28 شوال, 1447

أَخْلَاقُ الْكِبَارِ -التَّغَافُلُ-

﴿الخُطْبَةُ الْأُوْلَى﴾

إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا، وَسَيِّئاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ‌حَقَّ ‌تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم ‌مِّن ‌نَّفۡسٍ ‌وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبًا﴾ [النساء:1]، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ ‌قَوۡلًا ‌سَدِيدًا ۝ يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:70-71] أَمَّا بَعْدُ

فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ صَاحِبَ الْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ مَحْبُوبٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ النَّاسِ، وَهُوَ أَقْرَبُ النَّاسِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَا مِنْ شَيْءٍ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ، وَأَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ، فَعَلَيْنَا بِالتَّحَلِّي بِأَجْمَلِ الْأَخْلَاقِ؛ طَلَبًا لِمَرْضَاةِ رَبِّنا أَوَّلًا، ثُمَّ إِحْسَانًا لِمُعَامَلَةِ مَنْ حَوْلَنَا.

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ نَجَاحَ الْإِنْسَانِ فِي حَيَاتِهِ يَكْمُنُ فِي صِدْقِهِ، وَإِخْلَاصِهِ مَعَ رَبِّهِ، وَتَطْبِيقِهِ لِأَحْكَامِ شَرْعِهِ، وَمُعَاشَرَتِهِ لِخَلْقِهِ بِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ وَأَفْضَلِهَا، وَحِمَايَةِ اللِّسَانِ مِنَ الْخَوْضِ فِيمَا لَا يَعْنِي وَلَا يُغْنِي؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَدْ وَجَّهَ المسْلِمَ لِاغْتِنَامِ طَاقَاتِهِ فِيمَا يَنْفَعُهُ، وَتَرْكِ مَا يَضُرُّهُ، فَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» [رواه الترمذي وحسنه].

وَمِنْ حِرْصِهِ ﷺ عَلَى غَرْسِ الْمَحَبَّةِ وَالْأُخُوَّةِ بَيْنَ أَفْرَادِ أُمَّتِهِ قَالَ ﷺ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» [رواه مسلم].

فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ: “مَنْ رَأَى” دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِنْكَارَ مُتَعَلِّقٌ بِالرُّؤْيَةِ؛ فَلَوْ كَانَ مَسْتُورًا فَلَمْ يَرَهُ، وَلَكِنْ عَلِمَ بِهِ، فالْمَنْصُوصُ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ-رَحِمَهُ اللهُ- فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ لَا يَعْرِضُ لَهُ، وَأَنَّهُ لَا يُفَتِّشُ عَمَّا اسْتَرَابَ بِهِ؛ لِذَا لَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَظُنَّ بِالنَّاسِ سُوءًا، أَوْ أَنْ يَقُولَ فِيهِمْ سُوءًا ظَنًّا مِنْهُ، أَوِ اعْتِقَادًا فِي ارْتِكَابِهِمْ لِلْمُنْكَرِ؛ لِأَنَّ مَنْ “رَأَى” لَيْسَ كَمَنْ ظَنَّ أَوِ اعْتَقَدَ، كَمَا أَنَّ مِنْ سَلَامَةِ الْإِنْسَانِ تَغَافُلَهُ عَنْ مَعَاصِي النَّاسِ وَأَخْطَائِهِمْ مَا لَمْ يُجَاهِرُوا بِهَا، وَعَدَمُ التَّدْقِيقِ فِي كُلِّ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ. يَقُولُ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ» [صحيح الجامع].

فَاتَّقِ اللهَ يَا مَنْ تَتَّبِعُ عَوْرَاتِ النَّاسِ وَفَضَائِحَهُمْ، وَتَنْشُرُهَا فِي وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ، وَفِي غَيْرِهَا مِنَ الْمَجَالِسِ وَالْمُنْتَدَيَاتِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَاتِ النَّاسِ كَانَ مِنْ شِرَارِ خَلْقِ اللهِ. يَقُولُ الشَّاعِرُ:

شَرُّ الْوَرَى مَنْ بِعَيْبِ النَّاسِ مُشْتَغِلٌ *** مِثْلَ الذُّبَابِ يُرَاعِي مَوْضِعَ الْعِلَلِ

 

اعْلَمُوا أَيُّهَا الْمُبَارَكُونَ: أَنَّ السُّكُوتَ وَالتَّغَافُلَ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ مِنْ أَخْلَاقِ الْكِبَارِ، وَالْكَيِّسُ الْعَاقِلُ هُوَ الْفَطِنُ الْمُتَغَافِلُ عَنِ الزَّلَّاتِ، وَسَقَطَاتِ اللِّسَانِ، إِذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى ذَلِكَ مَفَاسِدُ

إِذَا أَنْتَ عِبْتَ النَّاسَ عَابُوا وَأَكْثَرُوا *** عَلَيْكَ وَأَبْدَوْا مِنْكَ مَا كَانَ يُسْتَرُ

فَإِنْ عِبْــتَ قَوْمًـا بِالَّذِي لَيْسَ فِيْهِـــمُ *** فَـــذَاكَ عِـنْـــدَ اللهِ وَالنَّـــــَاسِ أَكْبَـــــــرُ

وَإِنْ عِبْتَ قَوْمًــا بِالَّذِي فِيكَ مِثْلُــــهُ *** فَكَيْفَ يَعِيبُ الْعَورَ مَنْ هُوَ أَعْوَرُ

 

وَالْإِسْلَامُ أَمَرَ بِسِتْرِ عَوْرَاتِ المسْلِمِينَ، وَاتِّقَاءِ مَوَاضِعِ التُّهَمِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النور: 19]. كَمَا يَدْعُو إِلَى التَّغَافُلِ عَنِ الزَّلَّاتِ، وَإِظْهَارِ عَدَمِ رُؤْيَتِهَا.

وَمِنْ فَضَائِلِ التَّغَافُلِ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي مَنَاقِبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ زَائِدَةَ، قَالَ: “الْعَافِيَةُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ تِسْعَةٌ مِنْهَا فِي التَّغَافُلِ. فَحَدَّثْتُ بِهِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، فَقَالَ الْعَافِيَةُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ كُلُّهَا فِي التَّغَافُلِ”. وَكَثِيرًا مَا وَصَفَتِ الْعَرَبُ الْكُرَمَاءَ وَالسَّادَةَ بِالتَّغَافُلِ وَالْحَيَاءِ فِي بُيُوتِهَا وَأَنْدِيَتِهَا؛ قَالَ الشَّاعِرُ:

نَزْرُ الْكَلَامِ مِنَ الْحَيَاءِ تَخَالُهُ *** صَمْتًــا وَلَيْــسَ بِجِــسْمِــهِ سَقَـمُ

وَقَالَ كُثَيِّرٌ:

وَمَنْ لَمْ يُغْمِضْ عَيْنَهُ عَنْ صَدِيقِه *** وَعَنْ بَعْضِ مَا فِيهِ يَمُتْ وَهْوَ عَاتِبُ

وَمَنْ يَتَطَلّــَبْ جَاهِــدًا كُــلَّ عَثْـــرَةٍ *** يَجِدْهَا وَلَا يَسْلَمْ لَهُ الدَّهْرَ صَـــاحِبُ

وَهَذِهِ لَعَمْرِي هِيَ أَخْلَاقُ الْكِبَارِ وَسَادَةِ الْقَوْمِ، وَالَّتِي رَبَّى عَلَيْها نَبِيُّنا صلى الله عليه وسلم أَصْحابَهُ، وَعَلَى الْإِنْسَانِ إِذَا مَا أَرَادَ أَنْ يَعِيشَ سَعِيدًا مَسْرُورًا مَحْبُوبًا مَعْدُودًا فِي جُمْلَةِ الْكِبَارِ أَنْ يَتَحَلَّى بِهَا.

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتَجِبْ لَكُمْ، إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الكَرِيْمُ.

 

 

﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبارَكَ عَلَيْه وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ: عِبَادَ اللَّهِ: في حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: «جَلَسَتْ إِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً، فَتَعَاهَدْنَ وَتَعَاقَدْنَ أَنْ لَا يَكْتُمْنَ مِنْ أَخْبَارِ أَزْوَاجِهِنَّ شَيْئًا»، حَتَّى قَالَتْ إِحْدَاهُنَّ «زَوْجِي إِذَا دَخَلَ فَهِدَ، وَإِذَا خَرَجَ أَسِدَ، وَلَا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ» [رواه البخاري]. وَمِنْ صِفَاتِ الْفَهْدِ التَّغَافُلُ. وَالتَّغَافُلُ يُطْفِئُ شَرًّا كَثِيرًا، وَهُوَ خُلُقٌ جَمِيلٌ مِنْ أَخْلَاقِ الْكِبَارِ، اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا مِنْ وَاسِعِ فَضْلِكَ.

يَقُولُ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ رضي الله عنه: “ثُلُثُ الْعَقْلِ فِطْنَةٌ وَثُلُثَاهُ فِي التَّغَافُلِ”. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِي: “مَا يَزَالُ التَّغَافُلُ عَنِ الزَّلَّاتِ مِنْ أَرْقَى شِيَمِ الْكِرَامِ”.

عِبَادَ اللَّهِ: الْحَيَاةُ أَحْيَانًا تَحْتَاجُ مِنَّا إِلَى تَجَاهُلٍ لِبَعْضِ اﻷْمُورِ، كَتَجَاهُلِ أَشْخَاصٍ، أَوْ أَفْعَالٍ، أَوْ أَقْوَالٍ، عَوِّدْ نَفْسَكَ عَلَى التَّجَاهُلِ الذَّكِيِّ، فَلَيْسَ كُلُّ أَمْرٍ يَسْتَحِقُّ وُقُوفَكَ، تَغَافَلْ وَلَا تَغْفَلْ. وَقَدْ خَلَقَ اللهُ النَّاسَ مِنْ مَاءٍ وَطِينٍ، بَعْضُهُمْ غَلَبَ مَاؤُهُ طِينَهُ، فَصَارَ نَهْرًا، وَبَعْضُهُمْ غَلَبَ طِينُهُ مَاءَهُ، فَصَارَ حَجَرًا؛ مَنْ صَارَ (نَهْرًا) أَصْبَحَ سَمْحًا سَهْلًا مُيَسِّرًا، لَمْ يَكُنْ مُعَسِّرًا، وَمَنْ صَارَ (حَجَرًا) أَوْ صَخْرًا تَعَثَّرَتْ أُمُورُهُ، وَكَثُرَتْ خُصُوماتُهُ؛ فَتَجَنَّبْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ وَلَا تَلْتَفِتْ، فَمَنْ كَانَ سَائِرًا فِي طَرِيقٍ، وَوَجَدَ أَمَامَهُ عَائِقًا يَمْنَعُهُ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى مُرَادِهِ، فَلَيْسَ مِنَ الْعَقْلِ الْإِصْرَارُ عَلَى سُلُوكِ هَذِهِ الطَّرِيقِ مَعَ ذَلِكَ الْعَائِقِ، وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَنْحَرِفَ يَمِينًا أَوْ شِمَالًا، حَتَّى يَصِلَ لِمُرَادِهِ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى. لِذَا يَجِبُ أَلَّا نَلْتَفِتَ إِلَى مَا يُكَدِّرُ طَرِيقَنَا نَحْوَ أَهْدَافِنَا، وَعَلَيْنَا أَنْ نُحَدِّدَ الْوِجْهَةَ وَالْهَدَفَ، وَأَعْظَمُ هَدَفٍ تُحَدِّدُهُ فِي حَيَاتِكَ هُوَ أَنْ تَكُونَ عَبْدًا للهِ فِي مَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ، فِي لَيْلِكَ وَنَهَارِكَ، وَأَنْ لَا تُغْلَبَ عَلَى عِبَادَةٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ.

وَاعْلَمْ أَنَّ نِصْفَ الرَّاحَةِ عَدَمُ مُرَاقَبَةِ الْآخَرِينَ، وَنِصْفَ الْأَدَبِ عَدَمُ التَّدَخُّلِ فِي مَا لِا يَعْنِيكَ، وَنِصْفَ الْحِكْمَةِ الصَّمْتُ، وَلَا يَتَوَاضَعُ إِلَّا مَنْ كَانَ وَاثِقًا بِنَفْسِهِ، وَلَا يَتَكَبَّرُ إِلَّا مَنْ كَانَ عَالِمًا بِنَقْصِهِ، اُمْلُكْ مِنَ الدُّنْيَا مَا شِئْتَ، لَكِنَّكَ سَتَخْرُجُ مِنْهَا كَمَا جِئْتَ؛ فَازْرَعْ دَاخِلَ الْجَمِيعِ شَيْئًا يَخُصُّكَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُبًّا فَلْيَكُنِ احْتِرَامًا..!

اللَّهُمَّ اهْدِنَا لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ وَالْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفِ اللَّهُمَّ عَنَّا سَيِّئَهَا، لَا يَصْرِفْ عَنَّا سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ إِيمَانًا فِي حُسْنِ خُلُقٍ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا لِإِخْوَانِنَا المسْلِمِينَ هَيِّنِينَ لَيِّنِينَ، وَلَا تَجْعَلْنَا مُعَسِّرِينَ مُنَفِّرِينَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا كَالسَّحَابِ يَصِلُ الْقَرِيبَ وَالْبَعِيدَ، وَكَالْمَطَرِ يَسْقِي مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]

‎اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.

رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ

الخُطْبَةُ الأُوْلَى

الْحَمْدُ لِلَّهِ المنَّانِ، وَلَا يُمَنُّ عَلَيْهِ، مَنَّ عَلَيْنَا فَهَدَانَا، وَأَطْعَمَنَا وَسَقَانَا، وَكُلَّ بَلَاءٍ حَسَنٍ أَبْلَانَا، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَ مِنَ الجُوعِ، وَسَقَى مِنَ الْعَطَشِ، وَكَسَى مِنَ الْعُرْيِ، وَهَدَى مِنَ الضَّلَالَةِ، وَبَصَّرَ مِنَ الْعَمَى، وَفَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِهِ تَفْضِيلًا، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

أَحْمَدُهُ تَعَالَى وَأَشْكُرُهُ، وَأَسْتَعِيْنُهُ وَأَسْتَغْفِرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ َنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى سَائِرِ الأَنْبِيَاءِ وَالـمُرْسَلِيْنَ، وَرَضِيَ اللهُ عَنْ آلِ بَيتِهِ وَصَحَابَتِهِ وَالتَّابِعِيْنَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوْا اللهَ عِبَادَ اللهِ حَقَّ التَّقْوَى، وَتَمَسَّكُوا مِنَ الْإِسْلَامِ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، كَمَا أَمَرَنَا رَبُّنا فِي قَوْلِهِ تَعالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102].

أَيُّهَا الـمُسْلِمُوْنَ: في آيَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ كِتابِ رَبِّنا تَكَرَّرَ دُعاءٌ عَلَى لِسانِ نَبِيِّ اللهِ سُلَيْمانَ عليه السلام في سُورَةِ النَّمْلِ، وَعَلَى لِسانِ عِبادِ اللهِ المؤْمِنِينَ فِي سُورَةِ الْأَحْقافِ، وَالَّتِي لَنا مَعَها وَقْفَةٌ، فَفِيْها وَصِيَّةُ رَبِّنا، وَتَذْكِرَةٌ بِنِعَمِهِ عَلَيْنا، وَتُعَلِّمُنا كَيْفَ نَدْعُوهُ سُبْحانَهُ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ إِحۡسَٰنًاۖ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ كُرۡهٗا وَوَضَعَتۡهُ كُرۡهٗاۖ وَحَمۡلُهُۥ وَفِصَٰلُهُۥ ثَلَٰثُونَ شَهۡرًاۚ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗ قَالَ ‌رَبِّ ‌أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَٰلِحٗا تَرۡضَىٰهُ وَأَصۡلِحۡ لِي فِي ذُرِّيَّتِيٓۖ إِنِّي تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ﴾ [الأحقاف: 15].

‌﴿أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ﴾ أَيْ: أَلْهِمْنِي وَاجْعَلْنِي أُقَابِلُها بِالشُّكْرِ، فَالشُّكْرُ مِنْ أَعْلَى الْمَنَازِلِ، فَوْقَ مَنْزِلَةِ الرِّضَا وَزِيَادَةٌ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَرْضَى بِقَضاءِ رَبِّهِ، ثُمَّ يَرْتَقِي فَيَشْكُرُ، وَالشُّكْرُ نِصْفُ الْإِيمَانِ؛ فالْإِيمَانُ نِصْفَانِ: شُكْرٌ، وَصَبْرٌ. وَشُكْرُ النِّعْمَةِ اسْتِعْمَالُها فِي الطَّاعَةِ، وَكُفْرانُ النِّعْمَةِ: اسْتِعْمَالُهَا فِي الْمَعْصِيَةِ، فَكُلُّ خَيْرٍ يُفْعَلُ طَلَبًا لِمَرْضاةِ اللَّهِ شُكْرٌ.

مُسْتَهَلُّ الْآيَةِ الْوَصِيَّةُ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالْوالِدَيْنِ، سَبَبُ وُجُودِنا فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ؛ بِالْإِحْسانِ إِلَيْهِما، وَبِرِّهِما، قالَ تَعالَى: ﴿وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ إِحۡسَٰنًاۖ﴾، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ التَّعَبَ وَالنَّصَبَ الَّذِي يُعانِيهِ الْوالِدانِ، خاصَّةً الْأُمَّ: ﴿حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ كُرۡهٗا وَوَضَعَتۡهُ كُرۡهٗاۖ وَحَمۡلُهُۥ وَفِصَٰلُهُۥ ثَلَٰثُونَ شَهۡرًاۚ﴾، الْكُرْهُ وَالْكَرْهُ: التَّعَبُ وَالْأَلَمُ، وَفِصالُهُ: فِطامُهُ، وَمَجْمُوعُ مُدَّةِ الْحَمْلِ وَالرَّضاعِ ثَلاثُونَ شَهْرًا، سَنَتانِ مِنْها مُدَّةُ الرَّضاعِ الْكَامِلِ، يَبْقَى مِنَ الثَّلاثِينَ شَهْرًا سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَهِيَ أَقَلُّ مُدَّةٍ لِلْحَمْلِ الَّذِي يَعِيشُ مَعَهُ المولُودُ. ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗ قَالَ ‌رَبِّ ‌أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ﴾ بَلَغَ أَشُدَّهُ؛ أَيْ: تَناهَى عَقْلُهُ، وَكَمُلَ فَهْمُهُ وَحِلْمُهُ، يَقُولُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: “إِذَا بَلَغَ الْعَبْدُ أَرْبَعِينَ سَنَةً نادَى مُنَادٍ مِنَ السَّماءِ أَنْ دَنا الرَّحِيلُ فَأَعِدَّ زَادًا” فَعَلَى الْعَبْدِ إِذَا بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً أَنْ يُجَدِّدَ التَّوْبَةَ لِلَّهِ تَعالَى، وَيَعْتَرِفَ بِأُلُوهِيَّتِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ، وَيَسْتَعِينَ بِهِ سُبحانه لِلْقِيامِ بِالْعِبادَةِ، وَمِنْ أَعْظَمِها الشُّكْرُ ﴿‌رَبِّ ‌أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ﴾، فَالتَّوْفِيقُ في الْعِبادَةِ فَضْلٌ وَنِعْمَةٌ مِنَ اللهِ.

﴿أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ﴾ أَعْظَمُ النِّعَمِ الْهِدايَةُ لِلْإِسْلامِ وَالتَّوْحِيدِ، ثُمَّ تَأْتِي النِّعَمُ الدُّنْيَوِيَّةُ، وَذِكْرُ الْوالِدَيْنِ هُنَا تَكْثِيرًا لِلنِّعَمِ، وَالْإِنْعامُ عَلَى الْوالِدَيْنِ إِنْعامٌ عَلَى أَوْلادِهِمْ، فَالمؤْمِنُ يَسْأَلُ رَبَّهُ التَّوْفِيقَ لِلْقِيامِ بِشُكْرِ نِعْمَتِهِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ.

﴿وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَٰلِحٗا تَرۡضَىٰهُ﴾: أَيْ: أَلْهِمْنِي وَوَفِّقْنِي أَنْ أَعْمَلَ فِي حَياتِي عَمَلًا صالِحًا تَرْضاهُ، فَجَمَعَ بَيْنَ أَنْواعِ الشُّكْرِ المطْلُوبَةِ: الشُّكْرِ بِاللِّسانِ، وَالِاعْتِرافِ وَالمحَبَّةِ بِالْقَلْبِ وَالِانْقِيادِ وَالطَّاعَةِ بِالْجَوارِحِ، وَقَوْلُهُ: ﴿صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾: لَيْسَ كُلُّ عَمَلٍ ظاهِرُهُ الصَّلاحُ يَرْضاهُ اللَّهُ تَعالَى، بَلْ لا بُدَّ لِلْأَعْمالِ مِنْ صِدْقِ الْإِخْلاصِ، وَالمتابَعَةِ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

﴿وَأَصۡلِحۡ لِي فِي ذُرِّيَّتِيٓۖ﴾ أَيْ: لا تَجْعَلْ يارَبِّ صَلاحِي مَقْصُورًا عَلَيَّ؛ بَلِ اجْعَلِ الصَّلاحَ سَارِيًا في ذُرِّيَّتِي، راسِخًا فِيهِمْ؛ فَصَلاحُ الْآباءِ يُورِثُ صلاحَ الْأَبْناءِ.

﴿إِنِّي تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ﴾ المؤْمِنُ يَخْتِمُ دُعاءَهُ بِتَجْدِيدِ التَّوْبَةِ، وَالِاسْتِسْلامِ للَّهِ تَعالَى فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَقَدَرِهِ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالَى: “هَذَا فِيهِ إِرْشادٌ لِمَنْ بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً أَنْ يُجَدِّدَ التَّوْبَةَ وَالْإِنابَةَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَيَعْزِمَ عَلَيْها” فَيَنْبَغِي لِمَنْ بَلَغَ الْأَرْبَعِينَ فَضْلًا عَمَّنْ جاوَزَها أَنْ يَنْتَبِهَ لِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ.

وَالْآيَةُ تَضَعُ بَيْنَ أَيْدِيْنا ما يُحَقِّقُ سَعادَةَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ: وَهِيَ التَّوْفِيقُ لِعِبادَةِ شُكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نِعَمِهِ الشَّرْعِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، وَالتَّوْفِيقُ لِلطَّاعَةِ الَّتِي يَرْتَضِيْها سُبْحانَهُ، وَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبابِ السَّعادَةِ صَلاحُ الذُّرِّيَّةِ وَهِدايَتُهُمْ صِراطَ اللَّهِ المسْتَقِيمَ، وَالتَّوْفِيقُ إِلَى عِبادَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمُقْتَضَياتِ صِفاتِهِ، وَآثارِها، وَمِنْها صِفَةُ الرِّضا في قَوْلِهِ تَعالَى: ﴿صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾.

عِبادَ اللهِ: نَسْتَفِيدُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَهَمِّيَّةَ هَذَا الدُّعاءِ؛ فَإِنَّهُ تَكَرَّرَ مَرَّتَيْنِ فِي كِتابِ اللَّهِ تَعالَى، وَكَذَلِكَ أَهَمِّيَّةَ أَنْ يَسْأَلَ المؤْمِنُ رَبَّهُ التَّوْفِيقَ إِلَى الشُّكْرِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالَى: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾، وَأَنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلَى الْخَلْقِ لا تُحْصَى، كَمَا أَفَادَ قَوْلُهُ: ﴿نِعْمَتَكَ﴾ عُمُومَ النِّعَمِ؛ لِأَنَّهُ مُفْرَدٌ مُضافٌ، وَأَنَّ أَعْظَمَ هَذِهِ النِّعَمِ نِعْمَةُ الْإِسْلامِ، وَيَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَسْتَشْعِرَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الْعَظِيمَةَ، وَيَحْمِدَ رَبَّهُ سِرًّا وَعَلانِيَةً، وَتُرَسِّخُ الْآيَةُ حَقَّ الْوَالِدَيْنِ؛ فَهُمَا أَحَقُّ مَنْ يُشْكَرُ بَعْدَ اللَّهِ تَعالَى؛ لِقَوْلِهِ تَعالَى: ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾، وَمِمَّا يُسْتَفادُ: عَلَيْنا أَنْ نَسْأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ التَّوْفِيقَ لِمَا يُرْضِيهِ مِنَ الْأَعْمالِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالَى: ﴿تَرْضَاهُ﴾، فَقَبُولُ الْأَعْمالِ مَشْرُوطٌ بِصَلاحِها، أَي: الِاتِّباعِ، وَالْإِخْلاصِ لِوَجْهِهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾، وَنَسْتَفِيدُ: إِثْباتَ صِفَةِ (الرِّضَا) للهِ تَعالَى، وَهِيَ صِفَةٌ فِعْلِيَّةٌ، وَمِنْ فَوائِدِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَبْذُلَ ما فِي وُسْعِهِ لِلتَّقَرُّبِ إِلَى رَبِّهِ بِالْأَعْمالِ، وَالْأَقْوالِ، وَالْأَخْلاقِ الَّتِي تُرْضِيهِ سُبْحانَهُ؛ لِأَنَّ الرِّضَا صِفَةٌ فِعْلِيَّةٌ، وَالصِّفاتُ الْفِعْلِيَّةُ تَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ؛ فَمَتَى وُجِدَ سَبَبُ الرِّضَا وُجِدَ الرِّضَا، وَمِنْ فَوائِدِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: صَلاحُ الذُّرِيَّةِ مِنْ أَوْلَوِيَّاتِ المؤْمِنِ؛ وَمِنْ دُعاءِ إِبْراهِيمَ عليه السلام: ﴿‌وَٱجۡنُبۡنِي ‌وَبَنِيَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ﴾ [إبراهيم:35]؛ لِأَنَّ صَلاحَ الذُّرِّيَّةِ يَعُودُ بِالنَّفْعِ عَلَى الذُّرِّيَّةِ وَالْوالِدَيْنِ وَالمؤْمِنِينَ جَمِيعًا، وَيُسْتَفادُ كَذَلِكَ: مِنْ أَعْظَمِ ما يُتَوَسَّلُ بِهِ الْعَبْدُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ، وَكُلَّمَا كَثَّرَهُ الْعَبْدُ كَانَ أَرْجَى لِلْإِجابَةِ، قالَ تَعَالَى: ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ﴾، ﴿وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِين﴾، وَأَنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبابِ قَبُولِ الدٌّعاءِ التَّوْبَةَ مِنَ الذُّنُوبِ: ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ﴾، وَنَسْتَفِيدُ مِنَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ إِشْهادَ الْإِنْسانِ لِنَفْسِهِ بِالْإِيمانِ، أَوْ بِالْإِسْلامِ، أَوِ التَّصْدِيقِ لَا يُعَدُّ مِنَ الرِّياءِ، وَلَا سِيَّما فِي الِاتِّباعِ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى الْإِقْرارِ للهِ تَعالَى، وَالْخُضُوعِ وَالتَّذَلُّلِ لَهُ، وَهَذا مِنْ أَعْظَمِ أَنْواعِ التَّوَسُّلِ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ؛ لِأَنَّ الْإِسْلامَ هُوَ الِاسْتِسْلامُ فِي ظاهِرِ الْعَبْدِ وَباطِنِهِ للهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.

رَبَّنا كَمْ مِنْ نِعْمَةٍ أَنْعَمْتَهَا عَلَينا قَلَّ لَكَ عِنْدَهَا شُكْرُنا، وَكَمْ مِنْ بَلِيَّةٍ ابْتَلَيْتَنا بِهَا قَلَّ لَكَ عِنْدَهَا صَبْرُنا، فَيَا مَنْ قَلَّ شُكْرُنا عِنْدَ نِعْمَتِهِ فَلَمْ يَحْرِمْنا، وَيَا مَنْ قَلَّ صَبْرُنا عِنْدَ بَلَائِهِ فَلَمْ يَخْذُلْنا، وَيَا مَنْ رَآنا عَلَى الذُّنُوبِ الْعِظَامِ فَلَمْ يَفْضَحْنا، وَلَمْ يَهْتِكْ سِتْرَنا، وَيَا ذَا الْمَنِّ وَلَا يُمَنُّ عَلَيْهِ، وَيَا ذَا النِّعْمَةِ الَّتِي لَا تَحَولُ وَلَا تَزُولُ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَجْمَعِينَ.

قَدْ قُلتُ مَا سَمِعْتُمْ.. وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيْمُ.

 

الخُطْبَةُ الثَّانِيةُ

الْحَمْدُ للهِ عَلىَ رِزْقِهِ وَفَضْلِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ.

أَمَّا بَعْدُ فَاتَّقُوا اللهَ عَبَادَ اللهِ، وَأَطِيْعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يُجَدِّدَ تَوْبَتَهُ، وَإِنابَتَهُ إِلَى اللَّهِ خاصَّةً إِذَا بَلَغَ سِنَّ النُّضْجِ، وَكَمُلَ مِنْ عُمُرِهِ أَرْبَعُونَ عامًا، فَالتَّوبَةُ تَجُبُّ ما قَبْلَها، قالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها تابَ اللهُ عَلَيْهِ» [أخرجه مسلم]

وَاعْلَمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ حِينَ يَدْعُو رَبَّهُ أَنْ يَخُصَّ وَالِدَيْهِ بِدَعْوَةٍ، وَذاكَ مِنْ بِرِّهِما، وَقَدْ عَلَّمَنا رَبُّنا الدُّعاءَ لَهُمَا فِي كِتابِهِ الْكَرِيمِ؛ فَقالَ تَعالَى: ﴿وَقُل ‌رَّبِّ ‌ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾[الإسراء: 24]، وَقالَ عَلَى لِسانِ نَبِيِّهِ نُوْحٍ عليه السلام: ﴿رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لِي ‌وَلِوَٰلِدَيَّ﴾ [نوح: 28] وَعَلَى المؤْمِنِ كَذَلِكَ أَنْ يَخُصَّ ذُرِيَّتَهُ بِدَعْوَةٍ؛ فَإِنَّ هَذَا النَّفْعَ يَعُودُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ جَمِيعًا بِالصَّلاحِ في الدُّنْيا، وَالْأُنْسِ وَالِاجْتِماعِ بِهِمْ في جَنَّاتِ النَّعِيمِ، قالَ تَعالَى: ﴿رَبِّ ٱجۡعَلۡنِي مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ‌ذُرِّيَّتِيۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ دُعَآءِ ۝ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ يَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡحِسَابُ﴾ [إبراهيم: 40، 41]، قالَ صلى الله عليه وسلم: «ثَلاثُ دَعَواتٍ لا تُرَدُّ: دَعْوَةُ الْوالِدِ لِوَلَدِهِ، وَدَعْوَةُ الصَّائِمِ، وَدَعْوَةُ الْمُسافِرِ» [صححه الألباني].

 

هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.

هذا الحبيب ♥️« ١٤ »

( الأحبار والرهبان ، يوم مولده صلى الله عليه وسلم )

حملهُ جده عبد المطلب ، حتى وصل الكعبة ، وفُتِح لهُ بابها ، ودخل إليها وهو يحمله ، ثم خرج وطاف حولها ، وهو مسرور ويردد

ويقول الحمد لله الذي أعطاني هذا الغلام أعيذه بالبيت ذي الأركان من كل حاسد .

ثم رجع الى آمنة أعطاها إياه وقال لها : إحرصِي عليه .

ثم انطلق عبد المطلب مسرعاً الى الراهب النصراني عيص يستوثق منه .

أهل الكتاب الأحبار والرهبان ، في شهر مولده كلهم كانوا منتظرين مولدهُ ، وعندهم علامات ظهور نجمه وصفاته ، وأن مولده في مكة .

فلم يكن ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم مفاجأة بل علم به الكثير من أهل الكتاب و الرهبان وعلماء الدين ولا يوجد إلا عالم أو متعلم

في الإسلام {رُبَّ أشعث أغبر مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبرَّه }

عندنا في الإسلام بدويّ ، يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو جالس على الارض مع الناس فيسأل : أيّكم محمد ؟؟

في الإسلام ليس هناك واسطة بينك وبين الله ( وإذا سألك عبادي عَني فإني قريب أجيب دَعوة الداع إذا دَعان ).

فذهب عبد المطلب يستوثق من الراهب النصراني عيص عن هذا المولود ، لأنه كان يرجو أن يكون لهذا المولود شأن عظيم .

من هو الراهب عيص ؟؟

رجل جاء من بلاد الشام الى مكة ، راهب من النصارى ، وسكن في طرف مكة في صومعة ، و إسمه عيص وكان هو المرجع الوحيد في علم النصارى في ذلك الوقت .

عندما إقترب مولد النبي صلى الله عليه وسلم ، جاء لمكة ينتظر مولده .

سكن عيص في أطراف مكة ، فكان يدخل مكة كل فترة من الزمن ، ويجلس في أندية قريش وأسواقها ويسأل قائلا :يا معشر قريش ، هل ولد فيكم مولود ؟؟وله من الصفات ، كذا وكذا !!!

فيقولون له :يا عيص ، الذي تصفه لم يولد بعد!!!

فيقول لهم عيص :وربِ موسى وعيسى ، ما تركتُ بلاد الخمر والخمير [يقصد بلاد الشام ، وخيراتها ]وجئت هنا ،إلا في طلب هذا المولود ، فإن هذا زمن خروجه .

يولد في بلدكم [أي مكة ]هو خاتم الأنبياء والمرسلين ،وبه تُختم الشرائع

من أطاعه فقد اهتدى ، ومن عصاه فقد خاب وخسر .

فكان كل فترة يمر ويسألهم ، فيقولون له ولد فلان وفلان ، ويعطونه أوصافهم ، فيقول لهم ، لا لا ليس هو .

ففي اول يوم من مولدهِ صلى الله عليه وسلم وفي صبيحة ذلك اليوم ، لما ولد صلى الله عليه وسلم ،وأخذه جده وطاف به بالكعبة ورأى صفات المولود ،ورجع أعطاه لأمه ، وأوصاها عليه ، هنا تذكر عبد المطلب الراهب عيص فأراد أن يذهب إليه ويستوثق منه الخبر .

انطلق عبد المطلب مسرعاً الى صومعة عيص ، فعندما وصل للصومعة ، أخذ ينادي عيص .. عيص

فقال له عيص : كن أباه يا شيخ مكة

فقال عيص لعبد المطلب لقد ولد الذي كنت قد حدثتكم عنه ، وربِ موسى وعيسى إنه وجع يشتكي ثلاثة أيام ثم يعافى[أي هذا المولود قد أصابه بعض المرض ]

احفظ لسانك يا عبدالمطلب [ أي لا تتكلم عنه لأحد ] وإياك واليهود فيبغون عليه ، كما بغوا على الانبياء قبله [اي اليهود معروفون أنهم قتلة الانبياء ، فإذا سمع به اليهود قتلوه ، كما قتلوا الانبياء قبله ] .

فقال عبد المطلب : يا عيص !! لقد ولد لابني عبدالله المتوفى قبل أشهر ولد .

فقال عيص : هو ذاك ياعبدالمطلب ، هو ذاك ، وربِ موسى وعيسى إنا لنجد في كتبنا أنه يولدُ يتيماً ، فاحفظ لسانك واحرص عليه .

يوجدأخبار كثيرة عن الأحبار اليهود والرهبان بمعرفتهم ، في يوم مولدهِ وصفاته ولكن نكتفي بقصة الراهب عيص و يكفينا قوله تعالى فيهم

{ الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون} 🌿🌿

يتبع إن شاء الله …❤️

تمتلك المملكة العربية السعودية مكانة استراتيجية محورية في السياسة الدولية، إذ تُعدّ لاعبًا فاعلًا في تحقيق الاستقرار وصنع السلام على مستوى العالم. من خلال مبادراتها الدبلوماسية المتقدمة ونهجها الحيادي الإيجابي، أثبتت الرياض قدرتها على بناء جسور التواصل بين القوى الكبرى وتخفيف حدة النزاعات الدولية.

في ظل التحديات المتزايدة في العلاقات الدولية، تبرز السعودية كمحور للسلام بفضل إرادتها السياسية الثابتة ورؤيتها الطموحة التي تتجاوز المصالح الإقليمية للوصول إلى أفق عالمي. تعمل المملكة على استضافة قمم ومحادثات رفيعة المستوى تجمع بين كبار القادة السياسيين، مما يعكس ثقتها بنفسها وقدرتها على خلق بيئة مناسبة للحوار البناء والتسوية السلمية للنزاعات.

وأشاد بيان وزارة الخارجية السعودي مؤخراً بدعوة المملكة لاستضافة الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين لعقد قمة في الرياض، مؤكداً استمرارها في بذل جهودها لتحقيق سلام دائم بين روسيا وأوكرانيا. هذه المبادرة تعزز من شرعية دور الرياض كوسيط عالمي، وتؤكد التزامها بالمبادئ الإنسانية والدبلوماسية الهادفة إلى إنهاء معاناة الشعوب.

إن تجسيد المملكة لهذا الدور الحيوي في استضافة مثل هذه القمم يشير إلى قدرتها على صياغة حلول مستدامة للنزاعات الدولية، ما يجعلها مثالاً يحتذى به في استغلال القوة الدبلوماسية لخدمة الأمن والاستقرار العالميين. بهذه الخطوات، تؤكد السعودية أنها صانعة حقيقية للتغيير في عالم يتطلع إلى مستقبل يسوده التعاون والحوار البناء.

السعودية جسر السلام العالمي

الجُمُعَةُ فضائل وسُنَنٌ وَتَنْبِيْهَاتٌ

﴿الخُطْبَةُ الْأُوْلَى﴾

إِنَّ الحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئاتِ أَعْمالِنَا، مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كثيرًا. أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبادَ اللهِ حَقَّ التَّقْوَى؛ ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: إِنَّ يَوْمَكُمْ هَذَا هُوَ سَيِّدُ الْأَيَّامِ، وَأَعْظَمُهَا عِنْدَ اللَّهِ عز وجل، خَصَّهُ بِمَزِيْدِ فَضْلٍ عَلَى سَائِرِ الْأَيَّامِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَرضي الله عنه أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «خَيْرُ يَومٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْها، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا فِي يَومِ الْجُمُعَةِ»[رواه مسلم]، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحُذَيْفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، قالَا: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَضَلَّ اللَّهُ عَنْ الْجُمُعَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا، فَكَانَ لِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ، وَكَانَ لِلنَّصَارَى يَوْمُ الأَحَدِ، فَجَاءَ اللَّهُ بِنَا فَهَدَانَا اللَّهُ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ»[رواه مسلم]، وَجَعَلَ فِيْهِ عِبَادَاتٍ، أَجْزَلَ لَنَا عَلَيْهَا الثَّوَابَ وَالأُجُوْرَ الْمُضَاعَفَةَ، وَسَنَّ لَنَا رَسُوْلُنَا صلى الله عليه وسلم فِي هَذَا اليَوْمِ سُنَنًا وَآدَابًا يَنْبَغِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَعْتَنِيَ بِهَا، وَيَتَنَبَّهَ لِمَا يُنْقِصُ مِنْ أَجْرِ عِبَادَتِهِ.

أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: إِنَّ مِنْ آدَابِ يَوْمِ الجُمُعَةِ الِاغْتِسالَ وَالتَّزَيُّنَ، يَقُولُ رَبُّنَا جَلَّ وَعَلاَ: ﴿يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٍ﴾ [الأعراف: 31]، قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ: “يُسْتَحَبُّ التَّجَمُّلُ عِنْدَ الصَّلَاةِ، وَلَا سِيَّمَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمَ الْعِيدِ، وَالطِّيبُ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الزِّينَةِ، وَالسِّوَاكُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ ذَلِكَ”.

فَقَدْ أَمَرَ اللهُ بِأَخْذِ الزِّينَةِ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ، وَنَادَى عِبَادَهُ أَنْ يَأْخُذُوا عِنْدَ عِبَادَتِهِ الزِّينَةَ الَّتِي خَلَقَهَا مِنْ أَجَلِّهِمْ لِيَتَجَمَّلُوا بِهَا، فَهُوَ سُبْحَانَهُ أَوْلَى مَنْ يُتَجَمَّلُ لَهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فلْيَلْبَسْ ثَوْبَيْهِ، فَإِنَّ اللهَ أَحَقُّ مَنْ يُتَزَيَّنُ لَهُ» [صَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ]. وَمِقْياسُ الزِّيْنَةِ فِي ذَلِكَ الْعُرْفُ الَّذِي تَعَارَفُوا عَلْيهِ فِي الْمَحَافِلِ وَالْمَجَامِعِ، كُلُّ مُسْلِمٍ بِحَسْبِ اسْتِطاعَتِهِ؛ فَالَّلائِقُ بِالْمُسْلِمِ أَلَّا يَتَسَاهَلَ فِي ذَلِكَ، وَأَنْ يَتَجَمَّلَ وَيَتَطَيَّبَ وَيَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ عِنْدَ الْحُضُورِ لِلْمَسجِدِ وَيَتَأَكَّدُ ذَلِكَ لِصَلاَةِ الجُمُعَةِ.

أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: وَمِنْ سُنَنِ الجُمُعَةِ: التَّبْكِيرُ إِلَى الصَّلاَةِ، وَعَدَمُ تَخَطِّي الرِّقابَ، وَاسْتِمَاعُ الخُطبَةِ، وَيَعْظُمُ الأَجرُ بِحَسَبِ التَّبكِيرِ إِلَيْهَا، فَهَنِيئًا لِلْمُبَكِّرِيْنَ فِي هَذَا الْيَومِ الْمُبارَكِ، بِالْأُجُورِ الْعَظَيمَةِ مِنَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، قَالَ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلَائِكَةٌ يَكْتُبُونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، فَإِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ طَوَوُا الصُّحُفَ، وَجَاءُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ، وَمَثَلُ الْمُهَجِّرِ -أَيِ الْمُبَكِّرِ إِلَى المسْجِدِ- كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي الْبَدَنَةَ، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي الْكَبْشَ، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي الدَّجَاجَةَ، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي الْبَيْضَةَ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَغَسَّلَ، وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ، وَدَنَا وَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا أَجْرُ سَنَةٍ؛ صِيَامُهَا وَقِيَامُهَا» [رواه الترمذي وصححه الألباني]. فَلا نُفَرِّطُ فِي هَذِهِ الْأُجُوْرِ بِالتَّأَخُّرِ حَتَّى دُخُوْلِ الْإِمَامِ، وَرُبَّما يَتَعَمَّدُ الْبَعْضُ الْحُضُوْرَ مَعَ إِقَامَةِ الصَّلاَةِ.

أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: إِنَّ الإِنْصَاتَ لِخُطبَةِ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ، وَلا يَجُوزُ الْكَلامُ أَثنَاءَ الخُطبَةِ، حَتَّى مَعَ الْأَبْناءِ الصِّغارِ؛ لِقَولِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ» [أَخْرَجَهُ البُخَارِيٌّ وَمُسْلِمٌ]. وَكَذَلِكَ يَشْمَلُ اللَّغْوَ؛ كالِانْشِغَالِ بِالجَوَالِ تَحَدُّثًا أَوْ كِتَابَةً، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مَسَّ الحَصَى فَقَدْ لَغَا» [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ]، قَالَ ابْنُ بَازٍ رَحِمَهُ اللهُ: “وَمَعْنَى فَقَدْ لَغَا: أَيْ لَغَتْ جُمْعَتُهُ، فَلاَ يَكُوْنُ لَهُ ثَوَابُ الجُمُعَةِ، وَيَفُوْتُهُ الثَّوَابُ الْعَظِيْمُ الَّذِي رَتَّبَهُ اللهُ عَلَى الجُمُعَةِ”. نَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يُعلِّمَنَا مَا يَنفَعُنا، وَيَنفَعَنَا بِمَا عَلَّمَنَا، وَأَنْ يَتَقبَّلَ مِنَّا فِي هَذَا اليَومِ العَظِيمِ. بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيْهِمَا مِنَ الآيَاتِ وَالحِكْمَةِ.

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا.. وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ منْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾

الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ، وَالصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى خَاتَمِ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِيْنَ. أَمَّا بَعْدُ عِبَادَ اللهِ: فَاتَّقُوا اللهَ تعالى، ﴿وَٱتَّقُواْ يَوۡمًا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٍ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ﴾ [البقرة: 281].

أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: مِمَّا يَنبَغِي التَّنَبُّهَ لَهُ، أَنَّ مَنْ دَخَلَ المسْجِدَ أَثنَاءَ الأَذَانِ الثَّانِي، فَإِنَّهُ يُصَلِّي تَحِيَةَ الْمَسجِدِ مُبَاشَرَةً؛ وَلاَ يُتَابِعَ مَعَ الْمُؤَذِّنِ لأَجَلِ أَنْ يُدرِكَ الِاسْتَمَاعَ إِلى الخُطبَةِ؛ لأَنَّ اسْتِمَاعَ الخُطبَةِ وَاجِبٌ، وَمُتَابَعَةَ المؤَذِّنِ سُنَّةٌ، وَالمحَافَظَةُ عَلَى الوَاجِبِ أَوْلَى مِنْ غَيرِهِ.

ثُّمَ اعْلَمُوا -رَحِمَكُم اللهُ- أَنَّ مِنْ آدابِ يَومِ الجُمُعَةِ، كَثْرَةُ الصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَى نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ، فعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَكْثِرُوا الصَّلَاةَ عَلَيَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَةَ الْجُمُعَةِ؛ فَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ عَشْرًا» [حَسَّنَهُ الأَلْبَانِيُّ]، وَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]، وعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي؟ فَقَالَ: «مَا شِئْتَ». قَالَ قُلْتُ الرُّبُعَ؟ قَالَ: «مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ». قُلْتُ النِّصْفَ؟ قَالَ: «مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ». قَالَ قُلْتُ فَالثُّلُثَيْنِ؟ قَالَ: «مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ». قُلْتُ: أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا؟ قَالَ: «إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ» [قال الترمذي: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وصححه الألباني]. وَمِنْ سُنَنِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ: قِراءَةُ سُورَةِ الْكَهْفِ؛ قالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، أَضاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ ما بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ» [صححه الألباني].

عِبادَ اللهِ: وَمِنْ تَنْبِيهاتِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَنَّ عَلَى المسْلِمِ يَتَحَرَّىْ ساعَةَ الْإِجابَةِ؛ فَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقالَ: «فِيهِ ساعَةٌ، لا يُوافِقُها عَبْدٌ مَسْلِمٌ، وَهُوَ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللهَ شَيْئًا، إِلَّا أَعْطاهُ إِيَّاهُ» [رواه مسلم].

عباد الله: لَقَدْ حَذَّرَنا نَبِيُّنا صلى الله عليه وسلم مِنَ التَّهاوُنِ فِي الْجُمَعِ وَالْجَماعاتِ، قَالَ صلى الله عليه وسلم: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ» [رواه مسلم]، وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَرَكَ ثَلاثَ جُمَعٍ تَهاوُناً بِها طَبَعَ اللهُ عَلَى قَلْبِهِ» [رواه الترمذي وابن ماجه وأبو داود بإسناد حسن صحيح].

هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.

كثير من الإخوة و الأخوات الذين يحاولون بر والديهم يفتقدون فقه بر الوالدين في أمور لطيفة يسيرة لكنها للطفها قد تغيب عن اذهان الكثيرين بحكم الاعتياد على خلافها … !!
ومن ذلك على سبيل المثال :
🔴 من فقه البر :
جاء النهي عن السلف عن مجادلة الأب ومغالبته بالحجة؛ ففي كتاب بر الوالدين لابن الجوزي قوله: وقال يزيد بن أبي حبيب: (إيجاب الحجة على الوالدين عقوق). يعني الانتصار عليهما في الكلام.
وكذلك السعي لغلبة حجته على حجتهما بالجدال كما يفعل مع سائر الناس .
🔴و من فقه البر :
أن يحاول الولد فهم حاجات والديه ليبادر بها قبل طلبهما ؛ فذلك أبلغ وأكثر وقْعا وحماية لهما من ذل المنة ، كالمبادرة بالإهداء والهبة لهما ليتصدقا ويهديا مثلاً ”
🔴 ومن فقه البر :
حين يختارك الله ويصطفيك لتبرّ بأحد والديك أو كليهما .. فلا يفسدن الشيطان عليك هذا الاصطفاء فيقول لك :
وباقي إخوتك .. ما دورهم ؟ أين هم ؟
🔴 ومن فقه البر :
قال الحسن البصري لرجل :
تعشَّ العشاء مع أمك ، تؤانسها و تجالسها وتقرُّ بك عينُها ، أحبُّ إليّ من حجة تطوُّعاً
🔴 ومن فقه البر :
إذا جرحك أبواك بقول او فعل فأكظم غيظك وإن انفطر قلبك ؛ فإنهما سريعا الفيء والندم ، واعلم أن حزنك يفطر قلبيهما مرتين .
🔴 ومن فقه البر :
إظهار حسن علاقتك بأخواتك وإخوتك ، والسكوت عن ماقد يؤلمك منهم ، والتماس المعاذير لهم ، وإبداء محاسنهم ، وإخفاء مساوئهم أمام والديك فإنه يسرهما.
🔴 ومن فقه البر :
من المؤلم أن يكون للوالد عدد من الأبناء الكبار العقلاء ، ثم لاتكاد تراهم معه في حاجته ،
بل يكون بصحبة صديق أو مع عامل يرافقه في المستشفى أو الى المسجد أو في المناسبات ، ففي صحبتك له عز له وسرور وفخر وجزيل أجر لك تجد بوادره في ذريتك قبل آخرتك.
🔴 ومن فقه البر :
أن لا تفصلك هذه الأجهزة عن التواصل الحسي واللفظي مع الوالدين
إثم و عيب عليك أن تكون بحضرتهما ومشغولا عنهما لان في هذا استهانة بقدرهما وإيلام لهما !
🔴 ومن فقه البر :
حدثهما بما يريدان لا بما تريد ، وأشعرهما بأنك تحبهما وتسعد بخدمتهما ؛ فالعامل النفسي من أوسع مجالات البر إذا أحسنت استخدامه !
🔴 ومن فقه البر :
أن لا تشعرهما أنّ إخوتك لا يهتمون بهما .. وأنك البار الوحيد .. أكّد لهما أنهما قرة أعين لأبنائهما وأن تقصير فلان كان لظرف طارئ !
🔴 ومن فقه البر :
لا تحتد مع إخوتك في نقاش ، ولا يرتفع صوتكم في حضرتهما ؛ ففيه إزعاج لهما ، وعدم احترام لمقامهما .
🔴 ومن فقه البر :
أن يَعْلَم الواحد منا أن والديه عند الكبر تضيق نفساهما ، وتكثر مطالبهما ، ويقل صبرهما ، { فلا تقل لهما أف }
🔴ومن فقه البر :
الإلحاح على الله بالدعاء أن يعينك ويوفقك لبر والديك ..
رب اغفر لي ولوالدي ، رب ارحمهما كما ربياني صغيرا
خمسة وثلاثون أدباً في التعامل مع الوالدين:
1) إغلاق الجوال في حضرتهم.
2) الإنصات لحديثهم.
3) تقبل رأيهم .
4) التفاعل مع حديثهم .
5) النظر إليهم مباشرة بتذلل.
6) المدح والإشادة الدائمة لهم.
7) مشاركتهم الأخبار المفرحة.
8)عدم نقل الأخبار السلبية لهم.
9) الثناء على أصدقائهم ومن يحبون.
10) التذكير الدائم بإنجازاتهم .
11)الإيحاء بالتفاعل مع الحديث حتى لو تكرر منهم.
12) عدم ذكر المواقف المؤلمة من الماضي .
13)تجنب الأحاديث الجانبية.
14) الجلوس باحترام معهم.
15) عدم التقليل والانتقاص من أفكارهم.
16) عدم مقاطعتهم وتركهم يسترسلون في حديثهم ..
17) إحترام سنهم وعدم إزعاجهم بالأحفاد.
18) عدم معاقبة الأحفاد أمامهم .
19) تقبل كافة النصائح والتوجيهات منهم.
20) السيادة لهم في حضورهم .
21) عدم رفع الصوت عليهم .
22) عدم المشي قبلهم أو أمامهم .
23) عدم الأكل قبلهم .
24) عدم تحديق البصر بهم .
25) الافتخار بهم وإن لم يكونوا أهلًا لذلك .
26) عدم مد الرجل أمامهم أو إعطاءهم الظهر .
27) عدم التسبب بشتمهم .
28) الدعاء لهم في كل حين .
29) عدم إظهار التعب والتضجر أمامهم .
30) عدم الضحك على صدور خطأ منهم .
31) خدمتهم قبل أن يطلبوا ذلك .
32) الدوام على زيارتهم وعدم الغضب منهم .
33) انتقاء الألفاظ الحسنة في الحوار معهم .
34) منادتهم بأحب الأسماء إليهم .
35) تقديمهم على كل شيء وعلى كل الناس .
————-

*طلال..قامة طبّية قيادية وإنسانية*
أ.د. عايض محمد الزهراني
https://www.makkahnews.sa/5446724.html

فَضَائِلُ شَهْرِ شَعْبانَ

﴿الخُطْبَةُ الْأُوْلَى﴾

إِنَّ الحَمدَ للهِ نَحمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعوذُ باللهِ مِنْ شُرُورِ أَنفُسِنا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَه، وَمَنْ يُضلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَمَ تسلِيمًا كَثِيرًا.

أَمَّا بَعْدُ: عِبادَ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ تَعالَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ كُلَّ يومٍ تُدْرِكُونَه في هَذِهِ الدُّنيا الْفانِيَةِ وَالظِّلِّ الزَّائِلِ غَنِيمَةٌ لَكُمْ، فَتَزَوَّدُوا فِيهِ مِنَ الطَّاعاتِ، وَحاسِبُوا فِيهِ أنفُسَكُمْ، وَاسْتَدْرِكُوا فِيهِ شَيئًا مِمَّا فاتَكُم، خاصَّةً إِذَا أَدْرَكْتُمْ أَزْمِنَةَ الطَّاعاتِ، فَفِيها مَزِيَّةٌ عَنْ غَيْرِها، فَهِيَ مُبارَكَةٌ، تُغْفَرُ فِيها السَّيِّئاتُ، وَيُعْتَقُ فِيها مِنَ النِّيرانِ، وَتُرْفَعُ فِيها الدَّرَجاتُ، وَتُضاعَفُ فِيها الحسَناتُ، وَمِنْ تِلْكُمُ الأزمِنَةِ شَهْرُ شَعْبانَ، فَفِيهِ تَتَحَرَّكُ الْقُلُوبُ الْحَيَّةُ، وَتَتَأَهَّبُ شَوْقًا لِسَيِّدِ الشُهُورِ وَأَفْضَلِها، شَهْرِ رَمَضانَ.

وَسَمَّتِ الْعَرَبُ شَهْرَ شَعْبانَ بِهذَا الِاسْمِ؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي بَعْدَ شَهْرِ رَجَبَ، وَرَجَبُ مِنَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، فَكَانُوا يَتَوَقَّفُونَ فِيهِ عَنِ الْقِتالِ، لِتَعْظِيمِهِمُ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ؛ فَلا يُقاتِلُونَ فِيها، فَإِذَا انْقَضَى شَهْرُ رَجَبَ، خَرَجُوا وَتَشَعَّبُوا وَتَفَرَّقُوا فِي الْقَبائِلِ مِنْ أَجْلِ الْغاراتِ وَالْقِتالِ، فَمَنَّ اللهُ عليِهِم بِهَذا الدِّينِ، وَبِبِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ، فتَغَيَّرتْ نَظْرَتُهُم لِهذا الشَّهْرِ، فَصارَ مَوْسِمًا لِلْعِبادَةِ وَالتَّزَوُّدِ مِنَ الطَّاعَةِ وَالِاسْتِعْدادِ لِشَهْرِ الْخَيرِ وَالرَّحْمَةِ.

وَهُناكَ أُمُورٌ تَتَعَلَّقُ بِشَهْرِ شَعْبانَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ مَعْرِفَتُها:

أَوَّلُها: رَفْعُ أَعْمالِ الْعِبَادِ، كَما قالَ رَسُولُ اللهِ : «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبَ وَرَمَضانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمالُ إِلَى رَبِّ الْعالَمِينَ» [حسنه الألباني].

ثانِيًا: الصِّيامُ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي السُّنَّةِ ما يَدُلُّ عَلَى عِنايَةِ النَّبِيِّ  بِالصِّيامِ فِي هَذَا الشَّهْرِ، كَما فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها، أَنَّ النَّبِيَّ : «كانَ يَصُومُ شَعْبانَ كُلَّهُ»، وَفِي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «كانَ يَصُومُ شَعْبانَ إِلَّا قَلِيلًا»، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ  كانَ تَارَةً يَصُومُ شَعْبانَ كُلَّهُ، وَتارَةً يَصُومُ أَكْثَرَهُ، وَفِي سُنَنِ أَبِي داوُدَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها قالَتْ: “كانَ أَحَبُّ الشُّهُورِ إِلَيْهِ أَنْ يَصُومَهُ شَعْبانَ، ثُمَّ يَصِلُهُ بِرَمَضانَ”.

ثالِثًا: أَنَّ مِنْ أَسْبابِ الْعِنايَةِ بِصِيامِ شَهْرِ شَعْبانَ أَنَّهُ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبابِ عِمارَةِ أَوْقاتِ غَفْلَةِ النَّاسِ بِالطَّاعَةِ، كَمَا كانَ طائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ يَسْتَحِبُّونَ إِحْياءَ ما بَيْنَ المغْرِبِ وَالْعِشاءِ بِالصَّلاةِ، وَيَقُولُونَ هِيَ ساعَةُ غَفْلَةٍ، ومِثْلُ ذَلِكَ اسْتِحْبابُ ذِكْرِ اللهِ تَعالَى فِي السُّوقِ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ فِي مَوْطِنٍ تَكْثُرُ فِيهِ الْغَفْلَةُ، وَكَذَلِكَ قِيامُ اللَّيْلِ، فَإِنَّ أَجْرَهْ عَظِيمٌ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ النَّوْمِ وَالرَّاحَةِ وَالْغَفْلَةِ عَنِ الْعِبادَةِ.

كُلُّ ذلك يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ فِي أَوْقاتِ الْغَفْلَةِ أَعْظَمُ ثَوابًا، وَهُوَ أَشَقُّ عَلَى النُّفُوسِ، وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ هُوَ أَنَّ الْعَمَلَ إِذَا كَثُرَ المشارِكُونَ فِيهِ سَهُلَ، وَإِذَا كَثُرَتِ الْغَفَلاتُ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُتَيَقِّظِينَ.

رابعًا: لا يجوزُ صيامُ آخِرِ يَوْمَيْنِ مِنْ شَعْبانَ، إِلَّا إِذَا كانَ الشَّخْصُ قَدِ اعْتَادَ صَوْمًا مُعَيَّنًا فَوافَقَ آخِرَ يَوْمٍ أَوْ آخِرَ يَوْمَيْنِ، كَمَنِ اعْتَادَ صَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، فَوافَقَ ذَلِكَ آخِرَ شَعْبانَ، وَكَذَلِكَ مَنِ اعْتَادَ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا وَيُفْطِرَ يَوْمًا، أَوْ أَنْ يَصُومَ آخِرَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، أَوْ كانَ عَلَيْهِ قَضاءٌ مِنْ رَمَضانَ الْفَائِتِ، وَيَنْبَغِي التَّنْبِيهُ عَلَى أَمْرٍ مُهِمٍّ، وَهُوَ أَنَّ بَعْضَ المسْلِمِينَ يَتَساهَلُ فِي قَضاءِ رَمَضانَ الْفَائِتِ، حَتَّى يَضِيقَ عَلَيْهِ الْوَقْتُ، فَلا يَتَمَكَّنَ مِنْ قَضاءِ ما عَلَيْهِ مِنْ أَيَّامٍ، وَلا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُؤَخِّرَ الْقَضاءَ إِلَى أَنْ يُدْرِكَهُ رَمَضانُ الْآخَرُ إِلَّا لِعُذْرٍ، فَإِنْ أَخَّرَ الْقَضاءَ بِلَا عُذْرٍ فَيَجِبُ عَلَيْهِ مَعَ التَّوْبَةِ وَالْقَضاءِ أَنْ يُطْعِمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ أَخَّرَهُ مِسْكِينًا.

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا.. وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

اَلْحَمْدُ للهِ عَلىَ إِحْسَانِهِ وَالشُّكْرُ لَهُ عَلىَ تَوْفِيْقِهِ وَاِمْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ اِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيْكَ لَهُ تَعْظِيْمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ الدَّاعِي إِلىَ رِضْوَانِهِ. أَمَّا بَعْدُ

عَبَادَ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ  وَأَطِيعُوهُ وَلا تَعصُوهُ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾، تَقَرَّبوُا إِلَىَ اللهِ تَعالَىَ بِالصَّالحاتِ، وَبادِروُا أَعْماركُمْ بما يُقَرِّبُكُمْ إِلَىَ رَبِّ الأَرْضِ وَالسَّماواتِ، واطْلُبوُا ما عِنْدَهُ مِنَ الخيْرِ؛ فَإِنَّهُ لا يُسْتَجْلَبُ ما عِنْدَ اللهِ إِلَّا بِطاعَتِهِ وَتَقْواهُ، ثُمَّ اعْلَمُوا إِنَّهُ مِمَّا شاعَ بَيْنَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ ما يَتَعَلَّقُ بِفَضْلِ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبانَ، وَقَدْ جاءَ فِيها جُمْلَةٌ مِنَ الْأَحادِيثِ لا يَصِحُّ مِنْها شَيْءٌ، وَلِهَذَا ذَهَبَ جَماهِيرُ الْعُلَماءِ مِنَ السَّلَفِ وَالخَلَفِ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِهَذِهِ الَّليْلَةِ فَضْلٌ، ذَهَبَ إِلَىَ ذَلكَ جَمَاعَاتٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَدِيمًا وَحَديثًا، فَلَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبانَ كَسائِرِ لَيالِي الزَّمانِ لَيْسِ لهَا فَضْلٌ يَخُصُّها، وَلا لهَا مَزِيَّةٌ تُمَيِّزُها عَنْ غَيْرِها. وَكَذَلِكَ ما وَرَدَ مِنْ مَشْرِوعِيَّةِ صِيامِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبانَ، أَوْ إِحْياءِ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْهُ بِالْقِيامِ وَالتِّلاوَةِ وَالدُّعاءِ؛ فَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ شَيْءٌ عَنِ النَّبِيِّ .

هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]

‎اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

عباد الله: اذْكُرُوْا الْلَّهَ الْعَظِيْمَ الْجَلِيْلَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوْهُ عَلَىَ وَافِرِ نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ الْلَّهِ أَكْبَرُ وَالْلَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُوْنَ.