إثر الشائعات والغيبة والنميمة في الفرد والمجتمع … ﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعالمينَ، قَيُّومُ السَّماواتِ وَالْأَرَضِينَ، مُدَبِّرُ الخلائِقِ أَجْمَعِينَ، وَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالمينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ؛ الملِكُ الْحَقُّ المبِينُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الصَّادِقُ الْأَمِينُ؛ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحابِهِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70، 71] أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ: مِنْ صِفَاتِ نَبِيِّنا صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كانَ يَسْأَلُ عَمَّنْ غابَ مِنْ أَصْحابِهِ، وَفِي غَزْوَةِ تَبُوكَ قالَ صلى الله عليه وسلم: «مَا فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ؟» قَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ: “يَا رَسُولَ اللهِ حَبَسَهُ بُرْدَاهُ وَالنَّظَرُ فِي عِطْفَيْهِ”، فَقَالَ لَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: “بِئْسَ مَا قُلْتَ، وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا” [رواه مسلم]، هَكَذا يُعَلِّمُنا دِينُنا مُحارَبَةَ الْإِشاعَاتِ، وَالتَّثَبُّتَ مِنَ الْأَخْبارِ قَبْلَ نَشْرِها؛ فَفِي النَّاسِ مُرْجِفُونَ، مُرَوِّجُونَ لِلْإِشاعاتِ، يَطْمِسُونَ الْحَقائِقَ، وَيَنْشُرُونَ الْكَراهِيَةَ وَالْفِتَنَ، وَيَسْتَبِيحُونَ أَعْراضَ النَّاسِ؛ فَقُلُوبُهُمْ مَرِيضَةٌ، وَأَفْعالُهُمْ وَأَقْوالُهُمْ خَطِيرَةٌ، وَأَلْسِنَتُهُمْ سَلِيطَةٌ، وَأَخْبارُهُمْ مُوْهِنَةٌ، فَهُمْ مِعْوَلُ هَدْمٍ فِي الْأُمَّةِ؛ فَعَلَى المؤْمِنِ أَنْ يَحْفَظَ لِسانَهُ مِنَ الْخَوْضِ مَعَهُمْ، قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]. وَنَحْنُ مُطالَبُونَ بِالصَّمْتِ إِلَّا إِذَا كَانَ الْكَلَامُ خَيْرًا؛ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ المَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ» [متفق عليه].
أَيُّها المسْلِمُونَ: شَّائِعاتٌ وَأَخْبارٌ تَتَناقَلُها المجالِسُ وَالمنْتَدَياتُ، وَعَبْرَ وَسائِلِ التَّواصُلِ، مِنْ مَصادِرَ مَجْهُولَةٍ تَبُثُّ الْأَراجِيفَ، وَتُثِيرُ الْفِتَنَ وَالمخاوِفَ فِي المجْتَمَعِ؛ يَقِفُ وَراءَها أَعْداءٌ مُتَرَبِّصُونَ، يُرِيدُونَ تَدْمِيرَ الْأُمَّةِ، وَشَقَّ صَفِّها، وَتَمْزِيقَ وِحْدَتِها؛ يَبْتُرُونَ الْعِباراتِ، وَيَقْطَعُونَ النُّصُوصَ عَنْ سِياقاتِها، وَيُعَلِّقُونَ عَلَيْها بِأَكاذِيبَ، فَيُظْهِرُونَ المجْتَمَعاتِ وَكَأَنَّها فاسِدَةٌ لا تَحْمِلُ خَيْرًا أَبَدًا، يُضَخِّمُونَ الْحَدِيثَ عَنِ الْفاسِدِينَ وَالمنْحَرِفِينَ، فَيَظُنُّ السَّامِعُ أَنَّ الثَّابِتِينَ عَلَى الْحَقِّ وَالصَّالِحينَ قَلِيلٌ؛ لِذَا يُعَدُّ الْإِرْجَافُ وَنَشْرُ الشَّائِعاتِ مِنْ أَخْطَرِ اَلْجَرَائِمِ اَلْمُهَدِّدَةِ لِأَمْنِ المجْتَمَعاتِ. وَالمؤْمِنُ يا عِبادَ اللهِ مُطالَبٌ شَرْعًا بِعَدَمِ التَّسَرُّعِ بِإِذاعَةِ الْأَخْبارِ؛ قالَ تَعالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾، وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مَا يَتَبيَّنُ فيهَا يَزِلُّ بهَا إِلَى النَّارِ أبْعَدَ مِمَّا بيْنَ المشْرِقِ والمغْرِبِ« [متفقٌ عليه]، أَيْ أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِما لا يُفَكِّرُ فِي عَواقِبِهِ، وَلا ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ المفاسِدِ، وَقالَ صلى الله عليه وسلم: »كَفَى بِالمرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ ما سَمِعَ« [رواه مسلم]، فَالَّذِي يُحَدِّثُ بِكُلِّ ما سَمِعَ مِنْ غَيْرِ تَحَرٍّ عَنْ صِحَّةِ الْخَبَرِ، أَوْ يَخُوضُ فِي الشَّأْنِ الْعامِّ، وَلَيْسَ مُخَوَّلًا بِالْحَدِيثِ فَإِنَّهُ قَدْ تَحَمَّلَ إِثْمًا كَبِيرًا.
وَالْغِيبَةُ وَالنَّمِيمَةُ، وَتَرْوِيجُ الشَّائِعاتِ وَالْأَخْبارِ الْكاذِبَةِ حَرامٌ؛ قالَ صلى الله عليه وسلم: »أَتَدْرُونَ ما الْغِيبَةُ؟!«، قالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قالَ: »ذِكْرُكَ أَخاكَ بِما يَكْرَهُ«، قِيلَ: أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ فِي أَخِي ما أَقُولُ؟! قالَ: »إِنْ كانَ فِيهِ ما تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ما تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ« رواه مسلم. أَيْ: إِنْ كانَ ما يُقالُ فِيهِ حَقِيقَةً فَهَذِهِ الْغِيبَةُ الْمَنْهِيُّ عَنْها، وَإِنْ كانَ بَرِيئًا فَهَذَا ِافْتِراءٌ وَاعْتِداءٌ عَلَى الْعِرْضِ، ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: 15]. وَعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها قالَتْ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: “حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا”، تَعْنِي أَنَّها قَصِيرَةٌ”، فَقالَ لَها: “يا عَائِشَةُ: لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِماءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ” أَيْ: غَيَّرَتْ طَعْمَهُ؛ فَالْغِيبَةُ تُفْسِدُ الْقُلُوبَ، وَتَزْرَعُ الشُّرُورَ، وَتُؤَجِّجُ الْفِتَنَ، وَتَجُرُّ إِلَى عَظِيمِ الموْبِقاتِ وَالمهْلِكاتِ، وَتُوْقِعُ صاحِبَها فِي النَّدَمِ فِي وَقْتٍ لا يَنْفَعُهُ النَّدَمُ، وَتُنْبِتُ الْحِقْدَ وَالْحَسَدَ، وَتَجْلِبُ الشِّقاقَ وَالْخِلافَ وَالْعَدَاوَاتِ فِي الْبُيُوتِ، وَبَيْنَ الْجِيرانِ وَالْأَقْرِباءِ، وَتُنْقِصُ الْحَسَناتِ، وَتُكْثِرُ السَّيِّئاتِ، وَهِيَ مِنَ الْكَبائِرِ؛ قالَ تَعالَى: ﴿وَلَا يَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتًا فَكَرِهۡتُمُوهُۚ﴾ [الحجرات: 12]، وَقالَ تَعالَى: ﴿وَلَا تُطِعۡ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ هَمَّازٍ مَّشَّآءِۭ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: 10-11]، قال صلى الله عليه وسلم: »لَمَّا عُرِجَ بِي مَرَرْتُ بِقومٍ لهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحاسٍ، يَخْمُشُونَ وُجُوهَهُمْ وصُدُورَهُمْ، فقُلْتُ: مَنْ هَؤُلاءِ يا جِبْرِيلُ؟ قالَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ ، وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ« [صححه الألباني]، وَقالَ صلى الله عليه وسلم: »لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ« [متفق عليه]، وَالْقَتَّاتُ النَّمَّامُ، يَنْقِلُ الْكَلامَ؛ لِيُفْسِدَ ما بَيْنَ النَّاسِ، وَأَهْلُ الْإِرْجافِ وَالشَّائِعاتِ مَلْعُونُونَ؛ قالَ تَعالَى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: 60، 61]؛ فَعَلَى المؤْمِنينَ أَلَّا يَسْتَعْجِلُوا بِإِشاعَةِ الْأَخْبارِ، بَلْ يَرُدُّونَها إِلَى أُوْلِي الْأَمْرِ، مِمَّنْ يَعْرِفُونَ الْأُمُورَ عَلَى حَقِيقَتِها، وَيُدْرِكُونَ خَيْرَها وَشَرَّها، قالَ تَعالَى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]. فَلَا يَسْتَصْغِرَنَّ أَحَدٌ شَأْنَ الْغِيبَةِ؛ فَذَنْبُها عَظِيمٌ، وَخَطَرُها جَسِيمٌ، وَهِيَ مِنْ حُقُوقِ الْعِبادِ، لا تَحَلُّلَ مِنْها إِلَّا بِالْعَفْوِ مِمَّنِ اغْتِيبَ.
عِبادَ اللهِ: الْقَضاءُ عَلَى الشَّائِعاتِ يَحْتاجُ إِلَى التَّعاضُدِ وَالتَّعاوُنِ بَيْنَ الرُّعاةِ وَالرَّعِيَّةِ، وَوِحْدَةِ الصَّفِّ وَاجْتِماعِ الْكَلِمَةِ، وَالْحِكْمَةِ وَالتَّرَوِّي، بَعِيدًا عَنِ الْعَواطِفِ وَالمشاعِرِ المجَرَّدَةِ عَنِ الْحَقائِقِ، وَالْحَذَرِ مِنَ الْجِدالِ فِي وَسائِلِ التَّواصُلِ الِاجْتِماعِيِّ، فِيما لا نَفْعَ فِيهِ، وَضَرَوُرَةِ اسْتِقاءِ المعْلُوماتِ مِنْ مَصادِرِها الموْثُوقَةِ، خاصَّةً فِي زَمَنِ الذَّكاءِ الاِصْطِناعِيِّ، وَتَوْلِيدِ الْفِيْدْيُوهاتِ، وَتَرْكِيبِ الصُّوَرِ؛ فَصارَ لِزامًا التَّثَبُّتُ، وَعَدَمُ التَّسَرُّعِ فِي إِصْدارِ الْحُكْمِ، أَوْ نَشْرِ الْأَخْبارِ؛ فَالْمَسْلَكُ خَطِيرٌ، وَالْإِثْمُ عَظِيمٌ، وَنَحْنُ جَمِيعًا فِي خَنْدَقٍ واحِدٍ وَسَفِينَةٍ واحِدَةٍ؛ فَإِذَا لَمْ يَكُنِ المسْلِمُ مَصْدَرَ أَمانٍ وَطُمَأْنِينَةٍ لِمُجْتَمَعِهِ، فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَسْكُتَ؛ كَمَا قالَ صلى الله عليه وسلم: »مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ« [متفق عليه].
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا.. وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ للهِ وَكَفَى، وَسَلامٌ عَلَى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، وَبَعْدُ، فَاتَّقُوا اللهَ عِبادَ اللهِ حَقَّ التَّقْوَى، فَالمؤْمِنُ يَتَوَثَّقُ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ في أَمْرٍ أَوْ يَنْشُرَهُ، وَيَعْلَمُ أَنَّهُ غَدًا مَوْقُوفٌ بَيْنَ يَدَيِ رَبِّهِ، فَيُعْرُضُ عَلَيْهِ عَمَلُهُ، وَيُحاسَبُ عَلَيْهِ ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: 227]، كانَ ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه يَحْلِفُ بِاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ: “مَا عَلَى الْأَرْضِ شَيْءٌ أَحْوَجُ إِلَى طُولِ سِجْنٍ مِنْ لِسَانٍ”. وَقَالَ الْحَسَنُ: “اللِّسَانُ أَمِيرُ الْبَدَنِ؛ فَإِذَا جَنَى عَلَى الْأَعْضَاءِ شَيْئًا جَنَتْ؛ وَإِذَا عَفَّ عَفَّتْ”. وَاللِّسَانُ تَرْجُمَانُ الْقَلْبِ وَالْمُعَبِّرُ عَنْهُ، وَقَدْ أُمِرْنَا بِاسْتِقَامَةِ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، قَالَ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ الْإِنْسَانَ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ يَمْلِكُ كَلَامَهُ، فَإِذَا تَكَلَّمَ مَلَكَهُ كَلَامُهُ، وَاعْلَمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- أَنَّ الْفِتَنَ وَالمخاطِرَ وَمُنْكَراتِ الْأُمُورِ تَحْدُثُ بِسَبَبِ انْتِشارِ الشَّائِعاتِ وَالْأَكاذِيبِ عَلَى أَلْسِنَةِ أُناسٍ غَيْرِ مُؤَهَّلِينَ، وَلَا مُتَخَصِّصِينَ، يَدَّعُونَ الْعِلْمَ وَالْفَتْوَى.
وَاحْذَرُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- السَّيْرَ وَراءَ كُلِّ ناعِقٍ، خاصَّةً فِي الشَّأْنِ الْعامِّ، وَما يَتَعَلَّقُ بِجَماعَةِ المسْلِمِينَ وَإِمامِهِمْ، فَمَا أَثْمَرَتِ الشَّائِعاتُ إِلَّا خَرابًا وَدَمارًا، وَانْقِسامًا وَتَهْجِيرًا. وَالْحَمْدُ للهِ أُمَّتُنا أُمَّةُ تَعاوُنٍ وَتَعاطُفٍ وَتَناصُحٍ وَإِخْلاصٍ، لا أُمَّةُ تَخاذُلٍ وَتَخاصُمٍ وَغِشٍّ وَخِداعٍ: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2]، أَعاذَنا اللهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ شُرُورِ الْفِتَنِ، ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ.
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ،
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وآله وصحبه أجمعين. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالمشْرِكِينَ، وَدَمِّرْ أَعْداءَ الدِّينِ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلادِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.
لطائف الطائف (4-5)
أ. د. عائض محمد الزهراني
الطائف…
عطرُ المجد الذي لا يذبل
حين تتنفس الأرض ذاكرة، وتفوح الحجارة عبقًا،
وتتحول المدن إلى قصائد تمشي على التراب،
فإنك في الطائف…
المدينة التي لا تُقرأ، بل تُرتّل.
لا تُزار، بل تُعاش.
الطائف ليست بداية جغرافية، بل مطلع لحكايةٍ لا تنتهي.
هي الوجه
الذي يقابلك بالدهشة،
ويصافحك بالتاريخ،
ويهمس لك أن المجد
إذا سكن مدينةً، فلن يبرحها.
في الطائف،
لا تبدأ الحكاية من شارعٍ أو حي، بل من نسمةٍ تحمل
عبق التاريخ، ومن ظلّ شجرةٍ يهمس بقصيدةٍ منسية.
هنا، لا تُقرأ المدينة
كبقية المدن، بل تُتذوّق
كما يتذوّق الشاعر بيته الأول. الطائف ليست موقعًا
على الخريطة فحسب،
بل موقع في الذاكرة،
وفي الذائقة،
وفي القصيدة العربية
حين كانت تُنشد
في مواسم العز والمفاخر.
هي مدينةٌ تتقدّم بخُطى الوردة، وتتحدث بلغة الجبل،
وتكتب فصولها
بالحكمة والحنين.
على سفوحها
سارت قوافل الأنبياء،
وبين وديانها
ردّدت القبائل أشعارها.
هنا، وقف النبي محمد ﷺ يدعو، ويصبر، ويزرع في الأرض إيمانًا نبتَ وامتدّ.
وهنا تعاقبت حضارات، وتمازجت لهجات،
وتقاطعت طرق التجارة والمعرفة، حتى أصبحت الطائف حاضرة
لا تغيب
عن سجلّ الذاكرة
الإسلامية والعربية.
وسُقيت من عين التاريخ
حتى ارتوت بالحكمة والبطولة.
وفي قلبها التاريخي،
ينبض سوق عكاظ،
ذلك المهرجان الخالد،
حيث لم تكن تُباع السلع،
بل كانت تُوزن الكلمات
وتُقدّر البلاغة،
وتُقاس الأمم
بقوة خطابها وصفاء بيانها.
هو السوق الذي وقف فيه النابغة وأساطين الشعراء، وتحاور فيه الفكر والسيف، وارتفعت فيه الكلمة
حتى جاورت النجم.
واليوم، تعود الطائف لتُحيي عودة عكاظ قريبا
لا بوصفه فعالية فنية،
بل كمنبر للهوية،
وساحة للمثاقفة،
ومجال لصياغة وعيٍ جديد بجمال الانتماء وبهاء الكلمة.
لكن الطائف لا تقف
عند حدود التاريخ،
بل تسير نحو المستقبل
بثباتٍ لا يعرف التردد.
بعينٍ ترى الجذور،
وقلبٍ يعانق الرؤية،
تقود المدينة نهضتها
برعاية صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن نهار بن سعود آل سعود،
الذي لم يكن محافظًا
في منصب، بل رائدًا لفكرة، وصوتًا لمدينةٍ
تعرف قيمتها.
في عهده، شهدت الطائف تحولات نوعية،
لا في العمران فقط،
بل في الوعي والتخطيط والانتماء.
من إنشاء المطار الدولي الجديد
إلى تطوير واجهات المدينة ومرافقها، ومن إطلاق المنتديات الاستثمارية الكبرى إلى ترسيخ الهوية السياحية والثقافية،
أصبحت الطائف واحدة
من أنصع نماذج التنمية
المتزنة في المملكة،
بل في العالم العربي بأسره.
بجهود مسؤولي المدينة وقادتها التنفيذيين،
تحوّلت الطائف إلى مساحة مزروعة بالجمال،
لا تُقصى فيها الذاكرة،
بل تُستحضر بعناية
وتُلبس أثوابًا عصرية تليق بها. تحوّلت الشوارع إلى أنغامٍ معمارية،
والحدائق إلى دواوين شعرٍ خضراء،
والأسواق إلى روافد ثقافية تحكي عن ماضٍ لا يُنسى ومستقبل لا يُؤجَّل.
في الطائف، لا يتعارض القديم والجديد،
بل يتحاوران كما يتحاور
العطر والنسيم،
والقصيدة والحرف.
ولهذا، لم يكن غريبًا
أن يُطلق على الطائف لقب “مدينة الأدب”،
وأن تكون مرشحةً لتكون عاصمة للثقافة الإسلامية،
فهي ليست فقط
مهدًا للتاريخ،
بل منجمًا للإبداع،
وملتقىً للغة،
ومجالًا للحوار الفكري
الممتد من جبالها
حتى آفاق العالم.
كل شجرة فيها
تنبض بقصيدة،
وكل زاويةٍ فيها تُومض
باسم شاعر،
وكل لحظةٍ فيها
تدعوك لتكتب،
لتتأمل، ولتؤمن أن الجمال ليس حالة عابرة،
بل جوهر يسكن المكان.
فالطائف، في مزيجها الفريد بين العراقة والرؤية،
بين السوق والقصيدة،
بين الإنسان والمكان،
لا تختصرها عبارة،
ولا توفيها وصف،
لأنها ببساطة،
ليست مجرد مدينة،،
بل روح تتجلّى، وتاريخ يُنطق، وبهاء يُحيا.
إنها المكان الذي إن سرت فيه، سمعت التاريخ يهمس لك،
وإن جلست فيه،
شعرت بالهوية تحتضنك،
وإن كتبت عنها،
لم تُنهِ سطورك،،
بل بدأت.
الطائف عطرُ المجد
الذي لا يذبل،
ومقام الجمال
حين يُصبح للمدن ذاكرة، وللأماكن قلب
المرأة بين بيت أبيها وبيت زوجها العنيف :
أيها الرجل العنيف:
إذا تزوجت بامرأةٍ ، فاعلم أنها لم تكن جائعة في بيت أبيها لتشبعها أنت ،،،
ولم تكن عارية في بيت أبيها لتكسوها أنت ،،،،
وأعلم أن بعضهن كانت عند أبيها أعز منها في بيتك ، وأغنى منها في بيتك،،،،
وبيت أبيها أوسع من بيتك.
هي أتت لتبني معك أسرة جديدة،
لتكون شريك حياة ورفيق درب ،،،
تريد الاهتمام، ،،،
تريد المحبة، ،،،،
تريد الرحمة،،،
تريد العطف والحنان،،،،
تريد الأمان، والاستقرار ،،،
تريد السكن العاطفي والهدوء النفسي.
فاحرص على إكرامها نفقةً قدر استطاعتك.
واكرمها فوق استطاعتك حباً ومودةً وتقديرًا
وإياك أن تهينها ، فما أكرمهن الا كريم ولا أهانهن إلا لئيم.
واحرص على انفاذ وصية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم القائل ( استوصوا بالنساء خيرا ).
*بين الحياة والبقاء.. “صوت الجحود”*
د. عبدالرحيم الزهراني
https://www.makkahnews.sa/5463479.html
منصةx
https://x.com/makkahnews1/status/1938134957127352641?s=46
شهر الله المحرم ويوم عاشوراء 9/ 1/ 1447 ﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾
إِنَّ الحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا، وَسَيِّئاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَعَلَيْكُمْ بِالْجَماعَةِ؛ فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ مَعَ الْجَماعَةِ، وَمَنْ شَذَّ شَذَّ إِلَى النَّارِ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يا أَيُّها النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِن نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيرًا ونِساءً واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أعْمالَكُمْ ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾، أَمَّا بَعْدُ عِبَادَ اللهِ: فَقَدْ أَخْبَرَنَا اللهُ سُبْحَانَهُ عَنْ عِدَّةِ الشُّهُوْرِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ﴾ [التوبة:36] وَآخِرُ هَذِهِ الأَشْهُرِ الحُرُمِ شَهْرُ اللهِ الـمُحَرَّمُ، الَّذِيْ أَظَلَّنا قَبْلَ أَيَّامٍ، وَهُوَ أَوَّلُ شُهُوْرِ السَّنَةِ الِهجْرِيَّةِ، وَلَهُ مِنَ الـمَكَانَةِ مِثْلُ ما لبَقِيَّةِ الشُّهُوْرِ الحُرُمِ قَبْلَهُ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: لقَدْ أَوْصَانَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالصِّيَامِ فِي شَهْرِ اللهِ الـمُحَرَّمِ، وَجَعَلَ لِلصَّوْمِ فِيْهِ فَضْلًا عَلَى الصَّوْمِ فِي غَيْرِهِ مَا عَدَا صَوْمِ رَمَضَانَ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ الـمُحَرَّمُ»[رواه مسلم]. فَحَرِيٌّ بِنَا أَنْ نَبْدَأَ عَامَنَا بِالطَّاعَاتِ، وَمِنْهَا صَوْمُ بِضْعَةِ أَيَّامٍ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ الـمُبَارَكِ؛ لِعِظَمِ ثَوَابِهِ عِنْدَ اللهِ، وَمِنْ ذَلِكَ صِيَامُ عَاشُوْرَاءَ: وَهُوَ اليَوْمُ العَاشِرُ مِنْ الشَّهْرِ، وَهُوَ اليَوْمُ الَّذِي نَجَّى اللَّهُ فِيِهِ نَبِيَّهُ مُوْسَى عليه السلام وَقَوْمَهُ مِنْ فِرْعَونَ، فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [إبراهيم:6]، وَلِهَذَا؛ سَنَّ لَنَا نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم صِيَامَ هَذَا اليَوْمِ، فَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: “قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟» قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَصَامَهُ مُوسَى، قَالَ: «فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ»، فَصَامَهُ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ” رواه البخاري. وَأَخْبَرَنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ صَوْمَهُ يُكَفِّرُ ذُنُوبَ السَّنَةِ الـمَاضِيَةِ، فَعَنْ أَبِيْ قَتَادَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُوْرَاءَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَة َالَّتِي قَبْلَهُ» رواه مسلم. وَصِيَامُ التَّاسِعِ مَعَ العَاشِرِ مُسْتَحَبٌّ مُخَالَفَةً لِلْيَهُوْدِ، فَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «لَئِنْ بَقِيْتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُوْمَنَّ التَّاسِعَ» رواه مسلم وأبو داود وغيرهما. وَلَا بُدَّ لَنا مَعَ هَذِهِ الْقِصَّةِ الْعَظِيمَةِ مِنْ وَقَفَاتٍ:
وَأُوْلَى هَذِهِ الوَقَفَاتِ: أَنَّ نَجَاةَ بَنِي إِسْرَائِيْلَ مِنْ فِرْعَوْنَ فِي عَاشُوْرَاءَ تُعَلِّمُنَا أَنْوَاعَ التَّوْحِيْدِ الثَّلَاثَةَ: فَتَوْحِيْدُ الرُّبُوْبِيَّةِ ظَاهِرٌ فِي تَدْبِيْرِ اللهِ لِعِبَادِهِ الـمُؤْمِنِينَ، وَأَنَّهُ الخَالِقُ، يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ مَتَى شَاءَ، وَكَيْفَ شَاءَ، فَقَدْ حَوَّلَ اللهُ البَحْرَ طَرِيْقًا يَابِسًا؛ لِيَجْعَلَهُ سَبَبًا لِنَجَاةِ عِبَادِهِ، وَتَوْحِيْدُ الأُلُوْهِيَّةِ ظَاهِرٌ فِي هَذِهِ القِصَّةِ بِالدُّعَاءِ وَصِدْقِ التَّوَكُلِ، وَالخُضُوعِ وَالذُّلِّ وَالتَّعْظِيْمِ للهِ، وَتَوْحِيْدُ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ يَتَجَلَّى عِنْدَ اسْتِحْضَارِ كُلِّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ الحُسْنَى وَصِفَاتِهِ العُلَى، مِمَّا يُنَاسِبُ أَحْدَاثَ هَذِهِ القِصَّةِ، فَاللهُ هُوَ القَادِرُ أَمَرَ البَحْرَ فَانْفَلَقَ، وَهُوَ السَّمِيْعُ البَصِيْرُ العَلِيْمُ سَمِعَ دَعَوَاتِ عِبَادِهِ الـمُسْتَضْعَفِينَ، وَرَأَى عَدُوَّهُمْ يُطَارِدُهُمْ، وَعَلِمَ بِحَالِهِمْ، وَهُوَ الرَّؤُوْفُ الرَّحِيْمُ بِعِبَادِهِ الـمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ القَرِيْبُ الـمُجِيْبُ لِدُعَائِهِمْ، وَهُوَ العَزِيْزُ الجَبَّارُ انْتَقَمَ لَهُمْ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهُ، فَأَغْرَقَهُمْ فِيْ اليَمِّ.
الوَقْفَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ دِيْنَ اللهِ مَنْصُورٌ، وأَنَّ الحَقَّ غَالِبٌ، وَإِنْ طَالَ الزَّمَنُ، أوْ اسْتَبْطَأَ بَعْضُ الـمُؤْمِنِيْنَ ذَلَكَ النَّصْرَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة:21]. فَقَدِ اسْتَبْطَأَ بَعْضُ بَنِيْ إسْرَائِيْلَ النَّصْرَ، وَاشْتَكَوْا إِلَى مُوْسَى عليه السلام لَكِنْ حِيْنَمَا أَذِنَ اللهُ بِنَصْرِهِمْ؛ جَاءَهُمْ الفَرَجُ، وَأَهْلَكَ اللهُ عَدُوَّهُمْ، وَمَكَّنَهُمْ فِي الأَرْضِ لِيَنْظُرَ كَيْفَ يَعْمَلُوْنَ.
الوَقْفَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ شُكْرَ اللهِ عَلَى النِّعْمَةِ؛ إِنَّمَا يَكُوْنُ بِطَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ بِمَا شَرَعَ، وَلَا يَكُوْنُ بِمَعْصِيَتِهِ وَلا بِالابْتِدَاعِ، فَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم صَامَ ذَلِكَ اليَوِمَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، وَقَبْلَهُ فَعَلَ نَبِيُّ اللهِ مُوْسَى عليه السلام مِثْلَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَشْرَعِ اللهُ سُبْحَانَهُ وَلَا نَبِيُّهُ صلى الله عليه وسلم لَنَا فِي مِثْلِ هَذَا اليَوْمِ وَلَا فِي غَيْرِهِ أَنْ نُظْهِرَ الفَرَحَ بِارْتِكَابِ شَيْءٍ مِنَ الـمَعَاصِيْ، وَلَا بِمُخَالَفَةِ الشَّرْعِ وَفِعْلِ البِدَعِ الَّتِي مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ.
الوَقْفَةُ الرَّابِعَةُ: وَهِيَ أَنَّ التَّوَكُّلَ عَلَى اللهِ لَا يَعْنِي التَّوَاكُلَ، فَتَرْكُ الأَسْبَابِ نَقْصٌ فِي العَقْلِ، وَخَلَلٌ فِي تَطْبِيْقِ الشَّرْعِ، كَمَا أَنَّ التَّعَلُّقَ بِالأَسْبَابِ وَحْدَهَا نَقْصٌ فِي الدِّينِ، وَدِيْنُنُا يُعَلِّمُنَا الوَسَطِيَّةَ؛ فَاللهُ يَأْمُرُنَا أَنْ نَفْعَلَ السَّبَبَ وَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ خَالِقُنَا وَخَالِقُ الأَسْبَابِ، وَأَنَّ الأَسْبَابَ مُؤَثِّرَةٌ لَكِنْ بَقَدَرِ اللهِ وَمَشِيْئَتِهِ، وَنُلاحِظُ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ مُوْسَى عليه السلام فَقَدْ كَانَ اللهُ جَلَّ وَعَلَا قَادِرًا عَلَى أَنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الْبَحْرَ طَرِيْقًا مِنْ غَيْرِ ضَرْبَةِ عَصَا، أَوْ أَنْ يُهْلِكَ فِرْعَونَ وَهُوَ فِي قَصْرِهِ، قَبْلَ أَنْ يُطَارِدَهُمْ أَصْلًا، لَكِنَّ اللهَ يُعَلِّمُ بَنِيْ إِسْرَائِيْلَ وَيُعَلِّمُنَا أَنَّ هُنَاكَ أَسْبَابًا قَدَّرَهَا لَنَا، وَأَمَرَنَا أَنْ نَتَّخِذَهَا دُوْنَ أَنْ نُعَلِّقَ قُلُوْبَنَا بِهَا.
الوَقْفَةُ الخَامِسَةُ: الخَوْفُ مِنَ الأَخْطَارِ أَمْرٌ جِبِلِّيٌّ وَطَبِيْعَةٌ بَشَرِيَّةٌ، وَهُوَ الشُّعُوْرُ الَّذِيْ رَاوَدَ بَنِيْ إِسْرَائِيْلَ، حِيْنَمَا رَأَوْا جَيْشَ فِرْعَوْنَ يَقْتَرِبُ مِنْهُمْ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾[الشعراء:62]. لَكِنَّ الإِيْمَانَ بِاللهِ وَالتَّوَكُّلَ عَلَيْهِ يَصْرِفُ هَذَا الخَوْفَ، وَيُرْشِدُ الإِنْسَانَ إِلَى التَّصَرُّفِ السَّلِيْمِ حِيْنَمَا يَثِقُ بِوَعْدِ اللهِ وَحُسْنِ تَدْبِيْرِهِ، وَلِهَذَا كَانَ جَوَابُ مُوْسَى عليه السلام لِقَوْمِهِ وَاضِحًا لَا لَبْسَ فِيْهِ، إِذْ قَالَ لَهُمْ بِكُلِّ ثِقَةٍ: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّيْ سَيَهْدِيْنِ﴾[الشعراء:62]. اللَّهُمَّ آمِنْ خَوْفَنَا يَوْمَ الفّزَعِ الأَكْبَرِ، وَوَفِّقْنَا لِشُكْرِ نِعَمِكَ الجَزِيْلَةِ، وَأَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَطَاعَتِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا.. وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾
الحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى عَظِيمِ إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى مَزِيْدِ فَضْلِهِ وَامْتِنَانِهِ، والصَّلَاةُ وَالسَّلامُ عَلَى نَبِيِّهِ الهَادِيْ إِلَى رِضْوَانِهِ، أَمَّا بَعْدُ عِبادَ اللهِ: فَاتَّقُوْا اللهَ عِبَادَ اللهِ، فَمَنِ اتَّقَى اللهَ وَقَاهُ، وَمَنِ اسْتَرْشَدَهُ هَدَاهُ ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: 16].
الوَقْفَةُ السَّادسةُ مِنْ فَوَائِدِ هَذِهِ الْقِصَّةِ: أَنَّ الـمُعَلِّمَ الصَّالِحَ، وَالـمُرَبِّيَ الفَالِحَ يَسْتَثْمِرُ الـمَوَاقِفَ، وَيُوَظِّفُهَا لِخِدْمَةِ دِيْنِ اللهِ تَعَالَى، فَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لـَمَّا هَاجَرَ لِلْمَدِيْنَةِ، وَوَجَدَ اليَهُوْدَ يَصُوْمُونَ عَاشُوْرَاءَ، اسْتَثْمَرَ هَذَا الحَدَثَ، وَسَأَلَ عَنْهُ وَعَنْ سَبَبِهِ، ثُمَّ أَبْلَغَ صَحَابَتَهُ الكِرَامَ بِأَنَّهُ أَوْلَى بِمُوْسَى عليه السلام مِنْ أُوْلَئِكَ اليَهُوْدِ، الَّذِينَ خَالَفُوْا شَرْعَهُ، وَحَرَّفُوا كِتَابَهُ، ثُمَّ أَمَرَ الصَّحَابَةَ بِصِيَامِ ذَلِكَ اليَوْمِ شُكْرًا للهِ عَلَى نِعْمَتِهِ، وَفِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ» إِشارَةٌ إِلَى أَنَّ المؤْمِنينَ الْمُوَحِّدِينَ فِي كُلِّ زَمانٍ وَمَكانٍ إِخْوَةٌ مُتَحابُّونَ، وَجَسَدٌ وَاحِدٌ.
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالمشْرِكِينَ، وَدَمِّرْ أَعْداءَ الدِّينِ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلادِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلا تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.
الإِجَازَةُ وَاسْتِغْلالُ الأَوْقَاتِ
﴿الخُطْبَةُ الْأُوْلَى﴾ 1/ 1/ 1447
الْحَمْدُ لِلَّهِ مُكَوِّرِ اللَّيْلِ عَلَى النَّهَارِ، وَمُكَوِّرِ النَّهَارِ عَلَى اللَّيْلِ، خَلَقَ الزَّمَانَ وَجَعَلَهُ مُسْتَوْدَعَ الْأَعْمَالِ، فَرَبِحَ المتَيَقِّظُونَ رِبْحًا عَظِيمًا، وَخَسِرَ المفَرِّطُونَ خُسْرانًا مُبِينًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ.. عِبَادَ الله: فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَاعْمُرُوا أَوْقَاتَكُمْ بِمَا يُرْضِيهِ سُبْحانَهُ؛ ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: كَثِيرٌ مِنَّا لا يُدْرِكُ قِيمَةَ نِعْمَةِ الْوَقْتِ وَالزَّمَنِ، وَأَنَّها مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ؛ وَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبابِ النَّجاحِ وَالْفَوْزِ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، فَإِنَّهُ إِنْ أُحْسِنَ اسْتِغْلالُهُ فِي عَمَلِ الدُّنْيا جاءَتْ نَتائِجُهُ الْباهِرَةُ مِنْ خَيْراتِ الْأَرْضِ وَالسَّماءِ، وَالْأُمَمُ الْعَظِيمَةُ تَعْرِفُ قِيمَةَ الْوَقْتِ؛ وَإِنِ اسْتُغِلَّ فِي عَمَلِ الْآخِرَةِ رَفَعَ صاحِبَهُ إِلَى أَعْلَى الْجِنانِ، فَالزَّمَنُ مَحَلُّ الْعِبادَةِ، وَقَدْ خُصِّصَتْ عِباداتٌ كَثِيرَةٌ بِأَوْقاتٍ مُحَدَّدَةٍ، وَقَدِ ارْتَبَطَتْ شَعائِرُ الْإِسْلامِ بِالْوَقْتِ؛ فَالصَّلاةُ؛ قالَ تَعالَى: ﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا﴾ [النساء: 103]، والزكاة: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141]، وَالصَّوْمُ: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾، وَقالَ تَعالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، قالَ صلى الله عليه وسلم: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبانَ ثَلَاثِينَ» [متفق عليه، واللفظ للبخاري]، وَالْحَجُّ قالَ تَعالَى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ [البقرة: 197].
وَلِعِظَمِ نِعْمَةِ الْوَقْتِ أَكْثَرُ ما أَقْسَمَ بِهِ اللهُ سُبْحانَهُ فِي كِتابِهِ الْوَقْتُ أَوْ ما لَهُ بِهِ صِلَةٌ، مِثْلُ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تجلى﴾ [الليل:1، 2]، ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سجى﴾ [الضحى:2،1]،﴿وَالشَّمْسِوَضُحَاهَا [الشمس:1]، ﴿وَالْعَصْرِ﴾[العصر:1]، ﴿فلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ [الانشقاق: 16، 17].
عِبادَ اللهِ: الوَقْتُ لا يَتَوَالَدُ وَلا يَتَمَدَّدُ، وَلا يَرْجِعُ إِلَى الوَرَاءِ، بَلْ هُوَ سَائِرٌ إِلَى الْأَمامِ، يَطْوِيِ اﻷْيَّامَ وَالشُّهُوْرَ وَاﻷْعْوَامَ، دُوْنَ أَنْ يَنْتَظِرَ أَحَدًا؛ فَالوَقْتُ هُوَ الحَيَاةُ، وَالْإِنْسَانُ الَّذِي لا يَمْلِكُ وَقْتَهُ وَلا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيْهِ هُوَ إِنْسَانٌ مَغْبُوْنٌ، وَهَذَا مَا أَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حِيْنَ قَالَ: «نِعْمَتَانِ مَغبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» [رواه البخاري].
فَالصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ، نِعْمَتَانِ عَظِيمَتَانِ، مَنِ اسْتَغَلَّهُمَا فِي طَاعَةِ اللهِ، وَفِيْمَا يَنْفَعُهُ فِي دِيْنِهِ وَدُنْيَاهُ فَهُوَ المغْبُوْطُ، وَمَنِ اسْتَعْمَلَهُمَا فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، وَفِيْمَا يَضُرُّهُ وَلا يَنْفَعُهُ فَهُوَ المغْبُوْنُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: يُعْرَضُ عَلَى ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَاعَاتُ عُمْرِهِ، فَكُلُّ سَاعَةٍ لَمْ يُحْدِثْ فِيهَا خَيْرًا تَقَطَّعَتْ نَفْسُهُ عَلَيْهَا حَسَرَاتٍ.
نَقُوْلُ هَذَا الكَلامَ وَنَحْنُ فِي كُلِّ عَامٍ، تَمُرُّ بِنَا وَبِأَبنَائِنَا أَوقَاتُ فَرَاغٍ مِنَ الدِّرَاسَةِ أَوِ العَمَلِ، كالإِجَازَاتِ أَوِ العُطَلِ، كَمَا هُوَ حَالُنَا الآنَ، وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ ضِيْقِ الصَّدْرِ بَعْدَ الذُّنُوبِ؛ الفَرَاغَ وَالِانْشِغَالَ بِالتَّوَافِهِ مِنَ الأُمُورِ، وَهَذَا حالُ بَعْضِ الشَّبابِ فِي هَذَا الزَّمَانِ.
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: إِنَّ الإِجَازَةَ جُزْءٌ ثَمِينٌ مِنَ العُمُرِ، إِذَا فَاتَ لا يَعُودُ؛ فَأَشْغِلُوا أَنفُسَكُم وَمَن تَحتَ أَيدِيْكُمْ بِالحَقِّ وَفِعْلِ الخَيرِ، فَإِنَّ النُّفُوسَ إِنْ لَمْ تُشْغَلْ بِالحَقِّ اشْتَغَلَتْ بِالبَاطِلِ، وَالوَقْتَ إِنْ لَمْ يُملَأْ بِالنَّافِعِ امْتَلَأَ بِالضَّارِّ، قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لا تَزُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَدَمَا عَبْدٍ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ عُمُرهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَا أَبْلاهُ، وَعَنْ عَلِمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ أَخَذَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ» رواه ابن حبان والترمذي. وَقَالَ الحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: “مَا مِنْ يَوْمٍ يَنْشَقُّ فَجْرُهُ إِلَّا نَادَى مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ يَا ابْنَ آدَمَ أَنَا خَلْقٌ جَدِيْدٌ وَعَلَى عَمَلِكَ شَهِيْدٌ، فَتَزَوَّدْ مِنِّي بَعَمَلٍ صَالِحٍ فَإِنِّي لا أَعُوْدُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ”. وَما أَجْمَلَ قَوْلَ الشَّاعِرِ:
دَقَّاتُ قَلْبِ المَرْءِ قَائِلَةٌ لَهُ:
فَارْفَعْ لِنَفْسِكَ بَعْدَ مَوْتِكَ ذِكْرَهَا
إِنَّ الحَيَـــــــــاةَ دَقَائِقٌ وَثَوَانِي
فَالذِّكْرُ لِلْإِنْسَانِ عُمْرٌ ثَانِي!
عِبَادَ اللهِ: فِي سِيَرِ العَدِيْدِ مِنَ الْعُظَمَاءِ النَّاجِحِيْنَ هُناكَ عَامِلٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمْ، هُوَ سِرُّ نَجاحِهِمْ بَعْدَ تَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ أَلَا وَهُوَ: العِنَايَةُ بِالْوَقْتِ؛ فَهُمْ يُدْرِكُوْنَ قِيْمَةَ الوَقْتِ، وَيَسْتَثْمِرُوْنَهُ فِي إِنْجَازِ أَفْضَلِ الأَعْمَالِ ذَاتِ الأَثَرِ الْكَبِيْرِ وَالنَّفْعِ المتَعَدِّي، وَيُحْسِنُوْنَ تَنْظِيْمَ أَوْلَوِيَاتِهِمْ حَسْبَ أَوْقَاتِهِمْ. قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ:
الوَقْتُ أَنْفَسُ مَا عُنِيْتَ بِحِفْظِهِ وَأَرَاهُ أَسْهَلَ مَا عَلَيْكَ يَضِيْعُ
فَنَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَأْخُذَ بِأَيْدِينَا، لِمَا يَنفَعُنَا فِي دِينِنا وَدُنيانا، وَأَنْ يُوَفِّقَنا جَمِيعًا لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ الَّذِي يَرْضَاهُ، وَأَنْ يُجنِبَنَا مَهَاوِيَ الرَّدَى، إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ.
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِمَا مِنَ الآيَاتِ وَالحِكْمَةِ.
وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.. فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ الصَّادِقِ الْأَمِينِ. أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللهَ رَحِمَكُمُ اللهُ، وَبَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَاسْتَغِلُّوا أَوْقَاتَكُمْ بِمَا يُقَرِّبُكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ، فَزِيَادَةُ الأَوْقَاتِ نِعْمَةٌ وَاسْتِغْلالُهَا بَرَكَةٌ، وَإِضَاعَتُهَا حَسْرَةٌ وَنِقْمَةٌ، ﴿وَٱتَّقُواْ يَوۡمًا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٍ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ﴾ [البقرة: 281]. وَبِفَضْلِ اللهِ تَعالَى هُناكَ جُهُودٌ مُبارَكَةٌ مِنْ حُكُومَتِنا الرَّشِيدَةِ تُعِينُ عَلَى اسْتِغْلالِ أَوْقاتِ الْإِجازاتِ فِيْما يَعُودُ بِالنَّفْعِ الدُّنْيَوِيِّ وَالْأُخْرَوِيِّ؛ فَقَدْ وَفَّرَتْ مِنَ الْوَسائِلِ وَالْبَرامِجِ خِلالَ عُطْلَةِ الْإِجازَةِ الصَّيْفِيَّةِ ما يُنَمِّيْ الْعُقُولَ وَالْقُلُوبَ وَالْأَبْدانَ؛ فَلا تَبْخَلُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَأَهْلِكُمْ، وَعَلَيْكُمْ بِالِاشْتِراكِ فِي تِلْكَ الْوَسائِلِ وَالْبَرامِجِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: أَلَا فَلْنَتَّقِ اللهَ وَلْنَحْرِصْ كُلَّ الْحِرْصِ عَلَى الْعِنَايَةِ بِأَوقَاتِنَا وَسَاعَاتِ أَعْمَارِنَا؛ فَإِنَّ مَا مَضَى لا يَعُودُ، وَمَا سَيَأتي غَيبٌ جَدِيدٌ، وَلا يَدْرِي أَحَدٌ، لَعَلَّهُ لم يَبْقَ في أَجَلِهِ مُتَّسَعٌ يُقَدِّمُ فِيهِ خَيرًا أَو يَتَدَارَكُ فيهِ تَقصِيرًا، قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاءَكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ» صحيح على شرط الشيخين وصححه اﻷلباني.
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلادِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلا تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.
.
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، لا رادَّ لِقَضائِهِ وَلا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. عَلَيْكُمْ عِبادَ اللهِ بِوَصِيَّةِ رَبِّكُمْ ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102] أَمَّا بَعْدُ عِبادَ اللهِ: فَهَذَا الدَّهْرُ الَّذِي نَعِيشُهُ ذُو غِيَرٍ، وَالْعَبْدُ مِنَّا ذُوْ ضَجَرٍ، وَما هُوَ إِلَّا قَضاءٌ وَقَدَرٌ، فَطُوبَى لِمَنْ أَصابَتْهُ سَرَّاءُ فَشَكَرَ، وَطُوبَى لِمَنْ أَصابَتْهُ ضَرَّاءُ فَصَبَرَ، وَطُوبَى لِمَنْ أَصابَتْهُ بَلْوَى فَاعْتَبَرَ، فَقَدْ يَهْلَكُ الْمَرْءُ مِنْ حَيْثُ حَذِرَ، وَقَدْ يَنْجُو مِنْ حَيْثُ حَذِرَ، رُبَّ أَمْرٍ تَتَّقِيهِ، جَرَّ أَمْرًا تَرْتَجِيهِ، خَفِيَ الْمَحْبُوبُ مِنْهُ، وَبَدَا الْمَكْرُوهُ فِيهِ ﴿وَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـًٔا وَهُوَ خَيۡرٌ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّواْ شَيۡـًٔا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة: 216]، يَا ابْنَ آدَمَ اِحْتَجْ إِلَى مَنْ شِئْتَ تَكُنْ أَسِيرَهُ، وَاسْتَغْنِ عَمَّنْ شِئْتَ تَكُنْ نَظِيرَهُ، وَأَحْسِنْ إِلَى مَنْ شِئْتَ تَكُنْ أَمِيرَهُ، كُلُّ نَاعٍ سَيُنْعَى، كُلُّ بَاكٍ سَيُبْكَى، كُلُّ مَذْخُورٍ سَيَفْنَى، كُلُّ مَذْكُورٍ سَيُنْسَى، لَيْسَ غَيْرُ اللَهِ يَبْقَى، مَنْ عَلَا فَاللَّهُ أَعْلَى، فَعَلَى المؤْمِنِ أَنْ يَرْضَى بِقَضائِهِ وَقَدَرِهِ، فَإِنَّهُ لا رادَّ لِقَضائِهِ، وَلا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ، خَلَقَ الْخَلْقَ بِقَدَرٍ، وَأَجْرَى الْكَوْنَ، وَقَسَّمَ الْآجالَ وَالْأَرْزاقَ بِقَدَرٍ؛ قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49]، وَالْقَدَرُ سِرُّ اللهِ تَعالَى فِي خَلْقِهِ.
*ما عاد في العمر متسع للعتاب*
كبرنا… نعم ، بلغنا من العمر ما يجعلنا نحطّ الرحال في “ منطقة العقل ”؛ تلك المساحة الصامتة التي تُفضّل السلام على الجدال ، وتختار السكينة بدل أن تشتعل بوهج الغضب أو أن تتعب نفسها في شرح ما لا يُفهم.
صرنا نرى الأشياء من الأعلى … لا لأننا أصبحنا أفضل، بل لأننا ابتعدنا عن الزحام الذي يعكر صفو القلب .
لم نعد نحمل قلوبنا إلى طاولات النقاش … لا نعاتب ، لا نكرر، لا نسأل “ لماذا ؟” ولا “ كيف ؟”.
لقد استهلكنا من أرواحنا بما يكفي .
نحن الآن نمرّ ، نراقب ، نبتسم ، ونصمت …
ليس جبناً ، بل وعياً ، ونضجاً ، وحرصاً على راحة لم تعد تُشترى بالجدال .
فما عادت الأوقات تحتمل الغرق في التفاصيل …
تلك التفاصيل الصغيرة التي كانت تهمنا كثيراً ، باتت الآن جسوراً نمرّ فوقها دون أن ننظر حتى للأسفل .
نُسلّم بما كتبه الله ، ونفهم أن الحياة ليست مسرحاً دائماً نحتاج فيه لتفسير أدوار الآخرين ، أو حتى دورنا .
نُسامح … بقدر ما نستطيع .
ليس لأنهم يستحقون ، بل لأن قلوبنا لا تطيق حمل الأذى أكثر .
نسامح الأعداء ، فالله كفيل بهم .
ونسامح الأحباب ، لأننا لا نريد أن نخسرهم في قلوبنا ، حتى لو خسرناهم في الواقع .
نُدرك أن كل لحظة تمضي ، لن تعود .
وأن اليوم بعد 24 ساعة ، سيُدفن في صندوق الذكريات دون رجعة .
فلماذا نحشوه بالحزن والخصام ؟!
لماذا نرهق أنفسنا بمحاولة إصلاح ما لا يُصلح ، أو إثبات ما لا يهم أحداً سوانا ؟
لا وقت لدينا لحمل الضغائن …
فالذين يخطئون ، سيخطئون دائماً .
والذين يخذلونك ، لن يتغيّروا بكثرة العتاب .
دعهم … ودعك منهم .
ابنِ شيئاً جديداً في حياتك …
مشروعاً ، فكرة ، حلماً ، دعاءً .
إن كان للدنيا فسيثمر ، وإن كان للآخرة فهو خير ما يُنتظر .
أما العتاب فقد صار ترفاً لا يليق بمن عرف قيمة الزمن .
*عش ببساطة ، سامح بعمق ، وابتعد بصمت.*
*فمن يراك اليوم صامتاً … لا يعلم كم من الحروب قد أطفأتها بداخلك كي لا تؤذي أحداً*
*ما عاد في العمر متسع للعتاب*
*🌹(( قصة الليلة ))🌹*
*تعرفت على أسرة طيبة وأتاني اﻷب يريد تزويجي ابنته فلما ذهبت للنظرة الشرعية وجدت البنت غير جميلة وكبيرة في العمر .. فقررت أن لا أتزوجها وهي شعرت بعلامات عدم الرضا في وجهي …*
*لكنها قبل أن تغادر غطت وجهها وقالت لي أنت آخر رجل يرى وجهي في حياتي ولن أتزوج أبدا*
قمت وغادرت وعدت إلى بيتي ولكن لم أستطع النوم ,,, لن تصدقوا أحسست نحوها بحب عجيب نسيت شكلها وتذكرت كلماتها وقلت والله لن يرى وجهك زوج غيري ..
لم أستطع اﻹنتظار لوقت أطول .. حتى ذهبت وطرقت الباب على أبيها الساعة الثالثة صباحاً
فتح الأب وهو يقول خير خير .. تفضل ….قلت له يوم غد الخطوبة ونكتب العقد ..
اﻷب يبكي وقال لي فرج الله همك مثلما ما فرجت همي …..هذه البنت كانت أكبر همي في الدنيا .
فقلت له هذه زوجتي إن شاء الله في الدنيا وفي الجنة ..
دخل اﻷب وهو يقول لزوجته سمعونا الهلاهل …
فذهبت ونمت وبعدها اتصلت بصديق لي كي يجهز لي أمور الخطوبة والهدايا وذهبت وكتبنا العقد ولما رأتني قالت لي ..
أعرف أنك تزوجتني رحمة بي لكن سأقول لك والله لن ټندم ابدا .. وبالفعل تزوجنا والله أن الله جمّلها في عيني فهي حورية في نظري
ورزقت منها بالبنات والبنين ما شاء الله لا قوة إلا بالله هم زهرة الحياة … وزوجتي هي جنتها.
لم ترفع صوتها علي يوما لم تغضبني يوما …. اللهم لك حمد على هذه النعمة
الجمال ليس جمال الوجه والكبر ليس بالعمر إنما الجمال جمال الروح والقلب
والحياة تبقى صغيرة بالحب الصادق والكلام الطيب منقول.
