28 شوال, 1447

تقدم الدكتورة الأمريكية كارا جودوين، أخصائية علم نفس الطفل، سبع نصائح خطيرة للآباء عندما يريدون مدح أطفالهم، وترتبط النصائح بطريقة المدح، والكلمات المستخدمة والمواقف؛ مؤكدة أن مدح الطفل سلوك إيجابي ويجب على الآباء القيام به.

هل يجب أن يمدح الآباء أطفالهم؟

وفي مقالها “هل يجب أن يمدح الآباء أطفالهم؟” على موقع “Psychology Today” للصحة النفسية؟ تقول الدكتورة “جودوين”: يشعر معظم الآباء برغبة طبيعية في مدح أطفالهم؛ ولكن ثار جدل مؤخرًا حول الثناء على الأبناء؛ حيث ترى بعض الآراء أن مدح الأطفال سيجعلهم يعتمدون بشكل كبير على هذا المدح من أجل القيام بالمهام والواجبات؛ وبالتالي تقل دوافعهم الداخلية للعمل والنجاح.

تأثير إيجابي

وحسب “جودوين”، تشير الأبحاث إلى أن المديح عمومًا له تأثير إيجابي على الأطفال؛ حيث يؤدي المديح إلى تحسين الأداء الدراسي، ويزيد الحافز الداخلي للقيام بسلوك لطيف ومفيد، وتعزيز علاقات الطفل الاجتماعية.

كما يرتبط الثناء والمديح أيضًا بزيادة إفراز مادة في منطقة من مخ الطفل مرتبطة بالتعاطف والضمير والانفتاح. أخيرًا يُعد الثناء جزءًا أساسيًّا في التربية الإيجابية، كما هو محدد في الأبحاث العلمية؛ وهو جزء أساسي من معظم برامج الأبوة والأمومة القائمة على الأدلة.7 نصائح ضرورية

وتتوقف الدكتورة “جودوين” أمام عملية المدح ذاتها؛ لتكشف أن هناك بعض أنواع المديح التي يمكن أن تكون أفضل من الأنواع الأخرى، وتقدم “جودوين” 7 نصائح ضرورية لمدح الأطفال بشكل فعال:

– مدح الأفعال وليس الشخص

امدح جهود طفلك وعمله وإنجازه؛ لكن لا تمدح السمات التي لا يمكنه تغييرها بسهولة (مثل الذكاء أو الجمال)؛ لأن “الثناء على العمل والجهد” يُقَوّي الدافع الداخلي للطفل ويزيد صبره في مواجهة التحدي، أما “مدح الشخص” (أي مدح السمات المرتبطة به)؛ فإنه يجعل الطفل يركز أكثر على أخطائه ويستسلم بسهولة أكبر ويلقي باللوم على نفسه.

– المديح يجب أن يساعد على بناء شخصية مستقلة

تشير الأبحاث إلى أن المديح يجب أن يدعم استقلالية الطفل ويشجع على حكمه على نفسه. على سبيل المثال، أن يقول الأب أو الأم: “يبدو أنك استمتعت بتسجيل هذا الهدف”؛ بدلًا من قول: “يسعدني كثيرًا عندما تسجل هدفًا”، اجعل الهدف يُسعده هو ليستقل بشخصيته عن شخصيتك.

– تجنّب المقارنة بالآخرين

عندما تمدح طفلك، امدحه هو لما فعله، وتجنب مقارنته بما فعله الآخرون، حتى لا يسقط الطفل فريسة الحكم على كل ما يفعله بأداء الآخرين، بدلًا من تحقيق أهدافه الخاصة أو الاستمتاع بها بنفسه.

– نعم للتخصيص لا التعميم

من الأفضل أن تمدح طفلك بمعلومة محددة، حتى تساعد الأطفال على تعلم كيفية تحسين سلوكهم في المستقبل. على سبيل المثال، لا تقل له “عمل رائع”، عندما يعيد الطفل ترتيب ألعابه؛ لأنه ربما لا يدرك ماذا تقصد بـ”العمل الرائع”، وقل له “رائع أنك وضعت ألعابك مرة أخرى في السلة أو الصندوق عند الانتهاء من استخدامها”؛ هنا ينشأ الأطفال على تعلم سلوكيات محددة نتوقعها منهم.

– استخدام الإشارات والإيماءات

تشير الأبحاث أيضًا إلى أن الآباء يمكن أن يستخدموا الإيماءات (مثل الإشارة بالإبهام لأعلى)؛ لتشجيع أطفالهم من حين لآخر. توصلت الأبحاث إلى أن الإيماءات يمكن حقًّا أن تكون فعالة للغاية في تحسين التقييم الذاتي للأطفال، وهذا هو حكمهم على كيفية أدائهم وكيف يشعرون حيال ذلك.

– كن صادقًا في مدحك

عندما يشعر الأطفال أن والديهم يبالغون في الإشادة بعملهم أو يقللون من مدحهم؛ فإنهم أكثر عُرضة للإصابة بالاكتئاب وانخفاض الأداء الدراسي. وفي الوقت نفسه، كشفت الأبحاث أن المديح المفرط (مثل أن يقول أحد الوالدين: إن “هذا هو أجمل رسم رأيته في حياتي”) غير صحي نفسيًّا للطفل؛ حيث يجعله يتجنب التحديات ويعتمد كثيرًا على المديح.

– المديح والاهتمام الإيجابي

يبدو أن المديح، بالإضافة إلى الاهتمام الإيجابي أو الاستجابة غير اللفظية الإيجابية (عناق أو ابتسامة أو تربيت أو أي نوع آخر من المودة الجسدية)؛ هي الأكثر فعالية في تحسين سلوك الأطفال.

وفي النهاية تؤكد الدكتورة “جودوين” أنه لا يتعين على الآباء اتباع كل هذه القواعد بشكل مثالي. على سبيل المثال، كشفت الأبحاث أن الأطفال ما داموا يسمعون المدح؛ فإنهم يُظهرون زيادة في المثابرة وتتحسن رؤيتهم لذاتهم..

يرصد الكاتب الصحفي خالد السليمان الأسباب الحقيقية لارتفاع الأسعار حول العالم وفي المملكة، مطالبًا المواطن بالإنفاق على ما هو ضروري فقط دون الكماليات، وأن يدخر بعض المال للظروف!

تقرير عن زيادة الأسعار
وفي مقاله “تكلفة المعيشة.. ناقوس الخطر!” بصحيفة “عكاظ”، يبدأ السليمان بتقرير الإحصاء عن زيادة الأسعار، ويقول: “كشف تقرير صادر عن الهيئة العامة للإحصاء أن مؤشر أسعار الجملة ارتفع بنسبة 11% خلال شهر فبراير، قياسًا بنفس الشهر العام الماضي. التقرير عزا الارتفاع إلى زيادة بلغت 60% في أسعار المواد الكيميائية الأساسية، و21% في المنتجات النفطية المكررة!”.

لا بد أن يعرف المواطن
ويؤكد “السليمان” أن “المؤشر سيواصل ارتفاعه مستقبلًا؛ تأثرًا باستمرار ارتفاع أسعار النفط والنقل والتأمين، وكذلك التأثر بتداعيات الحرب في أوكرانيا، ولست هنا في وارد تحليل الأرقام الواردة في التقرير الإحصائي؛ فهذا شأن كتّاب ومحللين متخصصين، لكنني سأكتب عن الأثر الاجتماعي، وأهمية تعزيز وعي المجتمع بالتغير الحاصل في تكلفة المعيشة وأسبابه وضرورة التحوّط له من حيث تنظيم المصروفات!”.أنفقوا على الضروريات فقط
وينصح “السليمان” المواطنين قائلًا: “الوضع يلزم أفراد المجتمع بالتعامل بواقعية مع رياح ارتفاع تكاليف المعيشة التي هبّت على العالم كله وما زالت تهب منذرة باستمرار ارتفاع هذه التكلفة، والتعامل بحكمة بالغة مع المصاريف وتقسيم الدخل بين مدخرات ومصروفات يتم تقييمها وفق الإنفاق الضروري وفق مستوى الدخل!.. الإنفاق على السلع غير الضرورية والنشاطات الترفيهية والسياحية يجب أن يخضع لرقابة ذاتية واعية، خاصة في هذه المرحلة العاصفة التي يمر بها العالم”.

شدوا الأحزمة.. وادخروا بعض المال
وينهي “السليمان” بنصيحة أخرى، حين يقول: “شد الأحزمة لم يعد شعارًا، بل واقع يدركه الحكماء حتى تعود أسعار الطاقة وأوضاع الساسة إلى استقرارها الطبيعي!.. باختصار.. احفظ ما في الجيب يقيك ما في الغيب!”.

إطعام الطعام :
من شيم الكرام وهو قيمة نبيله وصِفةٌ حميده وعادةٌ جليله حث عليها الإسلام
حين نشر أنواره ودعا إلى بذل الخير للناس كافه لتسود بينهم الموده وقيم الألفه والمحبه ويكفي المطعمين أن الله تعالى مدحهم في القران الكريم بقوله تعالى ( ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لانريد منكم جزاءً ولا شكورا )
بين الله أنهم يطعمون الطعام مع حبهم له وحاجتهم إليه لكنهم تجاوزوا تلك الحاجه الذاتيه الدقيقه إلى أبعد من ذلك فكانوا يصادرون حاجاتهم إبتغاء مراضة الله والرغبة فيما عنده
وقد بين الله أنه قد قبل منهم ذلك وأنه قد ضمن لهم الوقايه من شر يوم المعاد وأن الجنة جزاءهم جزاءً موفورا
وقد سُئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الإسلام خير فقال صلى الله عليه وسلم ( تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف )
وأحب الناس إلى الله أنفعهم للناس وأحب الأعمال إلى الله سروراً تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربةً أو تقضي عنه ديناً أو تطرد عنه جوعاً .
وإطعام الطعام أجلب للمحبه وأثبت للموده فهو من الإيمان وفيه الدلاله على الخير والإيثار وهو من أسباب دخول الجنه ومن أفضل القربات والصدقات.
أن من يقوم بإعداد الطعام للفقراء والمساكين يتساوى في الأجر مع من بذل المال وقدم الدعم لهذا العمل الخيري سيما اذا كان المنفق والعامل يريدان بذلك وجه الله تعالى والتعاون في هذا الباب من أعظم القربات عند الله تعالى كيف لا وهو مشروعٌ يقدم أرقى السلوك الإنساني حيث يباشر التعامل برفق وإحسان مع تلك النفوس المنكسره والبطون الخاويه ويحفظ لها كرامتها ويحميها من ذُل السؤال
وكل ذلك له نتائج عظيمه منها :
أنها باب من أبواب الجنه
أنها تضلّل صاحبها يوم القيامه
أنها تطفئ غضب الرب
أنها تزكي النفوس وتطهرها من الكبرياء
أنها تؤمّن صاحبها من فزع اليوم الأكبر
أنها سبب المغفره من الذنوب
أن صاحبها موعودٌ بالخير فالدنيا والآخره
أنها تدفع البلاء والسوء
أنها تزيد العمر وتباركه
أن أجرها ممتد حتى لعالم البهايم
فمن وفقه الله لهذا العمل فهو على خير عظيم يجب عليه المحافظة عليه وبذل الجهد لتحسين عمله وتطويره حتى يقدمه بشكل لائق وبمكانة تظهر فيها قيم الإسلام العظيم
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه اجمعين

الشيخ صالح الحصين نادرة زمانه : قصص وطرائف ومواقف خالدة
كتبه: د.محمد بن فهد بن عبد العزيز الفريح

من أين أبدأ ! سأبدأ من عام 1351هـ حيث ولد العالم المربي الزاهد الورع الخفي القانوني الفقيه، تربى في كنف والده الشيخ الزاهد العابد الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر عبدالرحمن، درس العالم الزاهد في المدرسة الابتدائية بشقراء، كان مديرها في ذلك الوقت الشيخ عبدالمجيد الجبرتي الذي أصبح إماما للحرم النبوي بعد ذلك، بعد أن أتم الشيخ الدراسة الابتدائية التحق بدار التوحيد بالطائف ثم دخل كلية الشريعة بمكة وفي السنة الثالث من الكلية طُلب للتدريس بالمعهد العلمي بالرياض فصار مدرساً وطالبا في نفس الوقت فكان يُدِّرس فإذا جاء وقت الاختبار ذهب إليه، حدثني بعض من زامله في الكلية أن الشيخ رحمه الله كان يأتي إليهم في محل إقامتهم بمكة ويطَّلع على المنهج المطلوب للاختبار وهو جالس القرفصاء فيمر على المنهج المطلوب على وجه السرعة ثم يدخل الاختبار ويأخذ الأول عليهم!

كان من طلابه في المعهد الشيخ المحدث عبدالمحسن العباد، وكان الشيخ عبدالمحسن يقول للشيخ صالح: أنت شيخي، درستني بالمعهد العلمي بالرياض.

وكان من زملائه في التدريس في المعهد جملة من العلماء منهم عبدالله الغديان رحمه الله، قرأ الشيخ صالح ما كتبته عن الشيخ عبدالله بن غديان في الصحافة فلما أتيت إليه قال: لقد نبهتني إلى أمور عن الشيخ عبدالله الله يرحمه عجيبة لم أكن أعرفها، كنت قد زاملته لمدة تزيد عن السنة في معهد الرياض العلمي.

لما أصيب الشيخ عبدالله الغديان رحمه الله بالحادث ذهبتُ بالشيخ صالح لزيارته ففرح الشيخ عبدالله بالشيخ صالح وأجلسه على سريره حتى أنه من فرحه بالشيخ صالح وحيث كنتُ سبباً في الإتيان به إليه، أمسك يدي وشدَّ عليها وقال: من عباد الله من هو مفتاح للخير مغلاق للشر وأنت منهم بإذن الله.

قال لي الشيخ عبدالله الغديان رحمه الله: لقد أُوتي الشيخ صالح والشيخ سعد ذكاء مفرطاً وفراسة لا يعرفها أكثر الناس عنهما وكانا لا يظهران ذلك، ولو انصرفا للعلم انصرافاً كلياً لما فاقهما أحد بعد توفيق الله.

بعد تخرج الشيخ رحمه الله من كلية الشريعة عام 1374هـ وحصوله على المركز الأول مع توفر الوظائف وكثرتها بالنسبة لمن يحصل على ما حصل عليه انصرف عنها وذهب إلى مصر والتحق بمعهد الدراسات العربية العالية، ودرس على الأستاذ عبدالرزاق السنهوري (أبو القانون) الذي كان له دور بارز في افتتاح ذلك المعهد.

أخبر الشيخ صالح عن نفسه بأنه: (تتلمذ على الأستاذ السنهوري لمدة سنتين في مادة الفقه المقارن، وتلقى عنه دروسه التي ألقاها… واشترك في الجلسة الأسبوعية التي ظل الأستاذ السنهوري يعقدها طوال تلك المدة باسم حلقة بحث، ويقصر حضورها على بضعة طلاب لبحث موضوعات في الفقه المقارن بطريق المناقشة الحرة)»خاطرة حول المصرفية الإسلامية ص60».

قال لي الشيخ: كنتُ أحضر جلسات السنهوري وكان لا يعرفني وبعد جلسات معدودة دخل ووزع علينا ورقة اختبار لينظر في مستوى الحاضرين، وكنتُ لست كبقية الحاضرين الذين أمضوا مدة في الحضور فهذه من أوائل جلساتي عنده ولم أكن أمضيتُ عنده مدة بعد، فاستحييتُ وأخذت ورقة الاختبار وأجبت عن الأسئلة فلما جاء الدرس القادم قال: أين صاحب هذه الإجابة فرفعت يدي على استحياء فأثنى على الإجابة بشكل ملفت! وبعدها كان يخصني بمزيد عناية جزاه الله خيراً.

قال الدكتور يوسف القرضاوي – أصلح الله حالنا وحاله- في مذكراته:(وكان يدرس في معهد ‏الدراسات العربية العالية عدد من أبناء البلاد العربية النابهين المتميزين، بعضهم كانوا مبعوثين من بلدانهم، منهم: … الشاب المتألق صالح الحصين في قسم القانون، وهو مبعوث من المملكة السعودية (معالي الأستاذ صالح الحصين بعد ذلك). وكان الدكتور السنهوري معنيًّا به، راجيًا أن يكون له شأن في المملكة، وقد كان).

كان الشيخ رحمه الله من أعلم الناس بالأنظمة والقانون بل كان يُعدُّ الرجل الثالث في العالم العربي والإسلامي من هذه الجهة بعد السنهوري ومحمد يونس من بنجلادش الذي حصل على جائزة نوبل، وفي ظني أن الشيخ رحمه الله قد فاق أستاذه السنهوري، ومن أراد معرفة مثال لذلك فليقرأ استدراكه على أستاذه في خاطرات حول المصرفية الإسلامية ص59 وما بعدها.

وكان للشيخ اجتهاد في وضع بعض الأنظمة كنظام الصندوق العقاري كما كان العضو الأبرز في المشاركة في وضع أكثر الأنظمة في ذلك الوقت.

بعد أن أمضى ما يقارب خمس سنوات أخذ الماجستير وكان عنوان بحثه»تصرف الفضولي»، وقد أطال مدة دراسته في مصر برغبة منه حتى يتمكن من قراءة ما يستطيع قراءته، حدثني الشيخ سعد عن أخيه غفر الله لهما قائلاً: كان شغوفاً جداً بالقراءة فقد قرأ ما يستطيع قراءته من الكتب بمكتبة الأزهر و دار الكتب المصرية، والكتب التي في سور الأوزبكية.

بعد رجوعه عمل مستشاراً قانونياً في وزارة المالية ليس بطلب منه بل بعض زملائه ألحّ عليه وأخذ ملفه!

كان يقول لي: لا أذكر البتة أني طلبتُ وظيفة الوظائف وكل الوظائف التي تقلَّدتها وعيّنتُ فيها هي في الحقيقة غصب عني وإكراه أدبي! من بداية أَخْذي من مقاعد الدراسة بكلية الشريعة لأكون مدرساً في المعهد العلمي إلى آخر الوظائف!

بل لم يُعيَّن في منصب وزير في عهد الملك فيصل رحمه الله إلا كارهاً وكان يحاول في التخلص من المنصب طيلة السنوات الثلاث فلما عجز تشفع بالأمير مساعد بن عبدالرحمن رحمه الله فأعفي بعد ذلك.

لما صدر قرار التعين اتصل أحد وجهاء شقراء على والدة الشيخ يبارك لها في تعيينه، فقالت: الله يخلف على هذه الدولة ولدي صالح لا يصلح إلا إمام مسجد وأخوه سعد المؤذن!

استخفاء الشيخ صالح رحمه الله عن المهنئين له بالمنصب في بيت أحد أقاربه؛ لئلا يظن أنه كان محتفلاً بالمنصب.

اقترح عليه اثنان من زملائه الوزراء أن يشترك معهما في شراء أرض من الدولة بالمنطقة الشرقية فلما رفع الأمر للجهة المختصة وكان رئيسها الملك فهد رحمه الله ذهب بالمعاملة للملك فيصل رحمه الله مقترحاً أن تعطى لهم منحة تقديراً لجهودهم، فلم ير الشيخ لا شرعاً ولا عقلاً ردها بل باع نصيبه منها وجعله فيما يعود على المسلمين بالنفع فصيَّره وقفاً في المدينة النبوية (وقف الأنصار) وجعل ريعه يصرف على مصالح المسلمين وطباعة الكتب وإغاثة المحتاج، وكتب على إخوته أن من أراد الانتفاع به سكناً أن يدفع أجرة المثل.

وحين طُلِب لرئاسة الحرمين امتنع فطلب منه خادم الحرمين الشريفين غفر الله له أن يمكث مدة سنتين فقط وكان يحاول في الإعفاء بلا فائدة حتى زاره الملك في المستشفى فرأى وضعه الصحي فقبل طلب إعفائه بعد أن أمضى اثنتي عشرة سنة.

قال لي: ذهبتُ إلى وزارة المالية مع صاحب أجرة فأوقف سيارته في الشارع المقابل للوزارة، يقول الشيخ فخشيت أن أقطع الشارع لضعف بصري، فقلت له: لعلك تذهب بي إلى باب الوزارة، فظهر عليه الغضب! فقلت ملطفاً الجو: بودي زملائي في الوزارة يروني وأنا راكب مع صاحب أجرة خاصة في مثل سيارتكم الجميلة فيغبطونني على الركوب في مثلها! فلما ذهب بي إلى باب الوزارة إلتفت إليّ قائلاً : هل تريدني أن أحملك إلى مكتبك!

أخبرني الشيخ سعد غفر الله له أن أخاه صالحاً لم يشتر سيارة في حياته قط!

من فرائد هذا العالم الزاهد رحمه الله أن العادة جرت حين يعين الشخص في منصب ذي شأن أن يشكر المسؤولين على التعيين لكن شيخنا بالعكس لما أعفي من المنصب شكر المسؤولين على الإعفاء، وأظهر امتنانهم عليه بالإعفاء، ولم يكتف بذلك بل جعل يعدد المزايا التي كان له دور بارز إما في اقتراحها أو العمل لأجل تحقيقها ونسبها كلها لخادم الحرمين الشريفين -حفظه الله وجزاه عن المسلمين خيراً- وجعل نفسه شاهد عيان عليها فقط وكان مما قاله في ذلك:(هذه المبادرات لم يكن أحد غير خادم الحرمين الشريفين مفكرٌ فيها، ولو وجد فلم يكن أحد يفكر أنها ممكنة، ولو وجد من يفكر أنها ممكنة فلن يقدم على تنفيذها، نظراً للتحديات المواجهة وسأسرد هنا بعضا منها: الأولى: تغطية زمزم، التي أنقذت المسلمين من أخطار محدقة، دل عليها موت عدة أشخاص فيما سبق، وما دفع الله أعظم.

الثانية : إزالة الانكسارات في ذروة سطح الحرم الشريف والدور الأول منه ، وتوسيع عنق الزجاجة الذي كان دائماً يحدد عدد الطائفين، فنتج عن ذلك إنقاذ الطائفين من أخطار على الحياة، وزادت نتيجة ذلك الطاقة الاستيعابية للمطاف أكثر من الضعف، بأقل جهد وتكلفة.

الثالثة: الإنقاذ من الحركة المتعارضة في ساحة باب أجياد والتي ظلت تمثل خطراً محدقاً، لولا أن الله يدافع عن الذين آمنوا، وهذه المبادرة لخادم الحرمين الشريفين في هذا لم يكن أحد يحلم بها أو يرى أنها ممكنة، بل لقد واجهت عند التنفيذ بعض المعارضات المبنية على أوهام وتخيلات لا حقيقة لها، فلما نفذت اعتبرت من الجميع، من أعظم الإنجازات في سجل الإنجازات عن السنة الأولى للاستفادة منها).

كان مخلصاً وناصحاً رحمه الله لدينه وولاة أمره وللمسلمين قال لي مرة: أني لا أدعو لهذه الدولة وولاة أمرها في كل صلاة بل أدعو لهم في كل سجدة من سجدات صلاتي .

ذهبتُ به مرة لشيخنا ووالدنا صالح الفوزان حفظه الله وكان مجلس الشيخ ممتلئا وكان بعض الحاضرين يجلس على الأرض فدخلتُ مجلس الشيخ ممسكاً بيد الشيخ صالح رحمه الله فقال لي: دعنا نجلس هنا يعني حيث انتهى المجلس على الأرض فقلت: أبداً ورفعت صوتي قائلاً الشيخ صالح الحصين فقام شيخنا الفوزان مبادراً إلى الشيخ صالح وأمسك يده وقدّمه وأجلسه بجواره وكان مما قاله الشيخ صالح الفوزان : يا شيخ صالح لقد درستني في المعهد العالي للقضاء، فأجابه الشيخ صالح: لستُ أهلاً لذلك لكن أتوا بي لسدِّ فراغ الجدول فقط… وحين أذّن المؤذن لصلاة العشاء خرج الحاضرون وقام الشيخان الصالحان غفر الله لهما بالخروج فركب الشيخ صالح الفوزان في المرتبة الخلفية خلف الراكب ولما فتح الشيخ صالح الحصين باب الراكب الأمامي التفت ونظر إلى المرتبة الخلفية وإذا بالشيخ صالح الفوزان قد ركب خلفه (ولم يكن الشيخ الحصين انتبه لركوب الشيخ في أول الأمر؛ لقيام أحد الحاضرين بتوديعه) فقال: والله ما يصير أعطي الشيخ صالح ظهري!! فنزل وركب بجواره، فصرتُ لوحدي أقود السيارة، فطرأ علي أن أذهب بهما غفر الله لهما لمسجد بعيد حتى أحظى بمزيد من الوقت معهما لكن هِبتُ الشيخ صالح الفوزان رفع الله قدره وكان مهيباً ولا يزال.

أخبرني الشيخ صالح رحمه الله أن الذي طلبه للتدريس في المعهد هو الشيخ العلامة عبدالرزاق عفيفي رحمه الله.

كان للشيخ رحمه الله محاضرة في كلية الشريعة عن القومية والوطنية فتشرفتُ بأخذه من منزل ابنه وذهبتُ به إلى المحاضرة، وتحدث في محاضرته عن القومية وعن أساتذتها وتدريسهم له في معهد الدراسات العربية كساطع الحصري وأمثاله وكانت محاضرة مفيدة جداً، وبعد انتهاء المحاضرة قمتُ إليه لأحمل الأوراق التي معه فرفض أشد الرفض فقلت له: شيخنا لن أسرق الأوراق سأسبقك بها إلى السيارة فرفض أشد الرفض!

لحقني بعض الناس بعد المحاضرة وأعطوني أوراقاً فيه طلب أموال لعل الشيخ أن يدفع إليهم شيئاً فقلت لهم: سأوصلها للشيخ، فلما ركب معي أخبرته عنها فقال: عندنا من هو أحوج منهم بكثير خاصة في أفريقيا هناك من يموت جوعاً وكثير من هؤلاء يريدون رفاهية العيش مجاراة لغيرهم.

علمتُ من الشيخ أن حفلاً لحلقة تحفيظ القرآن سيقام على شرفه رحمه الله فاتصلت به وحدّثته عن بعض الأمور فقال لي رحمه الله: هل تصحبني للحفل؟ فقلتُ: أتشرف بذلك، ولعلكم شيخنا تسمحون لي أن أذهب بكم إلى مقر الحفل، فذهبتُ به إلى الحفل وبعد الانتهاء منه إذا بأحفاده قد جاءوا إلى الحفل وطلبوا من الشيخ أن يذهب معهم فالتفت إليَّ ورأى أن باب الراكب قد فُتِح له، فالتفت إلى أحفاده وقال: على اليد ما أخذت حتى تؤديه!

يقصد غفر الله له أني قد أخذته من منزلهم فعلي أن أرجع به إلى المكان الذي أخذته منه.

لا أذكر أن ذهبتُ إلى مكة إلا وأقابله في اليوم مرة أو مرتين وكان يجلس بين العشاءين في صحن الكعبة بينها وبين مكان المؤذنين(المكبرية) فأجلس معه وكان يحدثني كثيراً في أمور المعتقد وأمور الفقه وغيرها سألته مرة عن وضع النعل أمام المصلي في الحرم خاص حيث إني أتحرج من ذلك، فقال: الشافعي رحمه الله يقول: (أجعلها تؤمُّني لا تغمُّني). يعني: أجعلها أمامي كالإمام ولا أجعلها خلفي قد تسرق أو تضيع فاغتم بفقدها أو بالتفكير فيها أثناء الصلاة.

جاءه رجل أفريقي يكلمه في موضوع ما وبعد الانتهاء من موضوعه لم يجد الشيخ رحمه الله أن يعطيه شيئاً إلا القماش الذي يضع فيه حذاءه فأخرج الشيخ حذاءه وأعطاه الأفريقي ليضع فيه حذاءه فأخذه الأفريقي مسروراً به.

كان يصر عليَّ كثيراً على تناول الغداء معه فاعتذر منه فكان يقول: لا أتكلف غداء البيت فاعتذر وكان يفعل ذلك مع غيري كما أشاهده دائماً.

مرة أصر علي مرة وقال: دائماً تعتذر! فقلت: أبشر اليوم الغداء عندك، فذهبت إلى شقته المتواضعة بجوار المسجد الحرام فجعل يشرح لي مساحتها وعدد الغرف فيها! مع أنها شقة صغيرة في برج الجوار مساحتها خمسون متر فقط! فسبحان من حابه الزهد والانصراف عن الدنيا.

مرة كنتُ خارج من الحرم من باب الصفا وكانت ابنتي لجين معي فإذا بالشيخ صالح رحمه الله يمشي لوحده فسلمتُ عليه فقام وقبّل ابنتي ودعا لها وقال: الآن عرفتُ سبب امتناعك عن إجابة دعوتي للغداء! وكان عمر لجين أربع سنين أصلحها الله وذريّات المسلمين.

فخطبها مني! فكان إذا رآني بعدها يسألني عنها ويقول كيف: عروستنا!

وكان يقول: لا تخبر الصحافة عن خطبتي لها فيقولون: ابن ثمانين يريد الزواج بمن تصغره بأكثر من سبعين سنة.

لم أطلب من الشيخ على طول صحبتي معه إلا أربعة أمور اثنان لي واثنان لرجلين طلبا مني الشفاعة عنده، طلبتُ منه أن يذهب معي ليكلم سماحة الشيخ صالح اللحيدان حفظه الله أن يعفيني من القضاء حيث مضى علي أكثر من ثلاث سنوات وأنا معلق على ذمة القضاء لعل الشيخ أن يقبل من الشيخ فقال: لي الشيخ صالح رحمه الله لو ذهبتُ معك لقلت تمسكوا به لا تتركوه! فقلت للشيخ: أجل ادع الله بأن يقدر لي الخير ويبعد عني الشر، وأعني به أن أتولى القضاء.

فكان الشيخ بعد ذلك يقول لي: ليتني ذهبتُ معك للشيخ اللحيدان فإن لا أذكر أحداً طلب مني الشفاعة في ترك وظيفته غيرك.

وكان كلما جاءه أحد وكنتُ عنده فبعد أن يعرّف بي بذكر اسمي يقول: هذا الرجل ويشير إليَّ ترك وظيفة القضاء سنوات حتى أعفي بعدها، فكنت أعجب من فعله حقيقة! ولا أعلم إلى الآن الداعي لذلك. رحمه الله شيخنا.

كان يشفع لكل أحد بل كان يشفع لأفراد وجماعات مع علمه أن بعضهم يستغلَّه لكن يستحي أن يرد أحداً فلا يُـحصى عدد الشفاعات التي كتبها .

ومع كثرة شفاعاته إلا أنه لم يكن يكتب لأقاربه الأقربين شفاعة في أمور طلب الوظائف أوغيرها من الأمور! بل لم يكتب طلباً لنفسه أو طلباً لأحد أقاربه الذين حوله.

أذكر أن المشرف على رسالتي الدكتوراه معالي مدير جامعة الإمام حفظه الله طلب مني أن يكون المناقش لرسالتي هو الشيخ صالح الحصين رحمه الله فقلت: لا أظنه يقبل، فقال: أصر عليه، فقلت: نعم. فاتصلتُ بالشيخ صالح وقلت له عن الموضوع فاعتذر بلطف، وقال: بودي لكني لستُ أهلا لذلك أنت تحتاج إلى عالم يناقشك! فقلت: أنت العالم، فقال: أنا لا أحسن المناقشة ولستُ متخصصاً في الفقه، وأخشى أن أُأَخرك كثيراً، قلتُ: لا بأس، قال: لا أنا لا أرضى بذلك، وأخبرته بأن الرسالة تقع في ثلاث مجلدات، فقال: اللهم بارك هذه لو ضُرِب بها كافر لأسلم! فقلتُ له رحمه الله: هل تحيلونني على ملئ يحل محلكم؟ فجاء ذكر الشيخ العالم الدكتور أحمد بن حميد حفظه الله فقال: ونعم الشيخ أحمد عالم وسيفيدك أعطني رقمه لأكلمه وأخبرك، فأعطيته رقمه، وبعد قليل اتصل بي الشيخ وقال: لم يرد علينا سنتواصل معه ثم أخبرك وبعد يوم اتصل بي الشيخ وقال : كلمنا الشيخ أحمد ووافق جزاه الله خيراً، فدعوتُ للشيخ وشكرته على حرصه.

كنتُ كلما ألفت كتاباً أو رسالة أعطيته نسخة منها قبل طباعتها في الغالب فكان يقرؤها ويفيدني، وكان آخر كتاب أعطيته إياه «الأحكام الفقهية المتعلقة بمنصب الإمامة».

وكان أحب كُتُبي إليه كتاب «مسائل صلاة الليل» وكان أحب شيء له فيه المقدمة! فكان يثني عليها كثيراً، وما أظن ذلك إلا لأنه من عباد الليل.

قال لي مرة ونحن خارجون من المسجد: ليتك حضرت محاضرتي البارحة، فقلتُ: كنت حريصا عليها لكن كان عندي محاضرات في الجامعة، فقال: لقد ضربتُ بك مثالاً! قلت: كيف ذلك؟ قال: ذكرتُ أن أحد المشايخ ألَّفت كتاباً عن صلاة الليل وأنه مكتوب على الكتاب حقوق الطبع محفوظة! فقلت: هذا الناشر للكتاب هو الذي فعل ذلك، وأنا لم آخذ عليه ريالاً واحداً إنما آخذ نسخاً أوزعها على طلبة العلم، وقد بحثتُ مسألة حقوق التأليف في رسالتي الماجستير، وخلصتُ إلى رأي أرجو أن أكون قد وفقت فيه.

وكان شيخنا له وجهة نظرة قوية في المسألة برهن عليها واستدل وفنَّد ما يثار حولها فكانت كتابة متميزة رحمه الله وكان يفرق بين حقوق الطبع وحقوق التأليف.

زرته مرة فإذا بيده قد وضعها كما يضع المكسور يده من رباط يحملها، فقلت: لا بأس عليكم، فقال: أبداً كنت على كرسي في العمل فأغمي علي فسقطتُ، الإغماء نعمة من الله حيث إن الجسم إذا بلغ غاية معينة لا يستطيع التحمل فيغمى عليه حتى يأخذ راحته فهو أحسن من النوم لأن كثيراً من الأجهزة تأخذ وضعها المناسبة بعد الإغماء!

ومرة أغمي عليه وهو في الهند أو باكستان في دورة المياه التي في محل إقامته وقد كان قائماً للوضوء فسقط وانكسرت منه بعض ضلوع صدره فلما استيقظ من الإغماء ربط على صدره بمحزم وأكمل المؤتمر الذي جاء من أجله!

كان يذكر لي مقولة ابن تيمية رحمه الله وأنها قاعدة ونظام للأفراد والجماعة والدول لا يجوز الإخلال به وهي:(العدل واجب لكل أحد على كل أحد في جميع الأحوال والظلم لا يباح شيء منه بحال)، فكان يختصرها ويقول:(العدل واجب لكل أحد على كل أحد في كل حال).

أُجريتْ له عملية صدر مفتوح قبل سنوات فذهبت إليه في المشفى فسألته عن حاله فحمد الله وأثنى عليه وقال: أبشِّرك ثلاثة شرايين مرة واحدة نعطي جملة!

قلت له مرة وهو معي في السيارة: إني أحبك في الله، وإني أحرص على الجلوس معكم، وصحبتكم، لا لأجل شيء من الدنيا إلا لطلب الفائدة منكم، فقال لي: ما عندي شيء من الدنيا حتى أُصحب لأجله!

كنتُ أسأله عن بعض العلماء سألته مرة عن الشيخ عبدالله بن جاسر رحمه الله صاحب كتاب مفيد الأنام فقال: نِعْم الرجل طيبة وخلقاً ولطافة، كنا نجتمع في لجنة مكونة من وزارة العدل ووزارة المالية وغيرها، واستفدتُ منه كيفية إخراج المال إذا كان مربوطاً بمطاط(مغاط) فكان لا يسحب مما يلي المطاط بل يسحب مما بعده فيكون أسهل في إخراج المال.

كان رحمه الله بصيراً بالرجال والجماعات الإسلامية، ومع ذلك كان يعاملها كلها على أحسن ما تُظْهِرُ له، وإن كان لا يرضى ما عندهم من ضلال ولذا لا يذكرها بعضها لا بخير ولا بشر! ذكر لي مرة أن جماعة التبليغ لا يحبون الجهاد؛ لأنه ليس على منهجهم وطريقتهم، ولذا لم يشاركوا في الجهاد الأفغاني.

وعلى ذكر الجهاد الأفغاني كان سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله مهتماً بموضوع اختلافهم القادة وكان قد حرص على تكوين لجنة لدراسة الأمر فكان مما كتبه رحمه الله: (اجتمعنا بأصحاب الفضيلة الشيخ عبدالمجيد الزنداني، والشيخ صالح الحصين، والشيخ سعد الحصين في صباح السبت 19-7-1406هـ، وصباح يوم الأحد 20-7-1406هـ عبدالمجيد وسعد خاصة، واتفق الرأي على أن يسافر وفد إلى باكستان في 15 شوال 1406هـ للاتصال بقادة الجهاد الأفعاني المشايخ سياف، وقلب الدين، وبرهان الدين؛ للتوفيق بينهم وبين الشيخ جميل الرحمن، وجمع كلمتهم مع العناية بأمور الدعوة، والتعليم في المهاجرين، واهتمام الجميع بالعقيدة الصحيحة، والتحذير مما يخالفها بالطرق المناسبة التي لا يترتب عليها إن شاء الله تصدع، ولا خلاف.

واتفقنا على تكوين الوفد من الشيخ عبدالمجيد الزنداني، والشيخ صالح الحصين، والشيخ نزار الجربوع، وينضم إليهم الشيخ عبدالعزيز ابن عتيق مدير مكتب الدعوة في باكستان، ويعينهم بما يحتاجون إليه من سيارة وغيرها، واتفقنا على إعداد أربع رسائل لكل من الإخوة المشايخ سياف وقلب الدين، وبرهان الدين، وجميل الرحمن تشتمل على بيان أهداف الوفد، والنصيحة لكل منهم بما يشجع على التوجه إلى العقيدة الصحيحة، والجهاد؛ لتكون كلمة الله هي العليا.والله ولي التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

ملاحظة: نظراً لعدم تيسر توجه الشيخ نزار الجربوع فقد رأينا إرسال فضيلة الشيخ عبدالله بن صالح القصير، العضو في إدارة الدعوة والإرشاد في الداخل بدلاً عنه، عبدالعزيز بن عبدالله بن باز) ينظر: كتاب جوانب من سيرة ابن باز ص206.

قال لي الشيخ سعد غفر الله له: (لم أسمع أخي منذ أدركته ذكر أحداً بسوء فيما أعرف عنه وغاية ما سمعته منه أنه قال عن رجل أساء معه التصرف: أخلاقه تجارية!).

وبهذه المناسبة أقول من فاته الشيخ صالح رحمه الله فلا يفته الشيخ سعد غفر الله له فهو لا يقل عن صفات الشيخ صالح زهداً وديناً وصلاحاً.

كان من تواضعه وتشجيعه رحمه الله أن يعطيني مقالاته ويقول: أعطني رأيك فيها! قال لي مرة: هذا المقال لم يرتض بعض الإخوة نشره! فأعطني رأيك فيه، فقرأته وأعجبتُ به، فقلتُ له: ما أسباب عدم رضاهم؟ فأخبرني بسبب ذكروه لعله لم يقنع الشيخ فأخبرته برأيي أن هذا هو وقت نشره، فنشره بعد ذلك رحمه الله.

كان إذا خرج له كتاباً أعطاني منه نسخاً، مرة أعطاني نسخة واحدة من أحد كتبه وقال: هذه نسختي خذها، وسيأتي الله بنسخ أخرى، فرفضتُ، فقال: أنا لا أحتاجها الآن، فأخذتها جزاه الله عن أمة محمد خيراً.

كان آخر كتاب أهداه لي : (خاطرات حول المصرفية الإسلامية) بطبعته الثالثة في 20-1-1434هـ بالرياض وقال لي: أهم شيء هو أن تقرأ الملحق الأخير به فقلتُ له: أبشر.

فقرأته فرأيتُ في أحرفه الحزن والأسف إلى ما صارت عليه حال المصرفية الإسلامية فمما جاء في الكتاب ص126: (ظلت فكرة المصرفية الإسلامية في المملكة تقترب شيئاً فشيئاً من فكرة المصرفية الربوية حتى سهل على المصارف الربوية أن تتعايش مع فكرة المصرفية الإسلامية مع بقاء الربا أصلب عوداً وأعظم ازدهاراً وأبلغ حصانة عن النفي والزوال.

تتحمل الهيئات الشرعية في مصارف المملكة القسط الأكبر من هذه الخسارة العظمى التي منيت بها المملكة بل مني بها الإسلام، تلك الخسارة التي أجهضت لها مقاصد الحكومة وتوقعات منظري ورواد المصرفية الإسلامية.

تتحمل الهيئات الشرعية هذه المسؤولية؛ لأنها وإن كان ذلك بسلامة نية وجهل بالواقع ومآلات الأمور بدأت بإيجاد مخارج للتمويل عن طريق الإدانة لأجل بمقابل نظير الأجل، وكانت هذه المخارج تبدو من ناحية الشكل الفقهي مهيأة للقبول، ولكنها انتهت بالحيل الصلعاء التي لم يعد الفرق بينها وبين الربا كافياً لخداع المؤمنين الخاصة منهم أو العامة..).

عاش الشيخ عشر سنين في إحدى الهيئات الشرعية لأحد البنوك الإسلامية وكان يحدثني بلوعة عما يجري.

سألته ونحن ذاهبان للمسجد هل تنصحني بالدخول في الهيئات الشرعية في البنوك؟ فوقف والتفت إليَّ قائلا: لا، وحذّرني منها! فقلت: قد كنتم فيها يا شيخنا غفر الله لكم؟ فقال: كنا في موقف قوة، والآن لو قلت: لهم لا هذا ما يصلح أبعدوك بعد مدة!

قال لي: كان يعرض الموضوع علينا في الهيئة فأخبرهم بوجه المحرم والاحتيال فيه فيجمعون على تحريمه، ثم بعد ثلاث سنوات أعيد الموضوع فقلت لهم: هذا هو الذي حدثتكم عنه قبل ثلاث سنوات!

كان الشيخ يرفض أن يأخذ شيئاً مقابل عمله في تلك الهيئة الشرعية البنكية وحمل جميع الأعضاء على ذلك، فانسحب بعضهم بحجة كيف نعمل بلا مقابل! واستمر الشيخ عشر سنين ولم يقبض هو ولا من معه شيئاً مقابل عملهم، فلما ترك الهيئة صرفتُ الأموال مقابل العمل!

قلتُ له: لم تتركها وأنتم تستطيعون إصلاحها؟ فقال: إن البيت الآيل للسقوط لا يرمم!

سألته عن أسلم بنك إسلامي؟ فقال: وهل فيه بنك إسلامي!

كان يردد دائماً قول أيوب السختياني : يخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان لو أتوا الأمر على وجهه لكان أهون .

كان يجيد اللغة الفرنسية والإنجليزية مرة دخلتُ رئاسة الحرمين فإذا بوفد من أوروبا أو أمريكا والشيخ يلقي عليهم في مكان مُعدٍّ لذلك، وكان المترجم يترجم ما يقول الشيخ، فترجم جملة من كلام الشيخ وأخطأ في الترجمة، فقال الشيخ: لعل المترجم لم يسمع ما قلته لضعف صوتي فاجتهد! والصواب من كلامي هو فقال الكلام باللغة الإنجليزية، ثم جعل يتكلم بالعربي فأخطأ المترجم مرة أخرى، فقال الشيخ: لعلي ثقلتُ عليك سأتكلم مباشرة معهم فبدأ يحدثهم باللغة الإنجليزية. والذي منع الشيخ من الحديث مباشرة معهم أن هذا المترجِم قال: سأترجم كلامك فاستحيا الشيخ أن يرده.

لا تسألني عن زهده ولا عن عبادته ولا عن بذله لماله وجاهه، كما لا تسألني عن ورعه ولا عن نصحه ولا عن علمه، ولا عن سعة ثقافته ولا عن خلقه ولا عن وفور عقله، ولا مسارعته في حاجات المسلمين فهو مضرب مثل فيها كلها.

لما كُلف بموضوع قسمة تركة الملك سعود رحمه الله هو ومن معه أُعطوا على القسم الأول مبلغاً كبيراً جداً فرفض أن يأخذ منه شيئاً .

لما كان في المدينة اشترى أرضاً تبعد عنها سبعين كيلو فغرس فيها نخلاً ؛ ليأكل منها الطير وغيرها ليكسب أجر ذلك، وجعل فيها غنماً ليسقي والدته من حليبها، وأخرج مديا لسقيا البهائم الأخرى، فلما استغنت والدته عن حليب الغنم باعها بقيمة الأرض قبل غرسها وعلى أن يقسم الثمن على سبع سنين، وفي السنة الأولى توفي المشتري ولم يسلم القسط الأول، فجاء الورثة إلى الشيخ صالح ليردوا عليه المزرعة فقال: أبداً هي لكم بارك الله لكم فيها ولم يأخذ منهم شيئاً!

كان رحمه الله يصلي بين العشاءين ما يقارب اثنتي عشرة ركعة إذا لم يكن مسافراً رأيته مراراً يفعل ذلك في صحن الكعبة، بل إني لا أهتدي إليه مع كثرة الناس أحياناً إلا بمراقبة الذين يصلون فأجده بسهولة.

اتصلتُ بشيخنا سعد غفر الله له لأعزيه في وفاة الشيخ رحمه الله فكان مما قاله لي: كنتُ أحاول أن أسبق الأخ صالحاً ولو لمرة واحدة؛ حيث كنت أتبعه حين ذهب لدار التوحيد ثم لكلية الشريعة ثم لمصر ثم في بقية أمور من العبادات والعادات فلم أسبقه، وظننتُ أني سأسبقه ولو في الموت قبله! حتى أني قلت له: إن مت فاجعلوا دفني في مقبرة العدل فقد واعدتُ والدتي أن أقبر معها! فسبقني رحمه الله إلى لقاء ربه .

كان لأبناء الشيخ عبدالرحمن الحصين (الشيخ صالح والشيخ سعد والوزير عبدالله) حساباً واحداً ينفقون منه ويتصدقون، ولا يدخرون شيئاً فوق الحاجات الضرورية.

قال لي الشيخ سعد:( لا أذكر أنَّا أخرجنا زكاة المال؛ لأن كل المال الزائد يُـخْرج لمستحقه قبل حلول الحول عليه، وقد أخذ علينا أخي صالح ألا ندخر شيئاً فوق الحاجة فكان ذلك، وكان حسابنا مشتركاً).

أمَّ المصلين عليه سماحة شيخنا صالح اللحيدان حفظه الله بعد صلاة العصر يوم الأحد الموافق 25-6-1434هـ، ودفن في مقبرة النسيم شرق الرياض، وكان رحمه الله يأمل أن يموت في المدينة أو مكة وأن يقبر هناك لكنه مات في الرياض ولم يوص بنقله؛ لعدم وروده عن السلف الصالح.

سلمتُ على ابنه الأخ الوقور المهندس عبدالله في المقبرة وقلت له: أحسن الله عزاءكم وجبر مصابنا جميعاً، الله يحلله ويبيحه، قدم على رب كريم، ومن خلّف أمثالكم لم يمت، فقال: والدي أوصاني أن أطلب التحليل له من أصحابه وجزاك الله خيراً على تحليله!

فاتني الكثير وما كتبتُ إنما هو شيء مما رأيته بعيني أو حدثني به رحمه الله أو أخبرني به أخوه الشيخ سعد، ولا يفوتني أن أبوح بأنه أحد الرجال الستة الذين أثروا في شخصيتي.

أرى أن من الوفاء له أن تنشأ مؤسسة خيرية باسمه واسم إخوانه تطبع كتبهم وتشرف على دعاتهم وتدير وقفهم وأعمالهم الخيرية.

كما أقترح أن تجمع جميع كتب الشيخ ومقالاته وكلماته ورسائله وما هذَّبه من الكتب كتهذيبه لكتاب الاقتضاء لابن تيمية، وما ترجمه من الكتب ككتاب الطريق إلى الإسلام لمحمد أسد، وتطبع في مجلدات تكون: باسم مجموعة كتب ورسائل الشيخ صالح الحصين. وأقترح على الأقسام العلمية في الجامعات والمعاهد تسجيل رسائل علمية في البحث عن جهوده العلمية، والنظامية «القانونية»، والإغاثية، والدعوية، ومنهجه في الحوار والإدارة وغيرها.

قد عرفتُ من أين أبدأ كتابتي لكن هل أستطيع أن أعرف كيف أنهيها!

رحم الله شيخنا وغفر الله له، ورفع في الآخرة نزله، وأخلف علينا بخير منه، والحمد لله رب العالمين.

قصة :كفى بالله شهيداً :

هذه قصة رجلان صالحان من بني إسرائيل كانا يسكنان بلداً واحداً على ساحل البحر، فأراد أحدهما أن يسافر للتجارة، واحتاج إلى مبلغ من المال.

فسأل الآخر أن يقرضه ألف دينار على أن يسددها له في موعد محدد، فطلب منه الرجل إحضار شهود على هذا الدين .

فقال له: كفى بالله شهيدا، فرضي بشهادة الله، ثم طلب منه إحضار كفيل يضمن له ماله في حال عجزه عن السداد.

فقال له: كفى بالله كفيلا، فرضي بكفالة الله، مما يدل على إيمان صاحب الدين، وثقته بالله عز وجل، ثم سافر المدين لحاجته، ولما اقترب موعد السداد، أراد أن يرجع إلى بلده، ليقضي الدين في الموعد المحدد.

ولكنه لم يجد سفينة تحمله إلى بلده، فتذكر وعده الذي وعده، وشهادةَ الله وكفالتَه لهذا الدين، ففكر في طريقة يوصل بها المال في موعده.

فما كان منه إلا أن أخذ خشبة ثم حفرها وحشى فيها الألف الدينار وأرفق معها رسالة يبين فيها ما حصل له، ثم سوى موضع الحفرة، وأحكم إغلاقها، ورمى بها في عرض البحر، وهو واثق بالله، متوكل عليه، مطمئن أنه استودعها من لا تضيع عنده الودائع .

ثم انصرف يبحث عن سفينة يرجع بها إلى بلده، وأما صاحب الدين، فقد خرج إلى شاطىء البحر في الموعد المحدد، ينتظر سفينة يقدُم فيها الرجل أو رسولاً عنه يوصل إليه ماله، فلم يجد أحداً، ووجد خشبة قذفت بها الأمواج إلى الشاطىء، فأخذها لينتفع بها أهله في الحطب .

ولما قطعها بالمنشار وجد المال الذي أرسله المدين له والرسالة المرفقة، ولما تيسرت للمدين العودة إلى بلده، جاء بسرعة إلى صاحب الدين، ومعه ألف دينار أخرى، خوفاً منه أن تكون الألف الأولى لم تصل إليه، فبدأ يبين عذره وأسباب تأخره عن الموعد، فأخبره الدائن بأن الله عز وجل الذي جعله الرجل شاهده وكفيله، قد أدى عنه دينه في موعده المحدد

قصة طويلة لكن ممتعة

قصه حدثت للدكتور عبدالرحمن العشماوي

حينما جلست في المقعد المخصص لي في الدرجة الأول من الطائرة التي تنوي الإقلاع إلى عاصمة دولةٍ غربية ، كان المقعد المجاور لي من جهة اليمين ما يزال فارغاً ، بل إن وقت الإقلاع قد اقترب والمقعد المذكور ما يزال فرغاً ، قلت في نفسي : أرجو أن يظل هذا المقعد فارغاً ، أو أن ييسّر الله لي فيه جاراً طيباً يعينني على قطع الوقت بالنافع المفيد ، نعم أن الرحلة طويلة سوف تستغرق ساعات يمكن أن تمضي سريعاً حينما يجاورك من ترتاح إليه نفسك ، ويمكن أن تتضاعف تلك الساعات حينما يكون الأمر على غير ما تريد!
وقبيل الإقلاع جاء من شغل المقعد الفارغ … فتاةُ في مَيْعة الصِّبا ، لم تستطيع العباءة الفضفاضة السوداء ذات الأطراف المزيَّنة أن تخفي ما تميزت به تلك الفتاة من الرِّقة والجمال .. كان العطر فوَّاحاً ، بل إن أعين الركاب في الدرجة الأولى قد اتجهت إلى مصدر الرائحة الزكيَّة ، لقد شعرت حينها أن مقعدي ومقعد مجاورتي أصبحا كصورتين يحيط بهما إطار منضود من نظرات الرُّكاب ، حينما وجهت نظري إلى أحدهم … رأيتُه يحاصر المكان بعينيه ، ووجهه يكاد يقول لي : ليتني في مقعدك ؛ كنت في لحظتها أتذكر قول الرسول عليه الصلاة والسلام فيما روي عن أبي هريرة ( رضي الله عنه ) (( ألا وإنَّ طيب الرجال ما ظهر ريحه ، ولم يظهر لونه ، ألا وإن طيب النساء ما ظهر لونه ولم يظهر ريحه )).
ولا أدري كيف استطعت في تلك اللحظة أن أتأمل معاني هذا الحديث الشريف ، لقد تساءلت حينها (( لماذا يكون طيب المرأة بهذه الصفة ))؟
كان الجواب واضحاً في ذهني من قبل : إن المرأة لزوجها ، ليست لغيره من الناس ، وما دامت له فإن طيبَها ورائحة عطرها لا يجوز أن يتجاوزه إلى غيره ، كان هذا الجواب واضحاً ، ولكن ما رأيته من نظرات ركاب الطائرة التي حاصرت مقعدي ومقعد الفتاه ، قد زاد الأمر وضوحاً في نفسي وسألت نفسي : يا ترى لو لم يَفُحْ طيب هذه الفتاة بهذه الصورة التي أفعمت جوَّ الدرجة الأولى من الطائرة ، أكانت الأنظار اللاَّهثة ستتجه إليها بهذه الصورة؟
عندما جاءت ((خادمة الطائرة )) بالعصير ، أخذت الفتاة كأساً من عصير البرتقال ، وقدَّمته إليَّ ، تناولته شاكراً وقد فاجأني هذا الموقف ، وشربت العصير وأنا ساكتٌ ،ونظرات ذلك الشخص ما تزال تحاصرني ، وجَّهت إليه نظري ولم أصرفه عنه حتى صرف نظره حياءً – كما أظن – ، ثم اكتفى بعد ذالك باختلاس النظرات إلى الفتاة المجاورة ، ولما أصبح ذلك دَيْدَنَه ، كتبت قصاصة صغيرة (( ألم تتعب من الالتفات ؟ ))، فلم يلتفت بعدها .
عندما غاصتْ الطائرة في السحاب الكثيف بعد الإقلاع بدقائق معدودات اتجه نظري إلى ذالك المنظر البديع ، سبحان الله العظيم ، قلتُها بصوت مرتفع وأنا أتأمل تلك الجبال الشاهقة من السحب المتراكمة التي أصبحنا ننظر إليها من مكان مرتفع ، قالت الفتاة التي كانت تجلس بجوار النافذة : إي والله سبحان الله العظيم ، ووجهتْ حديثها إليَّ قائلة ً إن هذا المنظر يثير الشاعرية الفذَّة ، ومن حسن حظي أنني أجاور شاعراً يمكن أن يرسم لوحة ًشعرية رائعة لهذا المنظر …
لم تكن الفتاة وهي تقول لي هذا على حالتها التي دخلت بها إلى الطائرة ، كلا..لقد لملمت تلك العباءة الحريرية ، وذلك الغطاء الرقيق الذي كان مسدلاً على وجهها ووضعتهما داخل حقيبتها اليدوية الصغيرة ، لقد بدا وجهها ملوَّناً بألوان الطيف ، أما شعرها فيبدو أنها قد صفَّـفته بطريقة خاصة تعجب الناظرين …
قلت لها : سبحان من علَّم الإنسان ما لم يعلم ، فلولا ما أتاح الله للبشر من كنوز هذا الكون الفسيح لما أتيحت لنا رؤية هذه السحب بهذه الصورة الرائعة ..
قالت: إنها تدلُّ على قدرة الله تعالى ..
قلت: نعم تدل على قدرة مبدع هذا الكون و خالقه ،الذي أودع فيه أسراراً عظيمة ، وشرع فيه للناس مبادئ تحفظ حياتهم وتبلَّـغهم رضى ربهم ،وتنجيهم من عذابه يوم يقوم الأشهاد.
قالت : إلا يمكن أن نسمع شيئاً من الشعر فإني أحب الشعر وإن هذه الرحلة ستكون تاريخية بالنسبة إليَّ ، ما كنت أحلم أن أسمع منك مباشرة ..
لقد تمنَّيتُ من أعماق قلبي لو أنها لم تعرف مَنْ أنا لقد كان في ذهن أشياء كثيرة أريد أن أقولها لها .
وسكتُّ قليلاً كنت أحاور نفسي حواراً داخلياً مُرْبكاً ، ماذا أفعل ، هل أبدأ بنصيحة هذه الفتاة وبيان حقيقة ما وقعت فيه من أخطاءٍ ظاهرة ، أم أترك ذلك إلى آخر المطاف ؟
وبعد تردُّد قصير عزمت على النصيحة المباشرة السريعة لتكون خاتمة الحديث معها.
وقبل أن أتحدث أخرجت من حقيبتها قصاصاتٍ ملوَّنة وقالت : هذه بعض أوراق أكتبها ، أنا أعلم أنها ليست على المستوى الذي يناسب ذوقك ، ولكنها خواطر عبرت بها عن نفسي …
وقرأت القصاصات بعناية كبيرة ، إني أبحث فيها عن مفتاح لشخصية الفتاة ..
إنها خواطر حالمة ، هي فتاة رقيقة المشاعر جداً ، أحلامها تطغى على عقلها بشكل واضح ، لفت نظري أنها تستشهد بأبيات من شعري ، قلت في نفسي هذا شيء جميل لعل ذلك يكون سبباً في أن ينشرح صدرها لما أريد أن أقول ، بعد أن قرأت القصاصات عزمت على تأخير النصيحة المباشرة وسمحت لنفسي أن تدخل في حوارٍ شامل مع الفتاة ..
قلت لها : عباراتك جميلة منتقاة ، ولكنها لا تحمل معنىً ولا فكرة كما يبدو لي ، لم أفهم منها شيئاً ، فماذا أردتِ أن تقولي …؟
بعد صمتٍ قالت : لا أدري ماذا أردتُ أن أقول : إني أشعر بالضيق الشديد ، خاصة عندما يخيَّم عليَّ الليل ، أقرأ المجلات النسائية المختلفة ، أتأمَّل فيها صور الفنانات والفنانين ، يعجبني وجه فلانة ، وقامة فلانة ، وفستان علاَّنة ، بل تعجبني أحياناً ملامح أحد الفنانين فأتمنَّى لو أن ملامح زوجي كملامحه ، فإذا مللت من المجلات اتجهت إلى الأفلام ، أشاهد منها ما أستطيع وأحسُّ بالرغبة في النوم ، بل إني أغفو وأنا في مكاني ، فأترك كل شيء وأتجه إلى فراشي …، وهناك يحدث ما لا أستطيع تفسيره ، هناك يرتحل النوم ، فلا أعرف له مكاناً .
عجباً ، أين ذلك النوم الذي كنت أشعر به وأنا جالسة ، وتبدأ رحلتي مع الأرق ، وفي تلك اللحظات أكتب هذه الخواطر التي تسألني عنها…
(( إنها مريضة )) قلتها في نفسي ، نعم إنها مريضة بداء العصر ؛ القلق الخطير ، إنها بحاجة إلى علاج .
قلت لها : ولكنَّ خواطرك هذه لا تعبر عن شيء ٍ مما قلت إنها عبارات برَّاقة ، يبدو أنك تلتقطينها من بعض المقالات المتناثرة وتجمعينها في هذه الأوراق…
قالت : عجباً لك ، أنت الوحيد الذي تحدَّثت بهذه الحقيقة ،كل صديقاتي يتحدثن عن روعة ما أكتب ، بل إن بعض هذه الخواطر قد نشرت في بعض صحفنا ، وبعثَ إلىَّ المحرِّر برسالة شكر على هذا الإبداع ، أنا معك أنه ليس لها معنى واضح ، ولكنها جميلة .
وهنا سألتها مباشرة :
هل لك هدفٌُ في هذه الحياة ؟!
بدا على وجهها الارتباك ، لم تكن تتوقع السؤال ، وقبل أن تجيب قلت لها :
هل لك عقل تفكرين به ، وهل لديك استقلال في التفكير ؟ أم أنك قد وضعت عقلك بين أوراق المجلات النسائية التي أشرت إليها ، وحلقات الأفلام التي ذكرت أنك تهرعين إليها عندما تشعرين بالملل .
هل أنتِ مسلمة ؟!..
هنا تغيَّر كل شيء ، أسلوبها في الحديث تغيَّر ، جلستها على المقعد تغيَّرت ، قالت :
هل تشك في أنني مسلمة ؟ ! إني – بحمد الله – مسلمة ٌُ ومن أسرة مسلمة عريقة في الإسلام ، لماذا تسألني هذا السؤال ، إن عقلي حرٌّ ليس أسيراً لأحد ، إني أرفض أن تتحدَّث بهذه الصورة …..
وانصرفت إلى النافذة تنظر من خلالها إلى ملكوت الله العظيم …
لم أعلق على كلامها بشيء ، بل إنني أخذت الصحيفة التي كانت أمامي وانهمكت في قراءتها ، ورحلت مع مقال في الصحيفة يتحدث عن الإسلام والإرهاب (( كان مقالاً طويلاً مليئاً بالمغالطات والأباطيل ، يا ويلهم هؤلاء الذين يكذبون على الله , ولا أكتمكم أنني قد انصرفت إلى هذا الأمر كلياً حتى نسيت في لحظتها ما جرى من حوار بيني وبين مجاورتي في المقعد ، ولم أكن أشعر بنظراتها التي كانت تختلسها إلى الصحيفة لترى هذا الأمر الذي شغلني عن الحديث معها – كما أخبرتني فيما بعد-، ولم أعد من جولتي الذهنية مع مقال الصحيفة إلا على صوتها وهي تسألني :
أتشك في إسلامي ؟!
قلت لها : ما معنى الإسلام ؟!
قالت : هل أنا طفلة حتى تسألني هذا السؤال ! قلت لها: معاذ الله بل أنت فتاة ناضجة تمتم النضج ، تُلوِّن وجهها بالأصباغ ، وتصفِّفُ شعرها بطريقة جيدة ، وتلبس عباءتها وحجابها في بلادها ، فإذا رحلت خلعتها وكأنهما لا يعنيان لها شيئاً ، نعم إنك فتاة كبيرة تحسن اختيار العطر الذي ينشر شذاه في كل مكان ..فمن قال إنك طفلة … ؟!
قالت : لماذا تقسو عليَّ بهذه الصورة ؟
قلت لها : ما الإسلام ؟ … قالت : الدين الذي أرسل الله به محمد صلى الله عليه وسلم ، قلت لها : وهو كما حفظنا ونحن صغار (( الاستسلام لله بالتوحيد ، والانقياد له بالطاعة ، و الخلوص من الشرك )) ، قالت : إي والله ذكرتني ، لقد كنت أحصل في مادة التوحيد على الدرجة الكاملة!
قلت لها : ما معنى (( الانقياد له بالطاعة )) ؟
سكتت قليلاً ثم قالت : أسألك بالله لماذا تتسلَّط عليَّ بهذه الصورة ، لماذا تسيء إليَّ وأنا لم أسئ إليك ؟
قلت لها : عجباً لك ، لماذا تعدّين حواري معك إساءة ؟ أين موطن الإساءة فيما أقول؟
قالت : أنا ذكية وأفهم ما تعني ، أنت تنتقدني وتؤنبني وتتهمني ، ولكن بطريقة غير مباشرة ..
قلت لها : ألست مسلمة ؟
قالت : لماذا تسألني هذا السؤال ؟ إني مسلمة من قبل أن أعرفك ، وأرجوك ألا تتحدث معي مرة أخرى .
قلت لها : أنا متأسف جداً ، وأعدك بألا أتحدث إليك بعد هذا …
ورجعتُ إلى صفحات الصحيفة التي أمامي أكمل قراءة ذلك المقال الذي يتجنَّى فيه صاحبه على الإسلام ، ويقول : إنه دين الإرهاب ، وإن أهله يدعون إلى الإرهاب ، وقلت في نفسي : سبحان الله ، المسلمون يذبَّحون في كل مكان كما تذبح الشيِّاه ، ويقال عنهم أهل الإرهاب …
وقلبتُ صفحة أخرى فرأيت خبراً عن المسلمين في كشمير ، وصورة لامرأة مسلمة تحمل طفلاً ، وعبارة تحت صورتها تقول : إنهم يهتكون أعراضنا ينزعون الحجاب عنَّا بالقوة وأن الموت أهون عندنا من ذلك ، ونسيت أيضاً أن مجاورتي كانت تختلس نظرها إلى الجريدة ، وفوجئت بها تقول:
ماذا تقرأ ؟ .. ولم أتحدث إليها ، بل أعطيتها الجريدة وأشرت بيدي إلى صورة المسلمة الكشميرية والعبارة التي نُقلت عنها …
ساد الصمت وقتاً ليس بالقصير ، ثم جاءت خادمة الطائرة بالطعام … واستمر الصمت …
وبعد أن تجوَّلتُ في الطائرة قليلاً رجعت إلى مقعدي ، وما إن جلست حتى بادرتني مجاورتي قائلة ً :
ما كنت أتوقع أن تعاملني بهذه القسوة !..
قلت لها :
لا أدري ما معنى القسوة عندكِ ، أنا لم أزد على أن وجهت إليك أسئلة ً كنت أتوقع أن أسمع منك إجابة ًعنها ، إ لم تقولي إنك واثقة بنفسك ثقة ً كبيرة ؟ فلماذا تزعجك أسئلتي ؟
قالت : أشعر أنك تحتقرني ..
قلت لها : من أين جاءك هذا الشعور ؟
قالت لا أدري .
قلت لها : ولكنني أدري .. لقد انطلق هذا الشعور من أعماق نفسك ، إنه الشعور بالذنب والوقوع في الخطأ ، أنت تعيشين ما يمكن أن أسمّيه بالازدواجية ، أنت تعيشين التأرجح بين حالتين …
وقاطعتني بحدّة قائلة : هل أنا مريضة نفسياً ؟ ما هذا الذي تقول ؟!
قلت لها : أرجو ألاَّ تغضبي ، دعيني أكمل ، أنت تعانين من ازدواجيةٍ مؤذية ، أنتِ مهزومة من الداخل ، لاشك عندي في ذلك ، وعندي أدلّة لا تستطيعين إنكارها .
قالت مذعورة ً : ما هي ؟
قلت : تقولين إنك مسلمة ، والإسلام قول وعمل ، وقد ذكرت لك في أول حوارنا أن من أهم أسس الإسلام (( الانقياد لله بالطاعة )) ، فهل أنت منقادة لله بالطاعة ؟
وسكتُّ لحظة ً لأتيح لها التعليق على كلامي ، ولكنها سكتتْ ولم تنطق ببنتِ شفةٍ – كما يقولون – كما يقولون – وفهمت أنها تريد أن تسمع ، قلت لها :
هذه العباءة ، وهذا الحجاب اللذان حُشرا – مظلومَيْن – في هذه الحقيبة الصغيرة دليل على ما أقول ….
قالت بغضب واضح : هذه أشكال وأنت لا تهتم إلا بالشكل ، المهم الجوهر .
قلت لها: أين الجوهر؟ ها أنت قد اضطربت في معرفة مدلولات كلمة (( الإسلام )) الذي تؤمنين به ، ثم إن للمظهر علاقة قوية بالجوهر ، إن أحدهما يدلُّ على الآخر ، وإذا اضطربت العلاقة بين المظهر والجوهر ، اضطربت حياة الإنسان …
قالت : هل يعني كلامك هذا أنَّ كل من تلبس عباءة ً وتضع على وجهها حجاباً صالحة نقية الجوهر ؟
قلت لها : كلا ، لم أقصد هذا أبداً ، ولكنَّ من تلبس العباءة والحجاب تحقِّق مطلباً شرعياً ، فإن انسجم باطنها مع ظاهرها ، كانت مسلمة حقّة ، وإن حصل العكس وقع الاضطراب في شخصيتها ، فكان نزعُ هذا الحجاب – عندما تحين لها الفرصة هيِّناً ميسوراً ، إن الجوهر هو المهم ، وأذكِّرك الآن بتلك العبارة التي نقلتها الصحيفة عن تلك المرأة الكشميرية المسلمة ، ألم تقل : إن الموت أهون عليها من نزع حجابها ؟ لماذا كان الموت أهون ؟
لأنها آمنت بالله إيماناً جعلها تنقاد له بالطاعة فتحقق معنى الإسلام تحقيقاً ينسجم فيه جوهرها مع مظهرها ، وهذا الانسجام هو الذي يجعل المسلم يحقق معنى قول الرسول عليه الصلاة السلام : (( والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به )) .
إنَّ لبس العباءة والحجاب – عندك – لا يتجاوز حدود العادة والتقليد ، ولهذا كان هيّناً عليك أن تنزعيهما عنك دون تردُّد حينما ابتعدت بك الطائرة عن أجواء بلدك الذي استقيت منه العادات والتقاليد ، أما لو كان لبسك للحجاب منطلقاً من إيمانك بالله ، واعتقادك أن هذا أمر شرعي لا يفرّق بين مجتمع ومجتمع ، ولا بلدٍ وبلدٍ لما كان هيّناً عليك إلى هذه الدرجة .
الازدواجية في الشخصية – يا عزيزتي – هي المشكلة .. أتدرين ما سبب هذه الازدواجية ؟
فظننت أنها ستجيب ولكنها كانت صامتةً ، وكأنها تنتظر أن أجيب أنا عن هذا السؤال..
قلت: سبب هذه الازدواجية الاستسلام للعادات والتقاليد ، وعدم مراعاة أوامر الشرع ونواهيه ، إنها تعني ضعف الرقابة الداخلية عند الإنسان ،ولهذا فإن من أسوأ نتائجها الانهزامية حيث ينهزم المسلم من الداخل ، فإذا انهزم تمكن منه هوى النفس ، وتلاعب به الشيطان ، وظلَّ كذلك حتى تنقلب في ذهنه الموازين …
لم تقل شيئاً ، بل لاذت بصمت عميق ، ثم حملت حقيبتها واتجهت إلى مؤخرة الطائرة … وسألت نفسي تراها ضاقت ذرعاً بما قلت ، وتراني وُفَّقت فيما عرضت عليها ؟ لم أكن – في حقيقة الأمر – أعرف مدى التأثر بما قلت سلباً أو إيجاباً ، ولكنني كنت متأكداً من أنني قد كتمت مشاعر الغضب التي كنت أشعر بما حينما توجه إليَّ بعض العبارات الجارحة ، ودعوت لها بالهداية ، ولنفسي بالمغفرة والثبات على الحق .
وعادت إلى مقعدها .. وكانت المفاجأة ، عادت وعليها عباءَتُها وحجابها … ولا تسل عن فرحتي بما رأيت !
قالت : إن رحمة الله بي هي التي هيأت لي الركوب في هذا المقعد ، صدقت – حينما وصفتني – بأنني أعاني من الهزيمة الداخلية ، إن الازدواجية التي أشرت إليها هي السمة الغالبة على كثير من بنات المسلمين وأبنائهم ، يا ويلنا من غفلتنا ! أنَّ مجتمعاتنا النسائية قد استسلمتْ للأوهام ، لا أكتمك أيها الأخ الكريم ، أن أحاديثنا في مجالسنا نحن النساء لا تكاد تتجاوز الأزياء والمجوهرات والعطورات ، والأفلام والأغاني والمجلات النسائية الهابطة ، لماذا نحن هكذا ؟
هل نحن مسلمون حقاًً ؟
هل أنا مسلمة ؟
كان سؤالك جارحاً ، ولكني أعذرك ، لقد رأيتني على حقيقة أمري ، ركبت الطائرة بحجابي ، وعندما أقلعت خلعت عني الحجاب ، كنت مقتنعة بما صنعت ، أو هكذا خُيِّل إليَّ أني مقتنعة ، بينما هذا الذي صنعته يدلُّ حقاً على الانهزامية والازدواجية ، إني أشكرك بالرغم من أنك قد ضايقتني كثيراً ، ولكنك أرشدتني ، إني أتوب إلى الله وأستغفره .
ولكن أريد أن أستشيرك .
قلت وأنا في روضةٍ من السرور بما أسمع من حديثها : (( نعم … تفضلي إني مصغ ٍ إليك )) .
قالت : زوجي ، أخاف من زوجي .
قلت : لماذا تخافين منه ، وأين زوجك ؟
قالت : سوف يستقبلني في المطار ، وسوف يراني بعباءتي وحجابي ..
قلت لها : وهذا شيء سيسعده …
قالت : كلا ، لقد كانت آخر وصية له في مكالمته الهاتفية بالأمس : إياك أن تنزلي إلى المطار بعباءتك لا تحرجيني أمام الناس ، إنه سيغضب بلا شك .
قلت لها : إذا أرضيت الله فلا عليك أن يغضب زوجُك ، و بإمكانك أن تناقشيه هادئة فلعلَّه يستجيب ، إني أوصيك أن تعتني به عناية الذي يحب له النجاة والسعادة في الدنيا والآخرة.
وساد الصمت …. وشردت بذهني في صورة خيالية إلى ذلك الزوج يوصي زوجته بخلع حجابها … أ هذا صحيح ؟!
أيوجد رجل مسلم غيور كريم يفعل هذا ؟! لا حول ولا قوة إلا بالله ، إن مدنية هذا العصر تختلس أبناء المسلمين واحداً تلو الآخر ، ونحن عنهم غافلون ، بل ، نحن عن أنفسنا غافلون .
وصلت الطائرة إلى ذلك المطار البعيد ، وانتهت مراسم هذه الرحلة الحافلة بالحوار الساخن بيني وبين جارة المقعد ، ولم أرها حين استقبلها زوجها ، بل إن صورتها وصوتها قد غاصا بعد ذلك في عالم النسيان ، كما يغوص سواها من آلاف الأشخاص والمواقف التي تمر بنا كلَّ يوم …
كنت جالساً على مكتبي أقرأ كتاباً بعنوان (( المرأة العربية وذكورية الأصالة )) لكاتبته المسمَّاة ((منى غصوب )) وأعجبُ لهذا الخلط ، والسفسطة ، والعبث الفكري واللغوي الذي يتضمَّنه هذا الكتاب الصغير ، وأصابني – ساعتها – شعور عميق بالحزن والأسى على واقع هذه الأمة المؤلم ، وفي تلك اللحظة الكالحة جاءني أحدهم برسالة وتسلَّمتها منه بشغف ، لعلَّي كنت أودُّ – في تلك اللحظة – أن أهرب من الألم الذي أشعله في قلبي ذلك الكتاب المشؤوم الذي تريد صاحبته أن تجرد المرأة من أنوثتها تماماً ، وعندما فتحت الرسالة نظرت إلى اسم المرسل ، فقرأت : (( المرسلة أختك في الله أم محمد الداعية لك بالخير )) .
أم محمد ؟ من تكون هذه ؟!
وقرأت الرسالة ، وكانت المفاجأة بالنسبة إليَّ ، إنها تلك الفتاة التي دار الحوار بيني وبينها في الطائرة ، والتي غاصت قصتها في عالم النسيان !
إن أهم عبارة قرأتها في الرسالة هي قولها : (( لعلَّك تذكر تلك الفتاة التي جاورتك في مقعد الطائرة ذات يوم ، إِني أبشِّرك ؛ لقد عرفت طريقي إلى الخير ، وأبشرك أن زوجي قد تأثر بموقفي فهداه الله ، وتاب من كثير من المعاصي التي كان يقع فيها ، وأقول لك ، ما أروع الالتزام الواعي القائم على الفهم الصحيح لديننا العظيم ، لقد قرأت قصيدتك )) ضدان يا أختاه (( وفهمت ما تريد )) !
لا أستطيع أن أصور الآن مدى الفرحة التي حملتني على جناحيها الخافقين حينما قرأت هذه الرسالة …. ما أعظمها من بشرى ….. حينما ، ألقيت بذلك الكتاب المتهافت الذي كنت أقرؤه (( المرأة العربية وذكورية الأصالة )) ، ألقيت به وأنا أردد قول الله تعالى : { يُرِيدُونَ أن يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بَأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ} ….
ثم أمسكت بالقلم … وكتَبْتُ رسالةََ ً إلى (( أم محمد )) عبَّرْتُ فيها عن فرحتي برسالتها ، وبما حملته من البشرى ، وضمَّنتها أبياتاً من القصيدة التي أشارت إليها في رسالتها ، منها :
ضدان يا أختاه ما اجتمعا *** دين الهدى والفسق والصَّدُّ
والله مـــــا أزرى بأمـــتنا *** إلا ازدواج مــــا لــه حَــدُّ
وعندما هممت بإرسال رسالتي ، تبيَّن لي أنها لم تكتب عنوانها البريديَّ ، فطويتها بين أوراقي لعلّها تصل إليها ذات يوم .
ضدَّان يا أختاه ..
شعر : د. عبدالرحمن صالح العشماوي
هذي العيونُ ، وذلك القَدُّ *** والشيحُ والريحان والنَّدُّ
هذي المفاتنُ في تناسُقها *** ذكرى تلوح ، وعِبْرَةٌ تبدو
سبحانَ من أعطَى ، أرى جسداً *** إغراؤه للنفس يحتدُّ
عينانِ مارَنَتا إلى رجل *** إلا رأيتَ قُواه تَنْهَدُّ
من أين أنتِ ، أأنجبتْك رُبا *** خُضرٌ ، فأنتِ الزَّهر والوردُ ؟
من أينَ أنتِ ، فإنَّ بي شغفاً *** وإليك نفسي – لهفةً – تعدو
قالتْ ، وفي أجفانها كَحَلٌ *** يُغْري ، وفي كلماتها جِدُّ:
عربيةٌ ، حرِّيَّتي جعلتْ *** مني فتاةً مالها نِـدُّ
أغشى بقاعَ الأرض ما سَنَحَتْ *** لي فرصةٌ ، بالنفس أعتـدُّ
عربيّةٌ ، فسألتُ : مسلمةٌ *** قالتْ : نعم ، ولخالقي الحمدُ
فسألْتُها ، والنفسُ حائرةٌ *** والنارُ في قلبي لها وَقْدُ:
من أينَ هذا الزِّيُّ ؟ ما عرفَتْ *** أرضُ الحجاز ، ولا رأتْ نجدُ
هذا التبذُّلُ ، يا محدِّثتي *** سَهْمٌ من الإلحادِ مرتدُّ
فتنمَّرتْ ثم انثنتْ صَلَفاً *** ولسانُها لِسِبَابِهَا عَبْدُ
قالت : أنا بالنَّفسِ واثقةٌ *** حرِّيتي دون الهوى سَـدُّ
فأجبتُها _ والحزن يعصفُ بي – : *** أخشى بأنْ يتناثر العقدُ
ضدَّان يا أختاه ما اجتمعا *** دينُ الهدى والفسقُ والصَّدُّ

القصة طويلة ولكن تستحق القراءة
بتأني لأخذ العبرة والعظة

كمموا الأفواه في ساعات الغضب عن الأبناء
🧐🧐🧐🧐🧐🧐🧐

يحكي الأصمعي أن قبيحة قالت لأمها :
يا أمه ، ما بال الناس يتفلون علي ؟
فقالت الأم : من حسنك يعوذونك من الحسد !

نحن نعيش في أزمنة التحطيم النفسي ، الذي يبدأ في البيت من الأم والأب والإخوان ،
ثم يدخل في المدرسة مع المعلمين والأقران ،
ثم يمتد إلى الأهل والأصدقاء ،

فمن زل أسقطوه ، ومن أخطأ رجموه ، ومن تعثر نفوه بألسنة حداد .

إنها طاقة يهدرها التحطيم النفسي ، وقدرات ينفيها الاستعمال السيء للعجينة اللينة ،
أيام الطفولة والصبا …

إن الأم العاقلة من تحفظ نفس ابنها من التحطيم ،
وتقي عقل صغيرها من الهدم العظيم ..

وإليك هذين المثالين :
الأول :
كان محمد بن عبد الرحمن الأوقص ، كان عنقه داخلاً في بدنه ،
وكان منكباه خارجين ، فقالت له أمه :
” يا بني ، لن تكون في مجلس قوم إلا كنت المضحوك عليه المسخور منه ، فعليك بطلب العلم فإنه يرفعك ” .
شخصت الأم المرض والعلاج ..
عمل محمد بنصيحة أمه ، واجتهد ، فولي قضاء مكة عشرين سنة ،
وكان الخصم إذا جلس بين يديه يرتعد حتى يقوم .

والثاني :
ما جاء في قصة توماس أديسون :
لما كان في الثامنة من عمره عاد إلى البيت من المدرسة وهو يشعر بالأسف ، لأن معلمه كلفه بتسليم مذكرة إلى والديه ،
فقرأتها أمه “ناسي إليوت” أمام نظرات ولدها المترقبة لمحتوى المذكرة !!
سألها ماذا يوجد بها ؟
فقالت له :
المعلم يقول لي : ابنك عبقري ،
وهذه المدرسة متواضعة جدا بالنسبة له ،
وليس لدينا معلمون يصلحون لتعليمه ، من فضلك علميه في البيت .
فقررت الأم أن تعلمه بنفسها ،
حتى صار “أديسون” ذاك المكتشف الشهير في العالم كله …
ظفر “أديسون” بالرسالة بعد وفاة أمه فلما قرأها بكى !
فإن الرسالة كانت تقول : “ابنك غبي ولا يصلح للتعلم”
فمن كان يكون “أديسون” لو أن أمه أخبرته بالحقيقة وحطمته من ساعته !

فالناس في هذه الأيام يحتاجون إلى أمهات عاقلات صالحات يصنعن اللبنات الأولى لأولادهن .

فكم من كلمة أفسدت نفسا زكية وخربت عقلا ذكيا .
وكم من عالم ومصلح في ثوب كناس ؟
زجت بهم الكلمات المحرقة ،
والحروف الصارفة إلى سجون الأعمال الشاقة ،
وكانت الثمرة المرجوة أجل وأفخم ..

فإذا رأيتم نابها نابغا ،
فقولوا الحمد لله الذي نجاه من كلمات التحطيم .

وصدق من قال : ليس العجب فيمن هلك كيف هلك ، ولكن العجب فيمن نجا كيف نجا ؟

كمموا الأفواه في ساعات الغضب عن الأبناء ،
واربطوا الألسن عن التحطيم في أيام البناء !
ورب صبر على غلام في صغره ،
يكون سببا لإمامته في كبره ،
ورب كلمة من حرف واحد تسقط النابه من القمة !
فخذوا الحكمة !

*جزى الله كاتبها وناشرها خيرا*
آملين أن تصل جميع التربويين والتربويات لدورهم الكبير في هذا الشأن.
دمتم لطفاء معززين للأجيال.

*⭕️📚 سلسلة فوائد السبت.*
*🛑📚 11 رجب 1443.*
🔹♾♾♾♾♾♾🔹

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

*🔗1️⃣🌹🔶🔲*
*‏‏‏‏‏‎‏‎‏قال الله:( والذين يُؤذونَ المؤمنين والمؤمناتِ بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانًا وإثمًا مبينًا ).والأذيَّة: هي أن تؤذي الشَّخص بما يتألم منه قلبيًا أو بما يتألم منه بدنيًا، -وتؤذيه في دينه أو أهله أو مالِه-، أو غير ذلك من الأشياء التي يتأذَّى بها ومنها المسلم؛ وهذا كله حرام.*
(ابن عثيمين/شرح رياض الصالحين)

*🔗2️⃣🌹🔶🔲*
*‏‏قال ابو الدرداء: إياك ودمعة اليتيم ودعوة المظلوم، فإنها تسري بالليل والناس نيام.*
(ابن الجوزي/صفوة الصفوة)

*🔗3️⃣🌹🔶🔲*
*‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏كم من مشهور ومعروف لدى الناس بفنٍ محدد؛ لكنه تعاطى الكلام والحديث وربما العمل في غير فنه، فأساء وأخطأ؛ فاغتر العامة بقوله وفعله فقلدوه. البعض منا قُدُوات، والناس بهم مقتدون، فطوبى لمن اقتدى الناس به سُبُل الخير والصلاح، والويل لمن فُتِنَ وفَتَنْ. *
(أحمد بن سعيد)

*🔗4️⃣🌹🔶🔲*
*‏‏والقلبُ المُعلّقُ بالشهواتِ لا يستطيع أن يخشع، ولو بِمقدار غمضة عينٍ، وهو عن ذكرِ اللهِ غافل دائمًا.*
(ابن القيم/الفوائد)

🌲قال الشيخ الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله :” في ذكر قاعدة نافعة فيما يعتصم به العبد من الشيطان ويحترز به منه، وذلك عشرة أسباب:

أحدها: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم.
قال تعالى:{ وإما ينزغنك من الشيطان نزغٌ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم}[فصلت: ٣٦].
الحرز الثاني: قراءة هاتين السورتين_ يعني المعوذتين_
فإن لهما تأثيراً عجيباً في الاستعاذة بالله من شره ودفعه، ولهذا قال النبيﷺ:” ما تعوَّذ المتعوِّذون بمثلهما”.

الحرز الثالث: قراءة آية الكرسي.

الحرز الرابع: قراءة سورة البقرة، ففي الصحيح عنهﷺ قال:” إن البيت الذي تُقرأ فيه البقرة لا يدخله الشيطان” مسلم(٧٨٠).

الحرز الخامس: خاتمة البقرة.
فقد ثبت في الصحيح عنهﷺ أنه قال:” من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه”. البخاري (٥٠٠٩).

الحرز السادس: أول سورة حمٓ المؤمن. إلى قوله( إليه المصير)… ذكر الحديث الوارد ثم قال: فالحديث له شواهد في قراءة آية الكرسي، وهو محتمل على غرابته”.

الحرز السابع: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مائة مرة.
في” الصحيحين” أن النبيﷺقال:”من قال_ هذا الذكر_ في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب وكُتب له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حِرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولَم يأتِ أحدٌ بأفضل مما جاء به إلا رجلٌ عمل أكثر من ذلك” (البخاري ٣٢٩٣. ومسلم ٢٦٩١).

الحرز الثامن: وهو من أنفع الحروز من الشيطان: كثرة ذكر الله عزوجل…. فما أحرز العبد نفسه من الشيطان بمثل ذكر الله عزوجل.

الحرز التاسع: الوضوء والصلاة.

الحرز العاشر: إمساك فضول النظر والكلام والطعام ومخالطة الناس، فإن الشيطان إنما ينال غرضه من ابن آدم من هذه الأبواب الأربعة….
وأكثر المعاصي إنما تُولَد من فضول الكلام والنظر، وهما أوسع مداخل الشيطان…”.

” تفسير الفاتحة والمعوذتين” ص(٤٩- ٥٢).

#فوائد_من_كتب_التفسير

قناة د. بندر العبدلي
https://t.me/dr_abdalib