28 شوال, 1447

الذَّكاءُ الِاصْطِناعِيُّ بَيْنَ النِّعْمَةِ وَالنِّقْمَةِ 30/ 1/ 1447هـ
﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾
الحمدُ للهِ الَّذِي لَهُ المحامِدُ كُلُّها، مَنْ ذا يُحِيطُ بِحمْدِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ، فالْفَضْلُ كُلُّ الْفَضْلِ مِنْ عِنْدِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، سَقانا اللهُ مِنْ حَوْضِهِ وَوِرْدِهِ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ، وَصَحابَتِهِ الْغُرِّ الْمَيامِينَ، وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ: فاتَّقُوا اللهَ عِبادَ اللهِ ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ‌حَقَّ ‌تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [الأحزاب: 70، 71]؛ فالْحِرْزُ الْمَكِينُ، وَالْحَبْلُ المتِينُ تَقْوَى رَبِّ العالَمِينَ؛ فَاتَّقُوهُ حَقَّ تُقاتِهِ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ، وَأَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِهِ.
أَيُّها الموَحِّدُونَ: ﴿أَلَمۡ تَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ ‌وَأَسۡبَغَ عَلَيۡكُمۡ نِعَمَهُۥ ظَٰهِرَةٗ وَبَاطِنَةٗۗ﴾[لقمان: 20]. فَالْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْنا بِنِعَمٍ لا تُعَدُّ وَلا تُحْصَى، مِنْ أَجَلِّها نِعْمَةُ الْعِلْمِ وَالتَّعْلِيمِ، وَتَسْخِيرُ المخْلُوقاتِ لِخِدْمَةِ الْإِنْسانِ، وَمِنْ ذَلِكَ التَّقْنِياتُ الْحَدِيثَةُ فِيْمَا يُسَمَّى بِالذَّكَاءِ الاِصْطِنَاعِيُّ، وَهُوَ فَرْعٌ مِنْ فُرُوعِ عُلُومِ الْحَاسُوبِ، يُحاكِي الذَّكَاءِ الْبَشَرِيِّ، يَجَعَلِ لِلْآلَاتِ قُدْرَةً عَلَى أَدَاءِ مَهَامَّ مِثْلِ: التَّفْكِيرِ وَالتَّعْلِيمِ، وَالتَّعَرُّفِ عَلَى الْأَشْكَالِ وَالْأَنْمَاطِ، وَمُعَالَجَةِ الْمَعْلُومَاتِ، وَالْاِسْتِنْتَاجِ، وَاتِّخَاذِ الْقَرَارَاتِ، وَحَلِّ المشْكِلاتِ بِنَاءً عَلَى الْمَعْلُومَاتِ الَّتِي تُخَزَّنُ فِيهَا، وبِطُرُقٍ مُشَابِهَةٍ لِلْإِنْسَانِ، وَهُوَ سِلَاحٌ ذُو حَدَّيْنِ، كَغَيْرِهِ مِنَ الْوَسَائِلِ الْحَدِيثَةِ؛ إِنِ اسْتُخْدِمَ فِي الْخَيْرِ وَالنَّهْضَةِ وَالْبِنَاءِ وَالْعِلْمِ، كَانَ نِعْمَةً عَظِيمَةً لِلْبَشَرِيَّةِ وَمِنَّةً، وَإِنِ اسْتُخْدِمَ فِي الشَّرِّ وَالْبَطَرِ وَالْهَدْمِ، كَانَ نِقْمَةً عَلَيْهِمْ وَبَلَاءً وَفِتْنَةً.
عِبادَ اللهِ: إِنَّ مِنْ شُكْرِ نِعْمَةِ اللهِ تَعالَى أَنْ نَسْتَخْدِمَ هَذِهِ الْوَسائِلَ فِيْما يُرْضِيهِ سُبْحانَهُ، وَبِهِ يَخْدُمُ المسْلِمُ دِينَهُ وَدُنْياهُ، وَالْبَشَرِيَّةَ كُلَّها، وَمِنَ المحَرَّمِ شَرْعًا اِسْتِعْمالُ هَذِهِ التَّقْنِياتِ وَوَسائِلِ التَّواصُلِ الِاجْتِماعِيِّ فِيْما حَرَّمَهُ اللهُ وَنَهَى عَنْهُ مِنَ الْكَذِبِ وَالْبُهْتانِ وَالِافْتِراءِ وَالتَّزْوِيرِ، وَمُحاوَلَةِ التَّشْغِيبِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ؛ لِلتَّشْكِيكِ فِي الْخَلَّاقِ الْعَلِيمِ، وَصِدْقِ هَذَا الدِّينِ الْعَظِيمِ، وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَغَلَّ الذَّكَاءَ الْاِصْطِنَاعِيَّ فِي التَّجَسُّسِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَمُحَاكَاةِ أَصْوَاتِ الْعُلَمَاءِ لِزَعْزَعَةِ مَكَانَتِهِمْ، أَوْ تَمْريرِ مَعْلُومَاتٍ غَيْرِ صَحِيحَةٍ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ، وَرُبَّمَا نَشَرُوا إِشَاعَاتٍ عَنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ أَوْ غَيْرِهِمْ، وَدَعَّمُوهَا بِمَقَاطِعَ صَوْتِيَّةٍ وَمَرْئِيَّةٍ مُلَفَّقَةٍ، وَصُورٍ كَاذِبَةٍ.
وَإِنَّ مِنْ مَسْؤُولِيَّةِ المسْلِمِ التَّثَبُّتَ وَالتَّبَيُّنَ مِنَ الْأَخْبارِ قَبْلَ النَّشْرِ، وَعَدَمَ الِانْسِياقِ وَالتَّصْدِيقِ لِكُلِّ ما يُنْشَرُ فِي وَسائِلِ التَّقْنِياتِ الْحَدِيثَةِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «كَفَى بِالمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ ما سَمِعَ» [أخرجه مسلم].
أَيُّها المسْلِمُونَ: إِنَّ عَواقِبَ نَشْرِ الْكَذِبِ وَالْبُهْتانِ وَخِيمَةٌ عَلَى المجْتَمَعاتِ وَالْأَفْرادِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ؛ أَسْكَنَهُ اللهُ رَدْغَةَ الْخَبالِ، حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قالَ»، وَرَدْغَةُ الْخَبالِ: عُصارَةُ أَهْلِ النَّارِ. [صحيح أخرجه أحمد والحاكم والبيهقي]، أَعاذَنا اللهُ جَمِيعًا مِنْ عَذابِ النَّارِ.
فَاتَّقُوا اللهَ –أَيُّها المؤْمِنُونَ– فِي اِسْتِخْدامِ هَذِهِ الْوَسائِلِ، وَاحْذَرُوا أَنْ تَكُونُوا أَداةً فِي نَشْرِ الْباطِلِ، أَوْ وَسِيلَةً فِي ظُلْمِ أَحَدٍ، أَوْ تَشْوِيهِ الْحَقِّ وَأَهْلِهِ.
اللَّهُمَّ احْفَظْ عَلَيْنا أَمْنَنا وَوَطَنَنا، وَأَصْلِحْ قُلُوبَنَا، وَاغْفِرْ ذُنُوبَنَا، وَاسْتُرْ عُيُوبَنَا، وَحَسِّنْ أَخْلَاقَنَا، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِجَمِيعِ المسْلِمِينَ.
بارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْكِتابِ وَالسُّنَّةِ، وَنَفَعَنا بِما فِيهِما مِنَ الْآياتِ وَالْحِكْمَةِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾
الْحَمْدُ لِلهِ وَفَّقَ مَنْ شَاءَ لِمَكارِمِ الْأَخْلاقِ، وَهَدَاهُمْ لِمَا فِيهِ فَلَاحُهُمْ يَوْمَ التَّلاقِ، الْحَمْدُ للهِ عَزِيزِ الشَّأْنِ، عَظِيمِ السُّلْطانِ، لَا يَقَعُ فِي الْكَوْنِ حادِثٌ إِلَّا بِعِلْمِهِ، وَلَا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ قَدَرِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبارَكَ عَلَيْه وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحابِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ عِبَادَ اللَّهِ: فَإِنَّ التَّقْوَى أَجْمَلُ لِباسٍ، وَأَعْظَمُ مِقْياسٍ؛ فَاجْعَلُوها لَكُمْ شِعارًا وَدِثارًا.
عِبادَ اللهِ: إنّ مِنْ أَمانَةِ الْكَلِمَةِ، وَعِظَمِ مَسْؤُولِيَّةِ النَّشْرِ فِي هَذَا الزَّمانِ: أَنْ يَتَثَبَّتَ المسْلِمُ قَبْلَ أَنْ يُحَدِّثَ، أَوْ يَنْقِلَ، أَوْ يُعِيدَ إِرْسالَ ما يَقْرَؤُهُ أَوْ يَسْمَعُهُ، وَأَنْ يَتَحَرَّى الصِّدْقَ وَالْعَدْلَ، وَلا يَكُونَ إِمَّعَةً يَنْقِلُ كُلَّ ما تَقَعُ عَلَيْهِ عَيْنُهُ، فَإِنَّ الْكَذِبَ جَرِيمَةٌ، وَالْبُهْتانَ طامَّةٌ، وَاللهُ سائِلٌ كُلَّ عَبْدٍ عَمَّا قالَ أَوْ نَشَرَ؛ فاتَّقُوا اللهَ -عِبادَ اللهِ- وَكُونُوا حُرَّاسًا لِلْحَقِّ، وَأُمَناءَ عَلَى الْكَلِمَةِ، وَلا تَكُونُوا أَداةً لِإِضْلالِ الْخَلْقِ، فَإِنَّ اللهَ لا تَخْفَى عَلَيْهِ خافِيَةٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ، وَسَيَجْزِي كُلَّ امْرِئٍ بِما قالَ أَوْ كَتَبَ أَوْ نَشَرَ، قالَ تَعالَى: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]. وَالمؤْمِنُ لا تُعْمِيْهِ زَخارِفُ الدُّنْيا عَنِ الْحَقِّ، وَيَعْلَمُ أَنَّ الذَّكاءَ الِاصْطِناعِيَّ وَما تَتَوَصَّلُ إِلَيْهِ الْبَشَرِيَّةُ مِنْ تَقَدُّمٍ وَرُقِيٍّ إِنَّما هُوَ بَعْضُ قُدْرَةِ اللهِ، وَفِي مُلْكِ اللهِ وَتَحْتَ تَصَرُّفِهِ، وَنِعْمَةٌ مِنَ اللهِ يَجِبُ تَسْخِيرُها لِلْخَيْرِ وَالنَّفْعِ، وَنَشْرِ الْعِلْمِ وَتَبْصِيرِ النَّاسِ بِالشَّرْعِ، وَقَدْ تَكُونُ فِتْنَةً وَوَبالًا لِبَعْضِ خَلْقِ اللهِ عِياذًا بِاللهِ تَعالَى.
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56] اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالمشْرِكِينَ، وَدَمِّرْ أَعْداءَ الدِّينِ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَوْدِعُكَ إِخْوانَنا فِي غَزَّةَ، فَاحْفَظْهُمْ بِعَيْنِكَ الَّتِي لا تَنامُ، وَاحْرُسْهُمْ بِرُكْنِكَ الَّذِي لا يُرامُ، اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ جِياعٌ فَأَطْعِمْهُمْ، وَظَمْأَى فَاسْقِهِمْ، وَحُفَاةٌ فَاحْمِلْهُمْ، وَعُراةٌ فَاكْسُهُمْ، وَمَكْلُومُونَ فَاجْبُرْهُمْ، وَخائِفُونَ فَأَمِّنْهُمْ، اللَّهُمَّ ارْبِطْ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَثَبِّتْ أَقْدَامَهُمْ، وَانْصُرْهُمْ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ، اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.

الفقد في السفر.. مرآة الرحيل

في أحد المجالس التي جمعت مجموعة من الآباء،

دار نقاش عفوي لكنه عميق في دلالاته حول سؤال بسيط في ظاهره:

“من الذي يفتقدك إذا سافرت؟

ومن الذي يتواصل معك؟”

 

تباينت الآراء ..

لكن الغالبية أجمعوا – بألم مغطى بابتسامة – أن أحدًا لا يسأل عنهم إذا سافروا، ولا يفتقدهم حقًا،

إلا إذا تعلق الأمر بالمال أو بالحاجة إلى أمر ما !!

فحين يكون الأب حاضرًا في المكان

حاضرًا في الدور

يشعر بشيء من التقدير.

أما إن غاب، فالغالب أن الغياب لا يُلحظ إلا حين تمس الحاجة.

 

وسط هذا الحديث علّق أحد الحاضرين بعبارة لامست شيئًا في قلوب الجميع فقال:

“هذا الغياب في السفر ، وهذه اللامبالاة، ما هي إلا صورة مصغّرة عن ما سيحدث بعد ( الموت ) …

من سيفتقدك فعلاً؟ ربما لا أحد ..

صورة مصغّرة من الحقيقة الكبيرة ..

 

السفر والرحيل المؤقت يكشفان بجلاء عن ملامح الغياب الدائم.

حين يسافر الإنسان، يبتعد عن محيطه

عن دوره ..

عن تفاصيله اليومية ..

فينكشف له من الذي يتذكّره لذاته ، لا لحاجته .

وهذا في جوهره يضعنا أمام سؤال أكبر :

إذا لم يُفتقد الإنسان وهو حيّ ،

فكيف سيكون الحال بعد موته؟

 

الحقيقة القاسية أن معظم الناس لا يُفتقدون لذواتهم،

بل يُفتقدون لأدوارهم.

فالأب يُفتقد حين تتعطل المصاريف،

والأم حين تغيب عن الطهي والرعاية،

والصديق حين يتوقف عن تقديم الدعم.

وحين تُسلب هذه الأدوار – بالسفر أو الموت – يتلاشى حضور الشخص من المشهد إلا في حالات قليلة جدًا،

تكون فيها المحبة صافية، والوفاء نادرًا ..

 

ماذا يترتب على هذا الإدراك؟

 

1. مراجعة علاقاتنا :

حين نفهم أن وجودنا في قلوب الآخرين قد يكون مشروطًا بما نقدمه لا بما نكونه، نحاول أن نعيد تشكيل دوائرنا.

نسعى للعلاقات التي تبقى حتى في الغياب، والتي تتذكرنا في الدعاء، وتشتاق لنا بلا مصلحة.

 

2. التخفف من التوقعات :

الإدراك بأن أحدًا قد لا يفتقدك فعلاً،

هو بوابة للسلام النفسي ..

فبدلاً من أن تثقل قلبك بالخذلان، وتبدأ في ممارسة العطاء دون انتظار، وتقلل من حاجتك للاعتراف أو الامتنان.

 

3. إعادة توجيه البوصلة نحو الذات والآخرة :

إذا كانت الحياة تفرغ من معناها في عيون الآخرين عند غيابك،

فربما حان الوقت لملء حياتك بمعنى داخلي يرتبط بذاتك، وبتقربك من الله، وبما تتركه من أثر لا يُقاس بالذكر فقط، بل بالدعاء والعمل الصالح والنية الطيبة.

 

في الختام :

الغياب يكشف

والسفر يُعرّي ..

والموت في نهاية المطاف ليس سوى الرحلة الكبرى التي تضع كل شيء في حجمه الحقيقي.

 

فلا تأسَ إن لم يسأل عنك أحد، ولا تنتظر الوفاء في كل موضع بل كن وفيًا أنت،

واصنع لنفسك مكانًا في قلوب من يعرفونك بصفائك،

لا بمقدار ما تعطيهم ..

لعلنا حين نفهم هذه الحقيقة لا نكتئب، بل نطمئن ؛

لأننا أدركنا أن الرحيل لا يُعرّي الآخرين فقط…

بل يُعرّينا من التعلق بهم أيضًا ..

القبول الموحد..
*فرصة ذهبية أم عبء خفي؟*
د. عبدالرحيم الزهراني
https://www.makkahnews.sa/5465821.html

منصةx
https://x.com/makkahnews1/status/1945526597265526820?s=46

الإِجَازَةُ وَاسْتِغْلالُ الأَوْقَاتِ
﴿الخُطْبَةُ الْأُوْلَى﴾
الْحَمْدُ لِلَّهِ مُكَوِّرِ اللَّيْلِ عَلَى النَّهَارِ، وَمُكَوِّرِ النَّهَارِ عَلَى اللَّيْلِ، خَلَقَ الزَّمَانَ وَجَعَلَهُ مُسْتَوْدَعَ الْأَعْمَالِ، فَرَبِحَ المتَيَقِّظُونَ رِبْحًا عَظِيمًا، وَخَسِرَ المفَرِّطُونَ خُسْرانًا مُبِينًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ.. عِبَادَ الله: فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَاعْمُرُوا أَوْقَاتَكُمْ بِمَا يُرْضِيهِ سُبْحانَهُ؛ ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: كَثِيرٌ مِنَّا لا يُدْرِكُ قِيمَةَ نِعْمَةِ الْوَقْتِ وَالزَّمَنِ، وَأَنَّها مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ؛ وَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبابِ النَّجاحِ وَالْفَوْزِ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، فَإِنَّهُ إِنْ أُحْسِنَ اسْتِغْلالُهُ فِي عَمَلِ الدُّنْيا جاءَتْ نَتائِجُهُ الْباهِرَةُ مِنْ خَيْراتِ الْأَرْضِ وَالسَّماءِ، وَالْأُمَمُ الْعَظِيمَةُ تَعْرِفُ قِيمَةَ الْوَقْتِ؛ وَإِنِ اسْتُغِلَّ فِي عَمَلِ الْآخِرَةِ رَفَعَ صاحِبَهُ إِلَى أَعْلَى الْجِنانِ، فَالزَّمَنُ مَحَلُّ الْعِبادَةِ، وَقَدْ خُصِّصَتْ عِباداتٌ كَثِيرَةٌ بِأَوْقاتٍ مُحَدَّدَةٍ، وَقَدِ ارْتَبَطَتْ شَعائِرُ الْإِسْلامِ بِالْوَقْتِ؛ فَالصَّلاةُ؛ قالَ تَعالَى: ﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا ‌مَّوۡقُوتٗا﴾ [النساء: 103]، والزكاة: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141]، وَالصَّوْمُ: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾، وَقالَ تَعالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، قالَ صلى الله عليه وسلم: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبانَ ثَلَاثِينَ» [متفق عليه، واللفظ للبخاري]، وَالْحَجُّ قالَ تَعالَى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ [البقرة: 197].
وَلِعِظَمِ نِعْمَةِ الْوَقْتِ أَكْثَرُ ما أَقْسَمَ بِهِ اللهُ سُبْحانَهُ فِي كِتابِهِ الْوَقْتُ أَوْ ما لَهُ بِهِ صِلَةٌ، مِثْلُ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تجلى﴾ [الليل:1، 2]، ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سجى﴾ [الضحى:2،1]،﴿وَالشَّمْسِوَضُحَاهَا [الشمس:1]، ﴿وَالْعَصْرِ﴾[العصر:1]، ﴿فلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ [الانشقاق: 16، 17].
عِبادَ اللهِ: الوَقْتُ لا يَتَوَالَدُ وَلا يَتَمَدَّدُ، وَلا يَرْجِعُ إِلَى الوَرَاءِ، بَلْ هُوَ سَائِرٌ إِلَى الْأَمامِ، يَطْوِيِ اﻷْيَّامَ وَالشُّهُوْرَ وَاﻷْعْوَامَ، دُوْنَ أَنْ يَنْتَظِرَ أَحَدًا؛ فَالوَقْتُ هُوَ الحَيَاةُ، وَالْإِنْسَانُ الَّذِي لا يَمْلِكُ وَقْتَهُ وَلا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيْهِ هُوَ إِنْسَانٌ مَغْبُوْنٌ، وَهَذَا مَا أَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حِيْنَ قَالَ: «نِعْمَتَانِ مَغبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» [رواه البخاري].
فَالصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ، نِعْمَتَانِ عَظِيمَتَانِ، مَنِ اسْتَغَلَّهُمَا فِي طَاعَةِ اللهِ، وَفِيْمَا يَنْفَعُهُ فِي دِيْنِهِ وَدُنْيَاهُ فَهُوَ المغْبُوْطُ، وَمَنِ اسْتَعْمَلَهُمَا فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، وَفِيْمَا يَضُرُّهُ وَلا يَنْفَعُهُ فَهُوَ المغْبُوْنُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: يُعْرَضُ عَلَى ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَاعَاتُ عُمْرِهِ، فَكُلُّ سَاعَةٍ لَمْ يُحْدِثْ فِيهَا خَيْرًا تَقَطَّعَتْ نَفْسُهُ عَلَيْهَا حَسَرَاتٍ.
نَقُوْلُ هَذَا الكَلامَ وَنَحْنُ فِي كُلِّ عَامٍ، تَمُرُّ بِنَا وَبِأَبنَائِنَا أَوقَاتُ فَرَاغٍ مِنَ الدِّرَاسَةِ أَوِ العَمَلِ، كالإِجَازَاتِ أَوِ العُطَلِ، كَمَا هُوَ حَالُنَا الآنَ، وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ ضِيْقِ الصَّدْرِ بَعْدَ الذُّنُوبِ؛ الفَرَاغَ وَالِانْشِغَالَ بِالتَّوَافِهِ مِنَ الأُمُورِ، وَهَذَا حالُ بَعْضِ الشَّبابِ فِي هَذَا الزَّمَانِ.
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: إِنَّ الإِجَازَةَ جُزْءٌ ثَمِينٌ مِنَ العُمُرِ، إِذَا فَاتَ لا يَعُودُ؛ فَأَشْغِلُوا أَنفُسَكُم وَمَن تَحتَ أَيدِيْكُمْ بِالحَقِّ وَفِعْلِ الخَيرِ، فَإِنَّ النُّفُوسَ إِنْ لَمْ تُشْغَلْ بِالحَقِّ اشْتَغَلَتْ بِالبَاطِلِ، وَالوَقْتَ إِنْ لَمْ يُملَأْ بِالنَّافِعِ امْتَلَأَ بِالضَّارِّ، قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لا تَزُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَدَمَا عَبْدٍ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ عُمُرهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَا أَبْلاهُ، وَعَنْ عَلِمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ أَخَذَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ» رواه ابن حبان والترمذي. وَقَالَ الحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: “مَا مِنْ يَوْمٍ يَنْشَقُّ فَجْرُهُ إِلَّا نَادَى مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ يَا ابْنَ آدَمَ أَنَا خَلْقٌ جَدِيْدٌ وَعَلَى عَمَلِكَ شَهِيْدٌ، فَتَزَوَّدْ مِنِّي بَعَمَلٍ صَالِحٍ فَإِنِّي لا أَعُوْدُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ”. وَما أَجْمَلَ قَوْلَ الشَّاعِرِ:
دَقَّاتُ قَلْبِ المَرْءِ قَائِلَةٌ لَهُ:
فَارْفَعْ لِنَفْسِكَ بَعْدَ مَوْتِكَ ذِكْرَهَا
إِنَّ الحَيَـــــــــاةَ دَقَائِقٌ وَثَوَانِي
فَالذِّكْرُ لِلْإِنْسَانِ عُمْرٌ ثَانِي!

عِبَادَ اللهِ: فِي سِيَرِ العَدِيْدِ مِنَ الْعُظَمَاءِ النَّاجِحِيْنَ هُناكَ عَامِلٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمْ، هُوَ سِرُّ نَجاحِهِمْ بَعْدَ تَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ أَلَا وَهُوَ: العِنَايَةُ بِالْوَقْتِ؛ فَهُمْ يُدْرِكُوْنَ قِيْمَةَ الوَقْتِ، وَيَسْتَثْمِرُوْنَهُ فِي إِنْجَازِ أَفْضَلِ الأَعْمَالِ ذَاتِ الأَثَرِ الْكَبِيْرِ وَالنَّفْعِ المتَعَدِّي، وَيُحْسِنُوْنَ تَنْظِيْمَ أَوْلَوِيَاتِهِمْ حَسْبَ أَوْقَاتِهِمْ. قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ:
الوَقْتُ أَنْفَسُ مَا عُنِيْتَ بِحِفْظِهِ وَأَرَاهُ أَسْهَلَ مَا عَلَيْكَ يَضِيْعُ
فَنَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَأْخُذَ بِأَيْدِينَا، لِمَا يَنفَعُنَا فِي دِينِنا وَدُنيانا، وَأَنْ يُوَفِّقَنا جَمِيعًا لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ الَّذِي يَرْضَاهُ، وَأَنْ يُجنِبَنَا مَهَاوِيَ الرَّدَى، إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ.
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِمَا مِنَ الآيَاتِ وَالحِكْمَةِ.
وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.. فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ الصَّادِقِ الْأَمِينِ. أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللهَ رَحِمَكُمُ اللهُ، وَبَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَاسْتَغِلُّوا أَوْقَاتَكُمْ بِمَا يُقَرِّبُكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ، فَزِيَادَةُ الأَوْقَاتِ نِعْمَةٌ وَاسْتِغْلالُهَا بَرَكَةٌ، وَإِضَاعَتُهَا حَسْرَةٌ وَنِقْمَةٌ، ﴿وَٱتَّقُواْ يَوۡمًا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٍ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ﴾ [البقرة: 281]. وَبِفَضْلِ اللهِ تَعالَى هُناكَ جُهُودٌ مُبارَكَةٌ مِنْ حُكُومَتِنا الرَّشِيدَةِ تُعِينُ عَلَى اسْتِغْلالِ أَوْقاتِ الْإِجازاتِ فِيْما يَعُودُ بِالنَّفْعِ الدُّنْيَوِيِّ وَالْأُخْرَوِيِّ؛ فَقَدْ وَفَّرَتْ مِنَ الْوَسائِلِ وَالْبَرامِجِ خِلالَ عُطْلَةِ الْإِجازَةِ الصَّيْفِيَّةِ ما يُنَمِّيْ الْعُقُولَ وَالْقُلُوبَ وَالْأَبْدانَ؛ فَلا تَبْخَلُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَأَهْلِكُمْ، وَعَلَيْكُمْ بِالِاشْتِراكِ فِي تِلْكَ الْوَسائِلِ وَالْبَرامِجِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: أَلَا فَلْنَتَّقِ اللهَ وَلْنَحْرِصْ كُلَّ الْحِرْصِ عَلَى الْعِنَايَةِ بِأَوقَاتِنَا وَسَاعَاتِ أَعْمَارِنَا؛ فَإِنَّ مَا مَضَى لا يَعُودُ، وَمَا سَيَأتي غَيبٌ جَدِيدٌ، وَلا يَدْرِي أَحَدٌ، لَعَلَّهُ لم يَبْقَ في أَجَلِهِ مُتَّسَعٌ يُقَدِّمُ فِيهِ خَيرًا أَو يَتَدَارَكُ فيهِ تَقصِيرًا، قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاءَكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ» صحيح على شرط الشيخين وصححه اﻷلباني.
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]
‎اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلادِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلا تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.
.

جَبْرُ الْخَواطِرِ 23 / 1/ 1447 هـ

﴿الخُطْبَةُ الْأُوْلَى﴾

إِنَّ الْحَمْدَ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرورِ أَنْفُسِنا وَسَيِّئاتِ أَعْمالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

يا بْنَ آدَمَ أَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفارِقُهُ، وَاعْمَلْ ما شِئْتَ فَإِنَّكَ مُلاقِيهِ، وَكُنْ كَما شِئْتَ فَكَما تَدِينُ تُدانُ، وَالْجَزاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، وَاعْلَمْ يا عَبْدَ اللهِ أَنَّ الْبِرَّ لا يَبْلَى، وَأَنَّ الْإِثْمَ لا يُنْسَى، وَأَنَّ الدَّيَّانَ لا يَنامُ، وَاعْلَمْ أَنَّكَ مَتَى وَجَدْتَ تَكْدِيرًا فِي حالٍ مِنْ أَحْوالِكَ فانْظُرْ لَعَلَّها زَلَّةٌ مِنْكَ وَقَعَتْ، أَوْ نِعْمَةٌ لَمْ تُشْكَرْ ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾ الرعد: 11.

عِبادَ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ حَقَّ التَّقْوَى، وَاسْتَمْسِكُوا مِنَ الْإِسْلامِ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾[آل عمران: 102]. أَمَّا بَعْدُ:

إِخْوانِي الْكِرامَ: عِبادَةٌ جَلِيلَةٌ، وَقُرْبَةٌ عَظِيمَةٌ، تَكُونُ غالِبًا بِاللِّسانِ، فَفَضْلٌ مِنَ اللهِ تَعالَى أَنْ يَسَّرَ طاعَتَهُ، وَرَتَّبَ عَلَيْها أُجُورًا عَظِيمَةً، تَرْفَعُ صاحِبَها فِي الْجَنَّةِ دَرَجاتٍ، وَنَعْنِي بِها عِبادَةَ جَبْرِ الْخَواطِرِ، وَالْجَبْرِ يَكُونُ لِلْمَكْسُورِ الْحِسِّيِّ كالْعِظامِ، فَيَلْتَئِمُ بِالجَبِيرَةِ، وَيَكُونُ الْجَبْرُ مَعْنَوِيًّا لِلْخاطِرِ، وَهُوَ الْقَلْبُ أَوِ النَّفْسُ، وَكَسْرُ النَّفْسِ أَشَدُّ أَلَمًا مِنْ كَسْرِ الْعِظَامِ. وَجَبْرُ الْخَواطِرِ عِبادَةٌ عَظِيمَةٌ، تَسْتَمِدُّ عَظَمَتَها وَجَمالَها مِنِ اسْمِ اللهِ الْجَبَّارِ، فَهُوَ سُبْحانَهُ كَثِيرَ الْجَبْرِ لِعِبادِهِ، يَجْبُرُ الْفَقِيرَ فَيُغْنِيهِ، وَالمرِيضَ فَيَشْفِيهِ، وَغَيْرَ الموَفَّقِ فَيُوَفِّقُهُ، وَالْيائِسَ فَيُحْيِي أَمَلَهُ، وَالْخائِفَ فَيُؤَمِّنُهُ، وَالْحَزِينَ فَيُسْعِدُهُ، فَسُبْحانَهُ الْجَبَّارُ.

وَهَذا الْخُلُقُ الْعَظِيمُ، يَدُلُّ عَلَى سُمُوِّ النَّفْسِ، وَعَظَمَةِ الْقَلْبِ، وَسَلامَةِ الصَّدْرِ، وَرَجاحَةِ الْعَقْلِ، لَكِنْ يَغْفَلُ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَكَمْ مِنْ نُفُوسٍ مَكْسُورَةٍ، وَقُلُوبٍ مَكْلُومَةٍ، وَهِمَمٍ مُنْهارَةٍ، تَحْتاجُ إِلَى جَبْرٍ وَمُواساةٍ. وَيَكُونُ الْجَبْرُ بِالْحَدِيثِ وَالسُّؤالِ عَنِ الْحالِ، وَالدُّعاءِ، وَالْهَدِيَّةِ، وَقَضاءِ الْحَوائِجِ، وَإِسْعادِ الْمَهْمُومِ، وَقَضاءِ الدَّيْنِ، وَالتَّصَدُّقِ عَلَى الْفُقَراءِ، وَكَفالَةِ الْيَتِيمِ، وَقَبُولِ الْعُذْرِ، وَالشُّكْرِ عَلَى الْجَمِيلِ، وَتَقْدِيمِ النَّصِيحَةِ، وَالْبِشارَةِ بِالْخَيْرِ، وَالمشارَكَةِ فِي الْفَرَحِ وَالْحُزْنِ، وَإِجابَةِ الدَّعْوَةِ.

وَفِي الْقُرْآنِ صُوَرٌ كَثِيرَةٌ لِلْجَبْرِ، مِنْها: جَبْرُ اللهِ لِقَلْبِ يُوسُفَ عليه السلام حَيْثُ أُلْقِيَ فِي الْبِئْرِ، قالَ تَعالَى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾يوسف: 15. وَيَجْبُرُ سُبْحانَهُ قَلْبَ أُمِّ مُوسَى ﴿فَرَدَدْناهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ القصص:13. وَجَبَرَ قَلْبَ نَبِيِّنا صلى الله عليه وسلم عِنْدَ هِجْرَتِهِ إِلَى المدِينَةِ: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعادٍ﴾ القصص: 85. وَقالَ لَهُ مُواسِيًا: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ الضحى:5. وَيُجْبِرُ سُبْحانَهُ قُلُوبَ المضْطَرِّينَ مِنْ عِبادِهِ: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ المضْطَرَّ إِذَا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ﴾ النمل:62. وَوَرَدَ فِي الدُّعاءِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاجْبُرْنِي وَارْفَعْنِي وَارْزُقْنِي وَاهْدِنِي وَعافِنِي»[حسن ورجاله رجال الشيخين]، وَقَدْ رَسَّخَ رَسُولُنا صلى الله عليه وسلم خُلُقَ جَبْرِ الْخَواطِرِ قَوْلًا وَمُمارَسَةً، قالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَومِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ ما كانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» رواه مسلم. وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «أَحَبُّ الْأَعْمالِ إِلَى اللهِ  سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا» ثُمَّ قالَ صلى الله عليه وسلم: «وَلَأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخٍ فِي حاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا المسْجِدِ -يَعْنِي مَسْجِدَ المدِينَةِ- شَهْرًا» حسنه الألباني. وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «… وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حاجَةٍ حَتَّى يُثْبِتَها لَهُ أَثْبَتَ اللَّهُ قَدَمَهُ يَوْمَ تَزُولُ الْأَقْدامُ» [صححه الألباني]. وَهَا هُوَ نَبِيُّنا صلى الله عليه وسلم يَجْبُرُ خاطِرَ فُقَراءِ المهاجِرينَ، عِنْدَما قالُوا: يا رَسولَ اللهِ، ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بالأُجُورِ؛ يُصَلُّونَ كما نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كما نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ، قالَ: «أَوَليسَ قدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ ما تَصَّدَّقُونَ؟! إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأَمْرٌ بِالمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ، وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ» قالُوا: يا رَسولَ اللهِ، أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قالَ: «أَرَأَيْتُمْ لو وَضَعَهَا في حَرَامٍ، أَكانَ عليه فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذلكَ إذَا وَضَعَهَا في الحَلَالِ كانَ له أَجْرٌ» رواه مسلم.

وَيَجْبُرُ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم خَواطِرَ أَصْحابِهِ حَتَّى الْأَطْفالِ؛ فَيُواسِي صَبِيًّا صَغِيرًا كانَ لَهُ عُصْفُورٌ فَماتَ، فَكانَ يَمُرُّ بِهِ وَيَقُولُ: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ، ما فَعَلَ النُّغَيْرُ؟»[متفق عليه]، وَوَجَدَ صلى الله عليه وسلم جابِرًا مُنْكَسِرًا فَقالَ لَهُ: «أَلَا أُبَشِّرُكَ بِما لَقِيَ اللَّهُ بِهِ أَباكَ؟» قالَ: بَلَى يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: «ما كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا مِنْ وَراءِ حِجابِهِ، وَأَحْيا أَباكَ فَكَلَّمَهُ كِفاحًا. فَقالَ: تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِيكَ. قالَ: يا رَبِّ تُحْيِينِي فَأُقْتَلَ فِيكَ ثانِيَةً. قالَ الرَّبُّ تَبارَكَ وَتَعالَى: إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ لا يُرْجَعُونَ»، وَيُواسِي صلى الله عليه وسلم بِلالًا فَيَقُولُ: «يا بلَالُ حَدِّثْنِي بأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ عِنْدَكَ في الإسْلَامِ مَنْفَعَةً، فإنِّي سَمِعْتُ اللَّيْلَةَ خَشْفَ نَعْلَيْكَ بيْنَ يَدَيَّ في الجَنَّةِ؟» [صحيح مسلم]. وقالَ لِمُعاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه: «يا مُعاذُ! وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ. أُوصِيكَ يا مُعاذُ ! لا تَدَعَنَّ دُبُرَ كُلِّ صلاةٍ تَقُولُ اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبادَتِكَ» حديث صحيح. وَقالَ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْحَسَنِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ، وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ» البخاري، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ فَقالَ: «يا رسولَ اللهِ! هذهِ خَديجةُ قد أَتَتْكَ، مَعَها إِناءٌ فِيهِ إِدامٌ أَوْ طَعامٌ أَوْ شَرابٌ، فَإِذَا هِيَ قَدْ أَتَتْكَ، فَاقْرَأْ عَلَيْها السَّلامَ مِنْ رَبِّها وَمِنِّي، وَبَشِّرْها بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، لا صَخَبَ فِيها وَلا نَصَبَ» [أخرجه البخاري].

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا.. وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَالتَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ.

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ للهِ وَكَفَى، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى النَّبِيِّ المصْطَفَى، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ وَمَنْ سارَ عَلَى طَرِيقِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ:

وَمِنْ جَبْرِهِ صلى الله عليه وسلم لِقُلُوبِ أَصْحابِهِ رضي الله عنهم أَنَّهُ قالَ لِأُبَيٍّ: «إنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ القُرْآنَ» قالَ أُبَيٌّ: آللَّهُ سَمَّانِي لَكَ؟! قالَ: «اللَّهُ سَمَّاكَ لي». فَجَعَلَ أُبَيٌّ يَبْكِي. [متفق عليه]. وَمِنْ جَبْرِهِ الْعَمَلِيِّ ما كانَ يَسْتَقْبِلُ بِهِ فاطِمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها فَمِنْ حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها قالَتْ: “.. وَكانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ قامَ إِلَيْها، وَقَبَّلَها، وَرَحَّبَ بِها، وَأَخَذَ بِيَدِهَا، وَأَجْلَسَها فِيْ مَجْلِسِهِ، وَكانَتْ هِيَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا قامَتْ إِلَيْهِ، فَقَبَّلَتْهُ، وَأَخَذَتْ بِيَدِهِ”. حديث صحيح. وَلَمْ يَقْتَصِرْ جَبْرُهُ صلى الله عليه وسلم لِلْقُلُوبِ عَلَى الْأَفْرادِ، لَكِنَّهُ كانَ يَجْبُرُ قُلُوبَ قَبائِلَ وَجَماعاتٍ كامِلَةٍ، وَمِنْ ذَلِكَ جَبْرُهُ صلى الله عليه وسلم لِقُلُوبِ الْأَنْصارِ فِي حادِثَةِ غَنائِمِ حُنَينَ، حَيْثُ قَسَّمَها صلى الله عليه وسلم فِي المؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَلَمْ يُعْطِ الْأَنْصارَ شَيْئًا، فَحَزِنُوا فِي أَنْفُسِهِمْ. فَطَلَبَ صلى الله عليه وسلم مِنْ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ أَنْ يَجْمَعَهُمْ، فَخَطَبَ فِيهِمْ رَسُولُ اللهِ، وَكانَ مِمَّا قالَهُ صلى الله عليه وسلم: «أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يا مَعْشَرَ الْأَنْصارِ، فِي لُعاعَةٍ مِنَ الدُّنْيا، تَألَّفْتُ بِها قَوْمًا لِيُسْلِمُوا، وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلامِكُمْ؟ أَفَلا تَرْضَوْنَ يا مَعْشَرَ الْأَنْصارِ، أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بالشَّاةِ والْبَعِيرِ، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللهِ فِي رِحالِكُمْ؟ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْلا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الْأَنْصارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا، وَسَلَكَتِ الْأَنْصارُ شِعْبًا، لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصارِ، اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْأَنْصارَ، وَأَبْناءَ الْأَنْصارِ، وَأَبْناءَ أَبْناءِ الْأَنْصارِ!» فَبَكَى الْقَوْمُ حَتَّى أَخْضَلُوا لِحاهُمْ، وَقالُوا: رَضِينا بِرَسُولِ اللهِ قَسْمًا وَحَظًّا”. أخرجه أحمد بسند حسن.

نَسْأَلُ اللهُ عز وجل أَنْ يَرْزُقَنا وَإِيَّاكُمْ هَذِهِ الْعِبادَةَ الْعَظِيمَةَ الْجَلِيلَةَ، الَّتِي تَرْفَعُ الْعَبْدَ فِي دُنْياهُ وَأُخْراهُ، وَفِيها مِنَ الْإِيثارِ وَحُبِّ الْخَيْرِ لِلْغَيْرِ، وَمِمَّا تَأَصَّلَ مِنْ أَخْلاقِ المؤْمِنِ أَنْ يُحِبَّ لِأَخِيهِ ما يُحِبٌّ لِنَفْسِهِ، نَسْأَلُ اللهَ جَلَّ وَعَلا أَنْ يُوَفِّقَنا وَإِيَّاكُمْ لِكُلِّ خَيْرٍ، وَأَنْ يَمْنَعَ عَنَّا وَعَنْكُمْ كُلَّ شَرٍّ.

هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56] اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالمشْرِكِينَ، وَدَمِّرْ أَعْداءَ الدِّينِ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.

ا                                           ألباحة ،،،
( مائدة الجبل 2-4 )
مدرجات الزراعة…
إرث خالد

ا.د عايض محمد الزهراني

في الباحة،
لا تُحرث الأرض فقط…
بل تُروى بالذاكرة، ويُزرع فيها العطاء كما تُزرع القصائد.
الزراعة هنا ليست مجرّد
نشاط اقتصادي، بل حالة وجدانية حيّة
تعبّر عن علاقة الإنسان بجغرافيته، وعن قدرة الروح على ترويض الجبل
وتحويله إلى جنّة
من خُضرة وثمار.
على سفوح جبال السروات، تمتد المدرجات الزراعية
كأنها سلّم من نور أخضر،
صعد عليه الأجداد
ليكسروا قسوة التضاريس، ويُبدعوا لوحة من الانسجام بين الطبيعة والعمل.
هذه المدرجات،
التي ما زالت تحتفظ ببهائها رغم القرون، تُعد من أقدم النماذج الزراعية المستدامة
في الجزيرة العربية،
وتُظهر الدلائل الأثرية والجيولوجية أنها تعود
إلى ما قبل الإسلام،
خاصة في قرى مثل بيدة والمندق والظفير وآل موسى، حيث لا تزال آثار القنوات الحجرية
وأساليب الري التقليدي
ماثلة للعيان.
ويزيد المشهد سحرًا
عندما تُلقي الضبابات الصباحية بوشاحها الأبيض
على الحقول، فتبدو التلال كأنها تحلم، وتتنفس المدرجات
من رئة الغيم.
في هذه اللحظات، يكون العمل في المزرعة طقسًا من طقوس التأمل،
حيث السحاب يُظلّل الجبال، ويبارك الأرض التي تعطي دون تكلّف.
ويُعتبر رمان بيدة
تاج هذه الأرض، بطعمه المتوازن بين الحلاوة والحموضة، وبتكوينه الفريد الذي جعله مطلوبًا
في الأسواق الخليجية والعربية.
وتجاوره محاصيل العنب والمشمش والتين واللوز والقمح والشعير،
التي تنضج على وقع المطر، وتتغذى من ضوءٍ مرش
حٍ بين غلالة الضباب.
أما العسل الجبلي،
فهو قصة أخرى
من قصائد الطبيعة.
من أودية مثل وادي العقيق، ووادي فيق، وتربة بزهران، تُجمع خلايا النحل التي تتغذى على أزهار السدر والطلح،
بعد أن يغسلها الغيم كل فجر، فينتج عسلًا جبليًا خالصًا،
يُهدى لضيوف الملوك، ويُستشفى به من
يقدّر نفائس الجبل.

وقد ورد في كتب المؤرخين كالأزرقي والبلاذري وابن فهد
أن الباحة كانت تُرسل بعسلها ومحاصيلها إلى مكة،
وتُنعش أسواقها الكبرى
في مواسم الحج، مما يبرز أهمية المنطقة اقتصاديًا وثقافيًا منذ قرون.
وفي قلب هذه المنظومة الزراعية، تنتشر مزارع عريقة مثل الخازن والجسر وعقيق النخيلة. ليست فقط مشاريع إنتاجية،
بل مجتمعات مصغّرة يعيش فيها الفلاحون بروح تعاونية، يتقاسمون العمل والماء والفرح، ويحتفلون بالمواسم كأنها أعياد الروح.

الزراعة هنا تُمارَس كأنها تسبيحة يومية.
أدواتها بسيطة: فأس، مجرفة، ويدٌ تعرف كيف تُنبت الحياة
في جوف السحاب.
وفي صباحات الباحة، حين يُغلف الضباب المدرجات كأنها لفائف بخور معلّقة بين السماء والأرض، يعرف الفلاح أن البركة نازلة، وأن الرزق آتٍ من جهة الغيم.
يقول المثل الباحوي:
“من حرث ورفث،
حصد وفرح”،
لأن في الباحة،
الجهد لا يُرهق، بل يُبهج،
واليد التي تزرع، تسبقها
نية طاهرة ورضى داخلي.
فمن أراد أن يعرف
كيف تصير الأرضُ صلاة،
والزرعُ ترنيمة، والموسمُ عيدًا،
فلينزل إلى قلب الباحة،
حيث يُروى الجمال
بصبر الإنسان، وتُكتب القصائد لا على الورق، بل على سطورٍ من ترابٍ وضوءٍ وضباب.
في الباحة،
الأرضُ ليست مجرد مساحة… بل أمٌّ تُرضِعُ أبناءها من غيمتها،
والزرع ليس طعامًا…
بل لغةٌ تُنطَق بالخُضرة،
أما الإنسان…
فهو غصن لا يميل
إلا توقيرًا للمطر،
ولا ينحني إلا ليغرس الأمل
في حضن الحقول
https://www.makkahnews.sa/5465435.html

*اللسان وتوجيه الوزير*

د.عبدالرحيم بن محمد الزهراني

اللسان وتوجيه الوزير

 

منصةx

https://x.com/makkahnews1/status/1943593235076514202?s=46

الباحة.. ( نبض الجبل1-4)٧

الباحة…

في قلب جبال السروات،

حيث الغيم ينحني للجبل مودعًا الشمس، وحيث النسائم تعزف أنغامها

على قممٍ شامخة،

تجثو الباحة كأنها بيتُ القصيد من ملحمة الجنوب. إنها ليست مجرد مدينة، بل حلم أخضر يرتدي الضباب ويكتب بالمطر.

 

تقع الباحة جنوب غرب المملكة العربية السعودية، وهي من أصغر المناطق الإدارية مساحة،

لكنها من أغناها في التنوع البيئي والجمالي. على ارتفاع يتجاوز 2200 متر

فوق سطح البحر،

تتنفس المدينة هواءً عليلًا يشبه نسيم الصباح الأول، ويُشكّل مناخها المعتدل

عنصر جذب رئيسيًا لآلاف الزائرين في كل عام،

خاصة في الصيف،

حيث تتحول إلى مصيفٍ

يضم بين جنباته الهدوء والدهشة.

 

يُطلق على الباحة

لقب “حديقة الحجاز” و**“عروس الجنوب”**،

وهما تسميتان لا تُعطيان

إلا لمن يجمع بين الخَصْب والرونق. ففي غاباتها المتنوعة والمتعددة كغابة رغدان

، يتقاطع الضوء مع أوراق العرعر، ويهمس الطلح للريح بأسرار الجبل.

هناك، لا يُعدّ الظل ملاذًا

من الشمس فحسب،

بل هو مكان لتأملٍ هادئ وسكينة تروي الأرواح

قبل الأجساد.

 

وإلى الجنوب، تبرز غابة القمع بمحافظة بلجرشي،

حيث يمتد مشروع تلفريك أثرب

ليهبط من أعالي السراة

نحو سهول تهامة، في تجربة

لا تُنسى، تأخذ الزائر بين طبقات الجمال، من الارتفاع

إلى الامتداد، من النسيم

إلى رائحة الأرض.

 

وفي الشمال، تتزين محافظة المندق بسحرها الأخاذ،

حيث تكثر المدرجات الزراعية، وتتمازج خضرة الطبيعة

مع زُرقة السماء في توازن بصري يدهش العين.

 

ومن معالم الباحة التاريخية الخالدة، تقف قرية ذي عين الأثرية

شامخة، تُعانق الجبل وتشرب من مائه. تعود إلى قرون، سحيقة ضاربة في خاصرة التاريخ

وتُعرف بعينها الجارية التي

لا تنضب، تُسقي أشجار النخيل وتهمس للذاكرة بتاريخ الأجداد. أما مبانيها الحجرية البيضاء، فتعكس إبداع الإنسان الجبلي، ودرايته بفنون التشييد في بيئة تتطلب الصبر والدقة والانسجام مع التضاريس.

 

ويُكمل قصر بخروش بن علاس الحكاية، ذلك الأمير القائد البطل الذي وقف في وجه الغزو العثماني، فخلّده التاريخ

في حجارةٍ لا تزال تروي للزائرين بطولات السراة وشموخ أهلها.

 

ولا تكتمل الباحة دون المرور على أسواقها الشعبية، كسوق السبت، الذي لا يزال يحتفظ بعبق الأزمنة، حيث تُعرض الحِرف التقليدية: نحت الخشب، حياكة السلال، وصياغة الأواني والمباخر،

في مشهد يُعيد للذاكرة بهاء البساطة، وفن البقاء.

 

وقد أنصفها الأديب بحترى الباحة الشاعر

حسن الزهراني حين قال:

يا باحةَ الحسنِ ما زالتْ قصائدُنا

تنمو على ضفّتيكِ الخضرِ والشجرِ

 

تهديكِ من وجعِ الأشواقِ

أغنيةً

وتزرعُ الضوءَ في عينيكِ والقمرِ

 

يا نشوةَ الحرفِ يا وجداً يُباركُنا

من سِحرِكِ العذبِ نمضي

دونَ ما حذرِ

 

في الباحة، ليس الجمال شيئًا يُرى فقط، بل يُحسّ، ويُشمّ، ويُسمع، وتُدركه الحواس مجتمعة. إنها تجربة شعورية غامرة، من غابةٍ تفوح بعطر العرعر، إلى قريةٍ تنطق بالحجر والتاريخ، إلى طقس صباحي تتقاطر فيه القهوة على إيقاع المطر.

هكذا هي الباحة…

الجنوب حين يُطل من نافذة الروح، ويبتسم في وجه الغيم.

الباحة.. ( نبض الجبل1-4)

توفي قبل قليل فضيلة الشيخ العلامة ربيع بن هادي المدخلي رحمه الله وغفر الله له وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة وإنا لله وإنا إليه راجعون.*

والصلاة على فضيلة الشيخ ربيع فجر الخميس بالمسجد النبوي.
انا لله وانا اليه راجعون الله يغفر له ويرحمه ويتوب عليه ويسكنه فسيح جناته يا رب العالمين
اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه واكرم نزله ووسع مدخله واغسله اللهم بالماء والثلج والبرد ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقا الثوب الابيض من الدنس اللهم جازه بالاحسان احسانا وبالسيات عفواً وغفرانا اللهم امين يا رب العالمين

إثر الشائعات والغيبة والنميمة في الفرد والمجتمع … ﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعالمينَ، قَيُّومُ السَّماواتِ وَالْأَرَضِينَ، مُدَبِّرُ الخلائِقِ أَجْمَعِينَ، وَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالمينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ؛ الملِكُ الْحَقُّ المبِينُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الصَّادِقُ الْأَمِينُ؛ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحابِهِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70، 71] أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ: مِنْ صِفَاتِ نَبِيِّنا صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كانَ يَسْأَلُ عَمَّنْ غابَ مِنْ أَصْحابِهِ، وَفِي غَزْوَةِ تَبُوكَ قالَ صلى الله عليه وسلم: «مَا فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ؟» قَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ: “يَا رَسُولَ اللهِ حَبَسَهُ بُرْدَاهُ وَالنَّظَرُ فِي عِطْفَيْهِ”، فَقَالَ لَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: “بِئْسَ مَا قُلْتَ، وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا” [رواه مسلم]، هَكَذا يُعَلِّمُنا دِينُنا مُحارَبَةَ الْإِشاعَاتِ، وَالتَّثَبُّتَ مِنَ الْأَخْبارِ قَبْلَ نَشْرِها؛ فَفِي النَّاسِ مُرْجِفُونَ، مُرَوِّجُونَ لِلْإِشاعاتِ، يَطْمِسُونَ الْحَقائِقَ، وَيَنْشُرُونَ الْكَراهِيَةَ وَالْفِتَنَ، وَيَسْتَبِيحُونَ أَعْراضَ النَّاسِ؛ فَقُلُوبُهُمْ مَرِيضَةٌ، وَأَفْعالُهُمْ وَأَقْوالُهُمْ خَطِيرَةٌ، وَأَلْسِنَتُهُمْ سَلِيطَةٌ، وَأَخْبارُهُمْ مُوْهِنَةٌ، فَهُمْ مِعْوَلُ هَدْمٍ فِي الْأُمَّةِ؛ فَعَلَى المؤْمِنِ أَنْ يَحْفَظَ لِسانَهُ مِنَ الْخَوْضِ مَعَهُمْ، قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]. وَنَحْنُ مُطالَبُونَ بِالصَّمْتِ إِلَّا إِذَا كَانَ الْكَلَامُ خَيْرًا؛ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: ‌قِيلَ ‌وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ المَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ» [متفق عليه].
أَيُّها المسْلِمُونَ: شَّائِعاتٌ وَأَخْبارٌ تَتَناقَلُها المجالِسُ وَالمنْتَدَياتُ، وَعَبْرَ وَسائِلِ التَّواصُلِ، مِنْ مَصادِرَ مَجْهُولَةٍ تَبُثُّ الْأَراجِيفَ، وَتُثِيرُ الْفِتَنَ وَالمخاوِفَ فِي المجْتَمَعِ؛ يَقِفُ وَراءَها أَعْداءٌ مُتَرَبِّصُونَ، يُرِيدُونَ تَدْمِيرَ الْأُمَّةِ، وَشَقَّ صَفِّها، وَتَمْزِيقَ وِحْدَتِها؛ يَبْتُرُونَ الْعِباراتِ، وَيَقْطَعُونَ النُّصُوصَ عَنْ سِياقاتِها، وَيُعَلِّقُونَ عَلَيْها بِأَكاذِيبَ، فَيُظْهِرُونَ المجْتَمَعاتِ وَكَأَنَّها فاسِدَةٌ لا تَحْمِلُ خَيْرًا أَبَدًا، يُضَخِّمُونَ الْحَدِيثَ عَنِ الْفاسِدِينَ وَالمنْحَرِفِينَ، فَيَظُنُّ السَّامِعُ أَنَّ الثَّابِتِينَ عَلَى الْحَقِّ وَالصَّالِحينَ قَلِيلٌ؛ لِذَا يُعَدُّ الْإِرْجَافُ وَنَشْرُ الشَّائِعاتِ مِنْ أَخْطَرِ اَلْجَرَائِمِ اَلْمُهَدِّدَةِ لِأَمْنِ المجْتَمَعاتِ. وَالمؤْمِنُ يا عِبادَ اللهِ مُطالَبٌ شَرْعًا بِعَدَمِ التَّسَرُّعِ بِإِذاعَةِ الْأَخْبارِ؛ قالَ تَعالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾، وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مَا يَتَبيَّنُ فيهَا يَزِلُّ بهَا إِلَى النَّارِ أبْعَدَ مِمَّا بيْنَ المشْرِقِ والمغْرِبِ« [متفقٌ عليه]، أَيْ أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِما لا يُفَكِّرُ فِي عَواقِبِهِ، وَلا ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ المفاسِدِ، وَقالَ صلى الله عليه وسلم: »كَفَى بِالمرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ ما سَمِعَ« [رواه مسلم]، فَالَّذِي يُحَدِّثُ بِكُلِّ ما سَمِعَ مِنْ غَيْرِ تَحَرٍّ عَنْ صِحَّةِ الْخَبَرِ، أَوْ يَخُوضُ فِي الشَّأْنِ الْعامِّ، وَلَيْسَ مُخَوَّلًا بِالْحَدِيثِ فَإِنَّهُ قَدْ تَحَمَّلَ إِثْمًا كَبِيرًا.
وَالْغِيبَةُ وَالنَّمِيمَةُ، وَتَرْوِيجُ الشَّائِعاتِ وَالْأَخْبارِ الْكاذِبَةِ حَرامٌ؛ قالَ صلى الله عليه وسلم: »أَتَدْرُونَ ما الْغِيبَةُ؟!«، قالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قالَ: »ذِكْرُكَ أَخاكَ بِما يَكْرَهُ«، قِيلَ: أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ فِي أَخِي ما أَقُولُ؟! قالَ: »إِنْ كانَ فِيهِ ما تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ما تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ« رواه مسلم. أَيْ: إِنْ كانَ ما يُقالُ فِيهِ حَقِيقَةً فَهَذِهِ الْغِيبَةُ الْمَنْهِيُّ عَنْها، وَإِنْ كانَ بَرِيئًا فَهَذَا ِافْتِراءٌ وَاعْتِداءٌ عَلَى الْعِرْضِ، ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: 15]. وَعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها قالَتْ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: “حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا”، تَعْنِي أَنَّها قَصِيرَةٌ”، فَقالَ لَها: “يا عَائِشَةُ: لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِماءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ” أَيْ: غَيَّرَتْ طَعْمَهُ؛ فَالْغِيبَةُ تُفْسِدُ الْقُلُوبَ، وَتَزْرَعُ الشُّرُورَ، وَتُؤَجِّجُ الْفِتَنَ، وَتَجُرُّ إِلَى عَظِيمِ الموْبِقاتِ وَالمهْلِكاتِ، وَتُوْقِعُ صاحِبَها فِي النَّدَمِ فِي وَقْتٍ لا يَنْفَعُهُ النَّدَمُ، وَتُنْبِتُ الْحِقْدَ وَالْحَسَدَ، وَتَجْلِبُ الشِّقاقَ وَالْخِلافَ وَالْعَدَاوَاتِ فِي الْبُيُوتِ، وَبَيْنَ الْجِيرانِ وَالْأَقْرِباءِ، وَتُنْقِصُ الْحَسَناتِ، وَتُكْثِرُ السَّيِّئاتِ، وَهِيَ مِنَ الْكَبائِرِ؛ قالَ تَعالَى: ﴿وَلَا ‌يَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتًا فَكَرِهۡتُمُوهُۚ﴾ [الحجرات: 12]، وَقالَ تَعالَى: ﴿وَلَا تُطِعۡ كُلَّ ‌حَلَّافٍ مَّهِينٍ ۝ هَمَّازٍ مَّشَّآءِۭ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: 10-11]، قال صلى الله عليه وسلم: »لَمَّا عُرِجَ بِي مَرَرْتُ بِقومٍ لهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحاسٍ، يَخْمُشُونَ وُجُوهَهُمْ وصُدُورَهُمْ، فقُلْتُ: مَنْ هَؤُلاءِ يا جِبْرِيلُ؟ قالَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ ، وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ« [صححه الألباني]، وَقالَ صلى الله عليه وسلم: »لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ« [متفق عليه]، وَالْقَتَّاتُ النَّمَّامُ، يَنْقِلُ الْكَلامَ؛ لِيُفْسِدَ ما بَيْنَ النَّاسِ، وَأَهْلُ الْإِرْجافِ وَالشَّائِعاتِ مَلْعُونُونَ؛ قالَ تَعالَى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: 60، 61]؛ فَعَلَى المؤْمِنينَ أَلَّا يَسْتَعْجِلُوا بِإِشاعَةِ الْأَخْبارِ، بَلْ يَرُدُّونَها إِلَى أُوْلِي الْأَمْرِ، مِمَّنْ يَعْرِفُونَ الْأُمُورَ عَلَى حَقِيقَتِها، وَيُدْرِكُونَ خَيْرَها وَشَرَّها، قالَ تَعالَى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]. فَلَا يَسْتَصْغِرَنَّ أَحَدٌ شَأْنَ الْغِيبَةِ؛ فَذَنْبُها عَظِيمٌ، وَخَطَرُها جَسِيمٌ، وَهِيَ مِنْ حُقُوقِ الْعِبادِ، لا تَحَلُّلَ مِنْها إِلَّا بِالْعَفْوِ مِمَّنِ اغْتِيبَ.
عِبادَ اللهِ: الْقَضاءُ عَلَى الشَّائِعاتِ يَحْتاجُ إِلَى التَّعاضُدِ وَالتَّعاوُنِ بَيْنَ الرُّعاةِ وَالرَّعِيَّةِ، وَوِحْدَةِ الصَّفِّ وَاجْتِماعِ الْكَلِمَةِ، وَالْحِكْمَةِ وَالتَّرَوِّي، بَعِيدًا عَنِ الْعَواطِفِ وَالمشاعِرِ المجَرَّدَةِ عَنِ الْحَقائِقِ، وَالْحَذَرِ مِنَ الْجِدالِ فِي وَسائِلِ التَّواصُلِ الِاجْتِماعِيِّ، فِيما لا نَفْعَ فِيهِ، وَضَرَوُرَةِ اسْتِقاءِ المعْلُوماتِ مِنْ مَصادِرِها الموْثُوقَةِ، خاصَّةً فِي زَمَنِ الذَّكاءِ الاِصْطِناعِيِّ، وَتَوْلِيدِ الْفِيْدْيُوهاتِ، وَتَرْكِيبِ الصُّوَرِ؛ فَصارَ لِزامًا التَّثَبُّتُ، وَعَدَمُ التَّسَرُّعِ فِي إِصْدارِ الْحُكْمِ، أَوْ نَشْرِ الْأَخْبارِ؛ فَالْمَسْلَكُ خَطِيرٌ، وَالْإِثْمُ عَظِيمٌ، وَنَحْنُ جَمِيعًا فِي خَنْدَقٍ واحِدٍ وَسَفِينَةٍ واحِدَةٍ؛ فَإِذَا لَمْ يَكُنِ المسْلِمُ مَصْدَرَ أَمانٍ وَطُمَأْنِينَةٍ لِمُجْتَمَعِهِ، فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَسْكُتَ؛ كَمَا قالَ صلى الله عليه وسلم: »مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ« [متفق عليه].
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا.. وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ للهِ وَكَفَى، وَسَلامٌ عَلَى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، وَبَعْدُ، فَاتَّقُوا اللهَ عِبادَ اللهِ حَقَّ التَّقْوَى، فَالمؤْمِنُ يَتَوَثَّقُ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ في أَمْرٍ أَوْ يَنْشُرَهُ، وَيَعْلَمُ أَنَّهُ غَدًا مَوْقُوفٌ بَيْنَ يَدَيِ رَبِّهِ، فَيُعْرُضُ عَلَيْهِ عَمَلُهُ، وَيُحاسَبُ عَلَيْهِ ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: 227]، كانَ ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه يَحْلِفُ بِاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ: “مَا عَلَى الْأَرْضِ شَيْءٌ أَحْوَجُ إِلَى طُولِ سِجْنٍ مِنْ لِسَانٍ”. وَقَالَ الْحَسَنُ: “اللِّسَانُ أَمِيرُ الْبَدَنِ؛ فَإِذَا جَنَى عَلَى الْأَعْضَاءِ شَيْئًا جَنَتْ؛ وَإِذَا عَفَّ عَفَّتْ”. وَاللِّسَانُ تَرْجُمَانُ الْقَلْبِ وَالْمُعَبِّرُ عَنْهُ، وَقَدْ أُمِرْنَا بِاسْتِقَامَةِ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، قَالَ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ الْإِنْسَانَ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ يَمْلِكُ كَلَامَهُ، فَإِذَا تَكَلَّمَ مَلَكَهُ كَلَامُهُ، وَاعْلَمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- أَنَّ الْفِتَنَ وَالمخاطِرَ وَمُنْكَراتِ الْأُمُورِ تَحْدُثُ بِسَبَبِ انْتِشارِ الشَّائِعاتِ وَالْأَكاذِيبِ عَلَى أَلْسِنَةِ أُناسٍ غَيْرِ مُؤَهَّلِينَ، وَلَا مُتَخَصِّصِينَ، يَدَّعُونَ الْعِلْمَ وَالْفَتْوَى.
وَاحْذَرُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- السَّيْرَ وَراءَ كُلِّ ناعِقٍ، خاصَّةً فِي الشَّأْنِ الْعامِّ، وَما يَتَعَلَّقُ بِجَماعَةِ المسْلِمِينَ وَإِمامِهِمْ، فَمَا أَثْمَرَتِ الشَّائِعاتُ إِلَّا خَرابًا وَدَمارًا، وَانْقِسامًا وَتَهْجِيرًا. وَالْحَمْدُ للهِ أُمَّتُنا أُمَّةُ تَعاوُنٍ وَتَعاطُفٍ وَتَناصُحٍ وَإِخْلاصٍ، لا أُمَّةُ تَخاذُلٍ وَتَخاصُمٍ وَغِشٍّ وَخِداعٍ: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2]، أَعاذَنا اللهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ شُرُورِ الْفِتَنِ، ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ.
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ،
‎اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وآله وصحبه أجمعين. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالمسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالمشْرِكِينَ، وَدَمِّرْ أَعْداءَ الدِّينِ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلادِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى المرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمينَ.