28 شوال, 1447

الطموح وعلو الهمة

﴿الخُطْبَةُ الْأُوْلَى﴾

إِنَّ الحَمدَ للهِ نَحمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعوذُ باللهِ مِنْ شُرُورِ أَنفُسِنا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَه، وَمَنْ يُضلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، الْحَمْدُ للهِ الَّذِي رَفَعَ مَنازِلَ ذَوِي الْهِمَمِ الْعَالِيَةِ، وَجَعَلَ الطُّمُوحَ شَرَفًا لِأَهْلِ الْإِيمانِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: عِبادَ اللهِ: عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ-رَضِيَ اللهُ عَنْهُما-قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ تَعالَى يُحِبُّ مَعالِيَ الْأُمُورِ، وَأَشْرَافَها، وَيَكْرَهُ سَفْسافَها» [صححه الألباني]، حَدِيثُنا الْيَوْمَ عَنْ مِفْتاحٍ مِنْ مَفاتِيحِ الْفَلاحِ وَالنَّجاحِ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، أَلَا وَهُوَ: الطُّمُوحُ وَعُلُوُّ الْهِمَّةِ، وَهُوَ التَّطَلُّعُ إِلَى المعالِي، وَالسَّعْيُ لِمَا هُوَ خَيْرٌ وَأَكْمَلُ، وَعَدَمُ الْقَناعَةِ بِالدُّونِ، إِنَّهُ تَحَرُّكُ الْقَلْبِ وَالْعَقْلِ وَالْجَوارِحِ نَحْوَ الْأَفْضَلِ، نَحْوَ التَّفَوُّقِ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَهُوَ لا يُنافِي التَّوَكُّلَ عَلَى اللهِ، بَلْ هُوَ السَّعْيُ وَالْأَخْذُ بِالْأَسْبابِ، ثُمَّ التَّفْوِيضُ إِلَى اللهِ.

وَإِنَّ الْعاقِلَ لا يَكْذِبُ نَفْسَهُ! فَلْيَنْظُرْ كُلٌّ مِنَّا إِلَى ما أَنْجَزَ فِيما مَضَى مِنْ عُمُرِهِ، هَلْ تَغَيَّرَ إِلَى الْأَفْضَلِ؛ فِي أَخْلاقِهِ، فِي سُلُوكِهِ وَمُعامَلاتِهِ، فِي عِلْمِهِ، فِي مُكْتَسَباتِهِ المادِيَّةِ؟

عِبادَ اللهِ: إِنَّ رَبَّنا عز وجل قَدْ أَمَرَنا بِالطُّمُوحِ وَعُلُوِّ الْهِمَّةِ، فَقالَ تَعالَى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: 148]، وَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الحديد: 21]، وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا سَأَلْتُمُ اللهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَعْلَى الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ» [رواه البخاري]؛ وَيَقُولُ صلى الله عليه وسلم: «‌إِذَا ‌ماتَ ‌ابْنُ ‌آدَمَ ‌انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلاثٍ: صَدَقَةٍ جارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صالِحٍ يَدْعُو لَهُ» [أخرجه مسلم]؛ فَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُوَجِّهُنا إِلَى عَظائِمِ الْأَعْمالِ؛ كَالتَّنافُسِ فِي أَعْلَى مَراتِبِ الْجَنَّةِ، لا مُجَرَّدِ النَّجاةِ، وَيُوَجِّهُنا إِلَى ما يَدُومُ نَفْعُهُ لِلْمُؤْمِنِ؛ لِأَنَّ المؤْمِنَ لا يَرْضَى إِلَّا بِالْمَعالِي.

وَقَدْ رَبَّى صلى الله عليه وسلم سَلَفَنا الصَّالِحَ لِيَكُونُوا أَئِمَّةً فِي عُلُوِّ الْهِمَّةِ، لا يَعْرِفُونَ الْكَسَلَ وَلَا الْقَناعَةَ بِما دُونَ الْقِمَمِ.

أَيُّها المسْلِمُونَ، إِنَّ عُلُوَّ الْهِمَّةِ شَرَفٌ وَسَعادَةٌ، أَمَّا الْقَناعَةُ بِالْكَسَلِ وَالتَّواكُلُ وَالتَّهاوُنُ فَذُلٌّ وَهَوانٌ، وَإِنَّ النَّاجِحِينَ عَبْرَ التَّارِيخِ لَمْ يَكُونُوا عَباقِرَةً فِي الذَّكاءِ، بَلْ كانُوا مُجْتَهِدِينَ، آخِذِينَ بِأَسْبابِ النَّجاحِ وَالْوُصُولِ.

يَفْتَحُ صلى الله عليه وسلم مَجالاتِ الطُّمُوحِ وَالمسابَقَةِ فِي الْخَيْراتِ أَمامَ صَحابَتِهِ صلى الله عليه وسلم، قالَ صلى الله عليه وسلم: «أَرْأَفُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهُمْ فِي دِينِ اللهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهُمْ حَياءً عُثْمانُ، وَأَقْضاهُمْ عَلِيٌّ، وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وَأَقْرَؤُهُمْ أُبَيُّ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلالِ وَالْحَرَامِ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا، وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ» [صححه الألباني]، فَكُلُّ مَنْ تَفَوَّقَ فِي مَجالٍ، بِتَوْفِيقِ اللهِ ، ثُمَّ عُلُوِّ هِمَّتِهِ فِي هَذا المجالِ.

إِنَّ مِمَّا جُبِلَ عَلَيْهِ الْحُرُّ الْكَرِيمُ، أَنْ لا يَقْنَعَ مِنْ شَرَفِ الدُّنْيا وَاﻵْخِرَةِ بِالشَّيْءِ الْهَيِّنِ الْحَقِيرِ، قالَ صلى الله عليه وسلم فاتِحًا مَجالَ المسابَقَةِ فِي تَجْوِيدِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: «الْماهِرُ بالقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الكِرامِ الْبَرَرَةِ ، والَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ ويَتَتَعْتَعُ فِيهِ، وَهُوَ عَلَيْهِ شاقٌّ، لَهُ أَجْرانِ» [رواه مسلم].

قالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: “عُلُوُّ الْهِمَّةِ أَلَّا تَقِفُ دُونَ اللهِ، وَلا تَتَعَلَّقَ بِسِواهُ”، وَقالَ: “لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَقَفَ أَمامَ جَبَلٍ وَعَزَمَ عَلَى إِزالَتِهِ لَأَزالَهُ”، لَكِنَّ مَعالِيَ اﻷْمُورِ وَعِرَةُ المسالِكِ، مَحْفُوفَةٌ بِالمكارِهِ، وَلا يَسْتَهِينُ بِالشَّدائِدِ إِلَّا كَبِيرُ الْهِمَّةِ ماضِي الْعَزِيمَةِ، وَكانَ سَعِيدُ بْنُ المسيِّبِ يَسِيرُ اللَّيالِيَ لِطَلَبِ الْحَدِيثِ الْواحِدِ، وَرَحَلَ أَبُو أَيُّوبِ اﻷْنْصارِيُّ مِنَ المدِينَةِ إِلَى عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ، وَهُوَ فِي مِصْرَ لِيَرْوِيَ عَنْهُ حَدِيثًا واحِدًا، وَلَمْ يَنْتَشِرِ الْعِلْمُ فِي بِلادِ المغْرِبِ وَالْأَنْدَلُسِ إِلَّا بِرِجالٍ رَحَلُوا إِلَى الشَّرْقِ، وَلاقَوا فِي رَحَلاتِهِمُ الْعَناءَ وَالنَّصَبَ، مِثْلُ: أَسَدِ بْنِ الْفُراتِ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِي. وَالنَّاسُ فِي عُلُوِّ الْهِمَّةِ أَصْنافٌ: فَعَظِيمُ النَّفْسِ وَالْهِمَّةِ، رَجُلٌ وَضَعَ مَعالِيَ الْأُمورِ نُصْبَ عَيْنَيْهِ، فَهُوَ يُصابِرُ لِيُحَقِّقَها؛ فَهُوَ خَيْرُهُمْ، وَضَعِيفُ النَّفْسِ وَالْهِمَّةِ فِيهِ كَفاءَةٌ لِعَظائِمِ الْأُمُورِ، لَكِنَّهُ يَهْتَمُّ بِسَفْسافِها، وَثالِثٌ مُتَواضِعٌ لا كَفاءَةَ عِنْدَهُ لِعَظائِمِ الْأُمورِ، فَهِمَّتُهُ وَسَعْيُهُ عَلَى قَدْرِ اسْتِعْدادِهِ، فَهُوَ بَصِيرٌ بِنَفْسِهِ مُتَواضِعٌ، أَمَّا الرَّابِعُ فَهُوَ رَجُلٌ ضَعِيفُ الْهِمَّةِ، لَكِنَّهُ يُوهِمُ نَفْسَهُ وَمَنْ حَوْلَهُ أَنَّهُ عَظِيمُ الْهِمَّةِ فَهَذا هُوَ الْفَخُورُ الْمُتَعاظِمِ، وَهُوَ شَرُّهُمْ.

عِبادَ اللهِ: إِنَّ فِي سِيرَةِ نَبِيِّنا صلى الله عليه وسلم وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ الْقُدْواتِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي تُرَبِّي فِي الْأَجْيالِ عُلُوَّ الْهِمَّةِ، وَما مِنْ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيا وَالآخِرَةِ إِلَّا وَفِيهِ مُنافَسَةٌ لِذَوِي الْهِمَمِ الْعالِيَةِ؛ مِنْ ذَلِكَ الْعِلْمُ؛ فَهُوَ أَرْفَعُ مَقامٍ تَطْمَحُ إِلَيْهِ الْهِمَمُ، وَأَشْرَفُ غايَةٍ تَتَسابَقُ إِلَيْها اﻷْمَمُ، وَيُتَحَصَّلُ بِالمحافَظَةِ عَلَى الْأَوْقاتِ، وَالْعَزْمِ الشَّدِيدِ، وَالْحِرْصِ عَلَى الْعُلُومِ النَّافِعَةِ، مَعَ شِدَّةِ الْبَحْثِ وَالمدارَسَةِ، وَإِشْغالِ النَّفْسِ بِالْحَقِّ، وَحَدِّثْ وَلا حَرَجَ عَنْ سَلَفِنا الصَّالِحِ الَّذِينَ ضَرَبُوا أَرْوَعَ الْأَمْثِلَةِ فِي الرِّحْلَةِ لِطَلَبِ الْعِلْمِ، وَالْحِرْصِ عَلَى الْأَوْقاتِ، وَشِدَّةِ مُدَارَسَتِهِمْ، قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما-: “وَالَّذِي لا إلَهَ غَيْرُهُ ما مِن كِتَابِ اللهِ سُورَةٌ إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ حَيْثُ نَزَلَتْ، وَما مِنْ آيَةٍ إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ فِيما أُنْزِلَتْ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا هُوَ أَعْلَمُ بكِتَابِ اللهِ مِنِّي، تَبْلُغُهُ الإبِلُ، لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ” [أخرجه مسلم]، وَكانَ اﻹْمامُ الْبُخارِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- يَقُومُ فِي اللَّيْلَةِ الْواحِدَةِ ما يَقْرُبُ مِنْ عِشْرِينَ مَرَّةً لِتَدْوِينِ حَدِيثٍ، أَوْ فِكْرَةٍ طَرَأَتْ عَلَيْهِ، كَما أَنَّهُ -رَحِمَهُ اللهُ- كانَ مِنْ أَعْظَمِ الرُّماةِ، ما كانَ سَهْمُهُ يُخْطِئُ الْهَدَفَ إِلَّا نادِرًا.

وَالمجالُ الثَّانِي: مِنْ مَجالاتِ عُلُوِّ الْهِمَّةِ الْعِبادَةُ وَالِاسْتِقامَةُ، لَقَدِ ارْتَفَعَتْ هِمَّةُ سَلَفِنا الصَّالِحِ عَنْ سَفاسِفِ الدُّنْيا، فَلا تَراهُمْ إِلَّا صَوَّامِينَ قَوَّامِينَ.

اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِنْ أَصْحابِ الْهِمَمِ الْعالِيَةِ، وَاجْعَلْ طُمُوحَنا فِي رِضاكَ، وَلا تَجْعَلِ الدُّنْيا أَكْبَرَ هَمِّنا، وَلا مَبْلَغَ عِلْمِنا.

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا.. وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

اَلْحَمْدُ للهِ عَلىَ إِحْسَانِهِ وَالشُّكْرُ لَهُ عَلىَ تَوْفِيْقِهِ وَاِمْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ اِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيْكَ لَهُ تَعْظِيْمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ الدَّاعِي إِلىَ رِضْوَانِهِ. أَمَّا بَعْدُ عَبَادَ اللهِ: إِنَّ عُلُوَّ الْهِمَّةِ دَلِيلٌ عَلَى كَمالِ الرُّجُولَةِ وَكَمالِ المرُوءَةِ، وَيُثْمِرُ سَعادَةَ الدُّنْيا وَاﻵخِرَةِ، وَخُلُقٌ يُوَصِّلُ إِلَى مَحَبَّةِ اللهِ وَمَحَبَّةِ خَلْقِهِ، وَيُحَقِّقُ الرَّفاهِيَةَ وَالسَّعادَةَ لِلْأَفْرادِ وَالشُّعُوبِ؛ لِذَا وَجَبَ أَنْ نُرَبِّيَ أَطْفالَنا عَلَى عُلُوِّ الْهِمَّةِ؛ لِيَكُونُوا حُرَّاسًا لِلْعَقِيدَةِ وَالْوَطَنِ، وَأَنْ نَغْرِسَ فِيهِمْ مُنْذُ نُعُومَةِ أَظْفارِهِمْ هَذَا الْخُلُقَ الرَّفِيعَ، فَيَقُومُ الْوالِدانِ وَالمعَلِّمُونَ بِتَرْسِيخِ هَذَا الْخُلُقِ مُبَكِّرًا، وَيُنَمَّى وَيُوَجَّهُ إِلَى الطَّرِيقِ الْمُثْلَى، يَقُولُ الْإِمامُ الذَّهَبِيُّ عَنْ شَيْخِهِ الْقاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَرزالِيِّ: “هُوَ الَّذِي حَبَّبَ إِلَيَّ طَلَبَ الْحَدِيثِ؛ رَأَى خَطِّي، فَقالَ: خَطُّكَ يُشْبِهُ خَطَّ الْمُحَدِّثِينَ؛ فَأَثَّرَ قَوْلُهُ فِيَّ”.

أَيُّها الموحِّدُونَ: مَنْ لا يَعْرِفُ الطُّمُوحَ لا يَنْهَضُ، وَلا يَتَقَدَّمُ، فَلْتَكُنْ لَنا هِمَمٌ كَهِمَمِ الصَّحابَةِ رضي الله عنهم، وَلْتَكُنْ لَنا أَهْدَافٌ واضِحَةٌ، وَغاياتٌ نَبِيلَةٌ، فِي الْعِلْمِ وَالدَّعْوَةِ وَالْإِصْلاحِ وَالتَّفَوُّقِ.

هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]

‎اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

قليل من الأمم في التاريخ استطاعت أن تنتقل من البدايات المتواضعة إلى قمم الريادة والقيادة، وأن ترسم لنفسها طريقًا يجعلها في طليعة المشهد العالمي، والمملكة العربية السعودية تمثل أنموذجًا فريدًا لهذه الرحلة الاستثنائية. فقد بدأت كغيرها من المجتمعات البدوية في جزيرة العرب، حياة بسيطة عمادها الرعي والتجارة، وقيمها الكرم والشهامة والوفاء، وكان رعي الغنم مظهرًا يوميًا لحياة الصحراء، لكنه أيضًا رمز لتواضع البدايات ونقاء الفطرة. ومثلما رعى الأنبياء الغنم قبل أن يرعوا الأمم، كانت هذه التجربة مدرسة في الصبر والقيادة وبناء الإنسان.
وعندما وحّد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود أرجاء البلاد لم يكن النفط قد اكتُشف بعد، بل كانت البصيرة والرؤية والتمسك بالقيم الإسلامية هي الأساس. انطلقت المملكة بخطى ثابتة نحو بناء الدولة الحديثة، مؤسسة على العدل، ومنفتحة على التطوير، إلى أن جاء اكتشاف النفط فكان نقطة تحول كبرى في مسيرتها، لكنه لم يكن غاية في ذاته، بل وسيلة لبناء الإنسان وتنمية المكان، وتحقيق الاستقرار للوطن والمساهمة في رفاه العالم.
رسالة المملكة لم تقتصرعلى التنمية الداخلية، بل مدت يدها إلى الخارج دعمًا ومساندة، حيث قدمت منذ تأسيسها مئات المليارات من الدولارات دعمًا مباشرًا وغير مباشر لعدد كبير من دول العالم والمنظمات الدولية، دون منّة أو دعاية، بل من منطلق واجب إنساني تمليه المبادئ الإسلامية والأخلاق العربية الأصيلة. كانت المملكة ولا تزال، حاضرة في كل أزمة وكارثة، تمد الجسور لا الحواجز، وتزرع الأمل بدل أن تكتفي بالمراقبة.
قدمت المملكة مشاريع ضخمة وجبارة لا نظير لها في التاريخ الإسلامي، تمثلت في التوسعات التاريخية للحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة، من توسعة صحن الطواف والمطاف، إلى الجسور والأنفاق، وخطوط النقل والبنية التحتية المتقدمة التي سهلت الحج والعمرة لملايين المسلمين من مختلف بقاع الأرض، في صورة تجمع بين الإيمان والتقنية، وتترجم العناية الفائقة بضيوف الرحمن.
أصبحت مكة المكرمة والمدينة المنورة رمزًا للحضارة الإسلامية المعاصرة، وواجهة مشرّفة تعكس ما وصلت إليه المملكة من قدرة على الجمع بين الأصالة والتحديث.
ومع انطلاق رؤية 2030 بقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حفظه الله دخلت المملكة مرحلة جديدة من التحول الطموح، تنوّع فيها الاقتصاد، وبرزت فيها مشاريع كبرى مثل “نيوم” و”ذا لاين”، وصعدت قطاعات جديدة مثل الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة، وأصبح الإنسان السعودي هو المحور الأول لهذا التطور، مزودًا بالعلم والطموح والقدرة على المنافسة العالمية. لم تعد المملكة تكتفي بالدور التقليدي، بل أصبحت تقود مبادرات دولية في قضايا المناخ، والطاقة، والتنمية المستدامة، وتبني شراكات استراتيجية مع الشرق والغرب. وتحولت الرياض إلى بوصلة للحوار بين الدول العظمى، وملتقى للقرارات الاقتصادية والسياسية الكبرى، تعكس مكانة المملكة كمركز ثقل في العالمين الإسلامي والدولي.
وهكذا، لم تعد “رعي الغنم” مجرد ماضٍ يُذكر، بل أصبح رمزًا لرحلة بدأت بالتواضع وانتهت بالتأثير العالمي، وأصبحت المملكة بحق “راعية للأمم”، تسهم في توجيه المسارات الدولية، وتحمل رسالة الاعتدال والإنسانية والتنمية، بروح تستلهم الماضي وتبني المستقبل. إنها قصة وطن لم يولد كبيرًا، لكنه كبر برسالته وقيمه، وارتقى بإرادته حتى أصبح مثالًا يُحتذى، وصوتًا يُسمع، وأمة تُحترم.
https://www.makkahnews.sa/5453219.html

المداومة على الأعمال الصالحة بعد رمضان ….. ﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾

إِنَّ الْحَمْدَ للهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَهْدِيهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا وَسَيِّئاتِ أَعْمالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحابِهِ وَمَنْ سارَ عَلَى طَرِيقِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، يا ابْنَ آدَمَ أَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفارِقُهُ، وَاعْمَلْ ما شِئْتَ فَإِنَّكَ مُلاقِيْهِ، وَكُنْ كَمَا شِئْتَ فَكَمَا تَدِينُ تُدَانُ، وَالْجَزاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، وَاعْلَمْ يا عَبْدَ اللهِ أَنَّ الْبِرَّ لا يَبْلَى، وَأَنَّ الْإِثْمَ لا يُنْسَى، وَأَنَّ الدَّيَّانَ لا يَنامُ، وَاعْلَمْ يا عَبْدَ اللهِ أَنَّكَ مَتَى وَجَدْتَ تَكْدِيرًا فِي حالٍ فَانْظُرْ إِلَى نِعْمَةٍ ما شُكِرَتْ، أَوْ زَلَّةٍ قَدْ فُعِلَتْ (إِنَّ ٱللَّهَ لَا ‌يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ) [الرعد:11] يا ابْنَ آدَمَ اِحْتَجْ إِلَى مَنْ شِئْتَ تَكُنْ أَسِيرَهُ، وَاسْتَغْنَ عَمَّنْ شِئْتَ تَكُنْ نَظِيرَهُ، وَأَحْسِنْ إِلَى مَنْ شِئْتَ تَكُنْ أَمِيرَهُ، كُلُّ باكٍ سَوْفَ يُبْكَى، كُلُّ ناعٍ سَوْفَ يُنْعَى لَيْسَ غَيْرَ اللهِ يَبْقَى، مَنْ عَلا فَاللهُ أَعْلَى، أما بعد، عِبادَ اللهِ اِتَّقُوا اللهَ حَقَّ التَّقْوَى، وَاسْتَمْسِكُوا مِنَ الْإِسْلامِ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، التَّقْوَى الْواعِظُونَ بِها كَثِيرٌ، وَالْعامِلُونَ بِها قَلِيلٌ، جَعَلَنِي اللهُ وَإِيَّاكُمْ مِنَ المتَّقِينَ (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ ‌قَوۡلٗا ‌سَدِيدٗا ٧٠ يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 70، 71]

وَاشْكُرُوا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ وَفَّقَكُمْ وَأَنْعَمَ عَلَيْكُمْ بِإِكْمَالِ شَهْرِ الصَّوْمِ وَالْغُفْرَانِ. فَهَا هُوَ رَمَضَانُ ارْتَحَلَ وَانْقَضَتْ لَيَالِيهِ الزَّاهِرَةُ، وَمَضَتْ أَيَّامُهُ الْعَامِرَةُ، وَتَوَلَّتْ أَجْوَاؤُهُ الْعَاطِرَةُ.

أيُّها المؤْمِنُونَ: الْمُؤْمِنُونَ الصَّادِقُونَ بَعْدَ رَمَضَانَ عَلَى وَجَلٍ وَخَوْفٍ وَشَفَقَةٍ مِنْ أَلَّا تُقْبَلَ أَعْمَالُهُمُ الصَّالِحَةُ، فَهُمْ يَرْجُونَ اللهَ وَيَدْعُونَهُ وَيَسْأَلُونَهُ أَنْ يَتَقَبَّلَ مِنْهُمْ، وَلَقّدْ كَانَ السَّلفُ الصّالِحُ يَجْتهدُونَ فِي إِكْمَالِ الْعَمَلِ وَإتْمامِهِ وَإتْقَانِهِ، ثُمَّ يَهْتَمُّونَ بِقَبُولِهِ، وَيَخافُونَ مِنْ رَدِّهِ، فعَنْ عَائِشَةَ رضى الله عنها قَالَتْ: “سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ:﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [الْمُؤْمِنَونَ: 60]، قَالَتْ عَائِشَةُ: أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ، وَيَسْرِقُونَ؟” قَالَ: «لَا، يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَلَّا يُقْبَلَ مِنْهُمْ، أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ» [صحيح الترمذي].

قالَ عَلِيُّ بنُ أبِي طَالِبٍ رضي الله عنه: ” كُونُوا لِقَبولِ الْعَمَلِ أشدَّ اهْتِمَامًا مِنَ الْعَمَلِ، أَلَمْ تَسْمَعُوا قَوْلَ اللهَ تعالى :﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الْمَائِدَةِ:27]. وَعَبْدُ اللهِ بنُ عُمَرَ رضي الله عنهما دخلَ عليه سائلٌ يَسْأَلُهُ، فقالَ لِابْنِهِ: “أعْطِهِ دِينارًا فَأعْطَاهُ، فَلمّا انْصَرَفَ قالَ ابنُهُ: تَقبَّلَ اللهُ مِنْكَ يَا أبَتَاهُ. فَقَالَ: لَوْ عَلِمْتُ أنّ اللهَ تَقَبَّلَ مِنّي سَجْدَةً وَاحِدَةً أوْ صَدَقةَ دِرْهَمٍ لَمْ يَكُنْ غَائِبٌ أحَبَّ إليَّ مِنَ الْمَوْتِ، تَدْرِي مِمّنْ يَتَقَبّلُ اللهُ؟ ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الْمَائِدَةِ:27].

فَأَعْظَمُ ما تُفْنَى بِهِ الأعْمارُ، وَأَجَلُّ وَأطْيَبُ مَا يَرْجُوهُ الْمؤمنُ هُوَ قَبُولُ عَمَلِهِ، فَسَلُوا ربَّكُم وَأَنْتُمْ قَدْ وَدَّعْتُمْ رَمَضَانَ أَنْ يَتَقَبّلَ مِنْكُم صَالِحَ أَعْمَالِكُمْ، وَأَنْ يَغْفِرَ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، وَيُعْتِقَكُم مِنَ النَّار. واعْلَمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- أَنَّ الْمُؤمِنَ الصّادِقَ حالُهُ بعْدَ رمضانَ كَحَالِه أَثْنَاءَ رَمَضان، يَجْتهدُ في الِاسْتِمْرَارِ فِي الطَّاعَةِ، وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَى الْخَيْرَاتِ، وَتِلاوَةِ الْقُرْآنِ.

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ الِاسْتِقَامَةَ وَالْمُدَاوَمَةَ عَلَى الطَّاعَةِ مِنْ أَهَمِّ الْأُمُورِ، وَدَلِيلٌ عَلَى إِرَادَةِ الْخَيْرِ لِلْعَبْدِ، فَرَاقِبُوا اللهَ، وَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، وَتَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ، فَإِنَّ مِنْ عَلَامَةِ قَبُولِ الْحَسَنَةِ أَنْ تَتْبَعَهَا الْحَسَنَةُ بَعْدَهَا. قَالَ الْحَسَــنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: “إِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ لِعَمَلِ الْمُؤْمِنِ أَجَلًا دُونَ الْمَوْتِ”، ثُمَّ قَرَأَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾[الحجر: 99].

أَيُّهَا المسْلِمُونَ: إِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ الَّتِي يُدَاوِمُ عَلَيْهَا الْعَبْدُ، قال صلى الله عليه وسلم: «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ أدْوَمُها وَإِنْ قَلَّ»[صححه الألباني]. فَاجْعَلُوا الِاسْتِقَامَةَ شِعَارَكُمْ، وَصَالِحَ الْأَعْمَالِ وَالْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهَا غَايَتَكُمْ، يَكْتُبِ اللهُ لَكُمُ الْأَجْرَ وَالثَّوَابَ، وَيَفْتَحْ لَكُمْ أَبْوَابَ رَحْمَتِهِ، إِنَّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ. وَإِنَّ مِنْ مُتَابَعَةِ الْإِحْسَانِ بَعْدَ هَذَا الشَّهْرِ الْكَرِيمِ صِيَامَ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ، فَقَدْ دَعَاكُمْ نَبِيُّكُمْ صلى الله عليه وسلم إِلَى ذَلِكَ وَرَغَّبَ فِيهِ، فَقَدْ جَاءَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَّ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيامِ الدَّهْرِ» [رواه مسلم]. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثالِها؛ فَصِيامُ شَهْرِ رَمَضَانَ عَنْ صِيَامِ عَشْرَةِ أَشْهُرٍ، وَسِتَّةُ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ عَنْ صِيَامِ شَهْرَيْنِ فَبِذَلِكَ يَحْصُلُ لِمَنْ صَامَهَا أَجْرُ صِيَامِ الدَّهْرِ، كَمَا جَاءَتْ بِذَلِكَ السُّنَّةُ الْمُطَهَّرَةُ. فَلَا تُفَوِّتُوا -عِبَادَ اللهِ- هَذِهِ الفَضِيلَةَ، فَقَدْ لا نُدْرِكُ عَامًا آخَرَ، فَتَسَابَقُوا إِلَى فِعْلِ الْخَيْرِ، تَقَبَّلَ اللهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ.

أَقُوْلُ قَوْلِي هَذَا.. وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوْبُوا إِلَيْهِ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيْمُ.

 

﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾

الْحَمْدُ للهِ حَمْدَ الشَّاكِرِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ خَيْرُ خَلْقِ اللهِ أَجْمَعِينَ، وَرَضِيَ اللهُ عَنِ الصِّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ:

عِبَادَ اللهِ: وَإِذَا كُنَّا قَدْ وَدَّعْنا شَهْرَ رَمَضَانَ مَوْسِمَ الْغُفْرَانِ وَالْعِتْقِ مِنَ النِّيرَانِ، وَالتَّنَافُسِ فِي طَاعَةِ الرَّحْمَنِ فَإِنَّنا لَمْ نُوَدِّعْ بِتَوْدِيعِهِ أَبْوَابَ الْخَيْرَاتِ، فَلَا تَزَالُ مَوَاسِمُ الْخَيْرَاتِ مُتَجَدِّدَةً مُتَتَالِيَةً، وَيَنْبَغِي عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَغْنَمَ حَيَاتَهُ، وَأَنْ يَسْتَغِلَّ كُلَّ مُنَاسَبَةٍ كَرِيمَةٍ وَوَقْتٍ فَاضِلٍ مُتَسَابِقًا مَعَ الْمُتَسَابِقِينَ فِي الطَّاعَاتِ مُسَارِعًا لِنَيْلِ رِضَا رَبِّ الْبَرِيَّاتِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. فَلا تَنْتَهِي قِرَاءَةُ القُرآنِ بانتِهَاءِ رَمَضَانَ، فكِتَابُ الله ِ يُتلَى في كُلِّ وقْتٍ وَحِينٍ. ومثلُ ذَلِكَ الصَّدَقَةُ، فَهِيَ مَشْرُوْعَةٌ طِيْلَةَ العَامِ. وبَيْنَ أَيْدِينَا مَوْسِمٌ يَتَكَرَّرُ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ خَمْسَ مَرَّاتٍ: الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، قَالَ تَعالَى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾[الْبَقَرَةِ:238]، وَبَيْنَ أَيْدِينَا: القِيَامُ الَّذِي لَا يَنْتَهِي فَهُنَاكَ الْوِتْرُ وَالتَّهَجُّدُ، وَقِيَامُ اللَّيْلِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾[الْإِسْرَاءِ:79]. وبَيْنَ أَيْدِيِنَا لَحَظَاتُ الْأَسْحَارِ حِينَ يَقُومُ الإِنْسَانُ اللَّيْلَ، وَسَاعَةُ الإِجَابَةِ فِي ثُلُثِ اللَّيْلِ الأَخِيرِ. وبَيْنَ أَيْدِينَا مَوْسِمٌ أُسْبُوعِيٌّ وَهُوَ صَلَاةُ الجُمُعَةِ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدُ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللهَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ. وبَيْنَ أَيْدِينَا صِيَامُ الْبِيضِ وَالاثْنَيْنِ وَالخَمِيسِ، قَالَ صلى الله عليه وسلم:”تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ” رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ.

فاللهَ اللهَ فيِ مُدَاومَةِ العَمَلِ الصَّالِحِ؛ فَدَيْدَنُ الْـمُؤمِنِ عِبادةٌ وطاعةُ، حَتَّى يَأْتِيهِ الأجَلُ، وَاحْذَرُوا اقْتِرافَ المعاصِي بَعْدَ رَمَضانَ، ﵟوَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتۡ غَزۡلَهَا مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٍ ‌أَنكَٰثٗاﵞ [النحل: 92].

فَاللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْ أَنْعَمْتَ عَلَيْنَا بِإِدْرَاكِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَأَعَنْتَنَا فِيهِ عَلَى الصِّيَامِ وَالقِيَامِ، وَتِلَاوَةِ القُرْآنِ، وَالصَّدَقَةِ وَالإِحْسَانِ، وَإِنَّما هُوَ جُودُكَ وَكَرَمُكَ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْهُ مِنَّا، وَأَعْتِقْ رِقَابَنَا، وَرِقَابَ وَالِدِينَا مِنَ النَّارِ، يَا أَكْرَمَ مَنْ سُئِلَ، وَيَا خَيْرَ مَنْ أَعْطَى.

هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]

‎اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.

مِسْكُ الخِتامِ في وَداعِ رَمَضانَ

وَأَحْكامُ زكاةِ الْفِطْرِ وَسُنَنُ الْعِيدِ وآدابُهُ

﴿الْخُطْبَةُ الْأُوْلَى﴾

إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا، وَسَيِّئاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. أمَّا بَعْدُ عِبَادَ اللهِ: فَاتَّقُوا اللهَ حَقَّ التَّقْوَى كَمَا أَمَرَكُمْ بِقَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾[آل عمران:102]، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَأَنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ شَهْرَكُمْ هَذَا قَدْ اقْتَرَبَ تَمَامُهُ، وَتَصَرَّمَتْ لَيَالِيهِ الْفَاضِلَةُ وَأَيَّامُهُ، وَآذَنَ بِالرَّحِيلِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ عَشْرَكُمْ هَذِهِ عَنَاقِيدُ فُرَصٍ تَنَاقَصَتْ، وَخَرَزَاتُ عِقْدٍ تَقَلَّصَتْ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا الْقَلِيلُ؛ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُحْسِنًا فِيمَا مَضَى فَعَلَيْهِ بِالإِكْمَالِ، وَمَنْ كَانَ مُقَصِّرًا فَلْيَخْتِمْهَا بِالتَّوْبَةِ وَالإِنَابَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ، وَالاسْتِكْثَارِ مِنَ الطَّاعَاتِ فِيمَا تَبَقَّى مِنْ هَذِهِ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ، فَالْعِبْرَةُ بِالْخَواتِيمِ، وَهِيَ الَّتِي يُوَفَّى فِيْهَا العَامِلُوْنَ أَجْرَ أَعْمَالِهِمْ. فَاللهَ اللهَ فِي الجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ، فَإِنَّ الخُيُولَ الأَصِيْلَةَ يَشْتَدُّ جَرْيُهَا وَيَزِيْدُ عَطَاؤُهَا إِذَا شَارَفَ السِّبَاقُ عَلَى النِّهَايَةِ.

أَيُّهَا المسْلِمُونَ: لَقَدْ شَرَعَ اللهُ لَكُمْ فِي خِتَامِ هَذَا الشَّهْرِ المبَارَكِ أَعْمَالًا؛ أَوَّلُهَا: إِخْرَاجُ زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَتُسَمَّى صَدَقَةَ الْفِطْرِ، وَهِيَ المقْصُودَةُ عِنْدَ جُمْهُورِ المفَسِّرِيْنَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [سورة الأعلى:14]، وَقَدْ أُضِيفَتْ إِلَى الْفِطْرِ لِأَنَّهَا تَجِبُ بِالْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَهِيَ صَدَقَةٌ عَنِ الْبَدَنِ وَالنَّفْسِ، فَيَخْتِمُ بِهَا المسْلِمُ طَاعَاتِهِ فِي رَمَضَانَ، وَهِيَ فَرِيضَةٌ عَلَى الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ، وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ مِنَ المسْلِمِينَ؛ لِمَا ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: »فَرَضَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ: صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنْ المسْلِمِيْنَ « رواه البخاري ومسلم. وَتُسْتَحَبُّ عَنِ الْجَنِينِ، فَقَدْ كَانَ السَّلَفُ رضي الله عنهم يُخْرِجُونَهَا عَنْهُ.

وَيَجِبُ أَنْ يُخْرِجَهَا المسْلِمُ عَنْ نَفْسِهِ، وَعَمَّنْ تَلْزَمُهُ مَؤُونَتُهُ مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ قَرِيبٍ إِذَا لَمْ يَسْتَطِيعُوا إِخْرَاجَهَا عَنْ أَنْفُسِهِمْ، فَإِنِ اسْتَطَاعُوا فَالْأَوْلَى أَنْ يُخْرِجُوهَا عَنْ أَنْفُسِهِمْ؛ لِأَنَّهُمُ المخَاطَبُونَ بِهَا أَصْلًا، وَتَجِبُ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى مَنْ وَجَدَهَا فَاضِلَةً زَائِدَةً عَمَّا يَحْتَاجُهُ مِنْ نَفَقَةِ يَوْمِ الْعِيدِ وَلَيْلَتِهِ، فَإِنْ كَانَ يَمْلِكُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ سَقَطَتْ عَنْهُ وَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ.

وَهِيَ إِحْسَانٌ لِلفُقَرَاءِ، وَكَفٌّ لَهُمْ عَنِ السُّؤَالِ فِي أَيَّامِ الْعِيدِ؛ وَفِيهَا إِظْهَارُ شُكْرِ نِعْمَةِ اللهِ بِإِتْمَامِ صِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَقِيَامِهِ، وَتَتَلَخَّصُ الحِكْمَةُ مِنْهَا فِي أَمْرَيْنِ: الْأَوَّلُ: يَتَعَلَّقُ بِالصَّائِمِينَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَمَا قَدْ يَشُوْبُ صِيَامَ بَعْضِهِمْ مِنْ لَغْوِ الْقَوْلِ وَالعَمَلِ، وَقَلَّ أَنْ يَسْلَمَ مُسْلِمٌ مِنْ ذَلِكَ، فَجَاءَتْ زَكَاةُ الْفِطْرِ فِي خِتَامِ الشَّهْرِ لِتَجْبُرَ ذَلِكَ، وَتَغْسِلَ مَا قَدْ يُكَدِّرُ صَوْمَ الـمُسْلِمِ أوَ يُنْقِصُ أَجْرَهُ.

الثَّانِي: يَتَعَلَّقُ بِالمجْتَمَعِ وَإِشَاعَةِ المحَبَّةِ وَالْأُلْفَةِ بَيْنَ أَفْرَادِهِ وَخَاصَّةً المسَاكِينَ وَالمحْتَاجِيْنَ؛ لِأَنَّ الْعِيدَ يَوْمُ فَرَحٍ وَسُرُورٍ، فَيَنْبَغِيْ تَعْمِيمُ ذَلِكَ لِيَشْمَلَ جَمِيعَ فِئَاتِ المجْتَمَعِ، وَمِنْهُمُ الْفُقَرَاءُ وَالمسَاكِينُ.

وَأَمَّا وَقْتُهَا فَإِنَّها تَجِبُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ لَيْلَةَ الْعِيدِ؛ لِأَنَّهُ الْوَقْتُ الَّذِي يَكُونُ بِهِ الْفِطْرُ مِنْ رَمَضَانَ، وَزَمَنُ دَفْعِهَا لَهُ وَقْتَانِ: وَقْتُ فَضِيلَةٍ: وَهُوَ صَبَاحُ الْعِيدِ مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الفَجْرِ وقَبْلَ صَلَاةِ العِيْدِ، فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا : »أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ« رواه البخاري ومسلم. يَعْنِي صَلَاةَ العِيْدِ. وَوَقْتُ جَوَازٍ وَهُوَ قَبْلَ الْعِيدِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ؛ لِمَا ثَبَتَ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهم أَنَّهُ قَالَ: “كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُعْطِي عَنِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، حَتَّى إِنَّهُ كَانَ يُعْطِي عَنْ بَنِيَّ، وَكَانَ يُعْطِيهَا الَّذِينَ يَقْبَلُونَهَا، وَكَانُوا يُعْطَوْنَ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ” رواه البخاري. وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا عَنْ صَلَاةِ الْعِيدِ، فَإِنْ أَخَّرَهَا فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ.

عِبَادَ اللهِ: اعْلَمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- أَنَّ الوَاجِبَ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ هُوَ صَاعٌ مِنْ غَالِبِ قُوتِ أَهْلِ الْبَلَدِ مِنْ بُرٍّ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ أَرُزٍّ أَوْ تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ أَقْطٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا غَلَبَ عَلَى قُوْتِ أَهْلِ كُلِّ بَلَدٍ، وَكُلَّمَا كَانَ أَجْوَدَ فَهُوَ أَفْضَلُ، فَعَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُخْرِجَ صَاعًا مِنَ الطَّعَامٍ بِصَاعِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أَوْ مَا يُعَادِلُهُ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا، وَلَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ، وَالصَّاعُ بِمَقَايِيْسِنَا الْحَالِيَّةِ قُرَابَةُ ثَلَاثَةِ كِيْلُوجِرَامَاتٍ كَمَا أَفْتَى بِذَلِكَ أَهْلُ العِلْمِ.

أَيُّهَا المسْلِمُونَ: إنّ الأَصْلَ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ أنَّهَا تُدْفَعُ إِلَى فُقَرَاءِ المكَانِ الَّذِي هُوَ فِيهِ وَقْتَ الْإِخْرَاجِ، سَوَاءٌ كَانَ مَحَلَّ إِقَامَتِهِ أَوْ غَيْرَهُ مِنْ بِلَادِ المسْلِمِينَ، فَإِنْ كَانَ فِي بَلَدٍ لَيْسَ فِيهِ مَنْ يَدْفَعُ إِلَيْهِ، أَوْ كَانَ لَا يَعْرِفُ المسْتَحِقِّينَ فِيهِ، فإنّهُ يُوَكِّلُ مَنْ يَدْفَعُهَا نِيَابَةً عَنْهُ فِي مَكَانٍ فِيهِ مُسْتَحِقٌّ. وَزَكَاةُ الْفِطْرِ خَاصَّةٌ لِلْفُقَرَاءِ وَالمسَاكِينِ، وَلَا تُصْرَفُ لِبَقِيَّةِ المصارِفِ الثَّمَانِيَةِ الَّتِي تُصْرَفُ لَهَا زَكَاةُ المالِ.

تَقَبَّلَ اللهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ صَالِحَ الْأَعْمَالِ، وَجَعَلَنَا وَإِيَّاكُمْ وَإِخْوَانَنَا المسْلِمِينَ مِنْ عُتَقَائِهِ مِنَ النَّارِ، إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ.

أَقُوْلُ قَوْلِي هَذَا.. واستَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوْبُوا إِلَيْهِ، إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيْمُ.

 

الخُطْبَةُ الثَّانِيةُ

الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا المسْلِمُونَ: الْأَمْرُ الثَّانِي الَّذِي شُرِعَ لَكُمْ فِي خِتَامِ هَذَا الشَّهْرِ هُوَ التَّكْبِيرُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [سورة البقرة:185]، وَيَبْتَدِئُ التَّكْبِيرُ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ لَيْلَةَ الْعِيدِ حَتَّى حُضُورِ الْإِمَامِ لِصَلَاةِ الْعِيدِ، وَيُكَبِّرُ المسْلِمُونَ ذُكُورًا وَإِنَاثًا، وَيُسَنُّ فِي حَقِّ الرِّجَالِ الْجَهْرُ بِالتَّكْبِيرِ فِي المسَاجِدِ وَالْأَسْوَاقِ وَالْبُيُوتِ وَالطُّرُقَاتِ، إِعْلَانًا لِتَعْظِيمِ اللهِ وَشُكْرِهِ، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَإِنَّهُنَّ يُكَبِّرْنَ سِرًّا؛ لِأَنَّهُنَّ مَأْمُورَاتٌ بِالتَّسَتُّرِ، وَلَسْنَ مَأْمُوْرَاتٍ بالتَّكْبِيرِ جَهْرًا، وَصِفَةُ التَّكْبِيرِ أَنْ يَقُولَ: اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَلِلهِ الْحَمْدُ. وَأَمَّا الْأَمْرُ الثَّالِثُ الَّذِي شُرِعَ لَكُمْ فَهُوَ صَلَاةُ الْعِيدِ، وَقَدْ أَمَرَ بِهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، حَتَّى النِّسَاءَ أَمَرَهُنَّ أَنْ يَخْرُجْنَ، وَلَمْ يَأْمُرْ صلى الله عليه وسلم النِّسَاءَ بِالْخُرُوجِ لِأَيِّ شَيْءٍ سِوَى صَلَاةِ الْعِيدِ ،كَمَا فِي حَدِيثِ أُمِّ عَطَيَّةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: »أُمِرْنَا أنْ نُخْرِجَ الحُيَّضَ يَومَ العِيدَيْنِ، وذَوَاتِ الخُدُورِ فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ ودَعْوَتَهُمْ، ويَعْتَزِلُ الحُيَّضُ عَنْ مُصَلَّاهُنَّ، قَالَتِ امْرَأَةٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ إِحْدَانَا ليسَ لَهَا جِلْبَابٌ؟ قالَ: لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا« رواه البخاري.

وَيُسْتَحَبُّ أَكْلُ رُطَبَاتٍ أَوْ تَمَرَاتٍ قَبْلَ أَدَاءِ صَلَاةِ الْعِيدِ؛ اقْتِدَاءً بِنَبِيِّنَا ، فَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: »كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لاَ يَغْدُو يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ، وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا«.

وَمِنَ السُّنَّةِ أَدَاءُ صَلَاةِ العِيْدِ فِي مُصَلَّىً خَارِجَ بُنْيَانِ الْبَلَدِ، وَأَنْ يَذْهَبَ الإِنْسَانُ مِنْ طَرِيقٍ وَيَعُودَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ، وَأَنْ يَخْرُجَ المسْلِمُ إِلَيْهَا مُتَطَيِّبًا مًتَجَمِّلًا، وَذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ اسْتِحْبَابَ الِاغْتَسَالِ لَهَا أَيْضًا.

أَيُّهَا المسْلِمُونَ: إِنَّ مِنْ مَظَاهِرِ الْعِيدِ إِظْهَارَ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ بِالْعِيدِ، بَلْ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ مَعَ المحَافَظَةِ عَلَى فِعْلِ مَا أَوْجَبَ اللهُ، وَتَرْكِ مَا حَرَّمَ اللهُ، وَعَدَمِ الْإِسْرَافِ وَالْخُيَلَاءِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ تَنَاوُلِ الطَّيِّبَاتِ، وَفِعْلِ المبَاحَاتِ.

فَيَا عِبَادَ اللهِ، اعْمَلُوا بِسُنَّةِ نَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم، وَاخْتِمُوا شَهْرَكُمْ بِخَيْرِ مَا تَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ شَكُورٌ حَلِيمٌ، يَقْبَلُ الْقَلِيلَ مِنَ الْعِبَادِ، وَيُثِيبُ عَلَيْهِ الْكَثِيرَ.

هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]

‎اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.

👌🌷أيها القائد..🌹👏

القيادة ليست منصبًا تتقلده، بل مسؤولية تحملها، وأثر تتركه. هي فن التأثير، وموازنة الحزم باللطف، والإنجاز بالعلاقات. القائد الحقيقي هو من يلهم فريقه، ويصنع بيئة يرتقي فيها الجميع.

🌷إليك بعض الوصايا التي قد تنير لك الطريق وتعينك على حسن القيادة وإدارة العلاقات بذكاء وحكمة

🌷أيها القائد..

قلة التقدير في بيئة العمل كقلة الأوكسجين في غرفة صغيرة؛ قد يمكن العيش فيها، لكن الاختناق مسألة وقت.

🌷أيها القائد..

الحديث مهارة، لكن الاستماع مروءة، والمروءة تصنع الفارق بين قائد يُلهم وآخر يُملي.

🌷أيها القائد..

إذا وجدت أن معظم من تتحدث معهم يعانون من ضعف في فن الاستماع، فتأكد أنك بحاجة إلى إتقان فن الحديث أكثر.

🌷أيها القائد..

عندما تكرم الأول فقط، فإنك تساوي بين الثاني والأخير، وتظلم الاجتهاد بينهما.

🌷أيها القائد..

التعامل مع الموظف كالإمساك بطائر؛ إن أرخيت يدك طار، وإن شددتها اختنق، فكن بين ذلك.

🌷أيها القائد..

بتطبيق النظام تُطاع، وبجودة العلاقات تُحتمل، وبهما معًا يبقى الجميع معك قلبًا وعقلًا.

🌷أيها القائد..

الحجة الضعيفة والأسلوب السيئ أسرع الطرق لجعل الآخرين يتمسكون بآرائهم، حتى لو كانت خاطئة.

🌷أيها القائد..

المتقن ينجز القليل بإحكام، والمنجز ينجز الكثير بأي طريقة، أما الناجح فيوازن بين الإتقان والإنجاز دون أن يُنهك نفسه.

🌷أيها القائد..

من بذر، قلّما استظل.. فازرع لغيرك، فمنح الظل أجمل من البحث عنه.

🌷أيها القائد..

كثيرًا ما يكون صاحب العلاقات والمعلومات والمهارات أقوى من صاحب الصلاحيات.

🌷أيها القائد..

في الإخلاص يكمن الخلاص، وفي حب الظهور قصم للظهور.

🌷أيها القائد..

المنصب ذكرى، لا تملك منه سوى حسن العمل وحسن الخلق، فاجعل ذكراك تليق بك.

🌷أيها القائد..

أصعب الوظائف هي تلك التي لا تحبها، وأتعب الأيام يوم تعمل فيه بلا هدف.

🌷أيها القائد..

سيعجز لسانك وتضيق مساحات التعبير عند أمرين: شكر من ضحى بلا مقابل، وخيبة أملك فيمن أحسنت الظن به.

🌷أيها القائد..

تحضر أو تغيب، تقول أو تصمت، تعطي أو تمنع، لن تسلم! فانظر إلى ما يرضي الله، ويطمئن له قلبك، فاتبعه، فقلوب العباد بيده.

🌷أيها القائد..

إن نجحت في إحراج زميلك أو جرحه في نقاش، فلا تفرح؛ فالفوز المؤقت قد يكون خسارتك الدائمة.

🌷أيها القائد..

احرص على تقديم الأفضل، لا على أن تكون الأفضل؛ فالإجادة تصنع الريادة.

🌷أيها القائد..

إنجاز الأعمال يتم بجهد فردي، أو مساعدة شخص آخر، أو العمل مع فريق.. الأولى مجهدة، والثانية مقيدة، والثالثة مثمرة.. فاختر بحكمة.

🌷أيها القائد..

الثقة في الزملاء تعني الاطمئنان لقدراتهم وقراراتهم واقتراحاتهم، أما الشك فهو سوسة تهدم الزمالة والصداقة، بل والحياة.

🌷أيها القائد..

أعطني مجالًا، وامنحني فرصة لأقول رأيي وأرفع رأسي، فقد سئمت النظر إلى قدمي.

🌷أيها القائد..

أحيانًا، إن زادت الجدية لديك، قد تسقط نقطة الجيم، فاحذر أن تتحول إلى “حدية”.

🌷أيها القائد..

يمكن للكلمات أن تشفي أو تؤذي.. ولإثبات ذلك، راجع ذاكرتك.

🌷أيها القائد..

إذا وصلت في لطفك مع الناس إلى حد إيذاء نفسك، فتوقف. وإن بلغت في إثبات ذاتك حد إيذاء غيرك، فتوقف.

🌷أيها القائد..

أيام إدارتك ستصبح بعد سنوات مجرد ذكريات وحكايات، فاحرص على أن يُحكى عنك ما يسرّك سماعه.

🌷أيها القائد..

إن قال لك أحدهم: “سأخبرك عن زميلي شيئًا”، فقل له: “لا تفعل، فأنا أملك لساني، لكن لا أملك قلبي”.

🌷أيها القائد..

المبدع لا يكتفي بأن يضيء، بل يحرص أن تشع شمسه في وجوه زملائه وجنبات مؤسسته.

🌷أيها القائد..

كلما كثرت نقاط التفتيش في إدارتك، زاد لجوء الموظفين إلى الطرق الالتفافية.

🌷أيها القائد..

عندما تكون ردة الفعل أكبر من الفعل، فاعلم أن الاستجابة كانت لأمور مختبئة، لا لما قيل فقط.

🌷أيها القائد..

الشخص الذي تحتاج وقتًا طويلًا لإقناعه بالعمل، شخص لا يُعتمد عليه كثيرًا.

🌷أيها القائد..

البحث عن عمل مريح هو أول ثقب في سفينة الطموح. قال عمر بن عبدالعزيز: “لو أن الناس كلما استصعبوا أمرًا تركوه، ما قام للناس دنيا ولا دين”.

🌷أيها القائد..

من عمل بلا رغبة لن يستمر، ومن عمل بلا قدرة لن يبدع، ومن فقدهما لن ينتج، ومن امتلكهما امتطى صهوة النجاح.

🌷أيها القائد..

لا تركز على المجتهد وتترك الضعيف، ولا تكافئ الضعيف كمكافأة المجتهد.

🌷أيها القائد..

كن صديقًا للموظف، عدوًا لأخطائه، انصحه في السر، وامدحه في العلن.

🌷أيها القائد..

النصح فن؛ فاختر وقته ومكانه، ولا تكثر من التوبيخ، فجرعة الدواء الزائدة قد تقتل المريض.

🌷أيها القائد..

“يـصـيـر خـيـر، أشـوف” .. ردود مبهمة؛ لأن “لا” تشعرك بالحرج، و”نعم” تحمّلك المسؤولية! فالتأجيل ملاذ من لا يريد اتخاذ موقف واضح.

🌷أيها القائد..

تذكر: من نصحني في وجهي ترك أثرًا في سلوكي، ومن فضحني في ظهري ترك أثرًا في نفسي.

🌹🌹🌹🌹👍🏼👍🏼👍🏼👍🏼👍🏼

🌹🌹إشراقة الروح

في نفحات ليلة القدر

مساءٌ ممطر معطّر، يفوحُ

من بساتينِ قلبِك،

نَسيمُه طُهرٌ،وضياؤُه مَحبّةٌ،

وألقُه نُبلٌ،

كأنّه نفحةٌ من ليالي العشرِ الأواخر،

حيثُ السَّكينةُ ترفرفُ،

والدعواتُ تصعدُ،

والقلوبُ تزهرُ بنورِ القُربِ والعفو والمغفرة.

🌷ابتسامةٌ صادقة،وقلبٌ رقيق،

وحديثٌ عذب،ونَفْسٌ سمحة،وكلمةٌ طيبة…

🌷هكذا تزهرُ الحياةُ،

ويورقُ الأمل،

كما تورقُ الأرواحُ في ليلةِ القدر،

حين تتنزّلُ البركات،

وتفيضُ الأنوارُ رحمةً وسلاماً.

🌷فكن نبيلاً في خُلقِك،

رحيماً في عَطائِك،

متسامحاً في قلبِك،تزددْ ألقاً،ويشرقُ بكَ الكونُ،

كما يشرقُ بدعواتِ السَّحَر،

حين تلامسُ أبوابَ السماءِ،

وتُستجابُ بفيضِ الرّحمةِ والعطاء.

🌷لن يُثقلكَ نورُك،بل يرفعُك،

ولن يُنهكَ عطفُك،بل يُزهرُ

في روحِك،

ويُضيءُ خطاكَ في دروبِ النُّورِ،

كما تُضيءُ ليلةُ القدرِ دربَ العمرِ باليقينِ والسَّكينةِ.

🌷فالأرواحُ العظيمةُ

لا تُخلَّدُ بمالٍ،

ولا تُذكَرُ بسلطان،

بل تُروى بالسخاءِ،

وتُشرقُ بالنقاء،وتحيا بالمروءةِ،

وتتجلّى في صَفاءِ النّفسِ،

وسُموِّ المشاعرِ.

🌷ما أروعَ أن تكونَ كالنُّور،

يَمنَحُ ولا يَحجِب،

ويُضيءُ ولا يَحترِق،

كما قال الحكماء:

((كن عظيماً بودادك،

قبل أن تكون عظيماً بوداعك.))

عباره جمیله للشيخ محمد راتب النابلسي تكتب بماء الذهب:
“نحن لا نملك تغییر الماضي و لا رسم المستقبل … فلماذا نقتل انفسنا حسرة على شيء لا نستطیع تغییره؟
الحياة قصیرة وأهـدافها كثيرة، فانظر إلى السحاب و لا تنظر إلى التراب.
إذا ضاقت بك الدروب فعلیك بعلام الغیوب، و قل الحمدلله على كل شيء.
سفينة (تايتنك) بناها مئات الأشخاص وسفينة ( نــوح ) بناها شخص واحد؛ الأولى غرقت والثانية حملت البشرية.
التوفيق من الله سبحانه وتعالى.
نحن لسنا السكان الأصليين لهذا الكوكب (الأرض)؛ بل نحن ننتمي إلى ( الجنّة ) حيث كان أبـونا آدم يسكن في البداية.. لكننا نزلنا هنا مؤقتاً لكي نؤدّي اختباراً قصيراً ثم نرجع بسرعة، فحاول أن تعمل ما بوسعك للّحاق بقافلة الصالحين التي ستعود إلى وطننا الجميل الواسع، ولاتضيع وقتك في هذا الكوكب الصغير.
الفراق ليس السفر ولا فراق الحب، حتى الموت ليس فراقاً لأننا سنجتمع في الآخرة.
الفراق هو أن يكون أحدنا في الجنة والآخر في النار.
جعلني ربي وإياكم من سكان جنته. 🤲🤲🤲
والحياة ما هي إلا قصة قصيرة؛ من تراب، على تراب، وإلى تراب، ثم حساب فثواب أو عقاب.
فعش حياتك لله – تكن أسعد خلق الله
اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك”.

شكراً لمن قرأها
و شكراً لمن أهداها لأحبته.
———————
من أجمل ما وصلني اليوم من أخي وصديقي الحبيب الأستاذ راشد فادن

الغياب الجماعي للطلاب ( بنين وبنات )في المدارس .
ظاهرة أومشكلة ؟!!
كثُر الحديث عن الغياب الجماعي في رمضان ،ويُلقى اللّوم فيه على وزارة التعليم والفصول الثلاثة
والأسر في المنازل ، والمعلمين في المدارس؛
إلى آخره. من الأسباب المتعددة.
في رأيي ليس كل هذا السبب ولابعضه ، ربما قد تكون عوامل مساعدة ؛
السبب الرئيس – كما أرى – الجو العام الذي يعبشه المجتمع في رمضان.
الأسواق ، والكافيهات ، وأماكن الترفيه ، تزدهر في ليل رمضان حياتُها حتى الفجر .
الإعلام : التلفزيون ( الدراما ومسلسلاتها ، وكلّ ما يغري ويدعو للمتابعة في ليالي رمضان ، وتتسابق شركات الإنتاج على الإعداد له بكل طاقتها وإمكاناتها.
التغيّر والتبدّل في الحياة الاجتماعية الذي فرضته طبيعة العصر فرض على الحياة العامة والأسر مسايرة الرّكب ، فلاخيار.
الساعة البيولوجية في رمضان ، اتخذت منحىً منذ سنوات ، فأصبح ليلها نهار ، ونهارها ليل.
لمعالجة المشكلة ووضع الحلول وضع المجهر على الصورة متكاملة ( التعليمية ، الاجتماعية ، الإعلامية )
فيكون أمامنا أحد أمرين :
*مسايرة التغير ووضع خطة تعليمية بديلة تتواءم مع طبيعة الحياة العامة.
* إخضاع الحياة العامة بكافة متغيراتها لخطط التعليم ، وهذا يبدو صعباً ، إن لم يكن مستحيلاً.
* ( أبورعد).

تغريد للشيخ د.عبدالعزيز الشايع..تكتب بماء الذهب..

((والله، وبالله، ستجد من آثار كثرة الدعاء، وإدامته، والصبر عليه، ما لم تحسب لها حسابا من الخيرات والبركات والفتوحات)

‏في رمضان ⁩، وفي هذه الأيام الفاضلة، وهذه الليالي الشريفة، بين الأذان والإقامة، وفي السجود، وقبل السلام من الصلاة، وفي جوف الليل

‏لو أخَذتَ دعاءً واحدًا من الدعوات المأثورات، التي تلامس حياتك وواقعك، وأخَذتَ تلهج به، وتكثر منه، وتكرره عشرات المرات، أو مئات، بقلب حاضر، لأدركتَ الغاية والسعادة والفلاح.

‏فإدامة الدعاء والإلحاح فيه، ركن الإجابة الأكبر، كما في الحديث: “يستجاب لأحدكم ما لم يعجل”.

‏-فمن يجد كسلًا وضعًفا في عبادته، فليكثر مِن مِثْل: (اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك).

‏-ومن يجد ضيقًا وقلة، فليكثر مِن مِثْل: (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عنا الدين وأغننا من الفقر).

‏-ومن أصيب بهم وغم، وتأخر حاجة، فليكثر مِن مِثْل: (اللهم اجعل لي من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا، وارزقني من حيث لا أحتسب) ، (رب اشرح لي صدري، ويسر لي أمري).

‏-ومن أصيب بمصيبة، أو خشي ذلك، فليكثر مِن مِثْل: (اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك).

‏-ومن ابتلي بالنظر الحرام، فليكثر مِن مِثْل (رب اصرف عني السوء والفحشاء، واجعلني من عبادك المخلصين).

‏-وليكثر العبد من الأدعية الجامعة التي حثَّ عليها النبي ﷺ وأكثر منها، مثل:

‏”اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار”.

‏”اللهم اغفر لي وارحمني وعافني، واهدني وارزقني”.

‏(إيقاظ):

‏١- أليس الواحد إذا أصابه مرض خطير، خصّه بالدعاء كل يوم حتى يُكشف، فكذلك فافعل مع حاجتك الخاصة.

‏٢- أقْبِلْ على ربك في حاجتك الخاصة، فهو سبحانه أعلم بك وبحالك من نفسك، وأرحم بك من أمك وأبيك.

‏٣-وستجد -والله-من آثار كثرة الدعاء، وإدامته، والصبر عليه، ما لم تحسب لها حسابا من الخيرات والبركات والفتوحات.))