَّصَةِ، وَلا نَتْرُكُها مُنْتَشِرَةً في المكانِ وَنَرْحَلُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يؤذي النَّاسَ بِتَشْوِيهِ جَمالِ المكانِ، وَحِرْمانِهِمْ مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ، وَكَذَلِكَ قَدْ يُؤْذِي الْبَهائِمَ وَالنَّباتَ، قَالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ ضَارَّ ‌ضَارَّ ‌اللَّهُ ‌بِهِ، وَمَنْ شَاقَّ شَقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ» [أخرجه الترمذي والبيهقي]. وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «اِتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ» قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟! قَالَ: «الَّذِي يَتَخَلَّى في طَرِيقِ النَّاسِ أَو في ظِلِّهِم» [أخرجه مسلم].

أَيُّها المؤْمِنُونَ: أَعْطُوا النَّفْسَ حَظَّها مِنَ المتْعَةِ وَالتَّنَزُّهِ، لَكِنْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْأَمْرُ مُنْضَبِطًا بِالْقَواعِدِ وَالْآدابِ، وَخَالِيًا مِنَ التَّعَدّي وَالمنْكَرَاتِ، وَمِنْ ذَلِكَ رَمْيُ المخَلَّفاتِ، وَلا سِيَّما الْبِلاسْتِيكِيَّةَ وَالمعْدَنِيَّةَ، مِمَّا يُشَكِّلُ خَطَرًا بَالِغًا عَلَى الماشِيَةِ، وَقَدْ يُؤَدِّي إِلَى مَرَضِها أَوْ نُفُوقِهَا، وَهَذَا مِنَ التَّعَدِّي وَالْإِضْرارِ بِالثَّرْوَةِ الْحَيَوانِيَّةِ، الَّتِي جَعَلَها اللهُ سَبَبًا لِلرِّزْقِ، وَالضَّرَرُ فِي الشَّرِيعَةِ مُحَرَّمٌ مَهْمَا كانَ نَوْعُهُ، وَيَزْدادُ الْإِثْمُ إِذَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ تَلَفٌ أَوْ هَلَاكٌ، ذَكَرَ الطَّبَرِيُّ في تَفْسِيرِهِ أَنّ الَأَخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ، وَكانَ رَجُلًا حُلْوَ الْكَلامِ، حُلْوَ المنْظَرِ، أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مُظْهِرًا الإسلامَ، وَمَحَبَّةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَأَدْنَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ مَجْلِسِهِ، وَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ مَرَّ بِزَرْعٍ لِقَوْمٍ مِنَ المسلِمِينَ وُحُمُرٍ، فأَحْرَقَ الزَّرْعَ، وَعَقَرَ الحُمُرَ، فَأَنْزَلَ اللهُ عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ۝ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:204، 205] فَكانَ مِنْ مَظَاهِرِ نِفَاقِهِ، وسُوءِ طَوِيَّتِهِ، إِفْسَادُهُ لِلْبِيئَةِ، بِإِهْلاكِ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ، فَسَمَّاهُ اللهُ عز وجل فَسَادًا، واللهُ لا يُحِبُّ المفْسِدِينَ [تفسير الطبري: 4/ 229]، وَمِمَّا يَجِبُ الْحَذَرُ مِنْهُ إِلْقاءُ مُخَلَّفاتِ الْبِناءِ وَالمشارِيعِ فِي غَيْرِ الْأَماكِنِ المخَصَّصَةِ لَهَا؛ فَإِنَّ لَهَا أَضْرارًا جَسِيمَةً، لِمَا تُسَبِّبُهُ مِنْ تَشْوِيهٍ وَإِضْرارٍ بِالْبِيئَةِ، وَتَعْرِيضِ النَّاسِ وَالْمُمْتَلَكاتِ لِلْأَذَى، فَيَنْشَأُ عَنْ هَذِهِ المخَلَّفَاتِ الْكَثِيرُ مِنَ الْأَمْراضِ؛ لِأَنَّها بِمُرورِ الزَّمَنِ تَصِيرُ مَأْوًى لِلْحَشَراتِ وَالْحَيَواناتِ الضَّالَّةِ، وَمُسْتَنْقَعاتٍ تَنْشُرُ الرَّوائِحَ الْكَرِيهَةَ وَالْأَمْراضَ، وَتُشَوِّهُ جَمالَ بِلَادِنَا وَبِيئَتِنَا، فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: «لا ضَرَرَ وَلا ضِرارَ» [أخرجه أبو داود، وابن ماجه، والإمام أحمد]، وَعَلَى المسْلِمِ الْإِبْلاغُ عَنِ المخالِفِينَ لِكَفِّ أَذاهُمْ عَنْ جَماعَةِ المسْلِمِينَ، لِيَزْدادَ المجْتَمَعُ رُقِيًّا وَجَمالًا.

عِبَادَ اللهِ: في أَيَّامِ الشِّتَاءِ وَالرَّبِيعِ، وَمَوَاسِمِ نُزُولِ الأَمطَارِ وَنَبْتِ الكَلأِ، وَخَاصَّةً في العُطَلِ وَالإِجَازَاتِ، يَخرُجُ النَّاسُ لِلتَّنَزُّهِ، وَيَطِيبُ لَهُمُ التَّمَشِّي، فَاللهَ اللهَ بِالأَخذِ بِآدَابِ الخُرُوجِ وَالنُّزُولِ وَالسَّفَرِ وَالسَّيرِ وَالجُلُوسِ وَالنَّومِ، أَعطُوا كُلَّ شَيءٍ حَقَّهُ، واعلَمُوا أنَّ في الخُرُوجِ لِلبَرِّيَّةِ اتِّعَاظٌ واعْتِبارٌ بِما خَلَقَهُ اللهُ تعالَى في الكَوْنِ العَظيمِ، وفِيهَا يُتَفَكَّرُ في مَخْلُوقاتِ اللهِ تعالَى العَجِيبَةِ، لَكِنَّ هناك آدابًا يَنْبَغِي أَنْ يَحْرِصَ عَلَيْها المسْلِمُ في الْبَرِّيَّةِ، مِنْ ذَلِكَ: ما وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ ذِكْرٍ ودُعاءِ نُزُولِ الـمَـنْزِلِ، وجَمِيلٌ أَنْ يُعَوِّدَ المسْلِمُ نَفْسَهُ وأَهْلَهُ وأَوْلَادَهُ الِاسْتِعَاذَةَ عِنْدَ النُّزُولِ؛ لِيَكُونَ المرْءُ في حِفْظِ اللهِ ورِعَايَتِهِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «مَن نَزَلَ مَنْزِلًا ثُمَّ قالَ: أَعُوذُ بكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِن شَرِّ ما خَلَقَ؛ لَمْ يَضُرَّهُ شَيءٌ حتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ» [رواه مسلمٌ]، وَيَجِبُ على المسْلِمِ في هَذِهِ الرَّحَلاتِ المحَافَظَةُ علَى الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ في أوقاتِها، قالَ تعالَى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]، واعَلَمُوا أَنَّ الصَّلاةَ في الصَّحْرَاءِ لَها أَجْرٌ عَظِيمٌ؛ قالَ صلى الله عليه وسلم: «الصَّلَاةُ فِي جَمَاعَةٍ تَعْدِلُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ صَلَاةً، فَإِذَا صَلَّاهَا فِي فَلَاةٍ فَأَتَمَّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا بَلَغَتْ خَمْسِينَ صَلَاةً» [رواه أبو داوود وهو حديثٌ صحيحٌ]. ومِمَّا يَتَعَّلقُ بِالصَّلاةِ رَفْعُ الأَذَانِ بصَوْتٍ مرتَفِعٍ، فَهُوَ سُنَّةٌ نَبَوِيَّةٌ مُبارَكةٌ، يَغْفُلُ عَنْهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسُ في نُزْهاتِهِمْ ومُخَيَّماتِهِمْ، قالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه لِرَجُلٍ: إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ، فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدَرِيُّ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. [رواه البخاريُّ]، قالَ صلى الله عليه وسلم: «يَعْجَبُ رَبُّكُمْ مِنْ رَاعِي غَنَمٍ فِي رَأْسِ شَظِيَّةٍ بِجَبَلٍ، يُؤَذِّنُ بِالصَّلَاةِ وَيُصَلِّي، فَيَقُولُ اللَّهُ عز وجل: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي هَذَا يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ، يَخَافُ مِنِّي، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي وَأَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ» [رواه أبو داوود والنسائيُّ وهو حديثٌ صحيحٌ]، ومِنَ الآدابِ إِطْفَاءُ النَّارِ عِنْدَ النَّوْمِ، وإِغْلَاقُ المدَافِئِ، ومَا في مَعْنَاهَا؛ قالَ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا هَذِهِ النَّارُ عَدُوٌّ لَكُمْ ، فَإِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ» [متَّفَقٌ عليه].

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا.. وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ

﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾

الحمدُ للهِ القُدُّوسِ السلامِ، وأَشْهَدُ أنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ محمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ خَيْرُ الْأَنامِ، صَلَّىَ اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْـبِهِ الكرامِ، وَمَنْ تَبِعَهُم بإحسانٍ على الدَّوامِ، أَمّا بَعدُ.. عِبَادَ اللهِ: لقَدْ قامَتْ دولتُنا الرَّشيدَةُ على تَنْمِيَةِ مَوارِدِها وإدارةِ ثَرَواتها، حِفْظًا لحقِّ أَجْيالِها، فَاعْتَنَتْ بالتَّشْجِيرِ وإقَامَةِ المحمِيَّاتِ الطَّبِيعيَّةِ، ونَظَّمَتِ الصَّيْدَ، وأَنْشَأَتِ المتَنَزَّهات، وفَرضَتَ العُقُوباتِ لِكُلِ مَنْ يِتَجَاوزُ، ويعَتَدِي على حُرمَةِ تِلِكَ الممتَلكَاتِ؛ وَذَلِكَ لِنَهْنَأَ وَالْأَجْيالَ الْقادِمَةَ -إِنْ شاءَ اللهُ تَعالَى- بِبيئَةٍ صِحِّيَّةٍ، فعَلَيْنَا أَنْ نُحَافِظَ عَلَى إِنْجَازَاتِ الدَّوْلَةِ في بِيئَتِنا الجَمِيلَةِ.

هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]

‎ اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الخلفاء الراشدين، وعن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ ومن تبعهم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.

*•أوقفوا الدنيا من أجلهم..*
*•أيها الآباء:*
لا تغفلوا عن اولادكم
الأولاد يكبرون جسمًا ويصغرون دينًا..
يأكلون طعامًا ويجوعون حُبًا وجلوسًا ووئامًا
والزمان الآن لم يعد كسابقه..
في اليوم الذي تغفل فيه عن ولدك يهجم على عقله ألف فكرة خاطئة ، وعلى عينيه ألف ألف مقطع سيء ، وعلى وقته ألف ألف شاغل وشاغل بالشر عن الخير…
فكيف بمن يغيبون شهورًا ودهورًا دون نصيحة أو جلسة تربية وإرشاد؟!
أيها الآباء ، لا حاجة لأولادكم في الثوب الجديد ، أو المصروف الكبير ، أو الميراث الوفير إذا لم تؤسسه بحضورك على حُب الله ومراقبته ، وتكتشف مواطن الخير فيه فتتعهدها وتنميها ، وتعرف مكامن الشر في نفسه فتنتزعها وتنقيها..

*•أيها الآباء:*
لا تعتذروا بضيق أوقاتكم فتكونوا كمن يضحك على نفسه..
فقد كان الصحابة يفتحون العالم ثم يعودون إلى أولادهم فيفتحون قلوبهم ويحسنون تربيتهم ويورثونهم دينهم وأخلاقهم..
ولا تعتذروا فللرجال بصمات وللنساء لمسات..
ولا غنى للولد عن كليهما
ولا تعتذروا بالسعي على أرزاقهم ؛ فبئس الرزق ذلك الذي يقدم للأمة أجسامًا معلوفة ، وأخلاقًا مهلهلة ضعيفة..
الزمان الآن صعب ، وأولادنا والله مساكين يحتاجون أضعاف أضعاف ما كنا نأخذ في مثل أعمارهم مع فرق الفتن والمغريات التي بين جيلنا وجيلهم..
عودوا إلى بيوتكم ، واشبعوا ضمًا وقُربًا من أولادكم..
العبوا معهم ، وقُصّوا عليهم قصصًا تُنمي فيهم الفضائل ، واستمعوا كثيرًا إليهم..
اتركوا من أجلهم هواتفكم ؛ وتفرغوا من أجل هؤلاء الأبرياء عن بعض مشاغلكم..
أوقفوا الدنيا كلها من أجل فلذات أكبادكم..
فدعاء أحد الصالحين أو الصالحات منهم لك بعد موتك من قلبه قائلا:
“رب اغفر لي ولوالديّ” = خير لك من كل التفاهات التي شغلتك عنهم..

*[د.خالد حمدي]*

الْقِيمَةُ الْعُلْيَا 13/ 7/ 1447هـ

﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾

إنَّ الحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَتُوبُ إِلَيْهِ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرورِ أَنْفُسِنا وَسَيِّئاتِ أَعْمالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعينَ. أمَّا بَعدُ فاتَّقُوا اللهَ تَعالَى، فَإِنَّ في تَقْوَى اللهِ خَلَفًا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَلَيْسَ مِنْ تَقْوَى اللهِ خَلَفٌ.

عِبادَ اللهِ: كُلٌّ مِنّا قَدْ وَضَعَ لِنَفْسِهِ قِيمَةً عُلْيَا، تَحْكُمُ اخْتِياراتِهِ، وَتُوَجِّهُ قَراراتِهِ، وَيُسَخِّرُ مِنْ أَجْلِها وَقْتَهُ وَجُهْدَهُ وَمالَهُ، هَذِهِ الْقِيمَةُ هِيَ مِحْوَرُ أَعْمالِهِ وَسَعْيِهِ الْيَوْمِيِّ، فَسُبْحانَ اللهِ في تَنَوُّعِ انْشِاغالاتِ الْعِبادِ، فَمِنْهُمْ مَنْ تَكُونُ قِيمَتُهُ الْعُلْيَا المالَ أَوِ المنْصِبَ أَوِ الجاهَ، أَوِ الشُّهْرَةَ، أَوِ الشَّهاداتِ الْعِلْمِيَّةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَهْوِيهِ اللَّهْوُ وَاللَّعِبُ، وَكُلُّ هَؤُلاءِ تَتَقَلَّبُ أَحْوالُهُمْ بَيْنَ سَعادَةٍ مُؤَقَّتَةٍ حِينًا، وَحِينًا تَضِيقُ عَلَيْهِمُ الدُّنْيا بِما رَحُبَتْ، وَهُناكَ مِنْ عِبادِ اللهِ مَنْ تَكونُ قِيمَتُهُ الْعُلْيَا الآخِرَةَ، فَهُوَ يَسْعَى جاهِدًا لِيُرْضِي رَبَّهُ، يَلُومُ نَفْسَهُ إِنْ مَرَّ وَقْتٌ بِلَا طاعَةٍ، يَتَّهِمُ نَفْسَهُ بِالتَّقْصِيرِ في حَقِّ اللهِ عز وجل، يُسابِقُ الْأَجَلَ لِلْفَوْزِ بِالنَّعِيمِ الدَّائِمِ.

عِبادَ اللهِ: قالَ تَعالَى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162]، وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «‌نِعْمَتَانِ ‌مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ» [أخرجه البخاري]، وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «أَعْمارُ أُمَّتِي بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ، وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ» [رواه ابن ماجه، والترمذي، وصححه الألباني]، فَمَنْ أَدْرَكَ قِيمَةَ الْوَقْتِ أَعادَ النَّظَرَ في قِيَمِهِ الْعُلْيَا وَاهْتِماماتِهِ، قالَ الشَّاعِرُ:

دَقَّاتُ قَلْبِ المرْءِ قائِلَةٌ لَهُ *** إِنَّ الْحَيَــــاةَ دَقَـــائِقٌ وَثَــــوَانِ

فَالْحَياةُ قَصِيرَةٌ مُتَسارِعَةٌ، وَالموتُ يَأْتِي بَغْتَةً، وَالْوَقْتُ أَنْفاسٌ لا تَعُودُ، وَهُوَ أَنْفَسُ مِنَ الذَّهَبِ، بَلْ إِنَّ الْوَقْتَ هُوَ الْحَياةُ، وَمَعَ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ تَضِيعُ أَوْقاتُهُمْ سُدًى، يَقُولُ الشَّاعِرُ:

الْوَقْتُ أَنْفَسُ ما عَنِيْتَ بِحِفْظِهِ *** وَأَرَاهُ أَسْهَلَ ما عَلَيْكَ يَضِيْعُ

فَإِذَا كانَ الْيَومُ فِيهِ سِتَّةٌ وَثَمانونَ أَلْفًا وَأَرْبَعُمائَةِ ثانِيَةٍ، فَكُلُّ لَحْظَةٍ مِنْ هَذِهِ اللَّحَظاتِ ثَمِينَةٌ؛ فَقَدْ تَتَوَلَّدُ فِيها فِكْرَةٌ فِي الدِّينِ أَوِ الدُّنْيا، قَدْ تُمْلَأُ بِتَسْبِيحَةٍ أَوْ تَحْمِيدَةٍ أَوْ تَكْبِيرَةٍ أَوْ تَهْلِيلَةٍ، قَدْ تُمْلَأُ بِصَدَقَةٍ، أَوْ إِفادَةِ عِلْمٍ، قَدْ تُعِينُ فِيها عَبْدًا مِنْ عِبادِ اللهِ، قَدْ يُتَّخَذُ فِيها قَرارٌ يَنْفَعِ اللهُ بِهِ الْبِلادَ وَالْعِبادَ، قَدْ تَكُونُ سَبَبًا لِرِضَا الرَّحْمَنِ سُبْحانَهُ.

عِبادَ اللهِ: إِنَّ الْأَمْرَ جِدُّ خَطِيرٍ، فَإِنَّ نَجاحَ المرْءِ وَفَلاحِهِ فِي أَعْمالِهِ وَسَعْيِهِ وَأَخْذِهِ وَعَطَائِهِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى مَقْصِدِهِ وَنِيَّتِهِ وَقِيمَتِهِ الْعُلْيَا الَّتِي يَسْعَى لِتَحْقِيقِها؛ قالَ صلى الله عليه وسلم: «‌إِنَّمَا ‌الأَعْمَالُ ‌بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، ‌فَمَنْ ‌كَانَتْ ‌هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»[متفق عليه]؛ فَلْيَقِفْ كُلٌّ مِنَّا وَقْفَةً صادِقَةً؛ لِيَسْأَلَ نَفْسَهُ: ما الْقِيمَةُ الْعُلْيَا في حَياتِي؟ مَهْمَا بَلَغَ عُمُرُكَ راجِعْ نَفْسَكَ، وَانْظُرْ ما أَكْثَرُ شَيْءٍ يَسْتَنْفِدُ عُمُرَكَ، وَلَهُ الْحَظُّ الْأَوْفَرُ مِنْ وَقْتِكَ؟ أَهُوَ مِنْ أُمُورِ الآخِرَةِ، كَتِلاوَةِ كِتابِ اللهِ وَقِيامِ اللَّيْلِ؟ أَمْ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيا، كَطَلَبِ الثَّراءِ وَالْغِنَى؟ أَمْ يَجْمَعُهُما كَالسَّعْيِ عَلَى أَبَوَيْنِ كَبِيرَيْنِ، أَوْ عَلَى أُسْرَةٍ تَعُولُها، أَمْ لا هَذا وَلا ذاكَ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: “إنِّي لَأَكْرَهُ أَنْ أَرَى أَحَدَكُمْ سَبَهْلَلًا، لَا فِي عَمَلِ دُنْيا، وَلَا فِي عَمَلِ آخِرَةٍ”. وَأُعِيذُكَ بِاللهِ أَنْ يَخْدَعَكَ بَرِيقُ الْقِيَمِ الْعُلْيَا الدُّنْيَوِيَّةِ كَالثَّراءِ، أَوِ الْجَاهِ، أَوِ الشُّهْرَةِ، فَسَلْ نَفْسَكَ: ما ثَمَرَةُ هَذِهِ الْقِيمَةِ الَّتِي أَسْعَى جَاهِدًا لَهَا؟ وَما مآلُها؟ فَالْكُلُّ يَظُنُّ أَنَّ قِيمَتَهُ الْعُلْيا تُحَقِّقُ لَهُ السَّعادَةَ، لَكِنَّ السَّعادَةَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ دائِمَةً أَبَدِيَّةً، أَوْ دُنْيَوِيَّةً مُؤَقَّتَةً.

وَالْحِمْدُ للهِ عَلَى نِعْمَةِ الْإِسْلامِ؛ فَدِينُنا الْحَنِيفُ كَشَفَ لَنا الْقِيَمَ كُلَّهَا، الْباقِيَ مِنْها وَالْفانِيَ، الْعَزِيزَ الثَّمِينَ، وَالزَّهِيدَ الْبَخْسَ، الَّذِي عُقْباهُ الْفَوْزُ وَالْفَلاحُ، وَالَّذِي عاقِبَتُهُ الْحَسْرَةُ وَالنَّدامَةُ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ، فَرَّقَ اللَّهُ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ، وَمَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ نِيَّتَهُ، جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ» [أخرجه ابن ماجه، والإمام أحمد بسند صحيح]، أَفْلَحَ عَبْدٌ جَعَلَ قِيمَتَهُ الْعُلْيَا رِضَا اللهِ عز وجل؛ فَالدُّنْيا لا تُساوِي عِنْدَ اللهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ، وَهِيَ كَمَا قالَ الْقائِلُ: ‌إِذَا ‌كَسَتْ ‌أَوْكَسَتْ، وَإِذَا حَلَتْ أَوْحَلَتْ، وَإِذَا أَيْنَعَتْ نَعَتْ، إِذَا أَدْبَرَتْ عَنِ المرْءِ سَلَبَتْهُ مَحاسِنَ نَفْسِهِ، وَإِذَا أَقْبَلَتْ عَلَيْهِ خَلَعَتْ عَلَيْهِ مَحاسِنَ غَيْرِهِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «‌لَمَوْضِعُ ‌سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» [أخرجه الإمام أحمد في مسنده والدارمي بسند صحيح]، وَانْظُرْ يا عَبْدَ اللهِ إِلَى الْقِيَمِ الْعُلْيَا لِمَنْ سَبَقُونا، كَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهُمْ؟ تَرَى قَوْمَ عادٍ زادَهَمُ اللهُ بَسْطَةً وَقُوَّةً فِي أَجْسامِهِمْ، فَجَعَلُوا قِيَمَهُمُ الْعُلْيا السَّيْطَرَةَ وَالطُّغْيانَ، وَقالُوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً؟ فَأَهْلَكَهُمُ اللهُ بِالرِّيحِ؛ ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت:15]، وَثَمودَ الَّذِينَ كانُوا يَنْحِتُونَ الْجِبالَ، وَيَبْنُونَ مِنْها الْبُيُوتَ وَالْقُصُورَ، كانَتْ قِيَمُهُمْ الْعُلْيَا التَّحَدِّيَ وَالْإِفْسادَ فَأَهْلَكَهُمُ اللهُ بِالصَّاعِقَةِ؛ ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [فصلت:17]، وَمَدْيَنَ قَوْمَ شُعَيْبٍ عليه السلام كانَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ هَمُّهُ الثَّراءُ، بِالْغِشِّ فِي المكايِيلِ وَالموازينِ، وَقَلِيلٌ مِنْهُمُ اخْتارَ تَقْوَى اللهِ عز وجل فَمَا كانَتْ عاقِبَةُ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ؟ قال تَعالَى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود:94]، وَفِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ قَصَصُ السَّابِقِينَ لِنَتَّعِظَ وَنَعْتَبِرَ، وَمِنْ ذَلِكَ فِرْعَونُ، الَّذِي جَعَلَ قِيمَتَهُ الْعُلْيا أَنْ يَكُونَ رَبًّا، ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:24]، فَأَغْرَقَهُ اللهُ، وَقارُونُ الَّذِي جَعَلَ قِيمَتَهُ الْعُلْيَا جَمْعَ المالِ، فَخَسَفَ اللهُ بِهِ وَبِدَارِهِ وَأَمْوالِهِ الْأَرْضَ، وَهامانُ وَالنَّمْرُودُ، وَغَيْرُهُمْ، وَيُحَذِّرُنا نَبِيُّنا صلى الله عليه وسلم أَنْ نَفْعَلَ مِثْلَهُمْ، فَهَذَا رَجُلٌ أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ، فَجَعَلَ الْكِبْرَ عَلَى خَلْقِ اللهِ قِيمَتَهُ الْعُلْيَا، فَمَاذَا كانَتْ عاقِبَتُهُ؟ قالَ صلى الله عليه وسلم: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي قَدْ أَعْجَبَتْهُ جُمَّتُهُ وَبُرْدَاهُ، إِذْ خُسِفَ بِهِ الْأَرْضُ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِي الْأَرْضِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» [متفق عليه]،

وَمَا مِنْ قِيمَةٍ عُلْيَا مُبارَكَةٍ إِلَّا وَدَلَّنَا عَلَيْها نَبِيُّنا صلى الله عليه وسلم ، في الدِّينِ وَالدُّنْيا، وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: المحافَظَةُ عَلَى الصَّلَاةِ وَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرامِ؛ قالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَدْرَكَ التَّكْبِيرَةَ الْأُوْلَى مَعَ إِمامِهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، كُتِبَتْ لَهُ بَراءَتانِ: مِنَ النَّارِ وَمِنَ النِّفاقِ» [الترمذي (241)، فَذَلِكَ لا يَتَحَقّقُ إِلَّا بِإِخْلاصٍ وَمُجاهَدَةٍ، وَهُوَ طَرِيقٌ لِتَثْبِيتِ السُّلُوكِ، وَصَقْلٍ لِلْعادَةِ الصَّالِحَةِ، فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ قَدْرَكَ عِنْدَ اللهِ فَانْظُرْ إِلَى قَدْرِ الصَّلاةِ عِنْدَكَ، وَمِنْ ذَلِكَ: الْجُلُوسُ بِعْدَ الْفَجْرِ إِلَى شُرُوقِ الشَّمْسِ: قالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ في جَماعَةٍ، ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسَ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَينِ، كانَ لَهُ أَجْرُ حِجَّةٍ وَعُمْرَةٍ تَامَّةٍ…» [الترمذي: 586]، وَمِنْ ذَلِكَ صِيامُ يَوْمَيِ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، أَوِ الْأَيَّامِ الْبِيضِ، أَوْ العَشْرِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَمِنْ ذَلِكَ التِّجارَةُ بِنِيَّةِ الْعِبادَةِ: قالَ تَعالَى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: 37]، فَالتِّجارَةُ عِبادَةٌ إِنْ قُصِدَ بِها وَجْهُ اللهِ، كَمَا كانَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُثْمانُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رضي الله عنهم كانوا عُبَّادًا يُتَاجِرُونَ، وَبَعْضُ الْعِبادِ يُلْهِيهِمُ الْعَمَلُ أَوِ اللَّهْوُ عَنِ الصَّلاةِ، فِي حِينٍ أَنَّ المؤْمِنَ يَقُومُ لِنِداءِ اللهِ دُونَ تَرَدُّدٍ، قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: «كانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، فَإِذَا سَمِعَ النِّداءُ خَرَجَ كَأَنَّهُ لا يَعْرِفُنَا» البخاري (5363)، وَمِنَ الْقِيَمِ الْعُلْيَا: الْإِحْسَانُ إِلَى النَّاسِ، وَخِدْمَتُهُمْ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «لَأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخِي فِي حاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا المسْجِدِ شَهْرًا» [الطبراني في الكبير:5757] وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حاجَةٍ حَتَّى يُثْبِتَهَا لَهُ، أَثْبَتَ اللهُ قَدَمَهُ يَوْمَ تَزِلُّ الْأَقْدَامُ» [الطبراني في الأوسط :6026]

نَسْأَلُ اللهَ الْقَدِيرَ أَنْ يَجْعَلَ قِيَمَنا الْعُلْيَا فِي رِضَاهُ سُبْحانَهُ.

أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾

الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأُصَلِّيْ وَأُسَلِّمُ عَلَى رَسُولِهُ الدَّاعِيْ إِلَى رِضْوانِهِ، أَمَّا بَعدُ عِبادَ اللهِ: فَاتَّقُوا اللهَ حَقَّ التقوى، قالَ تَعَالَى: ﴿وَٱتَّقُواْ يَوۡما تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡس مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ﴾ [البقرة: 281].

أَيُّهَا الموَحِّدُونَ هَلْ إِنْ راجَعَ المرْءُ أُمُورَهُ، وَوَجَدَ نَفْسَهُ مُخْطِئًا في اخْتِيارِهِ، فَهَلْ يُمْكِنُ تَغْيِيرُ قِيمَتِهِ الْعُلْيَا؟ نَعَمْ؛ فَاللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ، قالَ تَعالَى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا ۝ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 27، 28]، فَيا مَنْ أَرَدْتَ التَّصْحِيحَ عَلَيْكَ بِالِاسْتِعانَةِ بِاللهِ عز وجل أَوَّلًا، وَالدُّعاءِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «أُوْصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: ‌اللَّهُمَّ ‌أَعِنِّي ‌عَلَى ‌ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبادَتِكَ»[أخرجه أبو داود والنسائي، والحاكم]، ثُمَّ اجْعَلْ قِيمَتَكَ الْعُلْيَا حِفْظَ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَوْ طَلَبَ الْعِلْمِ، أَوِ التِّجارَةَ لِتَبْذُلَ الْخَيْرَ لِعِبادِ اللهِ، أَوْ مَشارِيعَ لِصَدَقَاتٍ جَارِيَةٍ، أَوْ ما تَعْتَقِدُ أَنَّهُ يُرْضِي رَبَّكَ سُبْحانَهُ، ثُمَّ كُنْ ذَا عَزِيمَةٍ؛ فَكَمَا قالَ الشَّاعِرُ:

إِذَا كُنْتَ ذَا رَأْيٍ فَكُنْ ذَا عَزِيمَةٍ *** فَإِنَّ فَسَادَ الرَّأْيِ أَنْ تَتَرَدَّدَا

وَالْزَمِ الصَّبْرَ -بارَكَ اللهُ فِيكَ- فَلَوْ أَنَّنا قاوَمْنَا ما نُحِبُّ، وَتَحَمَّلْنَا ما نَكْرَهُ لَحَقَّقْنَا ما نَرْجُوهُ، فَطَرِيقُ الرَّاحَةِ التَّعَبُ، وَتَعَبُ الْبِدَاياتِ يَعْقُبُهُ راحَةُ النِّهاياتِ، أَمَّا راحَةُ الْبِداياتِ فَيَعْقُبُها تَعَبُ النِّهاياتِ، وَعَلَيْكَ -وُفِّقْتَ وَهُدِيتَ- بِتِكْرارِ الْعَمَلِ؛ حَتَّى يَصِيرَ سَهْلًا مِنْ عاداتِكَ الْيَوْمِيَّةِ، ثُمَّ لْتُكُنْ مُصْلِحًا لِمَنْ حَوْلَكَ، لا صالِحًا في نَفْسِكَ فَقَطْ، فَقَدِّمِ المساعَدَةَ لِلْآخَرِينَ، بِمَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ نَصِيحَةٍ، أَوْ عِلْمٍ، أَوْ مُساعَدَةٍ مادِّيَّةٍ، أَوْ غَيْرِهَا.

هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56] اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الخلفاء الراشدين، وعن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ ومن تبعهم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.

الموَدَّةُ وَالرَّحْمَةُ فِي الحَياةِ الزَّوْجِيَّةِ وَأَثَرُ فَقْدِهِما 6/7/1447هـ

﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾

إنَّ الحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَتُوبُ إِلَيْهِ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرورِ أَنْفُسِنا وَسَيِّئاتِ أَعْمالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعينَ. أمَّا بَعدُ فاتَّقُوا اللهَ تَعالَى، فَإِنَّ في تَقْوَى اللهِ خَلَفًا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَلَيْسَ مِنْ تَقْوَى اللهِ خَلَفٌ.

عِبادَ اللهِ: إِنَّ مِنْ نِعَمِ اللهِ الْعَظِيمَةِ عَلَيْنا الزَّوْجَةَ وَالْأَبْناءَ، وَقَدْ جَعَلَ سُبْحانَهُ بَيْنَنا مَوَدَّةً وَرَحْمَةً، وَسَكَنًا تَرْتاحُ فِي ظِلِّهِ الرُّوحُ وَالْبَدَنُ، فَلَكَ الْحَمْدُ رَبَّنا كَمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَلِعِظَمِ وَأَهَمِّيَّةِ هَذِهِ النِّعْمَةِ فَقَدْ حَصَّنَ الشَّرْعُ الْأُسْرَةَ المسْلِمَةَ مِنْ كُلِّ شَرٍّ وَفُرْقَهٍ، وَجَعَلَهَا نَبْعًا لِلرَّاحَةِ وَالِاطْمِئْنَانِ، وَمَصْدَرًا لِلسَّلَامِ وَالْأَمَانِ، تُرَفْرِفُ فِي سَمَائِهَا السَّعادَةُ وَالموَدَّةُ، وَيَتَرَبَّى فِي أَكْنَافِها الْأَجْيالُ.

وَلَا بُدَّ مِنْ أُسُسٍ يَقُومُ عَلَيْها الْبَيْتُ السَّعِيدُ، مِنْ أَهَمِّها: تَقْوَى اللهِ عز وجل؛ فَالتَّقْوَى سِرُّ سَعادَةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، فَقَدْ وَصَفَ اللهُ حَياةَ الصَّالِحِينَ فِي الدُّنْيا: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:97]، وَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ [الرعد:23]، وَثانِي أَهَمِّ أُسُسِ الْبَيْتِ السَّعِيدِ الِاحْتِرامُ وَالتَّقْدِيرُ المتَبَادَلُ بَيْنَ أَفْرادِ الْأُسْرَةِ؛ فَبِالتَّقْدِيرِ وَالِاحْتِرامِ تَقِلُّ الْمُشْكِلَاتُ، وَيَسُودُ الْحُبُّ وَالْوِدادُ، وَيَأْتَلِفُ الجَمِيعَ التَّعَاوُنُ، وَيَنْشَأُ جِيلٌ صالِحٌ نافِعٌ، ثِقَتُهُ بِنَفْسِهِ قَوِيَّةٌ، يَحْتَرِمُ الْآخَرِينَ، وَفِي غِيَابِ تَقْوَى اللهِ وَالِاحْتِرامِ نَجْنِي الثِّمَارَ الْمُرَّةَ، مِنْ عُقُوقٍ لِلْوَالِدَيْنِ، وَضِيقٍ نَفْسِيٍّ وَانْعِدامٍ لِلرَّاحَةِ داخِلَ الْبَيْتِ، وَتَصَدُّعٍ لِلْعِلاقاتِ الْأُسْرِيَّةِ، وَيَنْشَأُ جِيلٌ لا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلا يَحْتَرِمُ أَحَدًا، وَمِنْ أَخْبَثِ ثِمارِ غِيابِ التَّقْوَى وَالِاحْتِرامِ عَنْ جَوِّ الْأُسْرَةِ، جُحُودُ الْفَضْلِ وَنُكْرانُ الجَمِيلِ، خاصَّةً الْأَبَ، فَقَدْ حَذَّرَنا رَبُّنا فِي كِتابِهِ الْعَزِيزِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: 14] فَغِيابُ مَنْهَجِ التَّقْوَى يَجْعَلُ الزَّوْجَةَ وَالْأَبْناءَ أَسْبابًا لِلصَّدِّ عَنِ الْعَمَلٍ الصَّالِحٍ، وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ، أَوْ مَنْعِ الزَكَاةِ، قَدْ يَجْحَدُونَ الفَضْلَ، وَيُنْكِرُونَ المعْرُوفَ، وَهَذا مِمَّا يُورِثُ الْهَمَّ، وَيَقُضُّ الْمَضْجَعَ وَيَحْرِقُ الْقَلْبَ، واخْتِبارٌ وَابْتِلاءٌ شَدِيدٌ للأب.

عِبادَ اللهِ: الْأَبُ عَمُودُ الْخَيْمَةِ، مِنْ دُونِهِ تَنْهَدِمُ الْأُسْرَةُ، يُقَدِّمُ الْغالِي والرخيص، يُخَطِّطُ وَيَجْتَهِدُ، يَسْهَرُ وَيَتْعَبُ، يَشْقَي وَيَقْتَرِضُ، يَأْمَلُ وَيَنْتَظِرُ، يَدْعُو وَيَبْتَهِلُ، كُلُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ إِسْعادِ أُسْرَتِهِ، عَجِيبٌ أَمْرُك أَيُّها الْأَبُ! زَوْجَتُكَ وَأَوْلادُكَ يَهْدِمُونَكَ، وَأَنْتَ بِهِمْ فَرِحٌ، هَذَا الْأَبُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ كُلَّ إِعْزازٍ وَتَقْدِيرٍ إِنْ لَمْ تَكُنِ التَّقْوَى عِمادَ الْبَيْتِ لَقِيَ هَذا الْأَبُ جُحُودًا وَنُكْرانًا، فَلا تَسْتَبْعِدْ مِنْ أَبٍ قُوبِلَ خاصَّةً مَعَ كِبَرِ سِنِّهِ بِقِلَّةِ الِاحْتِرامِ، وَفَضْلُهُ وَتَضْحِياتُهُ بِالْجُحُودِ والنُّكْرانِ، قَدْ تَكُونُ رَدَّةُ فِعْلِهِ عَنِيفَةً، قَدْ تُضَيِّعُ دُنْياهُ وَأُخْراهُ؛ لِذَا لَمْ يَتْرُكْنا رَبُّنا لِنَكُونَ فَرِيسَةً لِرُدُودِ أَفْعالِنَا، بَلْ أَرْشَدَنا في كِتابِهِ الْعَزِيزِ، وَعَلَى لِسانِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم بَصَّرَنا بِطَرِيقَةِ عِلاجِ مِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ، فَبَيَّنَ حَقِيقَتَها، وَوَضَعَ مَنْهَجًا رَبَّانِيًّا فِي التَّعامُلِ مَعَها، فَبَدَأَ بِالدَّعْوَةِ إِلَى الصَّبْرِ وَالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ وَالْإِحْسانِ، قالَ تَعالَى: ﴿وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التغابن: 14] يَقُولُ السّعْدِيُّ: “الْعَفْوُ تَرْكُ المؤاخَذَةِ، وَالصَّفْحُ تَرْكُ الْعِتابِ، وَالمغْفِرَةُ سِتْرُ الذَّنْبِ، وَهَذِهِ الثَّلاثَةُ تَجْمَعُ الْإِحْسانَ الْكامِلَ”، فَهَذِهِ رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ عز وجل تِجاهَ مَنْ صَدَرَ مِنْهُمُ الجَفاءُ وَالجُحُودُ مِنْ أَهْلِنا، وَالْعَفْوُ أَصْلٌ عَظِيمٌ في دِينِنا، فَالْعَفْوُ وَالصَّفْحُ وَالمغْفِرَةُ أَدْوِيَةٌ رَبَّانِيَّةٌ تُطْفِئُ نارَ الْقَلْبِ، وَتَمْنَعُ اشْتِعالَ الْفِتْنَةِ داخِلَ الْأُسْرَةِ، ﴿وَإِن تَعْفُوا﴾ عَنْ أَخْطائِهِمْ، وَتَتَجاوَزُوا عَنْ سَيِّئاتِهِمْ كَإِضاعَةِ المالِ، وَالْعُقُوقِ، وَسُوءِ الْعِشْرَةِ، فَلا تُعاقِبُوهُمْ عَلَيْها، ﴿وَتَصْفَحُوا﴾ أَي: تُعْرِضُوا عَنْ هَذِهِ الْأَخْطاءِ، فَلا تَذْكُرُوها، وَلا تُؤَنِّبُوهُمْ عَلَيْها، ﴿وَتَغْفِرُوا﴾ أَي: تَسْتُرونَ الْأَخْطاءَ، وَلَا تُذَكِّرُونَهُمْ بِها، وَتُخْفُونَها تَمْهِيدًا لِنِسْيانِها حَتَّى لا يُؤَدِّي التَّذْكِيرُ بِها إِلَى التَّمادِي فِيها، هَكَذا دِينُنُا الْعَظِيمُ يُرَبِّي فِينا أَخْلاقَ الْعُظَماءِ، الْعَفْوَ، وَالصَّفْحَ، وَالمغْفِرَةَ، وَلا يَقِفُ الْأَمْرُ عِنْدَ ذَلِكَ بَلْ إِنَّ رَبَّنا عز وجل يُحِبُّ المحْسِنِينَ مِنْ عِبادِهِ، فَيَدُلُّنا عَلَى الْإِحْسانِ إِلَى مَنْ أَساءَ إِلَيْنا، وَإِنْ كانَ مِنْ أَهْلِنا، وَالْإِنْفاقِ عَلَيهِ رُغْمَ الْأَذَى، وَيَعِدُنا بِالْجَزاءِ الْأَوْفَى في الْآخِرَةِ، قالَ تَعالَى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:40]، وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا ‌بِعَفْوٍ، ‌إِلَّا ‌عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ» [أخرجه مسلم].

ثُمَّ يَكْشِفُ لَنا الْقُرْآنُ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ، فَيُقَرِّرُ أَنَّ ذَلِكَ الجُحُودَ وَذاكَ النُّكْرانَ اِخْتِبارٌ مِنَ اللهِ عز وجل، قالَ تَعالَى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن: 15] يَبْتَلِيْ اللهُ الْآباءَ، بِأَذَى الزَّوْجَةِ وَالْأَبْناءِ؛ لِيَنْظُرَ مَنْ يُقَدِّمُ طاعَةَ اللهِ عَلَى هَوَى أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ؛ فَالسَّعِيدُ مَنْ سَلِمَ لَهُ دِينُهُ فَظَفِرَ بِالْأَجْرِ الْعَظِيمِ.

عِبادَ اللهِ: إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ، رَحِيمٌ بِهِمْ، فَيَأْتِي الْعِلاجُ الثالِثُ فَيُخَفِّفُ سُبْحانَهُ في خِطابِ التَّقْوَى داخِلَ دائِرَةِ الْأُسْرَةِ، قال تَعالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، فَسَهَّلَ عَلَيْهِمْ وَخَفَّفَ؛ لِأَنَّ الْفِتْنَةَ في الْأَقارِبِ يَشُقُّ مَعَها تَمامُ التَّقْوَى؛ فَجاءَ الخِطابُ مُخَفَّفًا مُراعاةً لِطَبِيعَةِ الْعِلاقاتِ الْأُسَرِيَّةِ، وَما فِيها مِنْ ضَعْفٍ بَشَرِيٍّ وَتَأْثُّرٍ نَفْسِيٍّ.

ثُمْ يَأْتِي الْعِلاجُ الرَّابِعُ، وَهُوَ مَنْهَجٌ عَمَلِيٌّ لِإِطْفاءِ الْفِتْنَةِ فِي الْأُسْرَةِ، قال تَعالَى: ﴿وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ﴾ [التغابن:16] فَالْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَضَعُ ثَلاثَةَ مُطْفِئاتٍ لِلْفِتْنَةِ الْأُسْرِيَّةِ: الِاسْتِماعِ وَالِامْتِثالِ لِأَوامِرِ اللهِ، ثُمَّ الطاعَةِ لِلرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم، وَثالِثُها: الْإِنْفاقُ عَلى الزَّوْجَةِ وَالْأَبْناءِ رُغْمَ ما صَدَرَ مِنْهُمْ؛ فَعِنْدَ الْغَضَبِ يَظْهَرُ الشُّحُّ وَالْبُخْلُ، فَمِنَ الْمُتَوَقَّعِ مِنْ هَذا الْأَبِ الَّذِي لاقَى جُحُودًا وَنُكْرانًا أَنْ يَمْنَعَ النَّفَقَةَ عَمَّنْ جَحَدُوا فَضْلَهُ، وَأَنْكَرُوا تَضْحِياتِهِ، فَعالَجَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالَى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: 16]، لا يُفْلِحُ، وَلا يَفُوزُ إِلَّا مَنْ جاهَدَ نَفْسَهُ، وَأَطاعَ مَوْلاهُ، فَصَبَرَ وَتَحَمَّلَ الْأَذَى، بَلْ أَحْسَنَ إِلَى مَنْ آذاهُ، وتلك مَرْتَبَةِ الْإِحْسانِ. وَقَدْ عالَجَتِ السُّنَّةُ المطَهَّرَةُ أَمْرَ الْجُحُودِ فِي الْعِلاقاتِ الْأُسْرِيَّةِ وَغَيْرِها، فَقَدْ أَوْصانا نَبِيُّنا صلى الله عليه وسلم أَلَّا نُعامِلَ بِالْمِثْلِ، بَلْ نُقابِلُ الْإِساءَةَ بِالْإِحْسانِ، وَالْقَطِيعَةَ بِالصِّلَةِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ الْواصِلُ بِالْمُكافِئِ، وَلَكِنَّ الْواصِلَ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَها» [رواه البخاري]. وَحَثَّنا صلى الله عليه وسلم عَلَى الصَّدَقَةِ لِأَرْحامِنا، وَإِنْ أَساءُوا إِلَيْنا، قالَ صلى الله عليه وسلم: «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الْكَاشِحِ» [رواه أحمد وصححه الألباني]. وَالْكاشِحُ: مَنْ يُضْمِرُ الْعَداوَةَ.

عِبادَ اللهِ: إِنَّ جُحُودَ الْأَبْناءِ وَالزَّوْجاتِ ابْتِلاءٌ قَدِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَامْرَأَةُ نُوحٍ وَامْرَأَةُ لُوطٍ كانَتَا في بَيْتِ النُّبُوَّةِ، فَلَمْ يَكُونا أَوَّلَ المؤْمِنِينَ، وَلَمْ يُقَدِّما الْعَوْنَ لِنَشْرِ التَّوْحِيدِ، كَمَا كانَتْ خَدِيجَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْها وَعَنْ أُمَّهاتِ المؤْمِنِينَ، لَكِنَّهُما كَفَرَا وَجَحَدَا، قالَ تَعالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما﴾ [التحريم: 10]،كانَتَا تُفْشِيانِ أَسْرارَ نُوحٍ وَلُوطٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، فَاسْتَحَقَّتَا الْعَذابَ، قالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ ‌لِي ‌قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ، فَقَالَ: «لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ، مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ» [أخرجه مسلم]، والْمَلُّ: الرَّمادُ الْحارُّ. وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «أُرِيتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ»، قَالُوا: بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ» [أخرجه البخاري].

عِبادَ اللهِ: إِنْ كَثُرَ فِي المجْتَمَعِ مُتَمَرِّداتٌ ناكِراتٌ لِلْجَمِيلِ، لا يَرْضَيْنَ بِما قَسَمَ اللهُ لَهُنَّ، فَلا تَسْأَلْ عَنْ كَثْرَةِ قَضايا الْأُسْرَةِ، وَحالاتِ الطَّلاقِ، وَلا أُحَمِّلُ الزَّوْجَةَ وَحْدَها المسْؤُولِيَّةِ، فَكَم مِنْ ذَوَاتِ الأَخْلاقِ الْفَاضِلَةِ، رَاضِياتٌ بِأَقْدارِهِنَّ، نَبْعٌ لِلْأَمانِ وَالسَّكِينَةِ فِي الْأُسْرَةِ، كَمَا قالَ صلى الله عليه وسلم «الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ» [أخرجه مسلم]. أَعَاذَنا اللهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ كُفْرانِ الْعَشِيرِ، وَالْجُحُودِ وَالنُّكْرانِ.

أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾

الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأُصَلِّيْ وَأُسَلِّمُ عَلَى رَسُولِهُ الدَّاعِيْ إِلَى رِضْوانِهِ، أَمَّا بَعدُ عِبادَ اللهِ: فَاتَّقُوا اللهَ حَقَّ التقوى، قالَ تَعَالَى: ﴿وَٱتَّقُواْ يَوۡما تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡس مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ﴾ [البقرة: 281].

أَيَّتُهَا المرْأَةُ المؤْمِنَةُ: يا مَنِ اخْتَرْتِ زَوْجَكِ؛ لِيَكُونَ لَكِ إِلْفًا، وَعِشْتِ مَعَهُ أَسْعَدَ لَحَظَاتِ الْعُمُرِ، وَمَرَّتْ بِيْنَكُمَا الْأَيَّامُ بِحُلْوِها وَمُرِّهَا، وَقَدْ أَفْضَيْتِ إِلَيْهِ، وَأَفْضَى إِلَيْكِ، وَكَتَبَ اللهُ بَيْنَكُمَا مِنَ الْوُدِّ وَالرَّاحَةِ، وَرَزَقَكُمَا السِّتْرَ وَالْبَيْتَ الْآمِنَ وَالذُّرِّيَّةَ، كَيْفَ تَجْحَدِينَ فَضْلَ رَبِّكِ، ثُمَّ فَضْلَ زَوْجَكِ، وَتَسْتَهِينِينَ بِعِشْرَةِ السِّنِينَ، وَتَعْبَثِينَ بِالميثاقِ الْغَلِيظِ، وَتَتَمَرَّدِينَ عَلَى ما قَسَمَ اللهُ لَكِ مِنْ رِزْقٍ، وَتَمْلَئِينَ الْبَيْتَ نَكَدًا وَحُزْنًا وَغَمًّا، وَتَطْلُبِينَ الطَّلاقَ، أَوْ تَرْفَعِينَ قَضِيَّةً لِلْخُلْعِ؟ مُعَرِّضَةً كُلَّ أَفْرادِ الْأُسَرَةِ لِلضَّياعِ، أَمَا سَمِعْتِ قَوْلَ نَبِيِّكِ صلى الله عليه وسلم: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ ‌لَمْ ‌تَرِحْ ‌رَائِحَةَ ‌الجَنَّةِ» [رواه أبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجه]؛ فَعَلَى كُلِّ مُسْلِمَةٍ أَنْ تَتَّقِيَ اللهَ فِي زَوْجِها، فَهُوَ نِعْمَةٌ مِنَ اللهِ لَهَا، فَلْتُقِرَّ بِفَضْلِ اللهِ عَلَيْها، ثُمَّ فَضْلِ زَوْجِها، وَتَحْرِصْ عَلَى أَنْ تَرُدَّ لَهُ الْفَضْلَ بِالْفَضْلِ، وَالْإِحْسانَ بِالْإِحْسانِ، وَتَجْتَهِدَ فِي خِدْمَتِهِ وَمُكافَأَتِهِ، سَواءً أَكانَ: دُنْيَويًّا: ماليًّا أَوْ بَدَنِيًّا أَوْ نَفْسِيًّا، أو دِينِيًّا بِالدُّعاءِ لَهُ، وَلِمَ لا وَهُوَ جَنَّتُها وَنارُها؟ قالَ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ، فَلَمْ تَأْتِهِ، فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا، ‌لَعَنَتْهَا ‌الْمَلَائِكَةُ ‌حَتَّى ‌تُصْبِحَ» [أخرجه البخاري ومسلم]. وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «لَا تُؤْذِي امْرَأَةٌ زَوْجَهَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا قَالَتْ زَوْجَتُهُ مِنَ الْحُورِ الْعَيْنِ لَا تُؤْذِيهِ -قَاتَلَكِ اللَّهُ- فَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَكِ دَخِيلٌ، ‌يُوشِكُ ‌أَنْ ‌يُفَارِقَكِ إِلَيْنَا» [أخرجه ابن ماجه والترمذي، وحسنه الألباني].

هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56] اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الخلفاء الراشدين، وعن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ ومن تبعهم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.

أَحْكَامُ الشِّتَاءِ 28/6/1447ه
﴿الخُطْبَةُ الْأُوْلَى﴾
إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَخَلِيلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا*يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أَمَّا بَعْدُ عِبادَ الله: فَأُوْصِيْكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ جَلَّ فِي عُلَاهُ، وَالتَّقْوَى أَنْ تَعْمَلَ بِطَاعَةِ اللهِ عَلَى نُوْرٍ مِن اللهِ، تَرْجُو ثَوَابَ اللهِ، وَأَنْ تَتْرُكَ مَعْصِيَةَ اللهِ عَلَى نُوْرٍ مِن اللهِ تَخَافُ عَذَابَ اللهِ، ﴿فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصۡلَحَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ﴾. [الأعراف: 35].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: إِنَّ فِي تَصَرُّفِ الْأَيَّامِ واخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَفُصُولِ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ لَعِبْرَةً وآيةً، قَالَ اللَّهُ عز وجل:﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾[آل عمران:190،191]. وَفِي هَذَا تَذْكيرٌ لِلْمُسْلِمِ فِي فَتَراتِ عُمُرِهِ، وَتَقَلُّبِ أَحْوَالِهِ، وذَهابِ أَيّامِهِ وَأَعْوامِهِ؛ فَيَتَنَبَّهَ إِنْ كانَ غَافِلًا، وَيَتُوبُ إِنْ كانَ عاصِيًا، وَيَتَعَرَّضُ لِنَفَحاتِ رَبِّهِ قَبْلَ لِقائِهِ.
عِبَادَ اللهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّها، فَقَالَتْ: يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ، نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ فِي الحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الزَّمْهَرِيرِ» رواه مسلم.
ثُمًّ اعْلَمُوا -حَفِظَكُمُ اللهُ- أَنَّ لِلشِّتَاءِ أَحْكَامًا شَرْعِيَّةً وَآدابًا نَبَوِيَّةً، وَسُنَنًا مَرْعِيَّةً، يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَتَحَرَّاهَا لِتَكْتَمِلَ عِبَادَتُهُ، وَيَتِمَّ لَهُ أَجْرُهُ وَثَوَابُهُ، وَيَقْتَدِي بِسُنَّةِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم. قَالَ اللهُ عز وجل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾[المائدة:3]. فَلَا يُعْذَرُ الـمُسْلِمُ بِجَهْلِهِ لِلْأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ اَلْجَليَّةِ.
فَمِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ: جَوَازُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ مَعَ شِدَّةِ الْبَرْدِ إِذَا كَانَ مَصْحُوبًا بِرِيَاحٍ شَدِيدَةٍ، أَوْ ثُلُوجٍ عَائِقَةٍ، أَوْ أَمْطَارٍ غَزِيرَةٍ، وَمَنْ جَمَعَ عَلَى غَيْرِ تِلْكَ الْحَالَةِ فَإِنْ كَانَ جَمْعَ تَقْدِيمٍ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ الثَّانِيَةَ، وَإِنْ كَانَ جَمْعَ تَأْخِيرٍ فَإِنَّهُ صَلَّى الْأُولَى فِي غَيْرِ وَقْتِهَا، وَهُوَ آثِمٌ.
وَمِنْ أَحْكَامِ الشِّتَاءِ: أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُسْبِغَ الْوُضُوءَ وَلَا يَتَسَاهَلَ؛ لِأَنَّهُ مَعَ شِدَّةِ الْبَرْدِ قَدْ يَلْبَسُ لِبَاسًا ثَقِيلًا لَا يَسْتَطِيعُ مَعَهُ إِيْصَالَ الْمَاءِ إِلَى أَعْضَائِهِ، فَيَكُونُ وُضُوْؤُهُ غَيْرَ تَامٍّ، رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَوْمًا تَّوَضَّؤوا، وَلَمْ يَمَسَّ أَعْقابَهُمُ الْمَاءُ، فَقَالَ: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» [رواه البخاري ومسلم].
عِبَادَ اللهِ: رَوَى مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى المَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى المَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّباطُ» رواه مسلم. قَالَ النَّوَوِيُّ رحمه الله: “وَإِسْباغُ الوُضوءِ إِتْمامُهُ، وَاَلْمَكارِهُ تَكونُ بِشِدَّةِ البَرْدِ وَأَلَمِ الجِسْمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ”. ولَا بَأْسَ مِنْ تَسْخينِ الْمَاءِ لِدَفْعِ بَرْدِهِ؛ لِيَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الْعِبادَةِ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ حُصولِ الثَّوابِ، قَالَ الشَّيْخُ اِبْنُ عُثَيْمينَ رحمه الله: (أَنْ يَشُقَّ الْإِنْسانُ عَلَى نَفْسِهِ، وَيَذْهَبَ يَتَوَضَّأَ بِالماءِ الْبارِدِ، وَيَتْرُكَ السَّاخِنَ، أَوْ يَكُونَ عِنْدَهُ مَا يُسَخِّنُ بِهِ الماءَ، وَيَقُولُ: أُرِيدُ أَنْ أَتَوَضَّأَ بِالماءِ الْبارِدِ؛ لِأَنالَ هَذا الْأَجْرَ، فَهَذا غَيْرُ مَشْرُوعٍ؛ لِأَنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء:147]، فَالْإِنْسانُ لَيْسَ مَأْمُورًا وَلَا مَنْدُوبًا إِلَى أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشُقُّ عَلَيْهِ وَيَضُرُّهُ، بَلْ كُلَّمَا سَهُلَتْ عَلَيْهِ الْعِبادَةُ فَهُوَ أَفْضَلُ، لَكِنْ إِذَا كَانَ لَا بُدَّ مِنَ الْأَذَى وَالْكُرْهِ فَإِنَّهُ يُؤْجَرُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ بِغَيْرِ اخْتِيارِهِ).
وَمِنْ أَحْكامِ الشِّتاءِ: أَنَّهُ يُكْرَهُ التَّلثُّمُ فِي الصلاةِ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ أَوْ عِلَّةٍ، رَوَى أَبُو داودَ وَغَيْرُهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنِ السَّدْلِ فِي الصَّلاةِ، وَأَنْ يُغَطِّي الرَّجُلُ فاهُ. وَمِنْ أَحْكامِ الشِّتاءِ: جَوازُ لُبْسِ القُفَّازَيْنِ لِبَرْدٍ وَنَحْوِهِ.
وَمِنْ أَحْكامِ الشِّتاءِ: الدُّعاءُ عِنْدَ هُبُوبِ الرِّيحِ؛ كانَ صلى الله عليه وسلم إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ قالَ: «اللهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا، وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ» [رواه مسلم]. وَمِنْ آدابِ الشِّتاءِ: أَنَّهُ لا يَجُوزُ سَبُّ الرِّيحِ؛ فَهِيَ مُسَخَّرَةٌ وَمُذَلَّلَةٌ لِمَا خُلِقَتْ لَهُ، وَهِيَ مَأْمُورَةٌ بِما تَجِيءُ بِهِ مِنَ الرَّحْمَةِ أَوِ الْعَذَابِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «‌الرِّيحُ ‌مِنْ ‌رُوحِ اللَّهِ، تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ، وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَلَا تَسُبُّوهَا، وَسَلُوا اللَّهَ خَيْرَهَا، وَاسْتَعِيذُوا بِهِ مِنْ شَرِّهَا» [رواه أبو داود، وغيره]. وَمِنْ أَحْكامِ الشِّتاءِ: التَّسْبِيحُ عِنْدَ سَماعِ الرَّعْدِ، كانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ تَرَكَ الحَدِيثَ، وَقالَ: «‌سُبْحَانَ ‌الَّذِي ‌يُسَبِّحُ ‌الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ، وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ»، ثُمَّ يَقُولُ: «إِنَّ هَذَا لَوَعِيدٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ شَدِيدٌ» [أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وسنده صحيح]. وَمِنْ آدابِ الشِّتاءِ: الدُّعاءُ عِنْدَ رُؤْيَةِ السَّحابِ وَنُزُولِ المطَرِ، كانَ صلى الله عليه وسلم إِذَا رَأَى السُّحُبَ فِي السَّماءِ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا» فَإِنْ مُطِرَ قَالَ: «‌اللَّهُمَّ ‌صَيِّبًا ‌هَنِيئًا» [أخرجه أبو داود بسند قوي]، وَعِنْدَ البُخاريّ: «‌اللَّهُمَّ ‌صَيِّبًا ‌نَافِعًا»، وَعِنْدَ البُخاريّ وَمُسْلِمٍ: «‌مُطِرْنَا ‌بِفَضْلِ ‌اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ»، والدُّعاءُ عِنْدَ نُزُولِ المطَرِ لا يُرَدُّ؛ قالَ صلى الله عليه وسلم: «‌ثِنتانِ ‌لا ‌تُرَدّانِ -أو: قَلَّما تُرَدّانِ- الدُّعاءُ عِندَ النِّداءِ، وتَحتَ المَطَرِ» [رواه الحاكم، وحسنه الألباني]، وَكَانَ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَمْطَرَتِ السَّماءُ كَشَفَ ثَوْبَهُ حَتَّى يُصِيبَهُ المطَرُ، فَقالَ الصَّحابَةُ: يا رَسُولَ اللهِ لِمَ صَنَعْتَ هَذا؟ قال: «إِنَّهُ ‌حَدِيثُ ‌عَهْدٍ ‌بِرَبِّهِ» [رواه مسلم]، وَإِذَا زادَ المطَرُ، وَخَشِيَ الضَّرَرَ، كانَ صلى الله عليه وسلم يَدْعُو: «اللَّهُمَّ ‌حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالظِّرَابِ، وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ» [رواه البخاري]
وَمِنْ أَحْكامِ الشِّتاءِ: إِطْفاءُ النَّارِ وَأَدَواتِ التَّدْفِئَةِ قَبْلَ النَّوْمِ، فَقَدِ احْتَرَقَ بَيْتٌ بِالمدِينَةِ عَلَى أَهْلِهِ بِاللَّيْلِ، فَقالَ صلى الله عليه وسلم: «‌إِنَّ ‌هَذِهِ ‌النَّارَ إِنَّمَا هِيَ عَدُوٌّ لَكُمْ، فَإِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ» [أخرجه البخاري ومسلم]، وَمِنْ أَحْكامِ الشِّتاءِ: عَدَمُ سَبِّ الحُمَّى، فَقَدْ دَخَلَ صلى الله عليه وسلم عَلَى أُمِّ السَّائِبِ رَضِيَ اللهُ عَنْها فَقالَ: «مَا لَكِ؟ يَا أُمَّ السَّائِبِ أَوْ يَا أُمَّ الْمُسَيِّبِ ‌تُزَفْزِفِينَ؟» قَالَتْ: الْحُمَّى، لَا بَارَكَ اللهُ فِيهَا، فَقَالَ: «لَا تَسُبِّي الْحُمَّى، فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ، كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ» [رواه مسلم]، فَالحُمَّى تُكَفِّرُ الخَطايا، وَفِي الشِّتاءِ تَكْثُرُ الحُمَّى، وَعَلَى المسْلِمِ أَنْ يَأْخُذَ بِأَسْبابِ الْعِلاجِ، وَيَحْتَسِبُ مَرَضَهُ عِنْدَ اللهِ عز وجل. وَمِنْ أَحْكَامِ الشِّتَاءِ: الرُّخْصَةُ فِي الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ فَيَنْبَغِيْ عَلَى الـمُسْلِمِ أَنْ يَتَعَلَّمَ شُرُوْطَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَسَحَ فِي مَوْضِعٍ أَوْ وَقْتٍ ﻻَ يَجُوزُ لَهُ الْـمَسْحُ فِيْهِ فَالصَّلَاةُ غَيْرُ صَحِيحَةٍ.
وَشُرُوْطُ الْـمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَرْبَعَةٌ: أَنْ يَكُونَ الْخُفُّ طَاهِرًا، وَأَنْ يَلْبَسَ الْخُفَّ عَلَى طَهَارَةٍ، وَأَنْ يَكُونَ فِي الْـمُدَّةِ الْـمُعْتَبَرَةِ شَرْعًا، وَأَنْ يَكُونَ فِي الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ.
وَالْـمُدَّةُ الْـمُعْتَبَرَةُ شَرْعًا هِيَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ لِلْمُقِيمِ، وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا لِلْمُسَافِرِ، وَمَنْ كَانَ مُقِيمًا ثُمَّ سَافَرَ فَإِنَّهُ يَمْسَحُ مَسْحَ مُسَافِرٍ، وَمَنْ كَانَ مُسَافِرًا ثُمَّ أَقَامَ فَإِنَّهُ يَمْسَحُ مَسْحَ مُقِيمٍ، وَتَبْتَدِئُ مُدَّةُ الْمَسْحِ بَعْدَ أَوَّلِ مَسْحَةٍ بَعْدَ حَدَثٍ، وَإِنِ انْتَهَتْ مُدَّةُ الْمَسْحِ وَمَا زَالَ الْعَبْدُ عَلَى طَهَارَةٍ جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى أَنْ يُحْدِثَ، وَأَنْ يَكُونَ فِي الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ، ﻻَ فِي الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ، وَمَنْ كَانَ لَابِسًا لِلْخُفِّ عَلَى طَهَارَةٍ فَإِنَّ الْأَفْضَلَ لَهُ الْمَسْحُ، كَمَا رَجَّحَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الـمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ رضي الله عنه قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ، فَأَهْوَيْتُ لِأَنْزَعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: «دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا. [رواه البخاري]، وَمِنْ أَحْكامِ الشِّتاءِ: جَوازُ المسْحِ عَلَى الْعَمائِمِ الْمُحَنَّكَةِ، أَيِ الْمُحْكَمَةِ عَلَى الرَّأْسِ، مِنَ الصَّعْبِ نَزْعُها، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم مَسَحَ عَلَى الْعِمامَةِ [أخرجه الترمذي]، وَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الْقُبَّعاتُ وَخِمارُ المرْأَةِ مِمّا يَصْعُبُ نَزْعُهُ مِنْ عَلَى الرَّأْسِ، أَمَّا الْغُتْرَةُ، وَالشِّماغُ، وَالطَّاقِيَّةُ، وَالطَّرْبُوشُ مِمَّا يَسْهُلُ نَزْعُهُ فَلا يَصِحُّ المسْحُ عَلَيْها.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الْكَرِيْمُ.
﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبارَكَ عَلَيْه وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ: عِبَادَ اللَّهِ: وَمِنْ آدَابِ الشِّتَاءِ: اسْتِثْمَارِ الْوَقْتِ فِي طَاعَةِ اللهِ، قال الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: “نِعْمَ زَمَانُ الْـمُؤْمِنِ الشِّتَاءُ، لَيْلُهُ طَوِيْلٌ يَقُومُهُ، وَنَهَارُهُ قَصِيْرٌ يَصُومُهُ”. وَهَذَا مَعْنَى قوله صلى الله عليه وسلم: «الْغَنِيْمَةُ الْبَارِدَةُ الصَّوْمُ فِي الشِّتاءِ» [رواه الترمذي وهو حديث صحيح]. فَحَرِيٌّ بِنَا صيامُ الْأَيَّامِ الْفَاضِلَةِ كَالِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيْسِ أَوِ الْأَيَّامِ الْبِيْضِ، وَقِيَامِ اللَّيْلِ وَلَوْ بِرَكْعَاتٍ يَسِيْرَةٍ، فَلَعَلَّ بِهَا نجاةُ الْعَبْدِ يَوْمَ القِيَامَةِ.
وَمِنْ أَحْكَامِ الشِّتَاءِ: الْإِكْثارُ مِنْ شُكْرِ اللَّهِ عز وجل عَلَى نِعْمَةِ وَسائِلِ التَّدْفِئَةِ مِنْ مَلابِسَ وَأَجْهِزَةٍ وَأَبْنِيَةٍ، الَّتِي قَدْ حُرِمَ مِنْهَا الْكَثِيرُ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافىً فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيْزَتْ لَهُ الدُّنْيا» [رواه الترمذي وحسنه الألباني]. وهُنَاكَ إِخْوَانٌ لَنَا لَا يَجِدُونَ وَلَا الْقَلِيلَ مِنْ هَذَا، فَتَصَدَّقْ أَيُّهَا الـمُؤْمِنُ بِبَعْضِ الْـمَلَابِسِ النَّظِيْفَةِ الْـمُنَاسِبَةِ لِمِثْلِ هَذِهِ الْأَجْوَاءِ، أَوْ خَصِّصْ مَبْلَغًا يَسِيرًا مِنَ الْـمَالِ لِمَا يُسَمَّى بِكِسْوَةِ الشِّتاءِ، فَإِذَا وَجَدْتَ مُحْتَاجًا أَعْطَيْتَهُ إِيَّاهَا، فَمَنِ اسْتَطاعَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِلِباسٍ جَدِيدٍ فَإِنَّهُ بِإِذْنِ اللَّهِ عز وجل لَهُ مِنَ الْأُجُورِ مَا ﻻَ يَخْطُرُ لَهُ عَلَى بَالٍ، قالَ تَعالَى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران 92]. وَالـمُؤْمِنُ يُحِبُّ العَطَاءَ وَالْبَذْلَ، قال صلى الله عليه وسلم: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا”، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا» [رواه الطبراني، وصححه الألباني].
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]
‎اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الخلفاء الراشدين، وعن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ ومن تبعهم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.

🌹☕️ مساء يبدأ
بسؤال لا بضجيج…
بسطرٍ يُوقظ العقل لا ينوّمه،
وبفكرةٍ تُنقّي الذائقة
قبل أن تملأ الرفوف.
🌷يشرق صباحنا
ونحن نمرّ على
مواسم الثقافة
ومعارض الكتب،
يطلّ علينا مشهدٌ
يحتاج إلى وقفة تأمل:
معارض الكتب
بين صناعة الوعي
وتسويق التفاهة.
عنوانٌ لا يطلب الإثارة،
بل يطلب الصدق
فليس كل ما يُعرض معرفة
ولا كل ما يُسوَّق وعيًا.
🌷كم من كتابٍ لامع الغلاف
خفيف المعنى،
يُزاحم مؤلفاتٍ عميقة
أُتعب أصحابها
الفكر قبل الحبر؟
وكم من قارئٍ خرج محمّلًا بالأكياس،فارغًا من الأسئلة
🌷القراءة التي تصنع الكبار
لا تُقاس بعدد ما نشتري،
بل بقدرتنا على التمييز
بين المتن السمين
والهامش الغث،
بين ما يبني العقل
وما يراكم الضجيج.
وفي زمن تُدار فيه
التفاهة بذكاء،
تصبح القراءة الجادة
فعل وعي،
ويغدو اختيار الكتاب
موقفًا أخلاقيًا.
🌷صباحٌ نعيد فيه
للكتاب هيبته،
وللعقل حقه
وللقراءة معناها

تقارب المؤرخ والصحفي (1-5)

https://www.makkahnews.sa/5368799.html

 

 

تقارب المؤرخ والصحفي (2-5)

https://www.makkahnews.sa/5368966.html

 

 

تقارب المؤرخ والصحفي (3-5)

https://www.makkahnews.sa/5369163.html

 

 

تقارب المؤرخ والصحفي (4-5)

https://www.makkahnews.sa/5369820.html

 

 

تقارب المؤرخ والصحفي (5-5)

تقارب المؤرخ والصحفي (5-6)