عذب الكلام :
قد يتخيل البعض ان القدرة على التلفظ بالفاظ جميلة مع الناس فى كل المناسبات فى مقدور كل من يدب على الارض من البشر او من يتنفس شهيق الحياة ،وهذا فهم مغلوط ؛لان الذى يحرك اللسان نحو الكلام هو فى الحقيقة القلب وليس العقل ،بل العقل هو مجرد مفلتر اذا كان حاضرا يسمح باخراج الكلام المناسب ويمنع من اخراج غيره اذا لم يكن مناسبا .
وهذه الحقيقة تستدعى منا ان نملا هذا القلب بالحب والجمال والانسانيات الجميلة الراقية وتعلم ما يدعم ذلك ويغرسه فى اوردة وشرايين القلب بحيث اذا ضخ …دما الى العقل كانت كرات دمه البيضاء والحمراء والبلازما والسيتوبلازما مليئة بالمشاعر النبيلة والقيم الرفيعة والروح المحبة والامال المفرحة فاذا قام العقل بتوزيع هذه الدماء على سائر الجوارح خرج منها ما يسعد النفس ويشرح الصدر وكان التعبير عنها بواسطة اللسان مفردات جميلة راقية مستبشرة مبشرة ودودة تهنأ وتجامل وتبرز معانى الجمال الموجودة داخل هذا القلب الذى اشرب محاسن العادات وتعلم الجمال المبثوث فى هذا الكون .
ولذلك كان لزاما علينا ان نهتم ببراعمنا فنغرس في قلوبهم حب الخير وندربهم على البحث عن الجمال فى كل شئ ثم ناخذ بايديهم نحو الفضائل والوقوف بالعقل على زناد اللسان حتى يخرج من السنتنا كل ما يسعد او يبشر او يبارك او يشكر او يجامل فتتغير ملامح الحياة الكئيبة التى نحياها والضجيج الذى يؤذى مسامعنا ويوجع قلوبنا والاذى الذى يلاحقنا من طعنات اللسان التى توجعنا من القريب والصديق وربما الحبيب وصدق رسول الله صلى الله علية وسلم حينما قال :من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليقل خيرا او ليصمت ..قبل الكلام تكون التربية …صباحكم كله بشر وسرور …

وفاء القروض والديون وأثرُه في تغير قيمة العملات
ثقافة اقتصادية
إعداد أ.د. حسن أبوغدة
الترغيب في القرض الحسن وبيان فضله:
دعا الإسلام إلى تفريج كربة المسلم وقضاء حاجته وسد فاقته، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من نَفَّس عن أخيه كُربة من كرب الدنيا، نفس الله بها عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر ، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ). رواه مسلم .
ومما شرعه الإسلام في هذا المجال: القرض الحسن، وهو إعطاء المال للآخرين مؤقتاً؛ ليدفعوا به ضائقتهم ثم يردُّوا مثله.
ولا خلاف بين العلماء في جوازه، بل هو مندوب إليه، لما فيه من عظيم الفضل وحسن الأجر، حتى قال بعضهم: إن موقعه أعظم من الصدقة؛ لأنه لا يقترض إلا محتاج . وفيه قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ما من مسلم يقرض مسلماً قرضاً مرتين إلا كان كصدقتها مرة ) رواه ابن ماجه.
ويُعدُّ القرض من عقود البر والإرفاق التي يقصد بها التيسير على الآخرين وتفريج كرباتهم؛ طمعاً في ثواب الله وحدَه وحسن جزائه.
من أحكام القرض الحسن:
دعا الإسلام المقترض إلى الإسراع في وفاء القرض عند أول فرصة سانحة، وشكر المقرض على معروفه وإحسانه.
كما أجاز الإسلام الزيادة على مبلغ القرض عند وفائه إذا لم تُشترط في العقد وذلك على وجه التحبب ورد الجميل؛ لما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: ( أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وكان لي عليه دين، فقضاني وزادني ) رواه الشيخان.
وروى الشيخان أيضاً: أنه كان لرجل على النبي صلى الله عليه وسلم سِنٌّ من الإبل – أي جمل له سِنٌّ معين – فجاء يتقاضاه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أعطوه سنَّاً مثلَ سِنِّه، فطلبوا سِنَّه فلم يجدوا إلا سِنَّاً فوقَها، فقال: أعطوه… فإن خيركم أحسنُكم قضاءً.
ونهى الاسلام عن الزيادة في رد القرض إذا اشتُرطت فيه، وعدَّها من الربا، وهو حرام، وفي الأثر الذي رواه البيهقي وغيره: ( كلُّ قرض جر منفعة، فهو وجهٌ من وجوه الربا ).
أثرُ تغيُّر العملة في وفاء القرض أو الدَّيْن:
تواجه المسلم في عصرنا مشكلة تتصل بالقرض الحسن، وذلك أن بعض الناس يمتنعون عن تقديم الدَّين القرض الحسن للآخرين؛ مخافة أن تلحقهم خسارة مالية وضرر فادح نتيجة التضخم وارتفاع الأسعار، وما يقابل ذلك من انخفاض في القوة الشرائية للعملة التي يتم فيها القرض.
ولاشك أن أكثر من يتضرر بهذا التغير هم أصحاب الديون والقروض الكبيرة ذات الأجل الطويل، وبخاصة إذا كان انخفاض القوة الشرائية في العملة كبيراً.
وحتى يستمر عمل البر والمعروف ويظل قائماً في حياة المسلمين وممارساتهم، ولئلا ينقطع هذا المعنى الأخلاقي الإنساني، الذي يهدف إليه الإسلام في تشريعه لعقد القرض، كان لابد من معالجة هذه المشكلة الطارئة، وتلمُّس الحل الذي يتناسب مع النصوص الشرعية.
وبالرجوع إلى ما كتبه العلماء نجد أن بعض الفقهاء ومنهم أبو يوسف القاضي وابن تيمية رحمهما الله تعالى قد درسا هذه المشكلة، ومما ذكراه في هذا المجال: أن النقود إذا كسدت، أو انقطعت، أو غلَت، أو رخُصت، فإنه تجب قيمتُها يوم وقع البيع بالديْن، أو قُبِض القرض. ومما استدل به هؤلاء أن العيب إذا لحق بالسلعة المغصوبة ونحوها، فإنه تردُّ قيمتها يوم أخذت، وكذلك العملة هنا لحق بها العيب لانخفاضها فتُردُّ قيمتها يوم أخذها.
ويرى علماء آخرون منهم مالك والشافعي والحنابلة والليث بن سعد: أن الذي يُرد إلى المقرِض هو مثلُ ما اقتُرض منه عدداً ومقداراً لا قيمته؛ لما ورد من أدلة منها حديث: (أعطوه سنَّاً مثلَ سِنِّه ).
رأي توفيقي:
ورأى بعض الفقهاء المعاصرين: أنه من الممكن التوفيق بين الاتجاهين من خلال التفريق بين حالتين اثنتين:
الحالة الأولى: فيما إذا كان انخفاض القوة الشرائية للعملة التي يتم بها القرض كبيراً ومؤثراً، فيؤخذ بالاتجاه الأول.
أما الحالة الثانية: فهي عندما يكون انخفاض القوة الشرائية للعملة يسيراً ومتحمَّلاً، فيؤخذ بالاتجاه الثاني.
وقد استند هؤلاء على بعض النصوص والمقاصد الشرعية ومنها ما يلي:
أولاً: قوله تعالى: ( هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ). الآية 60 من سورة الرحمن، حيث إن المقرض قام بالإحسان إلى المقترض، فلا ينبغي أن يرجع إليه هذا الإحسان بالسوء بحسب منطوق الآية. فان قيل: إن غاية القرض الترفق بالمقترض، فالجواب على هذا: أن الترفق لا ينبغي أن يفضي إلى هضم حق المقرض أو بعض حقه.
ثانياً: قول الله تعالى: ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان ). الآية 90 من سورة النحل، ومن العدل إعطاء كل ذي حق حقه، ومن المقرر أن الضرر لا يكون مع الحق، فإذا تضرر المقترض بالانخفاض الفاحش الكبير في القوة الشرائية للعملة، لم يكن قد نال حقه، فضلاً عن الإحسان الذي ندبت إليه الآية نفسُها.
ثالثاً: إنَّ تضرر المقترض بتآكل مبلغ القرض من خلال انخفاض قوته الشرائية، لا يتلاقى مع ما يهدف إليه الحديث المتفق عليه، والذي تقدم آنفاً، وفيه يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن خيركم أحسنكم قضاء ). ومن الإحسان عدم غمط الناس أصول حقوقهم.
رابعاً: جاء في الحديث الشريف: ( لا ضرر ولا ضرار ). رواه أحمد والحاكم وابن ماجه. وهذا النهي يشمل الضرر الذي يلحق المقرِض من جراء انخفاض قيمة العملة، ولا يخفى أن من المقرر شرعاً: إزالة الضرر إذا وقع؛ للقاعدة الفقهية: ( الضرر يزال ). وإزالة الضرر هنا تكون بإزالة آثاره، وهي الخسارة التي نزلت بالمقرض.
رأي يربط القرض بالذهب:
ويرى بعض الباحثين: أن يتم ربط قيمة القرض بالذهب مثلاً؛ لأنه رأس الأثمان وأصولها، وإليه يطمئن الناس حال اضطراب المعاملات المالية وتدهور قيمتها، فضلاً عن أن الذهب والفضة هما الأصل الذي يُرجع إليه في تقدير نصاب الزكاة، وقيمة المتلَفات والديات وغيرها. وهو هنا كأنما يقرضه ذهباً.
وبناء على هذا يمكن للدائن والمدين أن يتفقا ابتداء على ربط المبلغ المقترض بسعر الذهب مثلاً, فإذا كان المبلغ يساوى مئتي غرام من الذهب وقت العقد، ثم انخفضت قيمة المبلغ أو ارتفعت, فإن المقترض يقوم بسداد ما يساوي مئتي غرام من الذهب من تلك العملة أو من بدائلها.
قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي:
أما مجمع الفقه الإسلامي الدولى بجدة فقد انتهى في احد قراراته إلى أن يتقاسم الدائن والمدين فرق تغير العملة الكثير…
فإن اختلف الطرفان فيمكن أن يفصل بينهما القضاء.
وبعد: يتضح مما تقدم مدى حرص الإسلام على تحقيق التعاون الاجتماعي بين المسلمين من خلال تشريع القرض الحسن للآخرين، كما يتضح مدى حرص الفقهاء على تحقيق العدل في ضوء مراعاة النصوص الشرعية والمقاصد العامة.
ماذا تعرف عن الاستشراق والمستشرقين ؟
بقلم أ.د. حسن أبوغدة..
تعريف الاستشراق:
ليس لهذا المصطلح وجود في لغة العرب، لكنه مشتق من لفظ: ” الشَّرْق “، ويدل لفظ الاستشراق على الاتجاه نحو الشرق…
ويراد به اصطلاحاً: العلم الذي يبحث فيه الغربيون من وِجْهة نظرهم عن أحوال الشرق وبخاصة العالم الإسلامي، من حيث اللغة، والآداب، والتاريخ، والاجتماع، والاقتصاد، والسياسة، والدين، والعادات، والتقاليد، وغير ذلك؛ بقصد تحقيق أهداف معينة.
والمستشرق هو: واحدٌ من العلماء الغربيين، فَرَّغ نفسه لدراسة أحوال المَشْرِق المتنوعة؛ بقصد تحقيق أهداف معينة.
بدايات الاستشراق وتطوره:
من الصعب تحديد بدايات تاريخية قديمة للاستشراق، لكنَّ المشهور أنه نشِط وأصبح عِلْماً يُدَرَّس في القرنين: الخامس عشر والسادس عشر الميلادي، في إيطاليا وبريطانيا والبرتغال، ومن أبرز المستشرقين في ذلك الوقت وأشهرهم المستشرق ” توماس هربرت “، وكان شاباً ذكياً وماهراً، استطاع الوصول إلى السواحل الجنوبية لإيران قادماً من الهند، بالتنسيق مع السفير البريطاني آنذاك، فبدأ بكتابة بحوثه حول إيران والإيرانيين.
ومنذ أواخر القرن السابع عشر الميلادي أصبحت مدينتا ” لندن ” و ” باريس ” من المراكز الرئيسية في تدريس الاستشراق، ثم توسّع ذلك حتى أصبحت أكثر البلدان الأوربية في الوقت الحاضر لديها معاهد خاصة بتدريس الاستشراق بجميع أقسامه، وغَدَتْ تُخرِّج في كلِّ عام أعداداً كثيرة من الأساتذة، الذين يُغذُّون علم الاستشراق ودراساته، إلا أن المستشرقين في أوقات عديدة بدؤوا يأخذون أشكالاً أخرى في الظهور باسم مستشارين اقتصاديين، أو سياسيين، أو لغويين، ويتبعون وزارات الخارجية والاقتصاد والدفاع وغيرها، ومهمتهم فهم طبيعة العالم الإسلامي وتوجهات المسلمين، وذلك من أجل التعامل الغربي معهم.
وقد أدرك الأوربيون عامة والمستشرقون خاصة، قديماً وحديثاً، أنه لا سبيل إلى الانتصار على المسلمين عن طريق الحروب والقوة العسكرية؛ لأن تمسَّكهم بالإسلام يدفعهم إلى المقاومة والجهاد؛ لحماية ديار الإسلام والدفاع عن الحرمات والأعراض، وأنه لا بدَّ من سبيل آخر لغزو المسلمين وترويضهم وإخضاعهم، وهذا السبيل هو الغزو الفكري ” الناعم ” وهو: أن يقوم العلماء والمستشرقون الأوربيون وغيرهم بدراسة الإسلام وتعاليمه ليأخذوا منه السلاح الجديد الذي يغزون به المسلمين، من خلال تزييف تعاليم الإسلام، وتشويه حقائقه، وإثارة الشبهات حوله، وعمدوا في سبيل ذلك إلى إقامة مراكز البحوث ” المحايدة ” بزعمهم، وإجراء الدراسات، وتأليف الكتب، وتحقيق المخطوطات، ونشر الموسوعات مثل: ” دائرة المعارف الإسلامية “، وإصدار المجلات، وكتابة المقالات، وتكوين الجمعيات الاستشراقية، وعقد الندوات والمؤتمرات في بلادهم وفي بعض البلاد الإسلامية…إلخ.
أصناف المستشرقين:
يمكن تقسيم المستشرقين إلى ثلاثة أصناف:
الصنف الأول: مستشرقون مُنْصِفون أسْلموا: وهؤلاء درسوا الإسلام دراسة دقيقة واعية، واستوعبوا ما فيه، فشرح الله تعالى صدورهم إلى الإسلام فأسلموا، وأفادوا الإسلام والمسلمين بدعوتهم الآخرين إلى الإسلام من خلال كتاباتهم ومحاضراتهم. ومن هؤلاء: ” محمد أسد ” الذي ألف كتاب: ” الطريق إلى مكة ” وكتاب: ” الإسلام في مفترق الطرق ” وغير ذلك. ومنهم: ” رينيه ” الفرنسي، صاحب كتاب: ” أشعة خاصة بنور الإسلام “، وقد أسلم وعاش في الجزائر ودفن فيها. ومنهم: ” مريم جميلة ” التي ألفت كتاب: ” الإسلام بين النظرية والتطبيق “.
الصنف الثاني: مستشرقون مُنْْصِفون لم يُسْلِموا: وهؤلاء درسوا الإسلام واطَّلعوا على حقائقه وتعاليمه، فنقلوها كما هي من غير تحريف ولا تزييف، ومدحوا الإسلام وأبرزوا فضائله، لكنَّ قلوبهم لم تتفتَّح للإيمان به. ومن هؤلاء: ” هارديان رينالد ” الهولندي، الذي ألَّف كتاب: ” الديانة المحمدية ” في جزأين، لكن الكنيسة منعت تداوله واعتبرته من الكتب الخطيرة على عقائد النصارى. ومنهم: ” أربري ” الذي ترجَم معانيَ القرآن الكريم، وألَّف كتاب:” الإسلام اليوم “. ومنهم: ” هونكه ” المستشرقة الألمانية التي ألفت كتابها الشهير: ” شمس العرب تسطع على الغرب “. ومنهم: ” جوته “، و ” توماس أرنولد “، و ” غوستاف لوبون ” المؤرخ الفرنسي الذي ألف كتابه ” حضارة العرب “، وهو صاحب العبارة المشهورة: ” لم يعرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب “.
الصنف الثالث: مستشرقون حاقدون مُخادعون مُفْتَرون على الإسلام: ومن أهداف هؤلاء: تشكيك المسلمين في دينهم وتشويهه أمام الآخرين، والعمل على تنصير المسلمين، والإعانة على استعمار بلادهم. ومن هؤلاء: ” جولد زيهر ” اليهودي المجري، صاحب كتاب: ” تاريخ مذاهب التفسير الإسلامي “، و ” صموئيل زويمر ” صاحب كتاب: ” الإسلام “، و ” ماكدولند ” الأمريكي المتعصِّب، صاحب كتاب: ” تطوُّر علم الكلام “، ومنهم: ” مرجليوث “، و ” جوزيف شاخت “، و ” بلاشير “…إلخ.
أهداف الاستشراق ووسائله:
قد يتساءل المرء: ما الذي يجعل هؤلاء المستشرقين يُفَرِّغون أوقاتهم، ويبذلون قصارى جهدهم، ويُتعبون أنفسهم، ويهتمون بدراسة الإسلام وتعاليمه وتاريخه؟ وما هي الأهداف التي يسعون إليها؟ الجواب على هذا فيما يلي:
1ـ الأهداف الدينية: وذلك من أجل تحويل المسلمين عن دينهم، ونشر التعاليم النصرانية بينهم، والحدِّ من نفوذ الإسلام الذي توسع انتشاره ونفوذه في عموم الأقطار، وقد كانت لهم عدة وسائل لتحقيق هذا الهدف، ومن ذلك ما يلي:
أ ـ التشكيك في صحة القرآن الكريم وسلامته، وذلك من خلال الزعم بأن الوحي الذي نزل على النبي صلى الله عليه وسلم هو تخيُّلات وحالات نفسية من الغيبوبة كانت تنتابه وقتذاك، وهم بهذا يريدون إلغاء صفة الوحي الإلهي عن القرآن الكريم، ونزع قدسيته من النفوس، واستبعاده من حياة المسلمين لئلا يتخذوه مرجعاً لهم.
ب ـ التشكيك في صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، والزعم بأن الحديث النبوي هو من اختراع المسلمين في القرون الثلاثة الأولى، وهم بهذا يريدون التشكيك في السنة النبوية، وإلغاء الاحتجاج بها، مع أنها المصدر التشريعي الثاني بعد القرآن الكريم.
ج ـ الانتقاص من مكانة التشريع الإسلامي عموماً، والفقه الإسلامي خصوصاً، والادِّعاء بأنه مستمد من الديانة اليهودية، ومن الفقه الروماني، وهم بذلك يريدون النيْل من أصوله الإلهية، ومن كونه رباني المصدر؛ لأنه بزعمهم من صنع البشر جملة وتفصيلاً.
د ـ التقليل من مكانة وشأن اللغة العربية ـ لغة القرآن ـ وتشجيع استعمال اللغات العامية: الإقليمية والمحلية؛ لأن اللغة العربية بزعمهم عاجزة عن مسايرة التطور الحضاري الحديث ومبتكراته، وعن استيعاب ألفاظه ومصطلحاته في شتى المجالات، وهم بذلك يريدون قطع صلة المسلمين بالقرآن الذي نزل باللغة العربية، وصرفهم عن قراءته، وإضعافهم عن فهم مضامينه وأوامره ونواهيه.
هـ ـ اعتمادهم على الأحاديث الضعيفة والموضوعة، والأخبار التاريخية الشعوبية المُغْرِضة وترويجها ونشرها، في سبيل تدعيم آرائهم، ونشر أباطيلهم وافتراءاتهم.
2ـ الأهداف الاستعمارية: لما هُزِم النصارى الأوربيون في الحروب الصليبية وأُخرجوا من بلاد المسلمين، رأوا أن يعملوا على العودة إليها من خلال تسخير المستشرقين لتفتيت قوة البلاد الإسلامية، وتمزيق وحدتها إلى دويلات يسهل استعمارها، وذلك بإثارتهم النعرات الدينية، والطائفية، والقومية، والعِرْقية، وتشجيع ثقافاتها ولغاتها، ودعوتهم إلى القومية العربية، والكردية، والفارسية، والفرعونية، والفينيقية، والآشورية، واتِّهام المسلمين بظلم غيرهم من أصحاب الديانات والطوائف، فكان أن وُجِد عملاء لهؤلاء المستشرقين والمستعمرين الجدد، في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين الميلادي، مَهَّدوا لعودة الاستعمار الأوربي، وتعاونوا معه، وعملوا على قبوله بحجة حمايتهم من الاضطهاد، يقول وزير المستعمرات البريطاني ” أومسبي غو “: إن الحرب علَّمَتْنا أن الوحدة الإسلامية هي الخطر الأعظم الذي ينبغي على الإمبراطورية البريطانية أن تحذره وتحاربه، بل ليس الإمبراطورية البريطانية وحدها، وإنما فرنسا أيضاً، ولحُسْنِ حظِّنا فقد سقطت الخلافة العثمانية، وأتمنى أن يكون ذلك إلى غير رجعة.
ويقول ” مراد هوفمان ” سفير ألمانيا في المغرب ـ بعد أن هداه الله تعالى للإسلام ـ: والحقُّ أن معظم المستشرقين كانوا ـ عن وَعْيٍ وعن غيرِ وعْي ـ أدواتٍ لخدمة الاستعمار، وكان بعضُهم يعمل جواسيسَ للغرب.
3ـ الأهداف المالية والمعيشية: عمَد بعض المستشرقين إلى اتِّخاذ الاستشراق سبيلاً إلى الكسب المادي والمعيشي، وذلك من خلال الاشتغال بمخطوطات التراث الإسلامي ومؤلفاته، فقاموا بتحقيق المخطوطات، وتأليف الكتب، وطبعها ونشرها وبيعها بأثمان مرتفعة.
كما وُجِد فريق من المستشرقين ضاقت بهم سبل العيش الكريم في بلادهم، فقصدوا البلاد الإسلامية ـ وبخاصة في القرنين الميلاديين: التاسع عشر والعشرين ـ يرصدون الحركات الاسلامية، ويستطلعون أخبار المسلمين وأحوالهم بتوجيه من الحكومات الأوربية ومخابراتها ومؤسساتها وشركاتها التجارية، ويكتبون التقارير المفصَّلة عن البلاد الإسلامية، ويقدِّمونها إلى تلك الجهات مقابل أجور وفيرة يتقاضونها.
مصادر تمويل النشاط الاستشراقي:
تقوم العديد من الجهات الغربية وغيرها بتمويل النشاط الاستشراقي والتبرع له والإنفاق عليه، ومن هذه الجهات: المؤسسات الكنسية والدينية، والمؤسسات التجارية والسياسية، والعديد من ملوك وأمراء وأثرياء الغرب وغيرهم، ممن تلتقي مصالحهم مع مصالح وأهداف الحركة الاستشراقية، وتظهر هذه التبرعات والمساعدات في صور مشروعات اقتصادية، واسثمار أراضي زراعية وعقارات، وتسخير أرصدة خاصة في البنوك والشركات.
سبل مواجهة المسلمين للنشاط الاستشراقي:
عمل المسلمون ولا يزالون يعملون على مواجهة الاستشراق بطرق وأساليب شتى ـ وإن كانت بحاجة إلى مزيد من الدعم والتأييد المتواصل ـ ومن ذلك ما يلي:
أ ـ تأهيل العلماء والأساتذة والباحثين، وإقامة المؤتمرات والندوات والمحاضرات والمناظرات من أجل الكشف عن أساليب المستشرقين وافتراءاتهم والشبهات التي يثيرونها، والرد عليها بالحجج والبراهين العلمية.
ب ـ نشر الثقافة الإسلامية الصحيحة بين الطلاب والمثقفين؛ لتحصينهم من الغزو الاستشراقي وافتراءاته.
ج ـ عدم السماح باقامة نشاطات ومؤتمرات ولقاءات استشراقية في البلاد الإسلامية، ولو كانت تحت عناوين فكرية أو علمية برَّاقة خدَّاعة.
د ـ دعم وتقوية البرامج الإذاعية والتلفزيونية الهادفة ـ وبخاصة الدينية ـ التي تحصن المسلمين من افتراءات المستشرقين.
هـ ـ الإكثار من طبع ونشر وتوزيع الكتب والمنشورات والأشرطة الإسلامية، وإنشاء المواقع الالكترونية التي توقظ الإيمان في النفوس، وتعمل على المحافظة على الهُويَّة الإسلامية.
وـ الاستعانة بأثرياء المسلمين والمؤسسات الخيرية للتبرع والمساهمة في التصدي لتلك النشاطات الاستشراقية المخربة، ودعم المدارس والجامعات والمراكز الثقافية الوطنية.
ز ـ العمل على تلافي الضعف العلمي والفني في مجالات النهضة المعاصرة وعلومها، لتقليل الفجوة بين الدول الإسلامية والدول المتقدمة.
والله ولي التوفيق والحمد لله رب العامين
.
بمناسبة السنة الميلادية ٢٠١٩م..
يعتقد ( للأسف الشديد) كثير من المسلمين أن التقويم الميلادي أدق من التقويم الهجري، بسبب انضباط الميلادي وعدم انضباط الهجري !
ولكن عند النظر يتبين أن العكس هو الصحيح،
فالتقويم الهجري أدق وأضبط من الميلادي؛ لأن الهجري يعتمد إما على علامات كونية، أو أدلة شرعية ، مما يدفعني للقول: إن التقويم الهجري أقرب إلى أن يكون توقيفي، بخلاف التقويم الميلادي الوضعي الذي هو نتاج تعديلات وتصويبات الرومان والنصارى عبر العصور، وبيان ذلك كما يلي :
فالتقويم الهجري يعتمد في حساب اليوم والليلة على برهان كوني هو الشمس، فاليوم يبدأ بغروب الشمس وينتهي بغروبها من اليوم التالي.
ويعتمد في حساب الشهر على دليل وبرهان كوني هو القمر، فيبدأ برؤية الهلال، وينتهي برؤيته.
ويعتمد في حساب السنة على دليل وبرهان شرعي وهو القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: ( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا..) الآية.
بينما الميلادي لا دليل عليه في حساب اليوم، إذ يبدأ اليوم عندهم بعد الساعة 12 ليلا، وينتهي الساعة 12 ليلاً.
ولا دليل عليه في حساب الأشهر إلا مجرد الاصطلاح، ولا على عدد الأيام لكل شهر، فلماذا بعضها 28 وبعضها 29 وبعضها 30 وبعضها 31 !؟ كل ذلك مجرد اصطلاح وتعديلات عبر العصور لتنضبط الأشهر بمقابل الفصول.
والتقويم الميلادي عتمد على حركة الشمس الظاهرية السنوية،وما ينتج عن ذلك من الفصول الأربعة، حيث أن كل دورة كاملة للشمس في منازلها تعني سنة ميلادية، وجرى عليه عدة تعديلات، من حيث عدد الأشهر، وعدد الأيام في كل شهر، وسيحتاج لتعديل كل 400عام تقريباً .
والسؤال هو: إذا كان التقويم الهجري أضبط فلماذا لم يتم العمل به في العالم؟
والجواب:
أن المسلمين ظلوا يعملون بهذا التقويم إلى القرن 12 هجرية ثم حدثت المؤامرة لطمسه .
المؤامرة لطمس التاريخ الهجري:
إن إزالة التاريخ الهجري وتجهيل الشعوب الإسلامية به؛ مؤامرة استمرت قرونًا متوالية ففي القرن “الثاني عشر الهجري – الثامن عشر الميلادي” لما أرادت الدولة العثمانية تجديد جيشها وسلاحها طلبت مساعدة الدول الأوروبية فرنسا وألمانيا، فوافقوا بشروط منها إلغاء التقويم الهجري.
وفي القرن “الثالث عشر الهجري – التاسع عشر الميلادي” عندما أراد خديوي مصر إسماعيل أن يقترض مبلغًا من الذهب من إنجلترا وفرنسا؛ لتغطية مصاريف حفر قناة السويس، اشترطتا عليه ستة شروط، منها: “إلغاء التقويم الهجري في مصر”؛ فتم إلغاؤه سنة 1292هـ/ 1875م، واستبدال التقويم القبطي والميلادي به.
ولكن السبب الرئيسي لإعراض العالم اليوم عن التقويم الهجري من وجهة نظري هو: التخلف الذي ترزح تحته أمة العرب، تخيل معي أن البعض إلى اليوم ينكر العمل بالحساب الفلكي ويجرم من يعمل به، وليس له إلا مجرد اجتهاد فقهي مهما أرعد وأزبد.
وكتبه/ د. صلاح الدين احمد عامر
24 من ربيع الثاني 1440هجرية
الموافق 1/ 1/ 2019 ميلادية.
ما أقبح الفقر.. وما أجمل الفقراء!
أحيانا تطغى «المادة» على حياتنا فتمس تعاملاتنا وتستولي على نظرتنا وسلوكنا.. الناس يُقيمون وينزلون الناس لا على عطائهم بل على أساس «فلوسهم».
أحد الشعراء وصف حال الناس مع الأغنياء، وكيف يحظون بالمكانة الاجتماعية، بينما تتلاشى تلك النظرة لعامة الناس حتى في أصغر الأشياء، فقال:
عطس الغني فقال ممن حوله
رحم الإله.. حبيبنا وأخانا!
وأتى الفقير بعطسةٍ فتأففوا
من ذا الذي.. بزكامه آذانا؟!
هل رأيتم كيف قيم الناس عطسة الغني، وكيف نظروا لعطسة الفقير؟!.
ومما ينسب إلى شيخنا الشافعي قوله في تصوير الفقراء..
يمشي الفقير وكل شيء ضده والناس تغلق دونه أبوابها
وتراه مبغوضا وليس بمذنب ويرى العداوة لا يرى أسبابها
حتى الكلاب إذا رأت ذا ثروة خضعت لديه وحركت أذنابها
وإذا رأت يوما فقيرا عابرا نبحت عليه وكشرت أنيابها
وقيل:
إن الغني إذا تكلم كاذبا قالوا صدقت وما نطقت محالا
وإذا الفقير أصاب قالوا لم يصب وكذبت يا هذا وقلت ضلالا
إن الدراهم في الأماكن كلها تكسو الرجال مهابة وجلالا
فهي اللسان لمن أراد فصاحة وهي السلاح لمن أراد قتالا
في المناسبات الاجتماعية ربما تلاحظون كيف يتعامل الناس مع الغني والفقير.. فحينما يدخل المجالس أحد الأغنياء فيسلم تجد كل الناس يردون عليه، وربما قاموا لاستقباله ومصافحته.. بينما عامة الناس يسلم بنفس السلام فلا يرد عليه إلا أشخاص معدودون.. ويتهافت الناس على سماع حكايا «الغني» ولو لم تصح، بينما الفقير يقاطع ولا يقبلون منه!
تقييم الناس على أساس مناصبهم وأموالهم موضة قديمة وليست جديدة.. ففي سورة الزخرف يقارن فرعون للناس بينه وبين النبي موسى فيقول: (قال يا قومِ أليس ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتى أفلا تبصرون
أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يُبين).. وجاء في الحديث أن رجلا مر على النبي -عليه الصلاة والسلام- فقال لرجل جالس عنده: ما رأيك في هذا؟، فقال: رجل من أشراف الناس، هذا والله حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع. ثم مر رجل آخر، فقال له الرسول: ما رأيك في هذا؟.. فقال: يا رسول الله هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حرِي إن خطب ألا ينكح، وإن شفع ألا يشفع، وإن قال ألا يسمع لقوله.. فقال – عليه الصلاة والسلام-: هذا خير من ملء الأرض مثل هذا».
أخيرا..
سواء أكنت من الأغنياء أو من الفقراء عامل الناس كما تحب أن يعاملوك، وعاملهم كما أمرك الرب سبحانه، فلا تسخر ولا تتعال عليهم وتواضع لهم.
قفلة..
هناك فقراء ولكنهم أغنياء أخلاق، وهناك أغنياء لكنهم فقراء أخلاق.. الأخلاق مثل الأرزاق فيها الغني وفيها الفقير!
ولكم تحياتي
توسيع المعاني في السنة..
➖لما قرأت حديث ابن مسعود – رضي الله عنه – في التشهد عن النبي ﷺ:
إذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل: التحيات لله…إلى أن قال: ”السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين..
فإنكم إذا فعلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبدٍ لله صالح في السماء والأرض..”
[الحديث ، رواه الجماعة]
لما قرأت الحديث وقفت عند هذه اللفتة النبوية في توسيع المعنى وتعميمه ، وإبقائه على شموله حيث نسبه إلى أن السلام على عباد الله الصالحين يشمل كلَّ عبد لله صالح في السماء والأرض ، وهذا مما يغفل عنه الإنسان عادة ، وهذه طريقة حسنة جميلة ، معينة على الفهم وعلى إدخال صور كثيرة في معاني ألفاظ الكتاب والسنة ، قد تكون غائبة عن ذهن الإنسان ، فإذا قال العبد:
”اللهم إني أسألك العافية”
فإنه ينبغي أن يستحضر العافية في كل شيء ، في دينه ودنياه وبدنه وأهله وماله وآخرته ، وكذلك إذا سأل الله الرزق استحضر الرزق من المال والعلم والولد والجاه وغير ذلك ، وليس هذا بدعاً من القول ، فقد وسع النبي ﷺ معنى الجهاد ليشمل ”بر الوالدين”..
وقال للرجل الذي رغب الخروج للجهاد: ”أحيٌ والداك؟
قال نعم..
قال: ففيهما فجاهد”..
وبين أن الهجرة لا يقتصر معناها على ترك دار الشرك بل يتسع ليدخل فيه كم من ”هجر ما نهى الله عنه” ، وبين أن المفلس لا يقتصر معناه على ذلك الرجل الذي افتقر وكثرت ديونه ، بل من جاء يوم القيامة بحسنات كثيرة ولكنه ظلم العباد وأسرف في حقوق الخلق ، فإنهم يُعطون من حسناته ، فإن فنيت حسناته أُخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار..
كما بين النبي ﷺ أن المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده..
✔️ وهكذا لفظ الأمر بالمعروف فإن المعروف يشمل كل خير حسن دنيوي وأخروي ، ولفظ النهي عن المنكر يشمل كل قبيح في الشرع والعقل وفي الدنيا والآخرة..
✔️ ولفظ ”الدعوة إلى الله” يشمل كل ما جاءت به الشريعة فمن دعا إلى واجب أو سنة أو دعا كافراً إلى الإسلام ، فكل ذلك من الدعوة إلى الله ، ولذا قالت أمنا عائشة – رضي الله عنها – في قوله تعالى: ”ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً”
قالت: ”نزلت في المؤذنين” ، وهذا المعنى يغيب عن الكثيرين ويظنون الدعوة إلى الله خاصة بمن فرغوا أنفسهم لدعوة الكافرين أو الضالين إلى دين الله ، والأمر بحمد الله أعم من ذلك..
✔️ والمراد أن كثيراً من المصطلحات والألفاظ الواردة في النصوص تحتاج إلى توسيع مدلولها لتشمل كل ما يدل عليه اللفظ من صور ومعاني ، فيحصل بذلك تحقيق مراد الشرع والعمل بالنصوص على الوجه اللائق..
✍️ كتبه:
محمد بن عبد العزيز الخضيري
الحفاظ على الاوفياء :
من خلال حوار مع احد الاحبة حول الوفاء وكيف يتحقق فى صورة عملية من خلال التصرفات والاقوال بين المتلاقين فى الصداقة او الزمالة او القرابة… وغيرها من صور التلاقي، فانتهينا إلى ان الوفاء قيمة انسانية تتربى في احضان المتدين فتكبر حتى تصير صدقا في الاقوال وصفاء في المشاعر وحرصا على كيان انسان لازمك في وحدتك واعطاك وقت حاجتك وحماك وقت ضعفك وتلطف معك وقت خطأك…. ، وهو ايضا دعم نفسي تبذله دون طلب، واعمال تقوم بها تخفف عناء صاحبك وتخرجه من ضيق الدنيا الى رحابه الرجاء ، تذكره بالخير فى غيبته وتخفى سره وتحمى عرضه وتصون كرامته….، وهو ايضا رد للجميل لمن صبر عليك فى صغرك او على قلة حيلتك ايام زواجك الاولي او فى مرضك حين وهن عظمك واشتعل شيب راسك، وهو ايضارعايه للاولاد بعد موته وتفقد احوالهم ان كانوا في غير حاجة الي رعاية ودعوات بظهر الغيب، وقضاء للحقوق وحنين إلى الاجتماع واللقاء…، وهو كذلك نشيد نتغني به عندما يعز ويقل فى الناس، فهل نحيى هذه القيمة بالحفاظ على اصحاب الوفاء ونعيش معهم وفاء بوفاء حتي ندرك وعد الله لاصحاب الوفاء فى الدنيا والاخرة. قال تعالي: انما يتذكر اولوا الالباب الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق…. ،وقوله صلى الله عليه وسلم : ان خيار عباد الله الموفون المطيبون. ودمتم دائما فى خير….
.
كنت أتساءل
لماذا سكت نبي الله يعقوب عليه الصلاة والسلام على جريمة أولاده عندما عادوا إليه بقميص يوسف وعليه
دم كذب؟
خصوصاً وأنه لم يصدقهم عندما رأى القميص سليماً
دون تمزيق
{بل سولت لكم أنفسكم أمرا}،
ولماذا لم يذهب إلى موقع الجريمة ليبحث عنه
كما يفعل أي أب في مثل هذا الموقف؟
بل لماذا لم يجبرهم على الاعتراف بما فعلوه بأخيهم؟
ولماذا اختار الطريق الأصعب:
{فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون}..
ثم عجبت من تكرار جوابه نفسه بعد سنوات طويله
عندما عاد إليه أبناؤه من مصر وقد نقص عددهم اثنين،
وهما الأخ الأصغر الذي حبسه عنده يوسف،
والأخ الأكبر الذي أصر على البقاء في مصر خجلا من أبيه،
فقال مرة أخرى :-
{بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل}.
وتبين لي أنه كان على يقين من نتائج صبره
{عسى الله أن يأتيني بهم جميعا}،
لكنه لا يكاشف أولاده بما في صدره مكتفيا بتوكله على الله
{إنه هو العليم الحكيم}.
عجبت أيضا من إصراره على كتمان ألمه في قلبه،
{وتولى عنهم}
دون أن يطالبهم بالإفصاح عن شيء،
{وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن
فهو كظيم}.
وأولاده يعجبون من صبره وطول أمله،
فيتساءلون
{تالله تفتأ تذكر يوسف}
حتى تموت من الحزن؟
فيكتفي بالقول
{إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون}
أدركتُ عند هذه الجملة الأخيرة أنه كان قد أوحي إليه،
فلعل الله تعالى كان قد أمره بالسكوت منذ البداية،
فكتم همه الكبير في قلبه سنوات طوال،
حتى فقد بصره من الحزن دون أن يشكو للناس بكلمة.
أدركتُ أيضاً أن ابنه يوسف قد أوحي إليه منذ أن جعلوه في غيابة الجب، فعلم عندها أن وراء المكيدة حكمة إلهية،
وأنه سيأتي اليوم الذي ينفذ فيه الوعد
{لتنبأنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون}،
فصبر أيضا كصبر أبيه،
وتحمل الأسر والغربة والسجن بضع سنين.
لم يخرج يعقوب للبحث عن ولده،
ولم يحدثنا القرآن عن طلبه من الله أن يدله عليه.
ولم يعُد يوسف بعدما كبر وتمكّن إلى أهله،
كما لم يحدثنا القرآن عن طلبه من الله أن يرشد أهله إليه.
كلاهما كان ينتظر ويصبر ويكتم،
وكلاهما كان ينفذ أمر الله ويتابع وظيفته بهداية الناس وتبليغ الرسالة.
وعندما جاء موعد كشف الحقيقة
عاد ليعقوب بصره،
وعاد ليوسف أهله،
وطلب إخوته المغفرة،
{وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي قد جعلها ربي حقا}.
وأخذ يوسف يعدد نِعم الله عليه
{وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو}
بدلا من الانتقام والشماتة
و بعد أن جلس على العرش وسجد إخوته بين يديه،
لم يعاتب منهم أحداً ونسب الأمر كله إلى الشيطان
{من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي}،
ولم يتساءل لماذا كان عليه أن يعاني سنوات طوالا مع أبيه،
بل قال :-
{إن ربي لطيف لما يشاء}،
وأوكل كل شيء إليه
{إنه هو العليم الحكيم}.
وتابع تعداد النعم دون أن يلتفت إلى كل ما مر به من محن،
{رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث}،
وكيف له أن يعاتب ربه أو يتذمر وهو تعالى {فاطر السموات والأرض}،
بل أخذ يدعو بكل ضراعة وخشوع
{أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما}،
وزاد بكل تواضع {وألحقني بالصالحين}.
أيقنتُ بعدها أن الأنبياء هم أشد الناس ابتلاء،
وأنه لا بد أن يحيط أهل الضلال بالصالحين إلى درجة
أن يبتلي الله أنبياءه بأبنائهم وإخوتهم،
ووجدتُ الخطاب الإلهي يطمئن نبينا محمد صل الله عليه وسلم بأن الأمر لن يختلف كثيراً في أمته،
{وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين}،
وفهمتُ أن الفرج لا يأتي إلا بعد أن يصل الصبر إلى نهايته
{حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذبوا جاءهم نصرنا فنُجّي من نشاء}،
وعندها تكون المهلة أيضا قد انتهت
{ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين}.
عجبتُ بعد كل هذا لمن ينفد صبره ويسأل
عن عدل الله وحكمته،
{ما كان حديثا يُفترى، ولكن تصديق الذي بين يديه}،
ففي القرآن أجوبة على كل الأسئلة
{وتفصيل كل شيء، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون}.
👤د. عمر المقبل
مهلاً
اقرأها بهدوء وتامل لترى النور في أحسن القصص
كٌن عَلى يقِين :-
أنَ هُناكَ شَيء ينتظرُك بَعد الصَبرّ ليُبهرك ويُنسيكَ مَرارَة الألمّ
ذاكَ وعدُ رَبي وبَشِرّ الصَابِرينّ

محتويات ١ تعريف الطلاق ٢ مشروعية الطلاق ٣ حقوق المرأة بعد الطلاق ٤ المراجع
تعريف الطلاق استُخدِمَ مفهوم الطلاق في آيات القرآن العظيم في مَواطن شتّى تِبياناً لحكمٍ شرعي يَختصُّ بالأسرة ونظامها وتقويمها، ويُرادُ بالمُصطلح لغةً إرسالُ الشيء وحلُّ قيودِه وتركِه، أمَّا المَعنى الاصطِلاحي للطّلاقِ فهو مخصوصٌ لإنهاء العلاقةِ الشَّرعيَّة بين الزَّوجين، فيُعرفُ في بيانِه أنَّه رفعُ قيد النكاح وإنهاؤه بِصيغةٍ مخصوصةٍ أو ألفاظٍ مبينة تُفيدُ حلَّ القيدِ الشَّرعي للنّكاح بصفةٍ حكميّةٍ تُفضي إلى إنهاء حقِّ الزوج في تمتُّعهِ بمن كانت قبلَ الحكم زوجته.[١] مشروعية الطلاق شرع الإسلام الزواج على ميثاق الديمومة والاستمرارية والسعادة، وحصَّن الأسرة بأحكامٍ تضمن قوة روابطها وإحكام علاقاتها، فكانَ تكوينُ الأسرةِ في الإسلامِ مُرتبطاً بأهدافٍ ساميةٍ وشموليَّةٍ تُحصِّن الفردَ والأسرة والمجتمع، وتبعث فيه روح المودَّة والتآلف والاستقرار، وزاد الإسلام الأسرة تَحصيناً بنظامٍ اجتماعي متين يَعتمد على توضيح الحُقوق والواجباتِ والحريات التي يتمتّع بها كل أفرادِ الأسرة.[٢] على الرّغم من تأكيد الإسلام على استمرار الزواج وبقائه وديمومته، إلا أنَّه استشرف التغيُّرات المُحتملة في مُستقبل الأسرة ومُحدثاتها، والإشكالات التي تَشوبها مع تقدّم الزمن وتغير الظروف وتبدّل الأهداف والنَّوايا، فشرَع لذلك حكم الطَّلاقِ كحلٍّ للمشاكل المستعصية التي تحصل بين الزوجين،[١] فكانَ حكم الطلاق في الشريعة متدرِّجاً ومُختلفاً مع اختلافِ الظروفِ والأحوالِ كالآتي: [٣] الأصل في الطَّلاقِ المنع والحظر: أوقفَت الشريعة الإسلامية بإجماع العلماء حُكم الطَّلاق على الضّرورات، فيكون الطلاق مَمنوعاً في الأمور الاعتيادية مع انعدام الأسباب؛ فالحُكمُ في الطبيعة ممنوعٌ إذا تحقَّقت في الزوجة شروط الطاعة والاستقامة، واستدلَّ العلماء بنصوصٍ تفسِّر هذا الحُكم كما ورد في قوله تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا)[٤] وأجاز العلماء الطلاق إذا كان يوجد سببٌ مقنع يَستلزم إنهاء عقد الزواج. الطَّلاق حلال مبغوض: أوردت الشّريعة الإسلاميّة أدلَّةً مُتعدّدة في نصوص السنة النبوية تشير إلى إجازة الطلاق على كراهيته، ومن ذلك ما رُوي عن رسول الله عليه الصَّلاة والسَّلام أنَّه قال: (أبغضُ الحلالِ إلى اللهِ الطلاقُ)[٥] حقوق المرأة بعد الطلاق تكفّلت الشريعةُ الإسلاميّة بإتمام العدلِ وضمان الحقوق لكافّة أفراد المجتمع على اختلاف الصلاتِ والتعاملات، وقد أولت الشريعة أمر الأسرة اهتماماً بالغاً، فتعهَّدت بتَوزيع الحقوقِ والواجباتِ في جميعِ أحوالِ الأسرة وأحكامِها، حتّى إنّها ضمِنت للمرأة حقوقها بعد الطلاق لما لها من خصوصيَّة الضعف والتضرُّر بعد الطلاقِ بناءً على تكوينها النفسي ومَكانتها المجتمعية. حدَّد الإسلام حقوق المرأة، وبيّن ظروف الطلاق على اختلافها؛ فإن كانت المُطلَّقة بعد الدُّخولِ تحت سُلطانِ زوجِها في حالِ الطَّلاق الرجعيِّ فإنَّ لها عليهِ حقوقَ السَّكنِ والنَّفقةِ كما لو كانت على ذمته، فإذا انقضت عدَّتها دون إرجاع الزوج لها وقعت في البينونة الصغرى ورُفعَ حقُّها من سكن ونفقة، فإن كانت حاملاً أثناءَ بينونتها وجبت لها النّفقة حتى تضع حملها.[٦] للمطلَّقة الرَّجعيَّة حقوق أخرى ما دامت في حكم الزَّوج، وقد كفل الإسلام حقوقها وحذَّر من هضم هذه الحقوق وإنكارها وتبخيسها، ومن الحقوقِ الواجبة للمطلقة الرجعيَّة: [٦] حق النفقة والسَّكن: أكَّد القُرآن الكريم على حقّ المرأة في النفقة والسكن في أكثر من موضعٍ من سوره وآياتِه، قال تعالى: (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ)[٧] وهذا الحقُّ وَاجبٌ من مال الزوج، كون الزوجة ما زالت في حُكمِ زوجها، ولا يَلزمها عقد جديدٌ، أمَّا إذا بانت فلها حقُّ النفقة إن كانت حاملاً، وليس لها حقُّ في النفقة ما لم تكن حاملاً لانحلال عقدِ النكاح بينهما. حق المتعة: المتعة في مالِ الزوج المُطلِّق هي الزَّائد من ماله، فيستحقّ للمطلَّقة قبل الدخولِ بمقدار الزيادة في مالِ مُطلِّقها، ولم تحدد الشريعة الإسلامية مقدار الزيادة أو نسبتها، إلا أنّها تركت ذلك في تقدير الزَّوج نفسهِ، وفي قولِه تعالى: (وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ)[٨] دلالة على حقّ المرأة فيما زاد من مال زوجها، وتُستحبُّ المتعة للمطَلَّقاتِ على العموم لدعوى الضّرر والأثر، وأوردته آيات القرآن في مواضعها على أنَّه حق، قال تعالى: (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ)[٩] حق الصّداق: الصّداق هو المهر المتَّفق عليه بين الرجل والمرأة والمُسمَّى في عقدِ الزواج، وللمرأة المطلَّقة قبلَ الدخول حقٌّ في نصف المهر المُسمَّى في عقدِ الزَّواج لقوله تعالى: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ)[١٠] أمَّا إن وقع الطَّلاق على المرأة بعد الدُّخول فقد وجب الحقُّ في المهر كاملاً لقوله تعالى: (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا*وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا)[١١] أمّا إن وقع الطّلاق على المرأة قبل الدخول وقبل تسمية المهر فإنَّ لها من المهر حقَّ المثل لقوله تعالى: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً)[١٢] حق الإرث: حقّ الميراث فرضٌ ربَّانيٌّ للمطلَّقةِ رجعياً كحقِّ الزَّوجة لا يَنقص منه شيء، وهو نَصيبٌ مَفروضٌ في مالِ زوجها المتوفَّى لا تُضار به ولا تُساوم. حقُّ الذمة المالية: هي ما تَركتهُ الزوجة قبل طلاقها في ذمّة الزوجِ من قروضٍ وديونٍ وعقارٍ وأموالٍ تملكها، فلا يَصحُّ للزوج التصرُّف بهذه الأموال من غير علمها وإرادتها، ولها الحقّ في طلبها واستردادها كاملةً من غير نقص. حق الحضانة: هو مَشروطٌ بوجودِ وليدٍ دونَ السابعة من العُمر وبغير زواج المطلَّقة، فلها الحقّ في حضانةِ طفلِها مع كفالةِ النَّفقة من والدهِ حولينِ كاملين، فإذا فُطِم الطِّفلُ فلها الحقُّ في حضانته ما لم تتزوَّج حتَّى يبلغ عمره سبع سنين. المراجع ^ أ ب “الطلاق”، الجامعة الإسلامية، اطّلع عليه بتاريخ 25-5-2017. ↑ علي أبو حميدي (15-5-2013)، “التربية الأسرية في ضوء سورة النساء (3) أهداف الأسرة “، شبكة الألوكة، اطّلع عليه بتاريخ 27-5-2017. ↑ عبد المجيد الدهيشي (19-3-2013)، “الطلاق تعريفه ومشروعيته”، شبكة الألوكة، اطّلع عليه بتاريخ 27-5-2017. ↑ سورة النساء، آية: 19. ↑ رواه ابن الملقن، في خلاصة البدر المنير، عن عبد الله بن عمر، الصفحة أو الرقم: 2/218، خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح . ^ أ ب محمود يوسف (2-10-2016)، “حقوق المرأة المطلقة في الشريعة الإسلامية”، شبكة الألوكة، اطّلع عليه بتاريخ 27-5-2017. ↑ سورة الطلاق، آية: 6. ↑ سورة البقرة، آية: 236. ↑ سورة البقرة، آية: 241. ↑ سورة البقرة، آية: 237. ↑ سورة النساء، آية: 20-21. ↑ سورة النساء، آية: 24.
إقرأ المزيد على موضوع.كوم: https://mawdoo3.com/%D8%AD%D9%82%D9%88%D9%82_%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%A3%D8%A9_%D8%A8%D8%B9%D8%AF_%D8%A7%D9%84%D8%B7%D9%84%D8%A7%D9%82
د.عبد المجيد عبد الله دية
أستاذ مساعد، كلية الشريعة جامعة
الزرقاء الأهلية، الزرقاء – الأردن
الملخّص
القرآن معجز من كل الوجوه ومن هذه الوجوه الإعجاز التشريعي، فالقرآن جاء بتشريعات لإصلاح الفرد والمجتمع، ودفع المفاسد عنهم، ومن هذه التشريعات تحريم الربا.[1]
إن القرآن الكريم قد حرّم الرّبا ومنع النّاس من التّعامل به، لما فيه من الظّلم وأكل أموال النّاس بالباطل، وهذا ما كان يدركه المسلمون في صدر الإسلام، وأمّا اليوم فإنّ العلماء والخبراء الاقتصاديّين يدركون أضرار الرّبا ومفاسده تبعاً لتطوّر العمليات الاقتصاديّة ومنها: سوء توزيع الثّروة، وهدر الموارد الاقتصادية، وضعف التّنمية الاقتصاديّة والاستثمار، والتّضخم، البطالة وغيرها، كلّ هذا يدلّ على أنّ هذا التّشريع معجز، وأنّه من عند الله ولا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله.
المقدمة:
حديث القرآن عن الرّبا مخيف، وتضمن الوعيد والتهديد الشّديدين للّذين يتعاملون به في كلّ زمان، حتّى وصل التّرهيب منه إلى أنّ الله عز وجل يحارب الذين لا يتركون الرّبا، فقال تعالى:(( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تُظلمون ))[2]
وبيّن القرآن أسباب تحريم الربا، ويمكن إيجازها فيما يلي:
1- الربا ظلم: تبيّن الآيات الكريمة أنّ حقّ الإنسان أن يأخذ رأس ماله دون زيادة، فالزيادة على النقود مقابل الأجل حرام، وكان هذا التحريم حتى لا يظلم المُربي ولا يُظلم، أي يَظلم الآخرين بالزيادة على رأس ماله مقابل الأجل، وأن لا يُظلم هو إذا زاد الآخرون عليه، ودليل هذا قوله تعالى: (( لا تظلمون ولا تُظلمون ))[3].
قال ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة: لا تَظلمون ولا تُظلمون أي لا تزيدون فتأخذون باطلاً لا يَحلّ لكم، ولا تنقصون من أموالكم.[4]
2- الرّبا أكلٌ لأموال النّاس بالباطل: إن الله حرّم الرّبا على اليهود فأخذوه بأنواع الحيل، وأكلوا أموال النّاس بالباطل ودون وجهة حق، بسبب الرّبا وغيره.[5]
ودليل ذلك قوله تعالى: (( وأخذهم الربا وقد نُهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذاباً أليماً )) [6].
ومن صور أكل أموال النّاس بالباطل ما كان عليه الجاهليّون قبل الإسلام، فعندما كان يحلّ الأجل يزيد في المال إذا لم يستطع القضاء، وهذا حتّى يصير القليل كثيراً مُضاعفاً.[7]
وهذا معنى قوله تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون )) [8]
فالمرابون يحصلون على ثمرة جهود الناس حتى تزيد أموالهم، فهم يعطون أموالهم حتى يعطوا أكثر منها، ولكن الله عز وجل لا يُضاعفها ولا يُؤجر عليها.[9]
وبهذا المعنى يقول الله عز وجل: (( وما آتيتم من ربا ليربُوَا في أموال الناس فلا يربوا عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون))[10].
وبيّن القرآن نتائج الرّبا وعقوبته في الدّنيا والآخرة، ومنها أنّ الرّبا لا يزيد عند الله لا في كمّيّته ولا في بركته، بل ينقصه الله تعالى، ودليل ذلك قوله تعالى: (( يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحبّ كل كفّار أثيم )) [11].
يقول ابن عباس: يمحق الله الرّبا أي يُنقصه.[12]
وبيّن القرآن عقوبه الّذين يأكلون الرّبا، وهي أنّ الله لا يحبّهم بل يكرههم، ووصفهم بالكفر والإثم، وهم الّذين يستحلّون أكل الرّبا وإطعامه.[13]
وبين القرآن حالهم يوم القيامة حيث يقومون من قبورهم كالمجانين والمصروعين ويعذّبون في النار لعدم انتهائهم عن التعامل بالربا، حيث يقول الحقّ جلّ في عُلاه: (( الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان من المسّ ذلك بأنهم قالوا إنّما البيع مثل الربا وأحلّ الله البيع وحرّم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون )) [14]
هذا هو حديث القرآن عن الرّبا، حديث عن أسبابه ونتائجه وعقوبته، والمسلمون في عصر الرّسالة انتهوا عن التّعامل به لأنّ الله حرّمه، إيماناً منهم وتصديقاً بما جاء به العليم الخبير، وكان يعرفون من أسباب تحريمه بأنّه ظلم وأكل لأموال النّاس بالباطل وأنّ الله يمحقه، ولم يكونوا يُدركون الحكم والأسرار لهذا التّشريع العظيم، وكيف يصل الرّبا إلى هذا الظّلم والمحق، وما هي آثاره الاجتماعية والاقتصاديّة على الفرد والمجتمع، لأن ثقافتهم وفكرهم الاقتصادي لا يؤهّلهم لمعرفة مفاسد الرّبا وآثاره على الاقتصاد كما هو الحال اليوم.
إن آثار الرّبا وأضراره ومفاسده – التي اكتشفها النّاس اليوم نتيجة تطوّر العمليات الاقتصادية وتعقّدها – تؤكّد أن تشريع الله في الربا معجز ولا يستطيع أحدٌ أن يأتي بمثله، مما يدلّ دلالة قاطعة على أنّ هذا التشريع من عند الله العليم الخبير، وليس من عند محمد r ولا صحابته، لعدم مقدرتهم على معرفة وإدراك كثير من حكم وأسرار هذه التشريع، وهذا وجه من وجوه إعجاز القرآن الكريم وهو الإعجاز التشريعي في باب الربا.
وبناءً على ما سبق فإنّ الغاية من هذا البحث هي بيان الآثار الاقتصاديّة للرّبا، وجمع الشّواهد والبراهين عليها من واقعنا المعاصر، ممّا يؤكّد أنّ التّعامل بالرّبا فيه مفاسد كثيرة، وأنّ منع التّعامل به فيه مصالح كثيرة للفرد والمجتمع، وهذا يثبت ويبيّن حقيقة الإعجاز الّذي جاء به القرآن في هذا الجانب من التشريع.
وسأتناول هذا الموضوع في المباحث التالية:
المبحث الأول: سوء توزيع الثروة
المبحث الثاني: هدر الموارد الاقتصادية
المبحث الثالث: ضعف التنمية الاقتصادية والاستثمار
المبحث الرابع: التّضخّم
المبحث الخامس: البطالة
ثم الخاتمة وأهم نتائج البحث.
المبحث الأول: سوء توزيع الثروة
صورة لعالم الاقتصاد الألماني المعروف شاخت مدير بنك الرايخ الألماني سابقا
تتركز عملية الإقراض بفائدة [15] ( الإقراض الرّبويّ ) على الأشخاص القادرين على تقديم ضمانات تسديد القروض وفوائدها، وهو ما يؤدّي إلى تركّز ثروة البلاد في أيدي عددٍ قليل من الأشخاص [16]
وتأييداً لهذا المعنى يقول الدكتور شاخت الألماني(Hjalmar Schacht) الجنسيّة والمدير السّابق لبنك الرّايخ الألماني(Reichsbank): “إنّه بعمليّة غير متناهية يتّضح أن جميع مال الأرض صائر إلى عددٍ قليل جداً من المرابين، ذلك لأنّ المرابي يربح دائماً في كل عمليّة، بينما المدين معرّض للرّبح والخسارة، ومن ثمّ فإنّ المال كلّه في النّهاية لابدّ بالحساب الرّياضيّ أن يصير إلى الّذي يربح دائماً” [17].
ومن مظاهر سوء توزيع الثّروة تسخير العمل لحساب رأس المال، حيث يقوم الإنتاج على عنصرين: العمل والمال، والعمل هو الأساس الأوّل، لأنّه هو الّذي يوجد المال في الأصل، وموجب ذلك أن يتحمّل كل من العنصرين نصيبه من الرّبح والخسارة، فإذا أشركنا صاحب المال في الربح، وجب أن يشترك في الخسارة النّازلة، غير أن الفائدة تهدم هذا البنيان الطّبيعيّ، وتسخّر العمل لحساب رأس المال، لأن المنتج وهو المدين دائماً، يضمن للمرابي رأس ماله، ونصيبه من الربح، دون أن يشارك هذا الأخير في الخسارة النّازلة.[18]
وبناءً على ما سبق فإنّ الّذين يتركّز عندهم المال فئتان:
الفئة الأولى: المرابون الّذين يقرضون المال ويربحون دائماً.
الفئة الثانية: الأشخاص الأغنياء المقترضون القادرون على تقديم ضمانات تسديد قروضهم.
وهذا يؤدي إلى تداول المال بين المرابين والأغنياء القادرين على تقديم ضمانات مما يجعل المال متداولاً بين هؤلاء وهو مخالف لمنهج الإسلام.
إن منهج الإسلام يقوم على توزيع المال بين الناس، وتداوله وحركته بينهم، ولذلك جعل علّة توزيع الفيء – كأحد مصادر المال في الإسلام – على المستحقّين منع تركيز المال في أيدي الأغنياء فقط، بل يتداول بين الناس، لقوله تعالى: (( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولةً بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتّقوا الله إنّ الله شديد العقاب))[19].
إن الطريقة الإسلامية يهمّها أن يكون الأشخاص القائمين على المشاريع من أهل الأمانة والخبرة والالتزام، وهذا يؤدي إلى تحقيق العدالة الاجتماعية في توزيع الثّروة والدخل بين الناس.[20]
إن ربّ المال – في نظام المشاركة الإسلامي – لا يطلب ضمانات، لأنّه هو الضّامن للمال، بحيث يتحمّل خسرانه إذا وقع مقابل تحمّل العامل ضياع عمله.[21]
وهذه المقارنة منطقيّة تقبلها العقول السليمة، فلو قسمنا الناس إلى فئتين: فئة تقرض بفائدة وفئة تقترض بفائدة، أمّا التي تقرض فتربح دائماً، وأمّا الّتي تقترض فهي معرّضة للربح والخسارة، فإذا تم تداول كمية من المال بين هاتين الفئتين، فإن هذه الكمية صائرة إلى الذين يربحون دائماً، لأنهم يسترجعون رأس المال مضافاً إليه الفائدة، أما الفئة الأخرى فهي معرّضة للخسارة وأغلب الظّنّ أنّها ستحصل ولو لمرّة واحدة، فيتمّ تسخير جهدهم وعملهم لخدمة رأس مال الفئة الأولى.
ويمكن توضيح ذلك في الشكل التالي:
المقرضون ( ثلاثة أشخاص ) المقترضون ( ثلاثة أشخاص )
أ رأس المال + الفائدة د يربح أو يخسر
ب رأس المال + الفائدة هـ يربح أو يخسر
ج رأس المال + الفائدة و يربح أو يخسر
احتمال الربح 100% احتمال الخسارة50%
احتمال الخسارة 0% احتمال الخسارة 50%
المقرضون المقترضون
1-لا يشاركون في الخسارة 1-يربح أو يخسر
2-يسترجع رأس ماله مضافاً إليه الفائدة 2-تم تسخير عمل هؤلاء وجهودهم لخدمة رأس مال المقترض
فالمعقول بعد هذا البيان، وبعد هذه الافتراضات أنه إذا كانت كميّة المال محدودة، فإنّها صائرة إلى الّذي يربح دائماً، لأنّه ضمن أن يعود له رأس ماله مُضافاً إليه الفائدة، ولا يتحمّل خسارة، أمّا المقترضون فإنّهم يخضعون لاحتمالات الرّبح والخسارة مما يُبعد احتمال تركّز المال عندهم، بل يرتكز المال عن المقترضين.
وبناءً على ما سبق لا يمكن لنظام الفائدة أن يُعالج مشكلة الفقر أو يصلح الدول الفقيرة، فالنّزيف مستمر من الفقراء إلى أصحاب المال، وأصحاب المال تزيد أموالهم زيادة مستمرّة، فالأغنياء يزدادون غنىً والفقراء يزدادون فقراً، ومديونيّة الدّول الفقيرة في ازدياد وفوائد هذه الدّيون في ازدياد أيضاً، وأضرب مثالاً على هذا مديونيّة بلدي الأردن وفوائدها في الجدول التالي:
جدول رقم (1) يبيّن مديونيّة الأردن وفوائدها [22]
نلاحظ من البيانات التي تتعلق بخدمة الدين العام الخارجي أنه بالرغم من دفع الأقساط والفوائد إلا أن رصيد الدين العام يزيد وتبقى الدولة مدينة، وتخضع لإملاءات الدول الغنيّة المقرضة، وهو نوع جديد من أنواع الاستعمار والاستعباد الفكري والاقتصادي والاجتماعي ولكن في ثوب جديد.
إنّه الظّلم وأكل أموال الناس بالباطل الذي نصّ عليه القرآن الكريم، وهذا وجه من وجوه إعجاز هذا التشريع الخالد الذي جاء به القرآن الكريم.
المبحث الثاني: هدر الموارد الاقتصادية
ينتج هذا عند الإقراض بفائدة لأموال لا يتم توجيهها إلى أنشطة ومشاريع ذات جدوى ومنفعة حقيقية لحياة الناس.[23]
فيتمّ توجيه الاقتصاد وجهةً منحرفة من مشروعات صناعيّة وتجاريّة إلى نوادٍ للقمار والعهر والفساد بما يعود بالضّرر على المجتمع، وكذلك تشجيع الناس على المغامرة والإسراف، بتسهيل وضع المال في أيدي المغامرين والجهلة والمسرفين.[24] فيؤدي هذا إلى هدر الموارد الاقتصادية.
إن هدر الموارد الاقتصادية ينتفي في الطريقة الإسلامية التي ينبغي أن توظّف الأموال في مشاريع ذات منفعة حقيقيّة لحياة الناس وللدورة الاقتصادية في البلاد. فالأموال في النظام الإسلامي لا تمنح كقرض لا يُعلم إلى أين يتّجه ؟ إلى سلع استهلاكيّة أو متع ترفيهيّة أو أدوات كماليّة.[25]
إن أموال البنوك الإسلامية مثلاً إذا شاركت في عملية استيراد فهي أموال حقيقةٌ وليس ائتماناً مخلوقاً ولا إضافة لكمّيّة النقود المتداولة… وهي تنْزل إلى السوق سلعاً مطلوبة، فإذا بيعت استردّ البنك الإسلامي أموالاً أكثر مما دفع.[26]
ودليل ذلك ما نشاهده اليوم عند كثير من الناس الذين يقترضون بالفائدة من أجل أدوات منزلية كمالية كالثلاجات والغسالات والتلفزيونات والفضائيات، أو سلع استهلاكية كالطعام والشراب ونحوه وخلويات وسيارات وحواسيب للترف والترفيه، وإنني أرى أن الناس ينفقون ملايين الدنانير الأردنية مثلاً على كلام في الخلويات لا ينفع، بل كثير منه يضر، وهكذا في كثير من السلع.
إن التمويل الربوي يؤدي إلى سهولة المداينات دون أي ارتباط بالنشاط الاقتصادي الفعلي، وهذا بدوره يؤدي إلى نتيجتين هما:
أولا: تفاقم الإنفاق الاستهلاكي، لأن نسبة كبيرة من القروض الفردية ستوجّه إلى الحاجات الآنية على حساب الاحتياجات المستقبلية، وهذا يعني اختلال أنماط الإنفاق في المجتمع، مما يجعل الأفراد أكثر اعتماداً على الديون لتسيير حياتهم اليومية، وكلما كانت آليات الإقراض النقدي أكثر تيسيراً كلما ازداد اعتماد الأفراد عليها، ويصبح الأمر مثل كرة الثلج لا تزداد مع التدحرج إلا ضخامة.[27]
ومثل ذلك فيما إذا اشترى شخص ثلاجة لأجل بمئة وخمسين ديناراً، فمنفعة الثلاجة يقابلها الزيادة في الثمن للأجل، وهذا نشاطٌ اقتصادي فعلي وهو البيع لأجل. أما إذا اقترض شخصٌ مئة دينار على أن يردها مئة وخمسين ديناراً، فمنفعة المئة دينار يقابلها الزيادة على النقد بسبب الأجل، وهذه المنفعة قد لا يقابلها ما ينتفع به المدين، فقد يسدد ديناً، أو ينفق على أهله، أو يتوسّع في الاستهلاك كشراء المأكولات والمشروبات ونحوها وهذا هو القرض لأجل.
ودليل ذلك أن التداول النافع للسلع من المصالح الكليّة، وهو الذي يجعل السلعة متاحة لأكثر الناس انتفاعاً بها، ويؤدي إلى تحريك السوق.[28]
وبالنظر في المثال السابق يمكننا التفريق بين الربح والربا بما يلي:
1- الزيادة في البيع والتجارة هي مقابل إيجاد السلعة، أما الزيادة في الربا فهي أجرة على مجرد التأجيل.
2- الزيادة في البيع والتجارة هي زيادة في معاوضة صحيحة بين شيئين مختلفي الأغراض والمنافع، فتكون الزيادة في مقابل منفعة مقصودة ومطلوبة في البدل المقابل. أما الدين فلا معاوضة فيه على الحقيقة، لأن بدليه من جنس واحد، ولأنه واجب الرد بمثله من جنسه بلا زيادة ولا نقصان، فكانت الزيادة فيه بغير عوض يقابلها.[29]
3- إن الشيء المبيع يؤخذ ربحه مرة واحدة، ومع ذلك فالغالب أن يستمر نفعه مدداً تطول أو تقصر، على العكس من الربا فالدين يستهلك مرة واحدة في حين يستمر الربا في سلسلة لا تنقطع.[30]
4- البيع والتجارة تتضمن مخاطرة من وجهين:
أولهما: مخاطرة انخفاض السعر، أو كساد السلعة وبوارها حينما يريد بيعها.
ثانيهما: مخاطرة الهلاك والتلف، فترة بقائها في حوزته.
ورأس مال الربا لا مخاطرة فيه، بل هو دين مضمون في الذمة، واجب الرد بمثله، فلا يتعرض لأية مخاطرة.[31]
فالإسلام يُعطي لكل نوعٍ من أنواع رأس المال لوناً مناسباً من المكافأة ( الربح ): يعطي رأس المال البشري ( العمل ) أجراً ثابتاً أو مشاركة ( شركة أعمال مثلاً )، ويعطي رأس المال المثلي ( الإقراضي ) ربحاً بالمشاركة دون الأجر الثابت، ويعطي رأس المال القيمي ( الإيجاري ) أجراً دون مشاركة، مثل أجر أدوات الإنتاج كالمحراث والآلات الزراعية ونحوها. كل ذلك بما يحفظ العدالة ويدفع إلى الإحسان.[32]
المبحث الثالث: ضعف التنمية الاقتصادية والاستثمار [33]
من مقاصد النظم المالية الإسلامية والمؤسسات المصرفية الإسلامية المساهمة في التنمية وتحقيقها، وتمويل المشروعات الإنتاجية بنظام المشاركة وفقاً لقاعدة الغنم بالغرم. فالصيغ الإسلامية – كالمضاربة الإسلامية، والمشاركات، والاستصناع والسلم، والمرابحات وغيرها – تتميّز بأنها تتفاعل مع السّلع لتولّد مجموعة من الأنشطة الاقتصادية التي توظّف أكبر عدد من عوامل الإنتاج ومنها عنصر العمل، وتساعد في علاج مشكلة البطالة والفقر وتحقيق الأمن الاقتصادي.[34]
ويرى علماء الاقتصاد أن النقود لا تلد نقوداً، بل لابد من تدويرها من حلبة النشاط الاقتصادي، ثم تنقلب إلى سلع وخدمات، وتتفاعل مع عوامل أخرى لتحقيق النمو والتطور.[35]
إن الفائدة المباحة ( المشاركة مثلاً ) مشجّعة على الاستثمار أكثر من الفائدة المحرّمة الرّبا، لأنّ الاستثمار لا يعود خاضعاً إلى ضغوط آثار المقارنة بين معدّل الفائدة ومعدّل مردود الاستثمار. وفي ظلّ نظام المشاركة وعدم تحديد الفائدة مسبقاً، فإن العلاقة بين رجل الأعمال وأصحاب المال هي علاقة شكر وتضامن وتعاون بالنسبة للنتائج، لا علاقة أنانية واستئثار وصراع كما في نظام الفائدة الثابتة التي يزداد معدّلها كلّما زاد الطلب على المال، واحتاج رجل الأعمال إلى القيام باستثمارات.[36]
أما الإقراض بنظام الفائدة فإنه يؤدي إلى تضييق دائرة التمويل، لأنه يعتمد على ضمانات لا يقدر عليها إلا الأغنياء. ورب المال في نظام الفائدة أقل اهتماماً بنجاح المشروع، ولا تهمّه الأمانة والخبرة والمقدرة في العمل، لأن أكثر ما يهمّه لأن يكون المقترض غنيّاً ومليئاً، وأن تكون فائدته ثابتة، ورأس ماله مضموناً.[37]
وبناءًُ عليه فكلّما توسّع الناس في الضمانات فإنه يؤدي إلى تخفيض التمويل، وهذا يعني تقليل الاستثمار، والذي يأخذ فائدة مضمونة لا يهتم بنجاح المشاريع الاقتصادية، وهذا بدوره يؤدي إلى ضعف التنمية الاقتصادية.
وإن تقلّص دور الضمانات في نظام المشاركة مثلاً يساعد على توسيع دائرة التمويل بحيث تشمل الفئات الأقل من العمال المهرة.[38]
وتوسيع دائرة التمويل يؤدّي إلى زيادة الاستثمار وتشجيعه، بحيث يشمل العمال المهرة كالحدادين والنجارين وأصحاب المعامل الصغيرة على اختلاف حِرفهم.
إن الإقراض بنظام الفائدة يقوم على تحديد سعر الفائدة مسبقاً، وهذا يؤدي إلى حجب بعض المشروعات التي يقل مردودها عن الفائدة الواجب دفعها، أو يساويها، أو لا يزيد عنها إلا قليلاً.[39]
فتحديد سعر الفائدة مقدّماً – قبل أن يعلم أحدٌ قيمتها الحقيقية بالضبط – ظلم للمقترض أو المقرض، فإذا ازدادت نسبة صافي الربح الفعلي عن سعر الفائدة وقع على المقرض ظلم بحرمانه من هذه الزيادة، وإذا قلّت نسبة صافي الربح الفعلي عن سعر الفائدة وقع على المقترض ظلم بإلزامه بسداد الفائدة بالكامل رغم زيادتها على الربح المحقق فعلاً.[40] وهذا بيان للظلم الذي يقع على المقرض أو المقترض بسبب الإقراض بفائدة.
هذا بالنسبة إلى تحديد سعر الفائدة مسبقاً، أما ارتفاع سعر الفائدة فإنه يؤدي إلى إعاقة التنمية الاقتصادية، لأن رجل الأعمال عندما يفكّر في توسيع مصنعه أو إنشاء مصنع جديد يرى أن سعر الفائدة سيلتهم ثمرة عمله فيحجم عن هذه المخاطرة، بل قد يؤثر الكثيرون السلامة والكسل فيودعون أموالهم في البنوك
صورة لعالم الاقتصاد البريطاني جون كنيز
أو شهادات الادخار قانعين بما تدرّه عليهم من فوائد معرضين عن الخوض في مجال التنمية وإيجاد الرزق الحلال والعمل الطيب للناس.[41]
ويؤكّد هذه المعاني الاقتصادي المشهور كينز(John Maynard Keynes) فيقول: إن معدل سعر الفائدة يعوق النمو الاقتصادي لأنه يعطل حركة الأموال نحو الاستثمار في حرية وانطلاق، فإن أمكن إزالة هذا العائق فإن رأس المال سيتحرّك وينمو بسرعة.[42]
وبرهان ذلك أنه من المقرر محاسبيّاً احتساب الفائدة ضمن تكاليف الإنتاج، فتعتبر كأي نفقة من نفقات الإنتاج، مثل الإيجار والنور والمياه.
وبناء على هذا تزيد النفقات كلما زادت الفائدة، وتقل كلما قلت، وبالتالي فإن الأرباح تقل كلما زادت الفائدة وتزيد كلما قلت الفائدة، فارتفاع سعر الفائدة يؤدي إلى انخفاض صافي الربح، وهذا بدوره يؤدي إلى انكماش حجم الاستثمار، وإلى توقّف التكوين الرّأسمالي، وإلى هبوط الدخل القومي، وانخفاض القوة الشرائية، والعكس صحيح، ومن هنا يتّضح أن من مصلحة الاقتصاد القومي القضاء نهائياً على الفائدة.[43]
ومما يعيق التنمية الاقتصادية ويضعف الاستثمار ما تفرضه السياسة النقدية للبنوك المركزية على البنوك الأخرى الخاضعة لها ضرورة الاحتفاظ بنسبة معينة من إجمالي الودائع الخاصة بكل بنك في حساب خاص به لدى البنك المركزي فيما يُعرف بالاحتياطي القانوني بهدف حماية أموال المودعين من ناحية، وتحجيم دور البنوك في زيادة العرض النقدي، هذه السياسة النقدية – التي تلائم المصارف التي تعتمد على نظام الفائدة – تؤدي إلى تعطيل جزء من الأموال التي قدمها أصحابها لتلك المؤسسات بغرض استثمارها.[44]
وهذه السياسة النقدية غير ملائمة للطريقة الإسلامية، فمثلاً نظام المضاربة لا يترتب عليه رد الأموال في أي وقت لارتباطها بمشروعات استثمارية موظّفة بها من ناحية، وارتباطها بمبدأ المشاركة في الربح والخسارة من ناحية أخرى. وقد أدّت هذه السياسة إلى تعطيل جزءٍ من أموال البنوك الإسلامية مما يؤثر سلباً على ربحية هذه الاستثمارات.[45]
ويتلخّص لدينا مما سبق أن نظام الفائدة يعيق التنمية الاقتصادية للأسباب التالية:
1- التوسّع في الضمانات للقرض الربويّ توسّعاً لا يقدر عليه إلّا الأغنياء، وهذا يمنع عاملين مهرة في الاستثمار لعدم وجود ضمانات كافية.
2- اهتمام المقرضين باسترجاع رأس مالهم مضافاً إليه الفائدة أكثر من اهتمامهم بنجاح المشروع.
3- زيادة تكاليف الإنتاج مما يؤدي إلى انخفاض صافي الربح، وهذا بدوره لا يشجع على الاستثمار.
4- الاحتفاظ بالاحتياطي القانوني لكل بنك في البنوك المركزية يعطّل جزءاً من المال عن الاستثمار والإنتاج والمشاركة في التنمية.
المبحث الرابع: التضخم:
يدور مفهوم التضخم حول الزيادة في كمية النقود تؤدي إلى ارتفاع في الأسعار، فهو ظاهرة تتمثل في انخفاض القوة الشرائية للنقود المقترضة أو ارتفاع الأسعار.[46] ومن أسباب هذه الظاهرة زيادة كمية النقود.[47]
وتأييداً لهذا يرى عالما الاقتصاد السويدي فيكسل والإنجليزي كينزان التضخم يحدث عندما تزداد كمية النقود، حيث يزيد الطلب الكلي على السلع والخدمات أكثر من العرض الكلي لهذه السلع والخدمات.[48]
ويفسّر فيكسل ظاهرة ارتفاع الأسعار بالمقارنة ما بين سعر الفائدة النقدي الذي تمارسه البنوك عند الإقراض أي نفقة الاقتراض من البنوك مثلاً والعائد الذي يمكن أن يحققه رأس المال المستثمر ( أي سعر الفائدة الحقيقي ). وتوضيح ذلك:
لنفرض أن سعر الفائدة = ر، فإن المديونية =ك ( 1+ر ) في نهاية الفترة، ولنفرض أن العائد = ز، فتصبح قيمة الناتج – ك ( 1+ز )، ك = كمية النقود، والتوازن النقدي يحصل عندما تكون ز=ر، ويتحقق ثبات الأسعار، ولو قامت البنوك التجارية بتخفيض سعر الفائدة النقدية بالمقارنة بسعر الفائدة الحقيقية، فإنه يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، لأنه يؤدي إلى زيادة الاستثمار ومن ثم زيادة الطلب على عناصر الإنتاج، وارتفاع أسعارها، فتزداد نفقات الإنتاج وتزداد الأسعار، ويؤدي أيضاً إلى زيادة الإنفاق الاستهلاكي مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، ولو قامت البنوك برفع سعر الفائدة فإنه يؤدي إلى ارتفاع في كلفة رؤوس الأموال مما يؤدي إلى رفع الأسعار.[49]
ودليل آخر على أثر الفائدة في التضخم أن صاحب المال لا يرضى إذا استثمر ماله في صناعة أو زراعة أو شراء سلعة أن يبيع سلعته أو الشيء الذي أنتجه إلا بربح أكثر من نسبة الربا، لأنه يفكر أنه استثمر المال وبذل الجهد واستعدّ لتحمّل الخسارة، فلابد أن تكون نسبة الربح أكثر من نسبة الربا، وكلما ازدادت نسبة الربا غلت الأسعار أكثر منها بكثير، هذا إذا كانت المنتج أو التاجر صاحب مال، وأما إذا كان ممن يقترض بالربا فرفعه للأسعار أمرٌ بدهيّ، حيث سيضيف إلى نفقاته ما يدفعه من الربا.[50]
ويمكن تعليل ما سبق، وتحليله تحليلاً اقتصادياً يبيّن أثر سعر الفائدة في التّضخّم بما يلي:
من عيوب النظام النقدي المعاصر وجود خلل بين كميّة النقود وكمّية السلع والخدمات، مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، وهذا بدوره يؤدي إلى ارتفاع سعر الفائدة كمحاولة من الحكومة لامتصاص النقود من السوق، مما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف السلع والخدمات ثم ارتفاع الأسعار مرةً أخرى، وهكذا تدور الدورة من جديد وتسبب مضاعفاتها.[51]
ويمكن توضيح ذلك في الشكل التالي:
وبالتّأمّل في هذا الشكل تبيّن ما يلي:
1- إن كمية النقود كثيرة وكمية السلع والخدمات محدودة، ولذلك فإن الحكومات تطبع من الأوراق النقدية كميات كثيرة جداً، مما يؤدي إلى زيادة كمية النقود في البلد ويؤدي إلى الخلل.
2- هذا الخلل يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، وهذا يدفع الدول إلى رفع سعر الفائدة، لإغراء أصحاب المال كي يدفعوها لهم، من أجل امتصاص النقود من السوق، وهذا بدوره يؤدي إلى ارتفاع تكاليف السلع والخدمات، ويؤدي إلى غلاء الأسعار، وهكذا تدور الدورة من جديد، وتبقى الأسعار في دوامة لا تستقر.
وأما دور البنوك في إيجاد التضخم فيؤكده الاقتصاديون الغربيون فيقولون: “البنوك تخلق النقود”، وهذه حقيقة فعليّة في البنوك الرّبويّة التي تخلق نقوداً حسابية بأن تفتح للعميل اعتمادات يسحب منها دون أن يودع لدى البنك نقوداً وبذلك تسهم في إيجاد التضخم، لأننا نراها عندما تحاول الحكومة امتصاص الزائد من النقود في السوق برفع سعر الفائدة علي الودائع، تقوم هذه البنوك بإعادة الأموال للسوق بل وزيادتها بما تمنحه من اعتمادات.[52]
وبناء على ما سبق فإن نظام الفائدة الربوية جعل التضخم ظاهرة عامة تخضع لها كافة الاقتصاديات الصناعية المتقدمة، فالأسعار في ارتفاع مستمر، وقيمة العملات الوطنية في تناقص مستمر، ونفقات المعيشة وأسعار التجزئة تتجه إلى أعلى دائماً.[53]
ويتلخّص مما سبق أن من أسباب ارتفاع الأسعار ما يلي:
1- زيادة عرض النقود في السوق: إنني أرى أن نظام الإقراض بفائدة يؤدي إلى زيادة عرض النقود في السوق وهذا بدوره يؤدي إلى غلاء الأسعار.
ولذلك سنّت السلطات النقدية في معظم الدول النامية رفع الفائدة كجزء من برنامج مكافحة التضخم، لتخفيض طلب المقترضين على القروض، فتحديد الإقراض عامل من عوامل مكافحة التضخم.[54]
2- سعر الفائدة: إن زيادة سعر الفائدة يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، ومن العجيب أن خفض سعر الفائدة يؤدي أيضاً إلى ارتفاع الأسعار من وجه، فالأسعار في ازدياد مادام هنالك فائدة، ولا تستقر الأسعار إلا بانعدام الفائدة.
المبحث الخامس: البطالة
أكبر مشكلتين يواجههما الاقتصاد الرأسمالي: البطالة والتضخم، وتزيد معدلات البطالة مع ارتفاع التضخم، فارتفاع الأسعار دون زيادة متناسبة في الأجور سوف تؤدي إلى الإقلال من الطلب على السلع، وبالتالي إلى انخفاض حجم الاستثمار والإنتاج ومن ثم زيادة معدلات البطالة.[55]
لقد ساعدت الفائدة على وجود طبقة من البطالة المقنعة تمثل في هؤلاء المدخرين الذين يقعدون عن العمل اكتفاءً بما توفره لهم الفائدة من دخل ثابت مما يحرم كثيراً من المشاريع من عمل هؤلاء المدّخرين، وكذلك فإن أصحاب الأموال يفضّلون إقراض أموالهم بالربا على استثمارها في إقامة مشاريع صناعية أو زراعية أو تجارية، ولهذا يقلل فرص العمل، فتنتشر البطالة في المجتمعات التي يسود فيها التعامل الربوي.[56]
ويؤدي هذه الفكرة الاقتصادي المشهور كينْزفيقول: ( إن العمالة الكاملة هي الواجب الأول للدولة ولا تتحقق إلا إذا أنزل سعر الفائدة إلى الصفر أو ما يقرب من ذلك، والعمالة الكاملة هي أن يجد كل راغب في العمل فرصته ).[57]
فيرى الاقتصادي كينْز أن علاج مشكلة البطالة يكون بانعدام الفائدة أو بتخفيضها إلى أدنى حد ممكن، وهذا رأي علماء الاقتصاد الذين لا يدينون بالإسلام، مما يدل على أن الإسلام في موضوع الربا معجز (اليابان طبقت مفهوم الفائدة الصفرية منذ 15 سنة فمم جعل اقتصادها يزدهر بشكل سريع).
وأما تعليل ذلك فإن الفائدة تؤدي إلى زيادة أسعار السلع فينقص الطلب عليها وينحسر الاستهلاك مما يؤدي إلى فائض في المنتجات، وقد يلجأ المنتجون في سبيل تخفيض الأسعار إلى تخفيض أجور العمال أو الاستغناء عن بعضهم.[58]
مقالات لها علاقة:
الإعجاز الاقتصادي في القرآن – حكمة تحريم الإسلام للربــا
أزمة الرهان العقاري الأمريكية وحرب الله على أهل الربا
المصادر والمراجع
1- القرآن الكريم
..


