يا (صُلْعان وقُرْعان العالم).. افخروا واتحدوا..؟!
الأحد 28 يونيو 2020
للكاتب حمّاد السالمي
اليُمْنُ لِليَمَن.. (الله كريم)..!اليَمن.. (انقسام وانفصام).. إلى متى..؟تأبَى (الخُرافة) أن (تُفارق) أهلها..!ملْحُوق خير.. عن: (الراحل ابن معمّر)..من أدبيّات (العزلة والاعتزال)..سيرة زاخرة للمرحوم (أبو زاهرة)المحابِس النّاعمة.. من (كَرُونا) إلى (كُورونا)..؟5350alsalmih@ymail.com350.jpgحمّاد السالمي أرشيف الكاتب
* قبل هذه العركة التي دخلت فيها مرغمًا- ربما- لم أكن أعرف الفرق بين (الصّلَع والقَرَع). من هو (الأصلع)..؟ ومن هو (الأقرع)..؟ فعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم.
* في حلقة الفاكهة والخضار؛ ارتفع صوت أحدهم من يميني على آخر من يساري وهو يرفع يده ويهدده ويقول: (راح أنتف لك ها الشعرتين في هذي الصلعة)..! رد الآخر: (وقرعتك هذي راح أدعسها بموتري)..! نظرت بعيني فإذا هما برأسين بلا شعر فعلًا، ولكن لهما أعين يتطاير منها الشرر. ما هي إلا برهة من قذف الكلام؛ حتى قربا من بعضهما، فتماسكا وتداحشا ، ووجدت من واجبي التدخل. وليتني لم أفعل. لن أقول كل شيء؛ لكن نظرات حادة من أحدهما نحوي؛ وتركيزه على جبهتي؛ أبهتتني، حتى رحت أتحسس رأسي. هل أنا أصلع أو أقرع..؟ الحمد لله لست كذلك؛ وإلا لصرت ثالث ثلاثة من الصُّلع والقُرع في سوق شعبية عامة؛ يتحلق حولهم الناس بين متعوذ، ومحوقل، وضاحك، وشامت، وناصح.
* لم تمض علي ساعات بعد ذلك؛ حتى رحت أبحث في أمر الصَّلع والقرَع. لقد اهتم العرب بهذه الحالة حتى جعلوا منها سُبّة. وبقدر ما ورد في اللغة العربية الفصحى من إشارات للصلع؛ وردت إشارات في اللهجات العامية إلى الصلع والقرع أضحت من الأمثال الدارجة، حتى ليمكن القول إن الصلع أديب، والقرع سوقي ذليل. يقول العرب في عاميتهم: (القرعة تتباهى بشعر أختها). و(أحطك على قرعتي). و(أقرع ونزهي). وكذلك: (أقرع وحاط لنفسه ريحة). ثم قالوا: (جبت الأقرع يونسني، كشف راسه وخرّعني). ويقولون في لبنان: (جبت الأقرع يشجعنا، كشف راسه وفزّعنا). ويقال بأن أصل هذا المثل الشائع؛ أن امرأة عانت كثيراً من معاكسات طفلها وسوء مزاجه وكثرة بكائه. وبذلت كل ما في وسعها من حِيل، وأظهرت له من ألعاب، وحكت له من حكايات، دون أن تستطيع أن تشغله بشيء أو تهدئ من روعه. ثم رأت رجلًا مارًا في حال سبيله، فسألها عما دهاها، فأشارت إلى ابنها، و(استرجته) أن يفعل ما بقدرته لإيناسه وإسكاته، فتطوع الرجل لتلبية الرجاء، ومد يده إلى طربوشه وأزاحه عن رأسه، وكشف قرعته للطفل ليتفرج عليها. ما أن رأته المرأة الوالدة؛ حتى هالها ما رأت من قرعته، فسقطت إلى الأرض مغمياً عليها. وعندها خف جيرانها لإسعافها، ورشوا الماء على وجهها، فاستفاقت من إغمائها، فسألوها عما دهاها، فأجابتهم بإيجاز وقالت: (جبت الأقرع يونسني، كشف راسه وخرّعني)..! فسار القول مثلاً بين الناس، وشاع في شتى البلدان العربية. ومن الطريف؛ أن المصريين لا يعرفون مثلاً مشابهاً لهذا، وإن كان قدماؤهم يعالجون الصلع والقرع بحوافر الحيوانات. ويعلل بعض أدبائهم ذلك بقوله: إن المصريين مكشوفو الرأس، ولا يلفون رؤوسهم اعتيادياً بغترة..! ومن ثم فلا مجال للأقرع منهم أن يفاجئ الآخرين بقرعته..!
* ما الفرق بين الصلع والقرع..؟ الصلع غير القرع. يظهر الأول بصورة طبيعية، ويداهم في الغالب عند الكبر. ولهذا فكثيراً ما يُجل ويعتبر دليلاً على النضوج وسعة العقل وغزارة العلم والمعرفة والحكمة. إذا انحسر الشعر عن جانبي جبهة الرجل؛ فهو أنزع، فإذا زاد قليلا فهو أجلح. فإذا بلغ الانحسار نصف رأسه أجْلى وأجْله. فإذا زاد فهو أصلع. فإذا ذهب الشعر كله فهو أحص. والفرق بين القرع والصلع؛ أن القرع ذهاب البشرة، والصلع ذهاب الشعر منها.لكن الغربيين لا يولون الصلع مثل هذا التبجيل.
أما القرع فيرد بصورة غير طبيعية، ويداهم الصغار والكبار على حد سواء. ويعتبر ظاهرة مرضية تؤدي إلى تقشر البشرة والتهابها وسقوط الشعر منها، ولهذا ينظر إليه نظرة سيئة. ومن الطريف؛ أن الغربيين لا يملكون بصورة عامة كلمة تقابل كلمة القرع العربية، وإنما يشيرون إليه باصطلاحات مرضية علمية.
* قلت أعلاه للصلعان والقرعان: افخروا واتحدوا. افخروا.. لأنكم جزء مهم من صورة الإنسان العظيم عبر التاريخ. فعلى سبيل المثال؛ هناك شخصيات كثيرة عملاقة في تاريخنا الاسلامي كانوا صلعاء. من الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم: عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، ثم عمر بن عبدالعزيز. والخليفة الأموي مروان بن الحكم، والفقيه مالك بن أنس. وغيرهم كثير. هذه قصة وقعت بين أمير المؤمنين عثمان بن عفان وزوجته نائلة بنت الفرافصة، قيل: إنه لمّا عقد عليها وقَدِمتْ عليه؛ قعد على سرِيرِه، وَوضع لها سرِيرًا حِيالهُ فجَلستْ عليه، فَوضع عثمان رضي اللَّهُ عنه قلنسوَتهُ، فَبَدَا الصَّلَع فقال: يا بِنْت الْفُرَافِصَةِ.. لا يَهُولَنَّكِ ما ترَيْن مِن صلعٍ، فإِنَّ مِن وَرَائِه مَا تُحِبِّينَ، فقالت: أَمَّا ما ذكرتَ مِن الصَّلَع، فَإِنِّي مِن نِسَاءٍ أَحَبُّ بُعُولَتِهِنَّ إلَيهِنَّ السَّادةُ الصُّلعُ. وقائمة الصلع والقرع مِن القادة والشعراء والفلاسفة في العالم طويلة.
* تختلف مواقف الشعوب ونظراتهم لقرعانهم وصلعانهم. فالصلعة في المغرب تسمى تاج الرجولة. وفي تركمانستان؛ لا يسمح للرجل الزواج بأكثر من زوجة إلا إذا كان أصلع. وفي البرازيل تشترط الفتاة الحسناء على خطيبها الكشف على شعر رأسه؛ لتضمن أنه ليس كثيفًا، فزياده الشعر دليل أنوثة ونقص خصوبة. وفي أوزبكستان؛ يتزوج الأصلع دون مهر، وفي الأرجنتين؛ تعتبر المتزوجة من الأصلع سيدة مدينتها، وفي إندونيسيا؛ يطلب القاضي الذي يعقد للمتزوجين زواجهم؛ التقاط صور لهم كونها تعتبر إنجازًا له.
وفِي استراليا؛ يحق للزوجة أن تترك زوجها ذو الشعر إن وجدت عشيقًا أصلعًا..! وفِي فنلندا؛ وعند قبول الطالبة في جامعة هلسنكي؛ فان أمنية الطالبة ليس النجاح؛ وإنما الوقوع بحب طالب أصلع. الصَّلع والقَرع على ما يبدو؛ للرجال دون النساء. لا مكان للنساء في هذا الحزب العظيم.
* ألم أقل لكم أيها (الصُّلعان والقُرعان) في العالم: افخروا واتحدوا..؟ والله لو كنت- أنا- ذا صَلع أو قَرع؛ لما ترددت في الانضمام إلى حزبكم الموقر، لكي أفخر معكم..!
عبّر عن رأيك
التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر عن رأي صحيفة الجزيرة
اسم المستخدم :
التعليق :
إظهار ../.. تعليقات
الموضوعات الأكثر
قراءة
تعليقا
مشاركة
الهلال لتصوير وتصدير المواهب
فواصل
صح لسانك
يا (صُلْعان وقُرْعان العالم).. افخروا واتحدوا..؟!
لماذا اعتزلوا ولماذا غابوا؟
تصفح العدد الورقي
ذاكرة الجزيرة
1988
المملكة الأولى عالمياً في دعم دول العالم الثالث
المزيد
بحث متقدم
ابحث عن
من نحن
الجزيرة صحيفة سعودية يومية تصدر عن مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر ومقرها العاصمة الرياض.
أسسها الشيخ عبدالله بن خميس وصدر عددها الاول كمجلة شهرية في أبريل 1960م.
تواصل معنا عبر
منتجاتنا
الجزيرة أونلاين
الجزيرة موبايل
المجلة الثقافية
الإعلانية
مجلة روج
موقع عقاراتكم
موقع سياراتكم
آد ديناميك
اتصل بنا
الإدارة والتحرير
الإعلانات
الاشتراكات
مركز الاتصال
الوكيل الحصري للإعلان في مواقع الجزيرة
شروط الاستخدامسياسة الخصوصية
جميع الحقوق محفوظة 2014 © الجزيرة
*فقه التاريخ يصنع تاريخًا*
أ.د. عايض الزهراني
http://www.makkahnews.net/articles/5200719.html
سوء الظن إنّ سوء الظن بالناس والشك بهم من الأمور المكروهة فإنّ ذلك يزرع البغضاء والكراهية فيما بينهم، فيجب على الإنسان أن يحسن الظن دائماً بالآخرين وأن يلتمس لهم الأعذار، لذا وفي هذا المقال سنقدم لكم عبارات جميلة عن سوء الظن. عبارات عن سوء الظن لا تحسن الظن حد الغباء ولا تسيء الظن حد الوسوسة وليكن حسن ظنك ثقة وسوء ظنك وقاية. حسن الظن فضيلة، إلّا إذا صادمه الواقع الملموس، فإنّه يصبح بلهاً وغفلة. ألق حسن الظن على الخَلق وسوء الظن على نفسك لتكون من الأول في سلامة ومن الآخر على الزيادة. حسن الظن ورطة، وسوء الظن عصمة. لا تولد الحقيقة إلّا من تزاوج الوقاحة وسوء الظن والرفض القاسي والكره والشقاق في الحياة، وما أصعب أن تتوافق وتتحد جميع هذه المقدمات. بسبب سوء الظن كرهنا بعضنا، وقلَ لقاؤنا، وقطعنا رحمنا فسلوا الله حسن الظن بالناس ففيه راحة للقلب، وسلامة للصدر. لا تحسن الظن بي كي لا أخذلك، ولا تسيئ الظن بي كي لا تخذلني، لكن اجعلني دون ظنون، كي أكون أنا كما أكون. من كتم سره كان الخيار بيده، ومن عرض نفسه للتهمة، فلا يلومن من أساء الظن به. الحزن يضعف القلب، ويوهن العزم ويضر الإرادة، ولا شيء أحب إلى الشيطان من حزن المؤمن، لذلك افرحوا واستبشروا وتفاءلوا وأحسنوا الظن بالله، وثقوا بما عند الله وتوكلوا عليه وستجدون السعادة والرضا في كل حال. كلمات عن سوء الظن إنّ سوء الفهم يولّد الشك. الثقة أم الكدر، وسوء الظن أبو الأمان. سوء الظن هو بداية الحكمة. سوء الظن دواء تصفه الحكمة. يؤدي سوء الظن إلى الامتحان، ويؤدي الامتحان إلى الحقيقة. لا تعود الناس على حلو الكلام دائماً، لأنّك حين تجبرك ظروفك على الصمت سيظنون أنّك لم تعد تحبهم. ما أجمل أن يكون لديك إنسان يحسن الظن بك ويغفر لك إن أخطأت ويلتمس لك العذر إن أسأت له. شعر عن سوء الظن أتَحسِبُ سوءَ الظنّ يَجرَحُ في فكرِي إذاً فاحتَوِي بي العَجزَ من كنَفِ الصّبرِ وَعَاقتْ يَدِي عِندَ النّزَالِ عَوَائِقٌ عنِ السّيفِ لا تُدني يدَيّ من النّصْرِ فلا تقربا ظني بظن مسفه يظن بزقع الأثر في غرة البدر فقلبي يأبى أن يدنس سره بريب وودي أن يعنف من غدري وقد جدت بالنعمى عليك لأنّني حللت عرى ضغني وكفكفت من وتري وَلَوْ أنّني جازَيتُ قوماً بِفِعلِهِم لألبَستُهُمْ حَلياً من البِيضِ وَالسُّمْرِ وأخلاقنا ماء زلال تنطوي حِفاظاً وَيَرْمي الأفقُ بالأنجُمِ الزُّهْرِ وما نحن إلّا عارض إن قصدته لجود حباك النائل الغمر بالقطر وَإن هُزّ للأضْغَانِ عَادَتْ بُرُوقُهُ حَرِيقاً عَلى الأعداءِ مُضْطَرِمَ السَّعرِ غَفَرْتُ ذُنوباً مِنكَ أذْكَتْ عَزَايمي وكاد شهاب السخط يطلع من صدري صَفَحتُ وَقد كانَ التّغَصُّصُ ذادَني عنِ الصّفحِ لكن أنتَ من كَرمِ البَحرِ ومن قيد الالفاظ عند نزاعها بقيدِ النُّهَى أغنَتْهُ عَن طلبِ العُذْرِ فَرُحْ غانِماً بالعَفوِ ممّن لَوِ انطَوَى على حَنَقٍ ماتَ الحمَامُ من الذُّعْرِ بكفي اني شئت ناصية العلى أهُز وَأَعنَاقُ المَكارِمِ في أسرِي شعر جميل عن سوء الظن إذا ساءَ فِعْلُ المرْءِ ساءَتْ ظُنُونُهُ وَصَدَقَ مَا يَعتَادُهُ من تَوَهُّمِ وَعَادَى مُحِبّيهِ بقَوْلِ عُداتِهِ وَأصْبَحَ في لَيلٍ منَ الشّكّ مُظلِمِ أُصَادِقُ نَفسَ المرءِ من قبلِ جسمِهِ وَأعْرِفُهَا في فِعْلِهِ وَالتّكَلّمِ وَأحْلُمُ عَنْ خِلّي وَأعْلَمُ أنّهُ متى أجزِهِ حِلْماً على الجَهْلِ يَندَمِ وَإن بَذَلَ الإنْسانُ لي جودَ عابِسٍ جَزَيْتُ بجُودِ التّارِكِ المُتَبَسِّمِ وَأهْوَى مِنَ الفِتيانِ كلّ سَمَيذَعٍ نَجيبٍ كصَدْرِ السّمْهَريّ المُقَوَّمِ خطتْ تحتَهُ العيسُ الفلاةَ وَخالَطَتْ بهِ الخَيلُ كَبّاتِ الخميسِ العرَمرَمِ وَلا عِفّةٌ في سَيْفِهِ وَسِنَانِهِ وَلَكِنّهَا في الكَفّ وَالطَّرْفِ وَالفَمِ وَمَا كُلّ هَاوٍ للجَميلِ بفاعِلٍ وَلا كُلّ فَعّالٍ لَهُ بِمُتَمِّمِ فِدىً لأبي المِسْكِ الكِرامُ فإنّهَا سَوَابِقُ خَيْلٍ يَهْتَدينَ بأدْهَمِ أغَرَّ بمَجْدٍ قَدْ شَخَصْنَ وَرَاءَهُ إلى خُلُقٍ رَحْبٍ وَخَلْقٍ مُطَهَّمِ إذا مَنَعَتْ منكَ السّياسةُ نَفْسَها فَقِفْ وَقْفَةً قُدّامَهُ تَتَعَلّمِ يَضِيقُ على مَن راءَهُ العُذْرُ أن يُرَى ضَعيفَ المَساعي أو قليلَ التّكَرّمِ وَمَن مثلُ كافورٍ إذا الخيلُ أحجَمَت وَكانَ قَليلاً مَنْ يَقُولُ لها اقدِمِي شَديدُ ثَباتِ الطِّرْفِ والنقعُ وَاصِلٌ إلى لهَوَاتِ الفَارِسِ المُتَلَثِّمِ أبا المسكِ أرْجو منك نصراً على العِدى وآمُلُ عِزّاً يخضِبُ البِيضَ بالدّمِ وَيَوْماً يَغيظُ الحاسِدينَ وَحَالَةً أُقيمُ الشّقا فِيها مَقامَ التّنَعّمِ وَلم أرْجُ إلّا أهْلَ ذاكَ وَمَنْ يُرِدْ مَوَاطِرَ من غَيرِ السّحائِبِ يَظلِمِ فَلَوْ لم تكنْ في مصرَ ما سرْتُ نحوَها بقلبِ المَشُوقِ المُستَهامِ المُتَيَّمِ وَلا نَبَحَتْ خَيلي كِلابُ قبَائِلٍ كأنّ بها في اللّيلِ حَمْلاتِ دَيْلَمِ وَلا اتّبَعَتْ آثَارَنَا عَينُ قَائِفٍ فَلَمْ تَرَ إلّا حافِراً فَوْقَ مَنْسِمِ وَسَمْنَا بها البَيْدَاءَ حتى تَغَمّرَتْ من النّيلِ وَاستَذرَتْ بظلّ المُقَطَّمِ وَأبْلَجَ يَعصِي باختِصاصي مُشِيرَهُ عَصَيْتُ بقَصْدِيهِ مُشيرِي وَلُوَّمي فَسَاقَ إليّ العُرْفَ غَيرَ مُكَدَّرٍ وَسُقْتُ إلَيْهِ الشكرَ غيرَ مُجَمجَمِ قدِ اخترْتُكَ الأملاكَ فاخترْ لهمْ بنا حَديثاً وَقد حكّمتُ رَأيَكَ فاحكُمِ فأحْسَنُ وَجهٍ في الوَرَى وَجهُ مُحْسِنٍ وَأيْمَنُ كَفٍّ فيهِمِ كَفُّ مُنعِمِ وَأشرَفُهُمْ مَن كانَ أشرَفَ هِمّةً وَأكثرَ إقداماً على كلّ مُعْظَمِ لمَنْ تَطْلُبُ الدّنْيا إذا لم تُرِدْ بها سُرُورَ مُحِبٍّ أوْ مَساءَةَ مُجرِمِ وَقد وَصَلَ المُهْرُ الذي فوْقَ فَخْذِهِ منِ اسمِكَ ما في كلّ عنقٍ وَمِعصَمِ لكَ الحَيَوَانُ الرّاكبُ الخَيلَ كلُّهُ وَإن كانَ بالنّيرانِ غيرَ موَسَّمِ وَلَوْ كنتُ أدرِي كم حَياتي قَسَمتُها وَصَيّرْتُ ثُلثَيها انتِظارَكَ فاعلَمِ

القرّاء العَشْر القرّا العَشْر الذين نُسبت إليهم القرارات العَشْر هم: نافع بن أبي نعيم: هو نافع بن عبد الرحمن المدنيّ، أبو رُويم، توفّي سنّة مئةٍ وسبعةٍ وستين للهجرة، كان شيخ القرّاء في المدينة، وأخذ القراءة عمّا يقارب سبعين من التابعين، الذين أخذوا قراءتهم عن أبي هريرة، وابن عباس، عن أبيّ بن كعب، ومن تلاميذه الذين أخذوا عنه واشتهروا بذلك: قالون، وورش.[١١] أبو عمرو: وهو ابن العلاء البصريّ المازنيّ، توفّي سنة مئةٍ وخمسةٍ وأربعين للهجرة، وعُرف بلقب سيّد القرّاء، وكان إمام البصرة، وأكثر الناس علماً بالقرآن، واللغة العربية، وروى عنه السوسيّ، والدُّوريّ.[١١] حمزة بن حبيب الزّيات الكوفي: أبو عُمارة، كان مولى عكرمة، توفّي سنّة مئةٍ وستةٍ وخمسين للهجرة، وهو من تابعي التابعين، عُرف بالورع والتقوى، واشتُهر بعلم المواريث والحديث، وأخذ عنه: خلّاد بن خالد، وخلف بن هشام.[١١] عبد الله بن عامر: يُكنّى بأبي عمران، وأبي نعيم، من التابعين، أخذ القراءة عن المُغيرة المخزوميّ، عن عثمان بن عفّان، عن النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-، وقال البعض إنّه قرأ عن عثمان، كانت وفاته سنة مئةٍ وثمانية عشر، ومن تلاميذه: هشام، وابن ذكوان.[١٢] ابن كثير المكّي: وهو عبد الله بن كثير الداريّ، أبو محمد، التقى بعددٍ من الصحابة؛ مثل: أنس بن مالك، وعبد الله بن الزُّبير، وأبي أيوب الأنصاريّ، كان إمام الناس بالقراءة في مكّة، وعُرف بوقاره وسكينته، وقد روى عن مجاهد عن ابن عباس عن أبيّ بن كعب عن الرسول -صلّى الله عليه وسلّم-، توفّي في مكّة المكرّمة، سنة مئةٍ وعشرين للهجرة، ومن الذين اشتُهروا بالرواية عنه: قُنبل، والبزّي.[١٢] عاصم بن أبي النجود الأسديّ: يكنّى بأبي بكر، عاصم الأسديّ، كان مُتقناً للقراءة ويتمتع بصوتٍ حَسَنٍ، قرأ على زرّ بن حُبيش، عن عبد الله بن مسعود، عن النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-، وقد توفّي سنة مئةٍ وسبعٍ وعشرين، وروى عنه: حفص، وشُعبة.[١٢] علي بن حمزة الكسائي: هو أبو الحسن، ومولى بني أسد، كان أعلم الناس في عصره باللغة، وإمام المسلمين في القراءات، وقد تولّى رئاسة القراءة بعدما توفّي شيخه حمزة بن حبيب في الكوفة.[١٣] أبو جعفر المدنيّ: هو يزيد بن القعقاع، مولى عبد الله بن أبي ربيعة المخزوميّ، كان إمام أهل المدينة بالقراءة، تابعي، بدأ الإقراء سنة ثلاثٍ وستين للهجرة، وكان مفتي ومجتهد، دعت له أمّ المؤمنين أم سلمة بالبركة، وقد عُرف بكثرة قيامه وصيامه، وروى عن أبي هريرة، وابن عباس، ومن الذين رَووا عنه: نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم، وسليمان الزُّهري، وعيسى بن وردان، وابنه يعقوب، وابنته ميمونة، توفّي سنة مئةٍ وثلاثين للهجرة، زمن خلافة مروان بن محمد.[١٤] يعقوب بن إسحاق: أبو محمد، يعقوب بن إسحاق الحضرميّ، المقرئ البصري، ولد سنة مئةٍ وسبعة عشر للهجرة، إمام أهل البصرة في القراءات، عُرف بالورع، والتقوى، والزُّهد، ومن مؤلفاته: كتاب الجامع، وأخذ القراءة عن سلّام بن سليمان، ومهدي بن ميمون، ويونس بن عُبيد، ومسلمة بن محارب، ومحمد بن زُريق، قرأ عنه عددٌ كبيرٌ؛ منهم: كعب بن إبراهيم، ومحمد بن المتوكّل، وأبو عمر الدُّوريّ، وأبو حاتم السجستانيّ، وأحمد بن عبد الخالق المكفوف، ورَوْح بن عبد المؤمن، وتوفّي ابن إسحاق سنة مئتين وخمسٍ للهجرة، وعاش ثمانٍ وثمانين سنةً.[١٤] خلف بن هشام: هو خلف بن هشام البزّار، وكان راوي عن القارئ حمزة الزّيات، لكن كان له اختيارٌ خاصٌّ به، خالف به شيخه الزّيات.[١٤]
السلام عليكم ورحمة الله شيوخي وأساتذتي الكرام..
هذا المقال جدير بالاطلاع والتعليق عليه من قبل أهل العلم الشرعي وطلبته والمناقشة حول ما جاء فيه..
هل يوجد نص شرعي صحيح في تحريم مصافحة الرجل للمرأة الأجنبية… ليس الخطأ في الكلي كالخطأ في الجزئي
فبراير 24, 2017
د. وليد شاويش عميد كلية الفقه المالكي في جامعة العلوم الاسلامية العالمية في الاردن وهو مالكي المذهب
تمهيد:
ساد في الوسط العلمي الشرعي حصر الدليل في النص الشرعي، وما ليس فيه نص فلا دليل عليه، وهو نتاج لخطأ أكبر وهو ضرب الصناعة الحديثية بالصناعة الفقهية والأصولية، وقد ظهرت ثقافة عدم الدليل إذا لم يوجد نص، وتَتَوهّم هذه الثقافة بأن ذلك من الاحتياط في الدين، ولكنها كانت عَين التحلل منه، ذلك لأن توهم صناعة الفتوى تكون من النص فقط، يعني أنه لا حكم شرعي فيما لا نص فيه، ويترتب على ذلك هدم أصول الشريعة العامة من إجماع وقياس، وسد للذرائع، ومصالح مرسلة وغيرها، ويحدث ذلك بسبب إقصاء الصناعة الفقهية والأصولية، صاحبة الاختصاص والصلاحية في أمر الفتوى، وهي بذلك تتكامل مع الصناعة الحديثية التي تتولى واجبها في الكشف عن رتبة الحديث صحة وضعفا ووضعا.
أولا: هل هناك نص صحيح صريح في تحريم مصافحة الرجل المرأة الأجنبية؟
وُجِّه إليَّ هذا السؤال الذي تحول من سؤال إلى أزمة فتوى، ومن المعروف أن ماورد في هذا الباب من نصوص، لا يكاد ينهض بحجة قاطعة وحاسمة، لأنه ضعيف أو مختلف في صحته، أو مؤول في فهمه، مما يعني أن الصناعة الحديثية قامت بواجبها في حمل أمانة الواجب المنوط بها، وهو بيان رتبة الحديث وليس من مهمتها الفتوى، لأن الفتوى لا تكون بناء على النص فقط، ويحسب الناس أنه إذا لم يكن هناك حديث صحيح، فلا يجوز تحريم المصافحة، لعدم صحة نص في الباب، وإذا اقتصرنا على شرط وجود النص في التحريم فإن مصافحة الأجنبية جائزة، ومَن كره المصافحة فهذا شأنه، مما فتح بابا للتحلل في الدين، وإخضاعه للرأي والرأي الآخر في غيبة المنهج الأصولي.
ثانيا: خطوات الشيطان لا تكاد تنتهي:
بعد أن تم ارتكاب الخطأ في الكلي، وهو محاولة الفتوى من داخل الصناعة الحديثية، ومحاولة ضرب الصناعة الحديثية بصناعة الفتوى، بناء على أنه لا يجوز العمل بالحديث الضعيف، لم يجد هذا المنهج مناصا من أن يسعى جاهدا في تصحيح أحاديث تحريم المصافحة، لتكون المصافحة حراما، ولكنها محاولة تكشف خللا في الكلي، ومع ذلك سيبقى النزاع قائما، في عدم توفر حديث صحيح صريح في الموضوع، وجميعها منازع فيها صحة وضعفا، وعليه سيتمسك من شاء بحرية المصافحة.
ثالثا: تلبيس إبليس في المرحلة التالية للشيطان:
1-الواقع حوَّل المسألة إلى أولَوية قصوى:
لم تكن مسألة المصافحة مسألة جديرة بالاهتمام في تاريخنا الإسلامي، ولم تحتل عشر معشار مكانتها اليوم، ولكنها استفادت أهميتها وأولويتها من الواقع المتأثر بالغزو الثقافي، وأصبح الواقع هو الذي ينتج الفتوى والثقافة للناس، فالهَمّ الأكبر هو محاولة التوافق مع الواقع والانقياد له، ولكن لو سألنا: ما الدليل الشرعي الذي يحرم أن يمَسّ الرجل بيده وجْه المرأة الأجنبية، فلن نجد دليلا صحيحا صريحا.
2-لا نص ضعيف ولا صحيح في مس وجه الأجنبية:
وسيقال في ذلك ما قيل في المصافحة، لا دليل صحيحا على تحريمه، ثم بعد ذلك سيرفض أنصار المصافحة مَسَّ الوجه، لأن الواقع الديني لا يقبله وليس الدليل، ويواسون أنفسهم بصناعة فروق وهمية بين مس الوجه والمصافحة، هذه الفروق لا تسمن ولا تغني من جوع، لأن مس الوجه صادم لشعورهم وذوقهم الديني، فسيسعون للتحريم دون وجود أي دليل صحيح صريح، ويظهر هنا مدى تأثير الواقع في صناعة التدين المتأثر بالواقع، لا بالاستدلال المنهجي المنضبط، وسيبقى أيتام الدليل عاجزين عن الوصول إلى حسم علمي في الموضوع.
رابعا: كيف يعالج الأصوليون والفقهاء المسألة:
1-منهج الفتوى له أصول تابعة للنص:
إن الأصوليين لا يكتفون بالنظر في ثبوت النص الشرعي فقط، لِـيـَبـنوا عليه حكما شرعيا، لأن عملهم هو وضع النص الشرعي ضمن أصول كلية في النظر، وليس النص الشرعي هو وحده الذي يستنبط منه الحكم، لأن النص بشقيه الكتاب والسنة هو مصدر أصلي، تتفرع عنه أصول ومصادر، ويمكن للفقيه الاستنباط من الأصول إذا لم يسعفه النص بدلالاته المتفاوتة في قوتها.
2- إعادة توجيه السؤال بناء الأصول التابعة للنص:
فإذا تم توجيه السؤال للمجتهد، ما حكم مصافحة الرجل الأجنبية، ولم يجد نصا صحيحا صريحا، فإن لديه أصولا كلية تابعة للنص ستسعفه في كل ما يستجد، وهو الذي يصدق فيهم قوله تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) 83، النساء، وهذا يختلف عن الصناعة الحديثية التي لها أصول تتناسب مع موضوعها في طرق إثبات النص الشرعي.
خامسا: ما هو الأصل في المرأة بالنسبة للرجل:
1-الأصل بين الزوج وزوجته الحل والسؤال الصحيح ماذا يحرم من الزوجة؟
إن الأصل في العلاقة بين الزوجين هو الحل، وإذا سأل رجل ماذا يحل لي من زوجتي؟ فنقول له، إن الحلال غير معدود ولا نحصيه عَدَّا إلى يوم القيامة، لأن الأصل بين الزوجين هو الحل، فيصحح السؤال ماذا يحرم على الرجل من زوجته؟ فيجاب ما هو معروف من المنع أثناء الحيض مثلا، وأؤكد أنه لا بد من تصحيح سؤال السائل، ونقول له صحح السؤال، وقل ماذا يحرم بين الزوجين؟ ولا تقل ماذا يحل؟!
2-الأصل بين الرجل والأجنبية هو التحريم، فيقال ماذا يحل للرجل من المرأة الأجنبية؟
لو سأل أحد ماذا يحرم على الرجل من المرأة الأجنبية، نقول له إن التحريم هنا لا يحصى ولا يعد، وهو أصل، وبما أن الحرام غير معدود لأنه هو الأصل، نسأل ماذا يحل للطبيب، والقاضي والشاهد من المرأة الأجنبية، ولا نقول ماذا يحرم؛ لأنها كلها حرام على الرجل الأجنبي عنها، ولذلك يُصحَّح السؤال، ونقول ماذا يحل أن يراه الطبيب من المريضة مثلا، ولا نقول ماذا يحرم؟ لأنه يحرم عليه كل شيء إلا ما تقتضيه ضرورة العلاج فقط، ولا يتوسع في هذا لأنه خلاف الأصل، والنص الأصيل في مسألتنا محل البحث قول النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري : «فإن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، بينكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، فالمرأة الأجنبية حرام في الأصل، والأصل دليل بنفسه.
سادسا: أين الدليل الشرعي على ما قلته سابقا في ضرورة تصحيح السؤال:
1-من الكتاب:
أ-تفصيل الحرام من الطعام والإطلاق في الحلال:
قال تعالى: (وَما لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ)119، الأنعام، فقد بينت الآية الكريمة منهج الكتاب في توجيه المسلمين في دينهم، بأن الأصل في الطعام الحل، والحل في الطعام هو الأصل، وليس محل تفصيل لأنه غير معدود ولا محدود، بينما فصل الله تعالى لنا المحرمات فقال جل شأنه: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ)، فلا تسأل يا مسلم ماذا يحل لك من الطعام، ولكن اسأل ماذا يحرم عليك؟
ب-تصحيح موسى عليه السلام سؤال الفرعون:
ولما سأل الفرعون موسى عليه السلام، في قوله تعالى: (قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (23) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24) سورة الشعراء، فقد سأل الفرعون بقوله (ما) عن حقيقة ذات الله تعالى، وهي لا يعلمها إلا الله، فصحح موسى عليه السلام سؤال الفرعون، في الجواب، فلم يجب موسى عليه السلام فرعون عن حقيقة الذات، بل أجابه بالصفات، فقال موسى عليه السلام : (رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ) مما يعني ضرروة أن يصحح سؤال المستفتي لا أن يقع المفتي في سوء فهم السائل.
2- من السنة: تصحيح الرسول صلى الله عليه وسلم السؤال:
وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من رواية مَالِكٌ، عن نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاذَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ فَقَالَ: «لا يَلْبَسُ القُمُصَ، وَلا الْعَمَائِمَ، وَلا السَّرَاوِيلاتِ، وَلا الْبَرَانِسَ، وَلا الْخِفَافَ …» لاحظ أخي القاريء، كيف صحَّح النبي -صلى الله عليه وسلم- سؤال السائل الذي سأل، فقال: مَاذَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ ولما كان الجائز كثيرا، والمحرم قليلا، وجَّه النبي صلى الله عليه وسلم سؤال السائل، فأجابه لا يلبس… ولم يقل له: يلبس كذا كذا، وهذا من مهمة المفتي أن يصحح أسئلة السائل، ليسأل عن: ماذا يحرم لا ماذا يحل؟ وهذه هي السنة المتبعة في الفتوى، هي سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم، كما مر في الحديث.
سابعا: الأصل بين الرجل والمرأة الأجنبية التحريم والسؤال الصحيح ما الدليل على الإباحة؟
إذا عرفت ما سبق حسب منهج الأصول والفتوى صاحب الاختصاص في المسألة، فإذا كان الأصل هو التحريم، فهو دليل بنفسه، ولا يطلب الدليل على الأصل لأنه التحريم، فلا يصح أن تقول ما هو الدليل على التحريم؛ لأن الأصل في المرأة الأجنبية التحريم، فيحرم على الرجل مسُّها مطلقا إلا ما كان ضرورة للطب ونحو ذلك، ومن كان على الأصل، وهو تحريم المرأة الأجنبية لا يحتاج دليلا، بل الدليل على من يقول بإباحة المصافحة، ولا يعنينا كون الأحاديث الواردة في الأمر واهية وضعيفة، ولا نحتاج دليلا نصيا على تحريم مس وجهها مثلا، لأن الدليل أصل عام وهو التحريم.
ثامنا: ماذا لوصححنا سؤال: أين الدليل على تحريم مصافحة الرجل المرأة الأجنبية؟
1-لن تجد دليلا على تحريم مس وجه المرأة الأجنبية:
لو صح السؤال، لن تجد دليلا نصيا صحيحا صريحا، وستطالب بما هو زيادة على المصافحة؟ كحكم مس وجهها مثلا أو رأسها أو قدمها وغير ذلك! وعلى فرض وجدت الضعيف أو المختلف في تصحيحه في المصافحة، فلن تجد دليلا على تحريم مس الوجه وغير ذلك! وسيكون طلب نص صحيح صريح في أمر مس الأجنبية هو باب ظاهره التقوى وباطنه من قِـبَلِه التحلل والفجور.
2-سبب الفوضى هو ضرب الصناعة الحديثية بالأصولية:
وكل ذلك بسبب الدخول إلى الفتوى من باب الصناعة الحديثية، وهِجران جهة الاختصاص وهي صناعة الفتوى والأصول، وضرب الصناعات الثقيلة في الدين كصناعة الحديث والفقه، وبدلا من التكامل الطبيعي بين الصناعتين، أصبح التناقض والتفكيك لهذه الصناعات الثقيلة ديدنا لبعض المتدينين بذريعة الدليل، وهذا يؤدي بالضرورة إلى تفكيك الدولة والمجتمع لصالح الفكر الهدمي من ثنائي النكد التحلل والغلو.
تاسعا: لماذا يستدل الفقهاء بالأحاديث الضعيفة:
1-مدارس فقه السلف الأربع متفقة على تحريم مصافحة الأجنبية:
اتفقت مدارس فقه السلف الأربع على تحريم مصافحة الأجنبية بصفة عامة، وعندما يناقشون تحريم المصافحة، يسردون الأحاديث الضعيفة بل والواهية أحيانا، ولكنهم لا يستدلون بها استقلالا، بل يذكرونها لأنها مندرجة تحت أصول عامة وأقيسة ثابتة، على نحو ما مر سابقا في المصافحة، فدليلهم هو الأصل الكلي في تحريم المرأة على الرجل الأجنبي، ويستأنسون بذكر ما ورد من الضعيف تبعا.
2-الفتوى على أصول الفقه لا على أصول الحديث:
ثم خَلَـفَت خُلُوف من طلاب لا يدرون أصول الفقهاء والمجتهدين، ولا أقيستهم، فتوهموا أن الفقهاء بنوا فقههم على أحاديث ضعيفة، دون أن يفقهوا منهج الأصولين والفقهاء في الفتوى والنظر، وراحوا يخبطون خبط عشواء بين المدرستين الحديثية والأصولية، بحجة نبذ التقليد وجرأة منهم على أدلة الشريعة، فكان هذا مدخلا للتحلل من الدين بذريعة عدم وجود نص صحيح.
3-خصخصة الفتوى والتدين بذريعة(كلُّ له دليل):
وشاعت وجهات النظر والآراء الشخصية في الدين وقُدِّمَت للناس على أنها فتوى شرعية لعدم وجود النص، وأصبح الدليل في وهم بعض الطلاب ضربا من الرأي والرأي الآخر لغيبة المنهج الأصولي في الاستدلال، وتحول الدين إلى الرأي والرأي الآخر بذريعة أن لكل دليله، وشاعت الحالة الفردية في التدين وفَـقَد المجتمع قِبلته العامة الجامعة، بسبب انفلات العامة على الأدلة، واستفتِ قلبك يفتيك.
عاشرا:الخلاصة:
1-الصناعة الحديثية تتكامل مع الصناعة الأصولية، ومحاولات ضربهما ببعضهما سيؤدي إلى تفكيك العلوم الشرعية.
2-النظر في الأدلة يكون وفق المنهج الأصولي في الاستنباط، وبغيره نكون أمام سلطة خفية على النص الشرعي، وأصبح النص الشرعي محكوما بآراء الأفراد بحجة الدليل.
3-يترتب على ذلك ظهور نزعات فردية في التدين، وخصخصة الفتوى والتدين، فكل له دليله “واستفت قلبك يفتيك”، وفقدت الأمة مدارس الفقه العلمية الجامعة.
4-يترتب على ذلك القضاء على الدين بوصفه جامعا للأمة، وتصبح الأمة على شكل أفراد متناثرين على الخارطة في مجتمعات متفككة، سهلة التناول والهضم للفكر اللاديني الذي يستطيع أن يستوعب الحالة الفردية للتدين، ضمن نموذجه الثقافي.
5-الفتاوى الشاذة أشد ضررا على المجتمع من سلاح العدو، خلافا لمقولات طائفة اللادينيين، الذين لا يتجاوزون حِمل بعير أعرج، لأن الفتاوي الشاذة، ستخرج ثنائي الشر الغلو والتحلل، وهذان كفيلان بهدم الأمة من داخلها، وعلى العدو أن يستريح، لأن الفتاوى الشاذة في التكفير والتحلل، ستقوم بما لا تستطيعه أسلحة العدو، والواقع يشهد بذلك.
6-تمثل مدارس فقه السلف الأربع الإطار الجامع، القادر على إعادة الجماعة إلى الأمة بدلا من الفرقة والتنازع في الدين، وبديلا صحيحا لخصخصة الفتوى والتدين باسم الدليل، وختاما أقول أعيدوها على قواعد إبراهيم.
الطريق إلى السنة إجباري
وكتبه عبد ربه وأسير ذنبه
د. وليد مصطفى شاويش
صبيحة الجمعة المباركة
عمّان المحروسة
24-2-2017
هلال القمر
اعرف كواليس وموعد ميلاد هلال ذو القعدة لعام 1441 وأول أيامه
كتب محمود راغب
الخميس، 11 يونيو 2020 02:00 ص
12 يوما تقريبا باتت تفصلنا عن غرة شهر ذو القعدة، لعام 1441 هجريا، وذلك وفق الحسابات الفلكية للمعهد القومى للبحوث الفلكية.
وينشر “اليوم السابع”، فى نقاط مبسطة كواليس ميلاد هلال شهر ذو القعدة لعام 1441 هجريا، كما يلى:
1 – يولد هلال شهر ذو القعدة مباشرة بعد حدوث الاقتران مباشرة في تمام الساعة الثامنة والدقيقة 41 صباحا بتوقيت القاهرة المحلى يوم 21 يونيو.
2 – يوم الأحد 29 من شوال 1441 هجريا الموافق 21 يونيو وهو يوم الرؤية.
3 – الهلال الجديد يبقى في سماء مكة المكرمة لمدة 18 دقيقة.
4 – فى القاهرة الهلال الجديد يبقى لمدة 20 دقيقة بعد غروب الشمس في ذلك اليوم.
5 – فى باقى محافظات جمهورية مصر العربية يبقى الهلال الجديد فى سمائها لمدد تتراوح بين 18 لـ21 دقيقة.
6 – في العواصم والمدن العربية والإسلامية فيبقى الهلال الجديد بعد غروب الشمس لمدد تتراوح بين 5 لـ26 دقيقة.
7 – بذلك تكون غرة شهر ذو القعدة لعام 1441 هجريا فلكيا يوم الإثنين 22 يونيه.
وسخر الله الأرض والسماء لخدمة الإنسان، فزخرت السماء بالأجرام السماوية التى يمكن دراسة الوقت من خلال حركتها، وذلك لثبات واستقرار حركتها مثل النجوم “الشمس والكوكب والأقمار”، ومن خلال متابعة حركة هذا الأجرام وحسابها اتخذ الإنسان منذ القدم هذه الحسابات لتحديد التقويم، والتقويم هى الترجمة العربية لكلمة “calendar” أى أول يوم من الشهر.
ولقد اتخذ شعوب كثيرة تقاويم خاصة بها ومن أمثلة هذه التقاويم “التقويم المصرى الفرعونى “القبطى” – التقويم الميلادى اليوليانى “الجريجورى” – التقويم العبرى – التقويم السريانى – التقويم الرومانى – التقويم الفارسى – التقويم الإغريقى – التقويم البابلى – التقويم الهجرى”.
ونظام التقويم الهجرى فيعتمد على الشهر القمرى الذى يتمثل بالمدة الزمنية التى يستغرقها القمر فى دورة كاملة حول الأرض والأشهر الهجرية هى ” 1 المحرم – 2 صفر – 3 ربيع الأول – 4 ربيع الآخر – 5 جمادى الأول – 6 جمادى الآخر – 7 رجب – 8 شعبان – 9 رمضان – 10 شوال – 11 ذو القعدة – 12 ذو الحجة”.
والتقويم الهجرى أو القمرى أو الإسلامى هو تقويم يعتمد على دورة القمر لتحديد الأشهر وتتخذه بعض البلدان العربية مثل السعودية كتقويم رسمى للدولة، وأنشأه الخليفة عمر بن الخطاب وجعل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، من مكة إلى المدينة فى 12 ربیع الأول (24 سبتمبر عام 622م) مرجعاً لأول سنة فيه، وهذا هو سبب تسميته التقويم الهجرى
زمن الحيض ومدته
” دراسـة فقهية مقارنـة ”
إعداد
أ.د. ناهده عطا الله الشمروخ
أستاذ الفقه
في كلية الآداب – جامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة البحث :
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين محمد وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثره إلى يوم الدين, أما بعد:
فإن الله تعالى قال في محكم كتابه : (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)(1)
فالله تعالى أكمل لنا الشرائع الظاهرة والباطنة , الأصول والفروع ؛ ولهذا كان الكتاب و السنة كافيين كل الكفاية في أحكام الدين و أصوله و فروعه .(2)
ومن فضل الله وعظيم نعمته أن أركان الإسلام والإيمان , وأسس الدين في المعتقد و العبادة والتشريع أمور أجمعت عليها الأمة , لا خلاف عليها ممن يعتد بقوله , حيث جاءت النصوص القاطعة فيها من حيث الثبوت والدلالة .(3)
و أما الاختلاف الذي نراه بين الفقهاء حتى إنك لتحصي في بعض المسائل الفقهية ما يربو على سبعة آراء أو أكثر فإنما هو في فروع الدين لا في أركانه وأسسه .
والخلاف بين الفقهاء يدل على سعة علمهم و ينبئ عن اتساع أفقهم وموفور علمهم ,وعدم إلزام المسلمين بقول واحد, وفيه مزيد إثراء للفقه الإسلامي ,و هذا هو سر خلود الشريعة الإسلامية وصلاحيتها في كل عصر و زمان .
ومن المسائل التي كثر فيها اختلاف الفقهاء وتعددت فيها آراؤهم :مسائل الحيض , ولاسيما زمن ابتدائه وانقطاعه , وأقل مدة للحيض وأكثرها .. وغيرها .
(1)المائدة:3
(2)انظر: تيسير الكريم الرحمن من تفسير كلام المنان/ الشيخ ابن سعدي2/242
(3) انظر مقدمة أسباب اختلاف الفقهاء للأستاذ الدكتور عبدالله التركي
ولا يخفى على كل ذي علم أن موضوع الحيض في غاية الأهمية وذلك لتعلقه بعبادة المرأة والتي تجب عليها وجوبا عينيا من الطهارة والصلاة والصيام والعمرة والحج .. وبالتالي ينبغي عليها أن تكون على بينة من أمرها فيه لتعبد الله عز وجل على بصيرة
قال ابن قدامة : وقد علق الشرع على الحيض أحكاما , فالحاجة داعية إلى معرفة الحيض ليعرف ما يتعلق به من أحكام(1)
وقال الشربيني: يجب على المرأة أن تتعلم ما تحتاج إليه من أحكام الحيض والاستحاضة والنفاس, فإن كان زوجها عالما لزمه تعلميها, وإلا فلها الخروج لسؤال العلماء , بل ويجب(2)
ثم إن مسائل الحيض يصعب فهمها في الغالب إلا لمن آتاه الله جل وعلا علما وفهما لكثرة تفريعاته والتباسها, حتى إن الإمام أحمد قال: كنت في كتاب الحيض تسع سنين حتى فهمته.(3)
وقال النووي: اعلم أن باب الحيض من عويص الأبواب ومما غلط فيه كثيرون من الكبار لدقة مسائله واعتنى به المحققون وأفردوه بالتصنيف في كتب مستقلة…وقد رأيت ما لا يحصى من المرات، من يسأل من الرجال والنساء عن مسائل دقيقة وقعت فيه، لا يهتدي إلى الجواب الصحيح فيها إلا أفراد من الحذاق المعنيين بباب الحيض(4).
وقال ابن نجيم الحنفي: معرفة مسائل الحيض من أعظم المهمات، لما يترتب عليها ما لا يحصى من الأحكام كالطهارة والصلاة وقراءة القرآن والصوم والاعتكاف والحج والبلوغ والوطء والطلاق والعدة والاستبراء وغير ذلك من الأحكام، وكان من أعظم الواجبات ,لأن عظم منزلة العلم بالشيء بحسب منزلة ضرر الجهل به، وضرر الجهل بمسائل الحيض أشد من ضرر الجهل بغيرها.(5)
(1) المغني 1/368
(2) مغني المحتاج1/120
(3) طبقات الحنابلة1/268
(4) المجموع2/182
(5) البحر الرائق 1/199
أهمية الموضوع وأسباب اختياره :
1- تعلق عبادة المرأة من طهارة وصلاة وصيام وحج وغيرها بمعرفة مسائل الحيض.
2- كثرة الاختلاف والتفريعات في مسائل الحيض ومنها في مدته وزمنه مما تتبين معه أهمية لم شتات هذه الفروع في بحث مستقل.
3- صعوبة فهم غالب مسائل الحيض لدقتها وكثرة ملابساتها، مما تستدعي الحاجة لتبسيط تلك المسائل لتيسير فهمها .
4- استعمال الوسائل الطبية الحديثة من موانع الحمل والحيض ونحوها ساهم في ازدياد اضطرابات الحيض من طول مدته أو نقصانها أو بدئه وانقطاعه، فأصبحت الحاجة ماسة لإيضاح تلك الإشكالات في الحيض.
الدراسات السابقة :
موضوع الحيض وأحكامه وكل ما يتعلق به هو في باب مستقل من أبواب كتاب الطهارة وهو في كل كتب الفقه – فيما أعلم- ، ومصادر هذا البحث هي تلك الكتب الفقهية سواء الأصيلة منها – وهذا في الغالب – أم الحديثة، أما من أفرد هذا الموضوع في بحث مستقل من علمائنا المعاصرين أو من طلبة العلم، فإن الشيخ ابن عثيمين رحمه الله له رسالة موجزة في فقه الحيض والنفاس والدماء الطبيعية للنساء، وللدكتور عمر الأشقر كتاب بعنوان : الحيض والنفاس والحمل في الفقه والطب، وللمؤلف دبيان بن محمد الدبيان كتاب من ثلاثة أجزاء بعنوان : الحيض والنفاس ( رواية ودراية)، وأيضاً أطلعت على بحث للشيخ محمد الجنكي بعنوان : إتحاف أهل الهمم الفياضة بأحكام الحيض والنفاس والاستحاضة. لكن تلك الكتب تتحدث عن الدماء التي تعرض للمرأة عموما , وبحثي ينصب على إحدى هذه الدماء وهو دم الحيض, كما أن أغلب هذه الكتب تناولت الموضوع بإيجاز كرسالة العلامة ابن عثيمين وكتاب الدكتور الأشقر رحمهم الله وبحث الشيخ الجنكي , بينما بحثي فيه تفصيلات كثيرة ونقل لأقوال العلماء بنصها ومزيد من الأدلة والتعليلات…
وأرى أن هذا الموضوع لا زال بحاجة لمزيد بحث وعناية ، وذلك لأهميته التي سبق ذكرها، ولتجدد الوقائع والحوادث فيه خاصة مع استعمال الوسائل الطبية الحديثة، والتي تؤثر بدورها على الحيض فتزداد معه حيرة المرأة وتحتاج لإجابات شافية عنه.
خطة البحث :
يتكون البحث من مقدمة وتمهيد وفصلين وخاتمة ، أما المقدمة فتتضمن أهمية الموضوع وأسباب اختياره، والدراسات السابقة فيه، وخطة البحث، ومنهجي فيه .
وأما التمهيد فهو في تعريف الحيض في اللغة وفي الشرع، والحكمة من خلقه.
والفصل الأول بعنوان : زمن الحيض
وفيه أربعة مباحث :
المبحث الأول : أقل سن تحيض له المرأة.
المبحث الثاني : السن الذي ينتهي فيه الحيض.
المبحث الثالث : غالب السن الذي يأتي فيه الحيض.
المبحث الرابع : انقطاع الحيض عن الآيسة ثم عودته إليها.
الفصل الثاني : مدة الحيض ، وفيه ثلاثة مباحث :
المبحث الأول : أقل مدة الحيض.
المبحث الثاني : أكثر مدة الحيض.
المبحث الثالث : غالب مدة الحيض.
الخاتمة : وتتضمن أهم نتائج البحث.
منهج البحث :
استخدمت المنهج الاستقرائي الاستنباطي في إعداد مادة البحث , واتبعت الإجراءات التالية فيه:
1- عرض آراء المذاهب الفقهية المعتمدة- وخاصة المذاهب الأربعة- في كل مسألة، وذكر أدلة كل مذهب، ثم ترجيح ما أراه راجحاً من خلال مناقشة أدلة الآراء المرجوحة مع سلامة أدلة الرأي الراجح.
2- عزو الآيات إلى مواضعها من السور.
3- تخريج الأحاديث والآثار الواردة في البحث مع نقل حكم علماء التخريج عليها ما أمكن ذلك.
4- تعريف المصطلحات اللغوية الغريبة وكذا الفقهية والطبية.. وغيرها.
5- ترجمة الإعلام غير المشهورين ترجمة موجزة.
6- خاتمة موجزة للبحث توضح أهم نتائجه.
7- فهرس لمصادر البحث ومراجعه.
هذا وقد واجهتني أثناء كتابة هذا البحث عدة صعوبات، أبرزها كثرة الأقوال في المذهب الواحد بل وتداخلها وتضادها في بعض المسائل والفروع مما يستدعي من الباحثة مزيد من التأمل والنظر والاطلاع , ثم استنباط أو معرفة ما استقر عليه رأي المذهب أو الإمام مع التنقيب في الكتب لتوثيق ذلك.
كما أن ربط بعض المسائل الفقهية بالناحية الطبية احتاج إلى مزيد من المراجع الطبية التي لا تتوفر في الغالب لباحثة في مثل تخصصي، وإن توفرت فهي لا تتحدث عن الموضوع الذي أريد البحث فيه مما استدعى اللجوء للمتخصصين في الطب لإمدادي بما أحتاجه في هذا الموضوع، أو للمواقع الالكترونية المتعددة .. هذا وإني أسأل الله تعالى الإخلاص في القول والعمل، والتوفيق في بحثي هذا وفي شأني كله إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
التمهيد
تعريف الحيض، والحكمة من خلقه
أولا: تعريف الحيض :
أ- تعريف الحيض (لغة) :
جاء في لسان العرب : الحيض معروف, حاضت المرأة تحيض حَيضا ومحِيضا, والمحيض يكون اسما ومصدرا.(1)
وحاضت المرأة تحيض حيضاً :إذا سال دمها، ومنه الحوض ؛لأن الماء يسيل إليه(2).
وحاضت السمُرة أي سال صمغها , وهو شيء يسيل منها كدم الغزال(3).
إذاً فأصل الحيض في اللغة : السيلان.
وجاء في أنيس الفقهاء : الحيض في اللغة : عبارة عن خروج الدم، يقال : حاضت الشجرة إذا خرج منها الصمغ الأحمر(4).
فهو عرف الحيض بمجرد خروج الدم ولم يصفه بالسيلان، وهناك فرق بين الوصفين.
وتحيضت المرأة إذا قعدت أيام حيضها عن الصلاة تنتظر انقطاعه.(5)
(1) 4/288
(2) القاموس المحيط ص826
(3) انظر : المغرب في ترتيب المعرب 1/237
(4) ص63, وانظر : المغرب 1/236
(5)انظر: النهاية في غريب الحديث ص274, المطلع على أبواب المقنع ص4.
والمرأة حائض لأنه وصف خاص، وجاء حائضة أيضاً بناءً له على حاضت، وجمع
الحائض: حُيَّض، مثل راكع ورُكّع، وجمع الحائضة: حائضات , مثل قائمة وقائمات( )
وقال النووي: الحيض له ستة أسماء : الحيض، والطمث، والعراك، والضحك، والإكبار، والإعصار( ). وزاد الشربيني: النفاس، والفراك، وغيرها( ).
ب: تعريف الحيض (شرعاً):
اختلفت المذاهب الفقهية في تعريف الحيض , بل إن الاختلاف كان بين أصحاب المذهب الواحد لكنه في الغالب اختلاف غير تضاد, وإنما سببه زيادة وصف لم يذكره الآخر, أو لورود تفصيل لم يلُتفت إليه لدى الآخر فكان تعريفه مجملا ..ونحو ذلك.
وقبل ذكر أهم وأشمل هذه التعريفات أذكر ما أورده ابن رشد في كتابه بداية المجتهد حيث قال : اتفق المسلمون على أن الدماء التي تخرج من الرحم ثلاثة: دم حيض ، وهو الخارج على جهة الصحة، ودم استحاضة وهو الخارج على جهة المرض، وأنه غير دم الحيض، ودم نفاس وهو الخارج مع الولد( ).
و دم الحيض هو المقصود بالبحث، فإليكم تعريفات المذاهب الفقهية له:
أولاً : تعريف الحنفية:
عرفه الموصلي بأنه: سيلان دم مخصوص من موضع مخصوص في وقت معلوم.(5)
وتعريفه مجمل يحتاج لمزيد تفصيل .
وعرفه النسفي: بأنه دم ينفضه رحم امرأة سليمة عن داء وصغر.
وهكذا عرفه البابرتي صاحب شرح العناية على الهداية وابن الهمام صاحب فتح القدير والكرلاني صاحب الكفاية على شرح الهداية( ).
قوله: سليمة عن داء، احترازاً عن النفاس، لأن النفساء في حكم المريضة.
وقوله : صغر، احترازاً عما تراه الصغيرة، لأن الخارج في الصغر استحاضة- على المذهب-.
وقوله : رحم، خرج به دم الاستحاضة، لأنه دم عرق لا رحم( ).
ثانياً: تعريف المالكية :
عرفه ابن جزي: بأنه الدم الخارج من فرج المرأة التي يمكن حملها عادة من غير ولادة ولا مرض ولا زيادة على الأمد( ).
قوله : ولا مرض، أخرج دم النزيف وشبهه.
وقوله : ولا زيادة على الأمد، خرج بذلك دم الاستحاضة( ).
وكذلك عرفه الدردير بأنه : دم أو صفرة أو كدرة خرج بنفسه من قُبل من تحمل عادة.
أي أن الحيض ثلاثة أنواع، إما دم وهو الأصل، أو صفرة، أو كدرة( ).
قوله : من تحمل عادة، يخرج الصغيرة التي لم تبلغ تسع سنين أو كبيرة بلغت السبعين فليس بحيض قطعاً( )- كما هو مذهبهم-.
ثالثاً : تعريف الشافعية: عرفه النووي بقوله : هو دم ترخيه رحم المرأة بعد بلوغها في أوقات معتادة( ).
قوله : في أوقات معتادة يخرج دم الاستحاضة، لأنه لا وقت معلوم له، وكذا دم النفاس لأنه يخرج مع الولادة وليس في أوقات معتادة متكررة.
وعرفه الشربيني: بأنه دم جبلة يخرج من أقصى رحم المرأة بعد بلوغها على سبيل الصحة من غير سبب في أوقات معلومة.
فهنا الشربيني حدد موضع خروج دم الحيض تمييزاً له عن دم الاستحاضة ,حيث إنه لا يخرج من هذا الموضع ، بل قيل إنه يخرج من عرق من أدنى الرحم، يسمى العاذل.
وقوله : من غير سبب، يخرج دم النفاس، لأنه بسبب الولادة. وقريب من تعريف الشربيني تعريف صاحب فتح الوهاب لكنه مختصرا.(2)
رابعاً : تعريف الحنابلة :
عرفه ابن قدامة: بأنه دم يرخيه الرحم إذا بلغت المرأة، ثم يعتادها في أوقات معلومة(3).
وهكذا عرفه الزركشي لكنه قال : عند البلوغ ، بدلاً من : إذا بلغت المرأة.(4)
وتعريفهما لم يضف جديداً على تعريف غيرهما من الفقهاء الذين سبق ذكرهم.
وعرفه ابن مفلح بقوله: هو دم طبيعة وجبلة ترخيه الرحم إذا بلغت في أوقات معلومة يخرج من قعر الرحم.(5)
(1)تحرير ألفاظ التنبيه ص44
(2) مغني المحتاج1/108, وانظر : فتح الوهاب1/34 مع حاشية الجمل عليه
(3)المغني 1/386 بتحقيق د. عبدالله التركي و د. عبد الفتاح الحلو
(4)شرح الزركشي1/405
(5) المبدع1/258
وعرفه البهوتي بتعريف مختصر قريب من تعريف ابن مفلح فقال : بأنه دم طبيعة وجبلة يخرج من قعر الرحم في أوقات معلومة(1)
وأطال المرداوي في تعريفه فقال: الحيض دم طبيعة وجبلة يرخيه الرحم من قعره عند البلوغ وبعده في أوقات خاصة على صفة خاصة مع الصحة والسلامة(2).
التعريف المختار:
من خلال ما سبق إيراده من تعريف للحيض لدى المذاهب الفقهية المعتمدة ,حيث تبين تقاربها في المعنى بل وفي المبنى في كثير منها, والاختلافات بينها طفيفة وتعود لإسهاب بعض الفقهاء في بيان صفة الدم أو موضع خروجه أو سببه ونحو ذلك , بخلاف من مال إلى الإيجاز.
وأرى أن تعريف الشربيني هو من أفضل التعريفات لأنه جامع مانع، فهو عرف دم الحيض بذكر سببه وموضع خروجه ووقته، ومنع دخول غيره فيه من الدماء كدم الاستحاضة والنفاس والنزيف بسبب المرض.. ونحوه.
ثانيا : الحكمة من خلق الحيض :
خلق الله عز وجل دم الحيض لحكمة تربية الولد، فإذا حملت انصرف ذلك الدم بإذن الله إلى تغذيته، ولذلك لا تحيض الحامل في الغالب، وهذا الدم ينصرف إلى الجنين عن طريق السرة ويتفرق في العروق يتغذى به، إذ أنه لا يمكن أن يتغذى بالأكل والشرب وهو في بطن أمه، فإذا وضعت الولد قلبه الله تعالى بحكمته لبنا يتغذى به الطفل ، ولذلك قلما تحيض المرضع(3)
وقد جاء في كتاب خلق الإنسان بين الطب والقرآن :
من المقرر علمياً وطبياً أن سلامة الحمل متوقفة على سلامة المشيمة، وأن أكثر حالات الإجهاض إنما ترجع إلى خلل في المشيمة.
(1)الروض المربع 1/370 مع حاشية ابن قاسم عليه
(2)الإنصاف1/326
(3)انظر: المغني 1/386, شرح الزركشي1/405,المبدع 1/258,الشرح الممتع 1/399
وأن هذه المشيمة تتكون من جزأين يتوسطهما غشاء هام يسمى الغشاء المشيمي، وقد
وهب الله لهذا الغشاء القدرة على تنظيم تغذية الجنين ووقايته من كل ما قد يضره، ولا
يوصل إليه من الغذاء إلا ما ينفعه، فالغذاء المنتقى والمختار بعناية فائقة من دماء الأم ينتقل في الرحم إلى أوعية الجنين الدموية.. وينتقل معه الأوكسجين ومواد المناعة للأمراض والأوبئة، وينتقل من الجنين إلى الأم كل المواد السامة التي نتجت عن عمليات البناء والهدم المستمرة في خلايا الجنين مثل ثاني أوكسيد الكربون والبولينا فتنقل إلى الأم لتحملها إلى أجهزة إفرازها.
ولا تكتفي المشيمة بذلك ولكنها ترسل هرموناً يثبت الجنين في الرحم، وينمي الثديين استعداداً لإفراز اللبن منهما عندما يخرج الجنين إلى الدنيا ليجد غذاءه جاهزاً( ).
فسبحان الله الخالق الرازق القائل: ( ألم نخلقكم من ماء مهين , فجعلناه في قرار مكين ,إلى قدر معلوم ,فقدرنا فنعم القادرون) (2) .
الفصل الأول : زمن الحيض
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول : أقل سن تحيض له المرأة .
اختلف العلماء رحمهم الله هل هناك حد لأقل سن تحيض فيه المرأة، وذلك على قولين :
القول الأول : أن له حداً، فلو وجد قبل هذا الحد أو هذه السن فإنه لا يحكم بأنه دم حيض بل هو دم فساد.
وهذا هو قول جمهور العلماء من الحنفية وبعض متقدمي المالكية ومتأخريهم والشافعية والحنابلة ,وقد اختلفوا فيما بينهم في تحديد تلك السن.
فذهب أكثرهم إلى أن أقل سن تحيض له المرأة هو تسع سنين. وهذا هو المعتمد لدى الحنفية والمختار عند محققيهم( )، وهو المقطوع به لدى متأخري المالكية( )، والمذهب عند الشافعية( )، وعند الحنابلة وعليه جماهير أصحابهم( ).
ووردت أقوال أخرى نقلت عن أئمة تلك المذاهب أو عن بعض أصحابهم.
فبعض الحنفية قدروها بسبع سنين، ومنهم من قدره بست، ومنهم من قال : اثنتا عشرة سنة( ).
وأما الشافعية فاختلفوا في تحديد تلك التسع، هل هي في أول التاسعة أم إذا مضى نصفها أم لتمامها( ).
وورد عن الإمام أحمد أن أقله: عشر سنين، وعنه أقله: اثنتا عشرة سنة( ).
القول الثاني : أنه ليس له حد :
وهو قول الإمام مالك، واختيار بعض علماء المالكية، والدارمي من الشافعية، وابن تيمية، واختاره من علمائنا المعاصرين الشيخ ابن سعدي وابن عثيمين رحمهم الله جميعاً( ).
قال النووي في المجموع : قال الدارمي بعد أن ذكر الاختلافات – أي في هذه المسألة-: كل هذا عندي خطأ لأن المرجع في جميع ذلك إلى الوجود، فأي قدر وجد في أي حال وسن كان، وجب جعله حيضاً( ).
أدلة القول الأول :
1- قوله تعالى ” واللائي لم يحضن”( ).
فدل على أن الصغيرة لا تحيض( ).
2- روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : ” إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة”( ). والمراد به حكمها حكم المرأة( ).
3- استدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم بنى بعائشة رضي الله عنها وهي بنت تسع سنين، والظاهر أنه بنى بها بعد البلوغ( ).
4- واستدلوا أيضاً بالوجود، فقالوا: لأنه لم يثبت في الوجود والعادة لأنثى حيض قبل استكمال تسع سنين( )، ورؤية الدم فيما دون ذلك نادر، ولا حكم للنادر( ).
5- وقالوا أيضاً: ولأن دم الحيض إنما خلقه الله لحكمة تربية الحمل به، فمن لا تصلح للحمل لا توجد فيها حكمته، فنتفي لانتفاء حكمته.. ووجوده علم على البلوغ، وأقل سن تبلغ له الجارية تسع سنين، فكان ذلك أقل سن تحيض له الجارية( ).
أدلة القول الثاني :
1- عموم قوله تعالى ” ويسألونك عن المحيض قل هو أذى ” ( ).
فقوله جل وعلا: ( قل هو أذى) حكم معلق بعلة، وهو الأذى، فإذا وجد هذا الدم الذي هو الأذى فهو حيض إذا لم يعلم أنه دم عرق ولا جرح( ).
2- أنه لا يوجد دليل من الكتاب أو السنة على التحديد المذكور، فلو كان للحيض وغيره مما لم يقدره النبي صلى الله عليه وسلم حد عند الله ورسوله لبينه الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما لم يحده دلّ على أنه رد ذلك إلى ما يعرفه النساء ويسمى في اللغة حيضاً، ولهذا كان كثير من السلف إذا سئلوا عن الحيض، قالوا: سلوا النساء فإنهن أعلم بذلك، يعني هن يعلمن ما يقع من الحيض وما لا يقع( ).
3- أنه قد وجد في النساء من تحيض قبل السن المحدد بتسع سنين، والدم الخارج هو على صفة دم الحيض المعهود، فينبغي الرجوع في ذلك إلى الوجود الذي علق عليه الأحكام( ).
الترجيح :
بعد استعراض أدلة كل فريق، أرى أن الراجح من القولين هو : القول الثاني وأنه لا صحة لتحديد أقل سن تحيض فيه المرأة حتى لو رأت الدم بصفة دم الحيض المعهود فأنه لا يحكم بأنه حيض ويعدونه دم فساد، حيث لا دليل – كما سبق – على هذا التحديد من الكتاب أو السنة، وكل ما ذكر من أدلة إنما هي عموميات لا تخصص ولا تحدد سناً معينة للحيض، وليس فيها دلالة على هذه المسألة المتنازع فيها ، وإنما تدل على أن المرأة في الغالب لا تحيض إلا بعد استكمال تسع سنين، وهذا ما يتفقون عليه في الجملة، ولكن الامر المتنازع فيه ماذا لو أنها رأت دم الحيض المعروف قبل هذه السن؟ فما هو دليلهم على أنه يعد دم فساد ولا يلتفت إليه على الرغم من أهمية هذا الأمر وتعلقه ببلوغ الفتاة، وأنها أصبحت في طور التكليف – ولا يختلف اثنان على أهمية ذلك في الشريعة-، بل إن شيخ الإسلام ابن تيمية قال : والأصل في كل ما يخرج من الرحم أنه حيض حتى يقوم دليل على أنه استحاضة؛ لأن ذلك هو الدم الأصلي الجبلي وهو دم ترخيه الرحم، ودم الفساد دم عرق ينفجر، وذلك كالمرض، والأصل الصحة لا المرض( ).
ثم إن استدلالهم بالوجود والعرف، وأنه لم يثبت لأنثى حيض قبل استكمال تسع سنين، فإنه يجاب عنه بالدليل نفسه وإنه قد وجد من النساء من حاضت قبل تلك السن، والوقائع تشهد بذلك قديماً وحديثاً( ).
وذكر الطبيب محمد البار بأن وقت البلوغ يختلف من أمةٍ إلى أخرى، وفي البلاد الحارة يكون البلوغ مبكراً أكثر منه في البلاد الباردة.. كما أن ذلك يختلف نتيجة بعض العوامل الوراثية فيختلف من شعب إلى آخر، ولو كانوا يعشون في نفس المنطقة( ).
وذكر أيضاً أحد أطباء النساء والولادة أن اقل سن تحيض فيه الفتاة في الهند مثلاً هو سبع سنوات( ).
ويذكر في بعض الوقائع أنه وجدت فتيات قد حملن وهن في سن السادسة( ).
وغني عن الذكر أن الفتاة لا تحمل إلا وهي قد بلغت من قبل ونضج جهازها التناسلي ، ولا يستغرب ذلك في زماننا هذا ، حيث ذكر كثير من الأطباء ومن علماء التربية والنفس أنه توجد حالياً محفزات كثيرة للبلوغ المبكر منها: عامل تحسن التغذية عما كان في السابق، بالإضافة إلى أن مصنعي الأغذية الجاهزة والأطعمة السريعة باتوا يضيفون إليها المحسنات الغذائية من ألوان ومنكهات صناعية، وهكذا يفعل مربو الدواجن واللحوم الأخرى حيث يضيفون إليها هرمونات النمو والاستروجين ونحوها مما يساهم في إنضاج الغدد الجنسية لدى الإنسان قبل أوانها أو اضطرابها.
هذا فضلاً عن وجود مثيرات عديدة للشهوات كالقنوات الفضائية في غالبها والتقنيات الحديثة، والتوسع في الاختلاط بين الجنسين في معظم بلاد العالم وفي كل المجالات تقريباً، كل ذلك ساهم في البلوغ المبكر( ).
وبالتالي فإن دليل وجود من تحيض قبل سن التاسعة، ودليل عدم وجود دليل من الكتاب والسنة يقتضي التحديد هما من أقوى الأدلة التي ترجح القول القائل بأنه لا سن محددة لابتداء الحيض عند الفتاة – والله أعلم-.
المبحث الثاني : السن الذي ينتهي فيه الحيض :
اختلف الفقهاء في هذه المسألة كاختلافهم في المسألة السابقة ( هل هناك حد لأقل سن تحيض فيه المرأة)، فهنا اختلفوا كذلك هل هناك حد ينتهي فيه الحيض، وعند بلوغ المرأة هذا الحد أو هذه السن يحكم بوصولهما إلى ما يسمى بسن الإياس أو اليأس ويصبح ما تراه من الدم بعد هذه السن دم فساد لا دم حيض، أم أنه ليس لمنتهى الحيض عند المرأة حد، وذلك على قولين :
القول الأول : إن لانتهاء الحيض عند المرأة حداً أو سناً معينة.
وهذا القول هو المختار عند الحنفية، وهو قول لبعض المالكية ، وقال به بعض علماء الشافعية، وهو المذهب عند الحنابلة.
لكنهم اختلفوا في تحديد تلك السن، وهذا الاختلاف حتى بين أصحاب المذهب الواحد. فالحنفية حدوه بخمسين سنة، وهو المختار عندهم وعليه الفتوى.
قال صاحب الدر المختار : وما رأته بعدها، أي بعد المدة المذكورة ، فليس بحيض في ظاهر المذهب، إلا إذا كان دماً خالصاً فحيض( ).
وقيل: بل هو خمس وخمسون سنة، وهو المعتمد عند أكثرهم( ).
ومنهم من قال : الإياس يحصل بانقطاع الدم مدة لا تصلح لنصب العادة عند ستين سنة( ). وقال السرخسي : ومن الدماء الفاسدة ما تراه الكبيرة جداً، إلا أن محمداً رحمه الله ذكر أن العجوز الكبيرة إذا رأت الدم مدة الحيض كان حيضاً( ).
وهذا يدل على أنه لا تحديد لسن إلا يأس لدى المرأة عند صاحب أبي حنيفة، بل وحتى من قال بالتحديد منهم فإنهم يقولون إن كان الدم هو دم خالص فهو حيض ولو بعد سن الإياس الذي حدوه.
وأما المالكية فقال متأخروهم: إن المرأة إذا بلغت السبعين وخرج منها دم فليس بحيض قطعاً، وتُسئل النساء في بنت الخمسين إلى السبعين، فإن قلن حيض أو شككن فحيض( ).
وورد عن مالك قوله في جواب له في المدونة : ألا ترى أن بنت سبعين سنة وبنت ثمانين وبنت تسعين إذا رأت الدم لم يكن ذلك حيضاً( ).فدل على أن لانتهاء الحيض عنده حداً.
واختلف الشافعية كذلك فيما بينهم في تحديد سن الإياس، فقال بعضهم : إنه اثنان وستون سنة وهو المعتمد ، وهذا باعتبار الغالب فلا ينافي ما صرحوا به من أنه لا آخر لسن الحيض فهو ممكن ما دامت حية( ).
أي فتحصل من مذهبهم قولان : أحدهما يقول بالتحديد والآخر لا يقول به.
وأما الحنابلة فقد تعددت أقوالهم في ذلك تبعاً لتعدد الروايات عن الإمام أحمد في هذه المسألة.
فقد قال ابن قدامة : اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في هذه المسألة( ).
فقال المرداوي : وأكثره خمسون سنة، وهذا هو المذهب، وهو اختيار عامة المشايخ، وهو أشهر الروايات.
وعنه: أكثره ستون سنة. واختاره ابن قدامة في المغني( ).
وعنه: ستون في نساء العرب، وخمسون في نساء العجم، لأن نساء العرب أقوى جبلة.
وعنه : بعد الخمسين حيض إن تكرر( ).
وقال الزركشي : لا نزاع عندنا فيما نعلمه – أن ما تراه المرأة من الدم بعد الستين دم فساد وليس بدم حيض( ).
أي أن الحنابلة اتفقوا على أن ما بعد سن الستين لا يكون دم حيض قطعاً.
القول الثاني : أنه لا حد لانتهاء الحيض عند المرأة.
وهو رواية عن أبي حنيفة ، وقول صاحبه محمد – كما تقدم- وهو اختيار بعض علماء المالكية ، وقول الشافعي، وأكثر علمائهم قالوا: لا حد لأكثره ، بل هو ممكن ما دامت المرأة حية( ).
وقال ابن قدامة : وللشافعي قولان : أحدهما يعتبر السن الذي يتيقن أنها إذا بلغته لم تحض، والثاني : يعتبر السن الذي ييأس فيه نساء عشيرتها( ). ويلاحظ أنه في كلا القولين لم يحدد سناً معينة للإياس.
وهو مذهب الظاهرية كذلك ، واختيار ابن تيمية، ومن المعاصرين: ابن سعدي وابن عثيمين والسيد سابق وغيرهم( ).
جاء في البيان والتحصيل : وسئل – أي مالك- عن وقت الدم فقال: ليس له عندنا وقت.
قال ابن رشد: هذا هو المعلوم من مذهبه أنه يكره الحد في مثل هذه الأشياء التي لا أصل للحد فيها في الكتاب والسنة، وإنما يرجع فيها إلى الاجتهاد( ).
أدلة القول الأول :
1- قوله تعالى ” واللائي يئسن من المحيض من نسائكم”( ).
وجه الدلالة : أن الله تعالى قد وصف النساء بالإياس من الحيض، فعلم أن للمرأة حالاً تنتهي فيه إلى الإياس( ).
وهذا الدليل يصلح لكل من قال بتحديد منتهى الحيض.
2- أن عائشة رضي الله عنها قالت : ” إذا بلغت المرأة خمسين سنة خرجت من حد الحيض”.
3- وعنها قالت : ” لن ترى المرأة في بطنها ولداً بعد الخمسين سنة”( ).
ومن لا تحبل لا تحيض( ).
وهذان الدليلان يصلحان لمن حد منتهى الحيض بس الخمسين.
إلا أن ابن قدامة رد على ذلك بقوله :
وما ذكر عن عائشة رضي الله عنها لا حجة فيه، لأن وجود الحيض أمر حقيقي، المرجع فيه إلى الوجود، والوجود لا علم لها به، ثم قد وجد بخلاف ما قالته ، فإن موسى بن عبدالله بن حسن( ) قد ولدته أمه ولها ستون سنة، ووجد الحيض فيما بعد الخمسين على وجهه فلا يمكن إنكاره. فإن قيل : هذا الدم ليس بحيض ، مع كونه على صفته وفي وقته وعادته بغير نص، فهذا تحكم لا يقبل. فأما بعد الستين فقد زال الإشكال، وتيقن أنه ليس بحيض، لأنه لم يوجد( ).
إذاً استدل ابن قدامة بدليل الوجود في رده على من حدّه بسن الخمسين ونحوها، وهو يصلح دليلاً كذلك لمن حده إلى الثانية والستين كما قاله بعض الشافعية وكذلك لمن حده إلى السبعين من المالكية، فإنه في غالب الظن لم يقولوا بذلك إلا لما عرفوه في عصرهم أن من النساء من يستمر معها الحيض إلى ذلك الحد.
أدلة القول الثاني :
استدل القائمون بأن منتهى الحيض لا حد له بما يلي :
1- قوله تعالى ” واللائي يئسن من المحيض “( ).
فاليأس المذكور هنا ليس هو بلوغ سن، فلو كان بلوغ سن لبينه الله ورسوله، وإنما هو أن تيأس المرأة نفسها من أن تحيض( ).
ثم إن الله تعالى قد قال : واللائي يئسن من المحيض، ولم يقل مثلاً : واللائي بلغن خمسين أو ستين سنة، فالله تعالى رد هذا الأمر إلى معقول معلل، فوجب أن يثبت هذا الحكم بوجود هذه الأمور المعقولة المعللة وينتفي بانتفائها( ).
2- قوله تعالى ” ويسألونك عن المحيض، قل هو أذى”( ).
والأذى هو الدم الخارج من الرحم، فوجب أن يحمل على أنه حيض حتى يعلم أنه ليس بحيض . قال ابن رشد: وهذا ما لا أعلم فيه خلافاً( ).
3- أنه لا يوجد دليل من الكتاب ولا من السنة يدل على تحديد منتهى الحيض لدى المرأة، وإنما يرجع في ذلك إلى الوجود، وهو يختلف باختلاف حرارة البلاد وبرودتها وقوة طبيعة النساء وضعفها في تلك البلاد، بالإضافة إلى العوامل الوراثية ونحو ذلك( ).
الترجيح :
أرى أن القول الثاني القائل بأنه لا حد معين لانتهاء الحيض هو القول الراجح، فما دامت المرأة ترى الدم على صفة الحيض المعهود فإنه حيض، ولو تجاوزت الخمسين سنة أو الستين أو الحد الذي حدّه بعض الفقهاء.
والدليل على أنه لا حد لمنتهى الحيض أن القائلين به لم يتفقوا على حد معين بل اضطربت أقوالهم وتعددت حتى وصلت إلى سبعة أقوال أو أكثر، وهذا دليل على عدم وجود نص يقتضي التحديد، ولما لم يوجد نص لم يبق إلا الرجوع إلى الوجود، وإلى طبيعة النساء التي تختلف من بلد لآخر بحسب الطقس والعادات الغذائية والموروثات الجينية ونحو ذلك.
قال ابن تيمية : ولا حد لسن تحيض فيه المرأة، بل لو قدر أنها بعد ستين أو سبعين زاد( ) الدم المعروف من الرحم لكان حيضاً.
وقال في الموضع نفسه في قوله تعالى ” واللائي يئسن من المحيض”( ) هو أن تيأس المرأة نفسها من أن تحيض ، فإذا انقطع دمها ويئست من أن تعود فقد يئست من المحيض ولو كانت بنت أربعين.. ومن لم يجعل هذا هو اليأس فقوله مضطرب إن جعله سناً، وقوله مضطرب إن لم يحد اليأس لا بسن ولا بانقطاع طمع المرأة في المحيض( ).
وقال ابن حزم : وإن رأت العجوز المسنة دما أسود فهو حيض( ).
وقال ابن عثيمين : متى وجد الحيض ثبت حكمه، ومتى لم يوجد لم يثبت له حكم، ويمكن أن يوجد بعد الخمسين، وهذا يشهد له الواقع( ).
وقال ابن قاسم عندما ذكر أقوال العلماء في هذه المسألة : وإنما الرجوع فيه إلى العادات في البلدان، فتجلس عادة جلوسها في عادة حيضها ، ولا تسمى آيسة حتى ينقطع لكبر أو تغير، وهو أحوط، وعليه العمل( ).
وللأطباء رأيهم في هذه المسألة حيث جاء في كتاب سن اليأس :
وليس من الممكن معرفة الوقت الذي تبدأ فيه سن اليأس عند المرأة، إذ لا يمكن تشخيص الحالة إلا بعد توقف الدورة الشهرية، كما أن تأكيدها طبياً لا يكون إلا بعد توقف الدورة الشهرية لمدة عام على الأقل.
وجاء في موضع آخر :
وفي يومنا هذا يحدث سن اليأس عندما تصل المرأة إلى سن تبلغ في المتوسط تسعة وأربعين عاماً وتسعة شهور( ).
وقال الدكتور محمد علي البار :
يرى الأطباء أن للمرأة سناً يتوقف فيه الحيض وهو سن اليأس، وهو غالباً ما بين 45 إلى 55 عاماً، ومن النادر أن يستمر الحيض بعدها.
إذاً ليس هناك سن بعينها يتوقف عندما الحيض، لكن ما ذكره الأطباء والفقهاء هو الغالب، وهو بالفعل متعارف عليه بين النساء تقريباً، لكن ذلك لا يمنع من وجود حالات يتجاوز فيها الحيض تلك السن، ويكون على صفته المعهودة كما يشهد به الواقع، فهنا يتضح الخلاف هل يعتبر دم حيض كما كان قبل هذه السن أو يعدونه دم فساد؟
وقد أوضحت الرأي الراجح وأسباب الترجيح، والله الموفق للصواب.
المبحث الثالث : غالب السن الذي يأتي فيه الحيض :
لم أجد فيما بين يدي من الكتب الفقهية سواء للمتقدمين أو المتأخرين أو حتى المعاصرين من ذكر السن الذي يغلب على الفتاة أن تحيض فيه عدا الشيخ ابن عثيمين حيث ذكر أنه بين اثنتي عشرة سنة إلى خمسين سنة( ).
وكذلك يذكر هذا الأمر الأطباء حيث قال الدكتور محمد علي البار:
وأغلب وقوعه – أي الحيض – فيما بين الثانية عشرة والخامسة عشرة في البلاد الحارة، والرابعة عشرة والسادسة عشرة في البلاد الباردة، وكل ذلك يعتبر طبيعياً ولا يحتاج إلى تدخل علاجي( ).
اقول : ولعل الفقهاء اكتفوا عنه بذكر أقل سن تحيض به المرأة والسن الذي ينتهي فيه الحيض ولم يجدوا أهمية في ذكر السن الذي يغلب فيه مجيء الحيض، لعدم ترتب الأحكام الفقهية المتعلقة بالحيض على بيان هذه السن، بخلاف سن ابتداء الحيض لأنه ابتداء زمن التكليف، وسن انتهائه لتكون المرأة فيه على بينة من أمر طهارتها وما يتعلق بها من عبادات.
المبحث الرابع : انقطاع الحيض عن الآيسة ثم عودته إليها :
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على نحو اختلافهم في مسألة : هل لمنتهى الحيض سن معينة؟ فالذين قالوا بالتحديد أو أن للمرأة سناً معينة إذا بلغتها كانت في عداد الآيسات وأن ما تراه بعد بلوغها هذه السن دم فساد، فإنهم في هذه المسألة وبلا شك يقولون أن الدم الذي تراه المرأة بعد انقطاع الحيض عنها فترة ودخولها في سن الإياس هو دم فساد لا تلتفت إليه ولا يمنعها من الصوم والصلاة وسائر العبادات المتعلقة بالطهارة؛ لأنهم قالوا بذلك والدم يجري على عادته بعد بلوغ السن الذي حدوه ، فماذا لو أضيف له انقطاع لفترة ويأسها من الحيض.
أما القائلون بأنه لا حد لسن تحيض فيه المرأة بل هو ممكن ما دامت حية، فإنهم قالوا بأنه إذا عاد إليها بعد أن يئست منه فهو دم حيض إذا كانت على صفة دم الحيض المعهود.
وبذلك تكون الأقوال كما يلي :
القول الأول :
إذا انقطع دم الحيض وأصبحت المرأة آيسة، ثم عاد إليها وكان على صفة الدم المعهود لديها فإنه يكون دم حيض.
وهو قول الحنفية والشافعية، وقال بعض المالكية إنه قول مالك، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية( ).
إلا أن الشافعية قالوا: إن الآيسة إذا استحيضت ردّت لعادتها إن علمتها، فإن نسيتها لم يجب عليها شيء، لأن اليأس لما انضم إليه نسيان العادة ضعف الدم المرئي فيه عن كونه حيضاً( ). وهذا القول لا يلزم ، لأن للمستحاضة طرقاً أخرى في معرفة دم الحيض، منها تمييزه عن دم الاستحاضة برائحته ولونه وكثافته.. وغير ذلك.
وقال الحنفية : وعود العادة يبطل الإياس، ثم فسر بعضهم هذا بأن تراه سائلاً كثيراً احترازاً عما إذا رأت بلة يسيرة ونحوه، وقيدوه بأن يكون أحمراً أو اسوداً، فلو أصفر أو أخضر.. لا يكون حيضاً( ).
والمقصود بهذا القيد أن يكون الدم العائد على صفة دم الحيض المعهود.
وقال ابن رشد في البيان : ولما لم يرد في القرآن ولا في السنة حد يرجع إليه من السنين يفصل به بين المسنة التي تشبه أن لا تحيض وبين العجوز التي لا يشبه أن تحيض وجب أن يرجع في ذلك إلى قول النساء كما قال مالك، فإن قلن أن هذه المرأة التي دفعت دفعة أو دفعتين من دم بعد أن كانت يئست من المحيض أن مثلها تحيض فلتعد ذلك حيضاً، وإن قلن مثلها لا تحيض فلا تعد ذلك حيضاً( ).
القول الثاني :
إذا انقطع دم الحيض عن المرأة في سن الإياس، ثم عاد إليها فإنه دم فساد لا دم حيض.
وهذا هو مذهب الحنابلة، , وحدّه بعض المالكية بسن السبعين فما فوق، قالوا: الدم بعد هذه السن ليس بحيض قطعاً( ).
إلا أن ابن قدامة قال : وإن رأت الدم بعد الخمسين على العادة التي كانت تراه فيها، فهو حيض في الصحيح، لأن دليل الحيض الوجود في زمن الإمكان ، وهذا يمكن وجود الحيض فيه وإن كان نادراً، وإن رأته بعد الستين، فقد تيقن أنه ليس بحيض، لأنه لم يوجد ذلك( ).
وقد تقدم أن ابن قدامة اختار أن سن الإياس للمرأة هو سن الستين، فلا منافاة إذاً بين قوله والمذهب، لأن المذهب هو متى بلغت السن المحددة للإياس ثم عادوها الدم بعد هذه السن فهو دم فساد، أي بغض النظر عن تحديد تلك السن لاختلاف الروايات عن الإمام أحمد – كما سبق-.
وللإمام أحمد رواية أخرى في هذه المسألة نقلها عنه ابنه عبدالله حيث قال :
سألت أبي عن امرأة، قد أتى عليها نيف وخمسون سنة، ولم تحض منذ سنة، وقد رأت منذ يومين دماً ليس بالكثير، ولكنها إذا استنجت رأته، ولم تفطر، ولم تترك الصلاة ما ترى لها؟
فقال أبي : لا تلتفت إليه، تصوم وتصلي، فإن عاودها بعد ذلك مرتين أو ثلاثاً، فهذا حيض وقد رجع( ).
فالإمام أحمد هنا اعتبر التكرار والمعاودة في ذلك الدم الذي عاد حتى يحكم بأنه دم حيض، وإلا فهو دم فساد.
الأدلة والترجيح :
أما بالنسبة للأدلة فلم أجد أدلة قد نص عليها بعينها في هذه المسألة سواء للفريق الأول أم الثاني، عدا الدليل العام الذي ذكره ابن رشد في البيان والتحصيل وهو قوله تعالى ” ويسألونك عن المحيض قل هو أذى ” ووجه الدلالة منه ما سبق ذكره في مسألة منتهى سن الحيض، ولعل الفقهاء قد اكتفوا بالأدلة التي ذكرت في تلك المسألة، وهي بالفعل صالحة للاستدلال بها في هذه المسألة( ).
وأقوى دليل استدل به القائلون بالتحديد هو دليل الوجود والعرف، حيث قالوا إنه لم يتعارف بين النساء ولم يوجد أن استمر الحيض مع المرأة إذا بلغت تلك السن المحددة، وإن وجد فهو نادر، والنادر لا حكم له.
أما القائلون بعدم التحديد فأقوى دليل لهم بأنه لا دليل على التحديد من الكتاب أو السنة وبالتالي يرد هذا الأمر إلى ما يعرفه النساء.
قال ابن تيمية : والحكم الشرعي تعلق بالاسم الدال على الواقع، فما وقع من دم فهو حيض إذا لم يعلم أنه دم عرق أو جرح، والأصل في كل ما يخرج من الرحم أنه حيض حتى يقوم دليل على أنه استحاضة( ).
وقال في موضع آخر: فإذا انقطع دمها ويئست من أن يعود فلقد يئست من المحيض ولو كانت بنت أربعين، ثم إذا تربصت وعاد الدم تبين أنها لم تكن آيسة( ).
كما أن من قال بالتحديد قد اضطربت أقوالهم كثيراً في تحديد تلك السن حتى بين أصحاب المذهب الواحد، وهذا دليل على عدم ثبوتها وعدم استنادها لدليل صريح.
وبالتالي فإن القول الراجح هو القول بأن الآيسة إذا انقطع عنها الدم ثم عاودها على صفة الحيض المعروف لديها فإنه دم حيض لا دم فساد، أما إذا كان ما تراه من دم ليس على صفة الحيض المعهود فينبغي لها في تلك الحالة مراجعة الأطباء للتأكد من طبيعة هذا الدم وما سبب رجوعه.
قال الدكتور محمد البار :
ومن النادر أن يستمر الحيض بعد سن الخامسة والخمسين، ولابد للبحث عن سبب مرضي للدم بعد هذه السن وخاصة إذا انقطع فترة طويلة ثم عاد، وأخطر سبب لظهور الدم مرة أخرى هو السرطان( ).
وقال الدكتور عبدالله العجيمان :
وقد يتأخر الحيض إلى الخمسين ، فإذا كان منتظماً سمي حيضاً، وإلا فهو نوع من النزيف تراجع المرأة بسببه الأطباء ، وكنصيحة طبية يجب على المرأة مراجعة الأطباء عند انقطاع الدم وبدء سن اليأس( ).ومقصوده من باب الاحتياط والوقاية بإذن الله.
كما أن بعض الأطباء أوضحوا أن سن اليأس ممكن أن يمتد بالمرأة إلى سنوات عديدة حيث قالوا :
ويوصف سن اليأس بأنه الفترة الطويلة التي تبدأ بضعف نشاط المبيض، وتمتد سنوات عديدة قبل آخر دورة شهرية، وقد تستمر أعراضها سنوات أخرى بعد ذلك.
وأنه يحدث انقطاع الحيض الطبيعي بإحدى طريقتين، إما بتوقف الدورة الشهرية فجأة، وإما بامتداد مدة الدورة الشهرية لفترات متباعدة تقل معها كمية الدم المفقود في كل مرة( ).
فدل ذلك على إمكان انقطاع الحيض عن المرأة في سن الإياس لفترة قد تمتد لأشهر طويلة وقد تمتد أكثر ، ثم يعود إلى وضعه الطبيعي لأنها لا زالت في فترة سن الإياس ، وبالتالي ما رأته بعد الانقطاع يعد حيضاً إذا كان بصفته المعروفة لديها.
الفصل الثاني : مدة الحيض
وفيه ثلاثة مباحث :
المبحث الأول : أقل مدة الحيض :
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على عدة أقوال وأبرزها ثلاثة وهي كما يلي :
القول الأول :
أن اقل مدة الحيض هي يوم وليلة .
وهو قول الشافعي، وكثير من أصحابه، وهو مذهب الحنابلة ، وعليه أكثر الأصحاب، واختاره عامة المشايخ( ).
قال الشربيني في مغني المحتاج:
وهذا ما قاله الشافعي في عامة كتبه، ونص في موضع على أن أقله قدر يوم فقط( ).
لذا قال الشيرازي في المهذب :
فمن أصحابنا من قال: هما قولان، ومنهم قال: هو يوم وليلة قولاً واحداً، وقوله : يوم، أراد بليلته، ومنهم من قال : يوم، قولاً واحداً، وإنما قال : يوم وليلة قبل أن يثبت عنده اليوم، فلما ثبت عنده اليوم رجع إليه( ).
وقال ابن قدامة في المغني بعد أن ذكر أن اقل الحيض يوم وليلة:
هذا الصحيح من مذهب أبي عبدالله، وقال الخلال : مذهب أبي عبدالله لا اختلاف فيه، أن أقل الحيض يوم( ).
وقال المرداوي :
وقد قال جماعة من أصحابنا إن إطلاقه اليوم يكون مع ليلته، فلا يختلف المذهب على القول في أنه يوم وليلة( ).
القول الثاني :
أن اقل مدة الحيض هي ثلاثة أيام ولياليها.
وهي ظاهر الرواية لدى الحنفية( ).
وفي رواية أخرى لأبي حنيفة: ثلاثة أيام، وما يتخللها من الليالي وهو ليلتان( ).
وعن أبي يوسف : أقله يومان وأكثر الثالث، إقامة للأكثر مقام الكل( ).
القول الثالث : أنه لا حد لأقل مدة الحيض.
وهو قول مالك، وابن حزم، واختيار ابن تيمية، ومن العلماء المعاصرين: ابن عثيمين، والسيد سابق( ).
لكن المالكية قالوا إن هذا الأمر لا يعتد به في العدة والاستبراء.
فقد جاء في بداية المجتهد :
وأما أقل أيام الحيض فلا حد لها عند مالك، بل قد تكون الدفعة الواحدة عنده حيضاً، إلا أنه لا يعتد بها في الأقراء في الطلاق( ).
وجاء في الشرح الصغير :
وأقله في العبادة دفقة، بفتح الدال وبالقاف، ويقال دفعة بضمها وفتحها وبالعين المهملة.. أي فيجب عليها الغسل بالدفقة ويبطل صومها وتقضي ذلك اليوم، وأما في العدة والاستبراء فلا يعد حيضاً إلا ما استمر يوماً أو بعض يوم له بال( ).
وقد أجاب ابن حزم عن هذا التفريق بقوله : ولا نعلم له حجة أصلاً لا من قرآن ولا من سنة ولا من إجماع ولا من قياس .. فوجب تركه( ).
الأدلــة :
أدلة القول الأول : وهم القائلون بأن اقل الحيض يوم أو يوم وليلة.
1- إن ذكر الحيض ورد في الشرع مطلقاً من غير تحديد، ولا حد له في اللغة ولا في الشريعة، فيجب الرجوع فيه إلى العرف والعادة كما في القبض والإحراز.. وأشباهها( )، وقد وجد حيض معتاد يوماً.
قال الشافعي رحمه الله : رأيت امرأة أثبت لي عنها أنها لم تزل تحيض يوماً لا تزيد عليه.
وقال الأوزاعي : عندنا امرأة تحيض غدوة وتطهر عشياً. يرون أنه حيض تدع له الصلاة.
وغير ذلك من الوقائع الثابتة التي تبين أن الحيض يمكن أن يكون يوماً واحداً أو يوماً وليلة( ).
وقول هؤلاء النساء يجب الرجوع إليه، لقوله تعالى ” ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن”( )، فلولا أن قولهن مقبول لما حرم عليهن الكتمان، وجرى ذلك مجرى قوله : ” ولا تكتموا الشهادة”( ).
ولم يوجد حيض أقل من ذلك عادة مستمرة في عصر من العصور ، فلا يكون حيضا بحال( ).
-2- روي عن علي رضي الله عنه أنه قال” وأقل الحيض يوم وليلة”( ).
وهو صريح في الدلالة على أن أقل مدة للحيض هي يوم وليلة.
أدلة القول الثاني : وهم القائلون بأن اقل الحيض ثلاثة أيام ولياليها، واستدلوا بعدة أدلة أذكر أهمها “.
1- روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق متعددة قوله : ” أقل الحيض ثلاث وأكثره عشر”.
وفي رواية : ” أقل الحيض للجارية البكر والثيب : الثلاث , وأكثر ما يكون عشرة أيام فإذا زاد فهي مستحاضة ” وغير ذلك من الروايات التي تدور حول المعنى نفسه( ).
قال ابن الهمام : فهذه عدة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم متعددة الطرق، وذلك يرفع الضعيف إلى الحسن، والمقدرات الشرعية مما لا تدرك بالرأي ، فالموقوف فيها حكمه الرفع، بل تسكن النفس بكثرة ما روي فيه عن الصحابة والتابعين إلى أن المرفوع مما أجاد فيه ذلك الراوي الضعيف وبالجملة فله أصل في الشرع( ).
2- قالوا : روي عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، منهم عبدالله بن مسعود، وأنس بن مالك، وعمران بن حصين، وعثمان بن أبي العاص الثقفي أنهم قالوا : ” الحيض: ثلاث، أربع، خمس، ست، سبع، ثمان، تسع، عشر”( ).
ولم يرد عن غيرهم خلافه فيكون إجماعاً( ).
3- استدلوا بما روته عائشة رضي الله عنها أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي صلى الله عليه وسلم قالت : إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة، فقال : لا، إن ذلك عرق، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلي”( ).
وجه الدلالة من الحديث : إن أقل ما يقع عليه اسم أيام فثلاثة ؛لأنه جمع، وأقل الجمع ثلاثة( ).
أدلة القول الثالث : وهم القائلون بأن أقل مدة الحيض لا حد لها.
1- قوله تعالى ” ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن”( ).
وجه الدلالة: إن الله تعالى قد اقتصر في إجابته عن سؤالهم عن المحيض بأنه أذى، فمتى وجد هذا الأذى ثبت الحكم، ومتى طهرت منه زالت أحكامه، أي ولم يحدد أياماً أو ليال بعينها، فدل على أنه لا حد له( ).
2- قوله تعالى : ” والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء “( ).
وجه الدلالة : أن الله تعالى لم يحد في أيام القرء حداً، فمن حد فيه مدة فقد وقف ما لا علم له به( ).
3- روت عائشة رضي الله عنها أن فاطمة بنت أبي حبيش رضي الله عنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله إني لا أطهر ، أفأدع الصلاة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي “( ).
وجه الدلالة :
أن الرسول صلى الله عليه وسلم أناط الحكم بإقبال الحيضة وإدبارها، ولم يخص لذلك عدد، وذلك يقتضي ترك الصلاة بأقل الدم وأنه حيض بإقباله، ولو لم يكن حيضاً إلا بعد يوم وليلة أو بعد ثلاثة أيام، لما جاز ترك الصلاة إلا بعد ذلك ومجمع على وجوب ترك الصلاة بأول ما ترى من الدم، فثبت أنه حيض( ).
4- أن الأصل في هذا الأمر عدم التقدير من الشرع، فهذه التقديرات ليست موجودة في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، مع أن الحاجة بل الضرورة داعية إلى بيانها، فلما لم توجد تبين أن لا تعويل عليها، وإنما التعويل على مسمى الحيض الذي علقت عليه الأحكام الشرعية وجوداً وعدماً( ).
5- أن الحيض نوع حدث فلا يتقدر أقله بشيء كسائر الأحداث، أقربها دم النفاس( ). أي كما أنه لا تقدير لأقل مدة النفاس، فكذلك ينبغي ألا يكون هناك تقدير لأقل مدة الحيض ، لأن كلاهما يعتبر حدثاً، بل إن كلاهما دم يخرج من رحم المرأة، فينبغي أن يكون حكمهما في التقدير واحداً( ).
المناقشة والترجيح :
بعد استعراض الأقوال في المسألة وأدلة كل قول، والبحث في مدى صحتها من ضعفها، وقوتها على الاستدلال، أرى أن القول الثالث وهو أنه لا حد لأقل مدة الحيض هو القول الراجح وذلك لقوة ما استدلوا به، وللرد على الأدلة التي استدل بها أصحاب القول الأول والقول الثاني وهما القائلان بتقدير لأقل مدة الحيض مع اختلاف في تلك المدة.
فنبدأ بأدلة القول الأول وهم القائلون بأن أقل الحيض يوم أو يوم وليلة، حيث قالوا إنه لم يرد في الشرع ولا في اللغة حد للحيض فوجب الرجوع للعرف والعادة. ونجيب بأن ما قلتموه من عدم وجود حد للحيض في الشرع ولا في اللغة هو صحيح ، لذا يرجع لمعرفة وجود الحيض من عدمه فهذا ما علقت عليه الأحكام الشرعية، لأن العرف هنا غير منضبط، فالنساء يختلفن في هذا الأمر اختلافاً بيناً معلوماً، وما ذكروه من الوقائع عن نساء كن يحضن بهذا المقدار لا يعني أنه لا يوجد من لا تحيض أقل منه ، وقد لا يوجد في عصرهم حقيقة لكنه قد يوجد في غيره من العصور، فعدم العلم بأقل من ذلك لا يعني العلم بعدم وجوده ، فبينهما فرق- كما هو معلوم -.
وأما دليلهم الآخر، وهو قول علي رضي الله عنه: ” اقل الحيض يوم وليلة” فقد روي بصيغة التضعيف، وهو غير ثابت في كتب السنن والآثار ، فلا يصلح للاستدلال به.
وأما أدلة الحنفية القائلين بأن اقل الحيض ثلاثة أيام ولياليها.
فقد أجاب عن ذلك الزركشي بقوله :
وما نقل من التقدير بثلاثة أيام فإما صريح غير صحيح، وذكر بعض الروايات التي استدلوا بها على ذلك- والتي سبق ذكرها – فقال : كلها ضعيفة، بل فيها ما قيل : إنه موضوع , وإما صحيح غير صريح كقوله صلى الله عليه وسلم ” لتنظر قدر الليالي والأيام التي كانت تحيضهن “، وقوله لفاطمة بنت أبي حبيش ” اجتنبي الصلاة أيام حيضك”( )، وأن أقل الجمع ثلاثة ، فهذا ونحوه مما خرج على الغالب، إذ الغالب أن حيض النساء أكثر من اليوم، بل ومن الثلاثة أيام، والله أعلم( ).
وقال ابن حزم في هذا الدليل :
أما الخبر الصحيح في هذا فلا حجة لهم فيه، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بذلك من كانت لها أيام معهودة ، هذا نص الخبر الذي لا يحل أن يحال عنه، ولم يأمر عليه السلام بذلك من لا أيام لها( ).
ثم إن اختلاف أقوال المحددين لأقل مدة الحيض واضطرابها يدل على أن ليس في المسألة دليل يجب الرجوع إليه، وإنما هي أحكام اجتهادية معرضة للخطأ والصواب، ليس أحدها أولى بالاتباع من الآخر، والمرجع عند النزاع إلى الكتاب والسنة( ).
قال ابن تيمية :
فما أطلقه الله من الأسماء وعلق به الأحكام لم يكن لأحد أن يقيده إلا بدلالة من الله ورسوله، ومن ذلك اسم الحيض، علق الله به أحكاماً متعددة في الكتاب والسنة، ولم يقدر لا أقله ولا أكثره ولا الطهر بين الحيضتين مع عموم بلوى الأمة بذلك واحتياجهم إليه، واللغة لا تفرق بين قدر وقدر، فمن قدر في ذلك حداً فقد خالف الكتاب والسنة( ).
وبذلك تبين رجحان القول القائل بأنه لا حد لأقل مدة الحيض لقوة أدلته ولضعف أدلة المخالفين.
المبحث الثاني : أكثر مدة الحيض
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على عدة أقوال قريباً من اختلافهم في المسألة السابقة وأبرز هذه الأقوال ثلاثة كسابقتها وهي :
القول الأول : أكثر الحيض خمسة عشر يوماً.
وهو قول الجمهور من المالكية( ) والشافعية( ) والحنابلة( ).
وللمالكية تفصيل في أكثر مدة الحيض بحسب أصناف النساء( )، وقد أعرضت عن ذكره لعدم تعلق بعض الأصناف بموضوع البحث.
وقال ابن قدامة : وقيل عنه – أي عن الإمام أحمد : أكثره سبعة عشر يوماً( ).
وقال المرداوي : والمذهب والذي عليه جمهور الأصحاب أن أكثره خمسة عشر يوماً( ).
القول الثاني : أن أكثر الحيض عشرة أيام ولياليها :
وهو مذهب الحنفية ( ).
القول الثالث : أنه لا حد لأكثر الحيض
وهو إحدى الروايات عن مالك، واختيار ابن تيمية، ومن المعاصرين: ابن عثيمين ، والسيد سابق( ).
وقال ابن عبد البر في التمهيد :
وقد روي عن مالك أنه قال : لا وقت لقليل الحيض ولا لكثيره.. وأكثر الحيض عنده خمسة عشر يوماً إلا أن يوجد في النساء أكثر من ذلك ، فكأنه ترك قوله خمسة عشر، وردّه إلى عرف النساء في الأكثر( ).
وقال العمراني في كتابه البيان :
وروي عن مالك ثلاث روايات ، إحداهن: كقولنا، والثانية: لاحد لأكثره، والثالثة : أكثره سبعة عشر يوماً( ).
الأدلة :
الأدلة التي استدل بها كل فريق في هذه المسألة أغلبها سبق الاستدلال بها على المسألة السابقة ( أقل مدة الحيض) لأنها صالحة للاستدلال بها هنا، وبالتالي سأذكرها باختصار أو أحيل على ما سبق.
أدلة القول الأول : وهم الجمهور القائلون بأن أكثر الحيض خمسة عشر يوماً.
1- استدلوا بما سبق أن استدل به الشافعية والحنابلة في مسألة أقل الحيض، وأن الحيض ورد في الشرع مطلقاً من غير تحديد فوجب الرجوع إلى العرف والعادة( ).
ثم ذكروا وقائع تثبت أن من النساء من كان حيضها خمسة عشر يوماً لا تزيد عليه ومن ذلك: قول عطاء( ): ” رأيت من النساء من تحيض يوماً، وتحيض خمسة عشر ” ( ).
وقول شريك ( ): ” عندنا امرأة تحيض كل شهر خمسة عشر يوماً حيضاً مستقيماً”( ).
وغير ذلك من الوقائع التي ثبت فيها أن النساء قد يزيد حيضهن عن العشرة أيام وأكثر، لكن أكثره خمسة عشر يوماً.
2- روى ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” ما رأيت ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن، أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، وأما نقصان دينها فإنها تمكث شطر عمرها لا تصلي “( ).
وجه الدلالة : أن الشطر : النصف ، والظاهر أنه أراد منتهى نقصانهن( ). أي أن أقصى ما تمكث المرأة من الشهر في حيضها لا تصلي هو نصفه وهو يعدل خمسة عشر يوماً.
3- قالوا : إن كان الحيض أكثر من خمسة عشر يوماً، فإنه يجب من ذلك أن يكون الحيض أكثر من الطهر، وهذا محال( ).
أدلة القول الثاني : وهم الحنفية القائلون بأن أكثر الحيض عشرة أيام ولياليها.
واستدلوا بما سبق لهم الاستدلال به من أحاديث وآثار تبين أن اقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام( ).
أدلة القول الثالث : وهم القائلون بأنه لا حد لأكثر الحيض.
وكل ما استدل به القائلون بأن أقل الحيض لا حد له سواء من الكتاب أو السنة أو القياس، فإنه يصلح للاستدلال به في أنه لا حد لأكثر الحيض، لأن وجه الدلالة من هذه الأدلة هو عينه في كلا المسألتين( ). عدا قياس الحيض على النفاس فهم مختلفون كذلك في أكثر مدة النفاس.
المناقشة والترجيح :
أرى أن القول الثالث وهو القول القائل بأنه ( لا حد لأكثر مدة الحيض) هو القول الراجح وذلك لقوة أدلته، ولضعف أدلة المخالفين ومن ذلك ما استدلوا به في المسألة السابقة ( أقل مدة الحيض) وقد سبق الرد عليها، فمثلاً الجمهور استدلوا بالوقائع التي تثبت أن الحيض ممكن أن يصل إلى خمسة عشر يوماً، وأنه لم ترد واقعة تثبت زيادته عن هذا الحد.
وقد ردّ على ذلك ابن حزم فقال : وهذا باطل، وذكر أن ثقة أخبره أن امرأة كانت تحيض سبعة عشر يوماً، قال : ورويناه عن أحمد بن حنبل قال : أكثر ما سمعنا سبعة عشر يوماً( )، وعن نساء آل الماجشون( ) أنهن كن يحضن سبعة عشر يوماً( ).
ومقصود ابن حزم أنه وردت وقائع تدل على أن الحيض قد يكون أكثر من خمسة عشر يوماً فيصل إلى سبعة عشر يوماً.
ويجاب أيضاً : عدم العلم بوجود من حاضت أكثر من هذه المدة لا يدل على العلم بعدم وجودها، ولو وجدت امرأة تحيض ثمانية عشر يوماً مثلاً أو أكثر حيضاً منتظماً فما الدليل على أن ما زاد عن السبعة عشر يوماً هو استحاضة ما دام أنه بصفة الحيض المعهود.
وأما دليلهم الآخر وهو الحديث الذي رواه ابن عمر رضي الله عنهما وفيه أن المرأة تمكث شطر عمرها لا تصلي، فقد تبين بطلانه وأن الحديث الصحيح ليس فيه لفظ (الشطر)، ولو صحّ فليس فيه دلالة على أن أكثر الحيض خمسة عشر يوماً.
قال السرخسي بعد أن ذكر استدلال الجمهور بهذا الحديث :
ليس المراد حقيقة الشطر, ففي عمرها زمان الصغر ومدة الحبل وزمان الإياس، ولا تحيض في شيء من ذلك( ).
وقال ابن الهمام : وهو لو صح – أي الحديث – لم يكن فيه حجة لما يذكر، لكن قال البيهقي : إنه لم يجده، وقال ابن الجوزي في التحقيق : هذا حديث لا يعرف( ).
وأما استدلالهم بأن الحيض إذا كان أكثر من خمسة عشر يوماً فإنه يكون أكثر من الطهر، وهذا محال.
فقد أجاب ابن حزم بقوله :
من أنى لكم أنه محال، وما المانع إن وجدنا ذلك ألا يوقف عنده؟ فما نعلم منع من هذا قرآن ولا سنة أصلاً ولا إجماع ولا قياس ولا قول صاحب( ).
أما أدلة الحنفية فقد سبقت الإجابة عنها في المسألة السابقة وتبين ضعفها فلا تقوى على الاستدلال لما ذهبوا إليه.
فتبين إذاً ضعف تلك الأقوال القائلة بالتحديد، واتضح رجحان من قال بأن الحيض لا أكثر لحده.
قال ابن رشد :
وهذه الأقاويل كلها المختلف فيها عند الفقهاء في أقل الحيض وأكثره وأقل الطهر لا مستند لها إلا التجربة والعادة، وكلٌ إنما قال من ذلك ما ظن أن التجربة أوقفته على ذلك، ولاختلاف ذلك في النساء عسر أن يعرف بالتجربة حدود هذه الأشياء في أكثر النساء، ووقع في ذلك هذا الخلاف الذي ذكرنا، وإنما أجمعوا بالجملة على أن الدم إذا تمادى أكثر من مدة أكثر الحيض أنه استحاضة( ).
وقال ابن تيمية بعد أن ذكر الأقوال في تقدير أقل الحيض وأكثره :
والقول الثالث أصح : أنه لا حد لأقله ولا لأكثره ، بل ما رأته المرأة عادة مستمرة فهو حيض .. وإن قدر أن أكثره سبعة عشر استمر بها على ذلك فهو حيض، وأما إذا استمر الدم بها دائماً فهذا قد علم أنه ليس بحيض، لأنه قد علم من الشرع واللغة أن المرأة تارة تكون طاهراً وتارة تكون حائضاً، ولطهرها أحكام ، ولحيضها أحكام.
وقال في موضع أخر :
والأصل في كل ما يخرج من الرحم أنه حيض حتى يقوم دليل على أنه استحاضة، لأن ذلك هو الدم الأصلي الجبلي وهو دم ترخيه الرحم، ودم الفساد دم عرق ينفجر، وذلك كالمرض، والأصل الصحة لا المرض( ).
وقال ابن قاسم النجدي في حاشيته على الروض المربع بعد أن ذكر قول ابن تيمية في هذه المسألة واختياره : واختاره كثير من الأصحاب وكثير من أهل العلم، وقال طوائف من المحققين : إذا وجد ولو أقل من يوم وليلة، أو أكثر من خمسة عشر يوماً، فالأوجه : الاعتماد على الوجود، وقد حصل( ).
المبحث الثالث / غالب مدة الحيض :
اتفق الفقهاء الذين ذكروا هذه المسألة على أن غالب النساء يحضن في كل شهر ستة أيام أو سبعة( ).
واستدلوا لذلك :
1- بقوله صلى الله عليه وسلم لحمنة بنت جحش رضي الله عنها لما سألته عن استحاضتها: ” إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان، فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله تعالى .. وهكذا افعلي في كل شهر كما تحيض النساء ويطهرن لميقات حيضهن وطهرهن”( ).
فهنا الرسول صلى الله عليه وسلم ردّ هذه المستحاضة إلى غالب عادات النساء , وهي ستة أيام أو سبعة ( ).
2- المعول عليه في تحديد هذه الحدود هو الاستقراء، أي التتبع والفحص، والمقصود به استقراء عادات النساء، فوجد أن غالبهن يحضن في كل شهر ستاً أو سبعاً( ).
وجاء في الشرح الممتع :
وهذا أيضاً هو الواقع، فإنه يكون عند غالب النساء ستاً أو سبعاً( ).
ويذكر الأطباء أن المدة المعتادة للحيض هي من أربعة إلى ستة أيام ، وقد تزيد إلى سبعة( ).
خاتمة البحث
في الختام أحمد الله ذا الجلال والإنعام أن تفضل علي بإتمام هذا البحث والذي تبين لي من خلاله نتائج عدة أذكر أهمها :
1- اتفق المسلمون على أن الدماء التي تخرج من الرحم ثلاثة : دم الحيض وهو الخارج على جهة الصحة، ودم الاستحاضة وهو الخارج على جهة المرض، وأنه غير دم الحيض، ودم نفاس وهو الخارج مع الولد.
2- اختلفت عبارات الفقهاء في تعريف الحيض، لكنها في الغالب تتحدث عن ماهية الحيض ووقت حدوثه، وموضع خروجه ..وغير ذلك.
والتعريف المختار هو تعريف الشربيني صاحب مغني المحتاج وهو أنه : دم جبلة يخرج من أقصى رحم المرأة بعد بلوغها على سبيل الصحة من غير سبب في أوقات معلومة.
فتعريفه جامع مانع، فهو عرف دم الحيض بذكر سببه وموضع خروجه ووقته، ومنع دخول غيره فيه من الدماء كدم الاستحاضة والنفاس والنزيف بسبب المرض ونحوه.
3- خلق الله عز وجل دم الحيض لحكمة تربية الولد، لذلك فإن الحامل لا تحيض في الغالب، فإذا وضعت الولد قلبه الله تعالى بحكمته لبناً يتغذى به الطفل، لذلك قلما تحيض المرضع.
4- اختلف الفقهاء في تحديد أقل سن تحيض فيه المرأة، فمنهم من حده بتسع سنوات وهم الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة ومتأخري المالكية، ومنهم من حده بأقل من ذلك ومنهم من حدّه بأكثر، أما الإمام مالك فلم يجعل له حداً واختاره الدارمي من الشافعية وابن تيمية من الحنابلة وغيرهم وهو القول الراجح في نظري، وأن المرجع في ذلك إلى الوجود، فأي قدرٍ وجد في أي حال وسن كان، وجب جعله حيضاً.
5- وبنحوه اختلفوا في تحديد السن الذي ينتهي فيه الحيض وهو المسمى بسن الإياس، فالجمهور منهم قالوا أن لانتهاء الحيض عند المرأة سناً معينة حدها أغلبهم بخمسين سنة، ومنهم بخمس وخمسين ومنهم إلى الستين، والقول الآخر أنه لا آخر لسن الحيض فهو ممكن ما دامت حية، وهو قول الشافعي ورواية عن أبي حنيفة واختاره بعض علماء المالكية وابن تيمية وغيرهم وهو القول الراجح وذلك لعدم وجود نص من الكتاب أو السنة يقتضي التحديد سواء في ابتدائه أو انتهائه، وأن المرجع في ذلك إلى الوجود.
6- ذكر الأطباء أن وقت بلوغ الفتاة يختلف من أمةٍ إلى أخرى، وفي البلاد الحارة يكون البلوغ مبكراً أكثر منه في البلاد الباردة، كما أن ذلك يختلف نتيجة بعض العوامل الوراثية، فيختلف من شعب إلى آخر ولو كانوا يعيشون في نفس المنطقة، وأغلب وقوعه فيما بين الثانية عشرة والخامسة عشرة في البلاد الحارة، والرابعة عشرة والسادسة عشرة في البلاد الباردة .
7- توجد حالياً محفزات كثيرة للبلوغ المبكر منها عامل تحسن التغذية، وإضافة المنكهات والمحسنات الغذائية ومنها هرمونات النمو للدواجن والحيوانات .. ونحو ذلك، ووجود المثيرات للغريزة الجنسية في القنوات الفضائية والتقنيات الحديثة، والتوسع في الاختلاط بين الجنسين .. وغير ذلك كل ذلك ساهم في تدني سن البلوغ فأصبح مبكراً عما كان في السابق.
8- يرى الأطباء أن للمرأة سناً يتوقف فيه الحيض وهو سن اليأس ، وهو غالباً ما يكون بين 45-55 عاماً ، ومن النادر أن يستمر الحيض بعدها.
9- القول الراجح في مسألة عودة الدم للآيسة بعد انقطاعه عنها فترة، أنه دم حيض إذا كان على صفته المعهودة، أما إذا لم يكن كذلك فعليها مراجعة الأطباء، للتأكد من طبيعة هذا الدم لأنه يخشى أن يكون بسبب عارض صحي يهدد صحتها.
10- اختلف الفقهاء في أقل مدة الحيض وأكثره ، فهل لهما حد معين أم أنه لا حد لهما، فالشافعية والحنابلة على أن أقل مدة الحيض هي يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يوماً، والحنفية على أن أقلة ثلاثة أيام ولياليها وأكثره عشرة أيام ولياليها ، أما المالكية فقد قالوا أنه لا حد لأقله ، بل قد تكون الدفقة الواحدة عندهم حيضاً، واختلفت الروايات عن مالك في أكثره فالمشهور عنه أنه خمسة عشر يوماً، وفي رواية أنه لا حد لأكثره , وهو اختيار ابن تيمية وهو القول الراجح في نظري وفد فصلت في ذكر أدلة كل قول ومناقشتها وأسباب اختيار الراجح منها.
هذا وأسأل الله تعالى ان أكون قد وفقت للصواب.
والحمد لله في الأولى وفي الآخرة،،،
فهرس المصادر والمراجع
1- إتحاف أهل الهمم الفياضة بأحكام الحيض والنفاس والاستحاضة/ محمد سالم الجكني – قدم لها: فضيلة الشيخ أحمد بن حجر آل بو طامي رئيس قضاة المحكمة الشرعية بدولة قطر – ط1- 1409هـ.
2- الإجماع / أبو عمر يوسف بن عبدالله بن عبد البر – دار القاسم – الرياض – ط1- 1418هـ .
3- الاختيار / عبدالله بن محمود الموصلي – تعليق الشيخ محمد أبو دقيقة – دار الكتب العلمية – بيروت.
4- إخلاص الناوي/ شرف الدين إسماعيل بن أبي بكر المقرىء تحقيق الشيخ عبد العزيز زلط – القاهرة – 1411هـ.
5- إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل/ محمد ناصر الدين الألباني – إشراف : محمد زهير الشاويش – المكتب الإسلامي – بيروت – دمشق – ط2- 1405هـ.
6- الإشراف على نكت مسائل الخلاف/ أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر البغدادي المالكي – دار ابن حزم – بيروت – ط1 – 1420هـ.
7- الأصل (المبسوط) / محمد بن الحسن الشيباني – عناية أبي الوفا الأفغاني . إدارة القرآن والعلوم الإسلامية – باكستان.
8- الإقناع / أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر تحقيق : د. عبدالله بن عبد الرحمن الجبرين – مطابع الفرزدق – الرياض – ط1- 1408هـ.
9- الأم / الإمام محمد بن إدريس الشافعي أشرف على طبعه وتصحيحه : محمد زهري النجار دار المعرفة – بيروت.
10- الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف/ علاء الدين علي بن سليمان المرداوي – دار الكتب العلمية – بيروت –ط1- 1418هـ.
11- أنيس الفقهاء / الشيخ قاسم القونوي – تحقيق : د. أحمد بن عبد الرزاق الكبيسي – دار الوفاء –ح جدة- ط2 – 1407هـ.
12- البحر الرائق / زين بن إبراهيم بن محمد بن بكر – دار المعرفة – بيروت.
13- بدائع الصنائع/ علاء الدين أبو بكر بن مسعود الكاساني – دار الكتاب العربي – بيروت –ط2- 1982م.
14- بداية المجتهد / أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي – دار القلم – بيروت – ط1- 1408هـ.
15- بلغة السالك لأقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك/ الشيخ أحمد بن محمد الصاوي المالكي – دار المعرفة – بيروت – 1409هـ.
16- البيان شرح المهذب/ يحيى بن أبي الخير سالم العمراني اليمني – دار المنهاج – بيروت – ط1- 1421هـ.
17- البيان والتحصيل … / أبو الوليد ابن رشد القرطبي – تحقيق : د. محمد حجي – دار العرب الإسلامي – بيروت – ط2- 1408هـ.
18- تبيين الحقائق / فخر الدين عثمان بن علي الزيلعي – دار الكتب العلمية – بيروت – ط1- 1420هـ.
19- تحرير ألفاظ التنبيه / يحيى بن شرف النووي – تحقيق : عبد الغني الدقر – دار القلم – دمشق – ط1- 1408هـ.
20- التحقيق في أحاديث الخلاف/ عبد الرحمن بن علي الجوزي – تحقيق : مسعد عبد الحميد السعدني – دار الكتب العلمية – بيروت – ط1- 1415هـ.
21- تغليق التعليق/ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني – تحقيق : سعيد عبد الرحمن القزمي – المكتب الإسلامي – دار عمار – بيروت – عمان – ط1- 1405هـ.
22- تقريب التهذيب/ الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني – تحقيق : د. عبد الوهاب عبد اللطيف – دار المعرفة – بيروت.
23- التلخيص الحبير / أحمد بن علي بن حجر العسقلاني- المدينة المنورة – 1384هـ.
24- التمهيد / الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري الأندلسي – تحقيق : مصطفى العلوي ومحمد البكري – طبعة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في المغرب – 1387هـ.
25- تهذيب الأسماء واللغات/ يحيى بن شرف النووي – دار الفكر – بيروت – ط1- 1996م.
26- تهذيب التهذيب / أحمد بن علي بن حجر العسقلاني – دار الفكر – بيروت – ط1- 1404هـ
27- حاشية الجمل على شرح المنهج/ الشيخ سليمان الجمل – دار إحياء التراث العربي – بيروت.
28- حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، محمد عرفة الدسوقي – تحقيق : محمد عليش – دار الفكر – بيروت.
29- حاشية رد المحتار على الدر المختار/ محمد أمين الشهير بابن عابدين – دار الفكر – بيروت –ط2- 1386هـ.
30- حاشية الروض المربع / عبد الرحمن بن محمد بن قاسم النجدي الحنبلي بهامش الروض المربع للبهوتي – ط3- 1405هـ.
31- حاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب/ عبدالله بن حجازي الشافعي الشهير بالشرقاوي – دار المعرفة – بيروت.
32- حاشية الشيخ إبراهيم البيجوري على شرح العلامة ابن القاسم الغزي على متن الشيخ : أبي شجاع – دار الكتب العلمية – بيروت – ط1- 1415هـ.
33- حلية العلماء/ سيف الدين محمد الشاشي القفال – تحقيق : د. ياسين درادكه – مكتبة الرسالة الحديثة. عمان – ط1- 1988م.
34- الحيض والنفاس / دبيان بن محمد الدبيان – دار طيبة – الرياض – 1419هـ.
35- خلاصة البدر المنير/ عمر بن علي بن الملقن – مكتبة الرشد – الرياض –ط1- 1410هـ.
36- خلق الإنسان بين الطب والقرآن/ د. محمد علي البار . الدار السعودية – جدة – ط12- 1423هـ.
37- الدر المختار/ محمد علاء الدين الحصكفي – مطبوع مع حاشية ابن عابدين – دار الفكر 0 بيروت – 1399هـ.
38- الدراية في تخريج أحاديث الهداية/ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني – دار المعرفة – بيروت.
39- رحمة الأمة في اختلاف الأئمة/ محمد بن عبد الرحمن الدمشقي الشافعي – مطابع قطر الوطنية – الدوحة – 1401هـ.
40- الروض المربع/ منصور بن يونس البهوتي مطبوع مع حاشية عليه لابن قاسم النجدي ط3- 1405ه
41- سن اليأس / د. جون ستد، د. مرجريت ثوم – ترجمة سيد علي قنصوه – دار الشروق – بيروت- ط1- 1403هـ.
42- سنن ابن ماجه / ابو عبدالله محمد بن يزيد القزويني – تحقيق : محمد فؤاد عبد الباقي – دار الفكر – بيروت.
43- سنن أبي داود / سليمان بن الأشعث السجستاني – تحقيق : محمد محي الدين عبد الحميد – دار الفكر – بيروت.
44- سنن الترمذي/ محمد بن عيسى أبو عيسى الترمذي – تحقيق : أحمد محمد شاكر وآخرون – دار إحياء التراث العربي – بيروت.
45- سنن الدار قطني/ علي بن عمر الدار قطني : تحقيق السيد عبدالله هاشم يماني – دار المعرفة – بيروت – 1386هـ.
46- سنن الدارمي/ الحافظ عبدالله بن عبد الرحمن الدارمي – دار الكتاب العربي – بيروت – ط1- 1407هـ.
47- السنن الكبرى / الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي – تحقيق : محمد عبد القادر عطا- مكتبة دار الباز – مكة المكرمة – 1414هـ.
48- سنن النسائي/ الحافظ أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي – وعليها أحكام المحدث محمد ناصر الدين الألباني – مكتبة المعارف – الرياض – ط1- 1417هـ.
49- سير أعلام النبلاء/ شمس الدين محمد الذهبي – مؤسسة الرسالة – بيروت – ط9- 1413هـ.
50- شذرات الذهب/ أبو الفلاح عبد الحي بن أحمد بن العماد الحنبلي – دار الكتب العلمية – بيروت.
51- شرح الزركشي / محمد بن عبدالله الزركشي المصري – تحقيق : الشيخ عبدالله بن عبد الرحمن الجبرين – شركة العبيكان – الرياض – ط1- 1410هـ.
52- الشرح الصغير/ أبو البركات أحمد الدردير- بهامش بلغة السالك للصاوي – دار المعرفة – بيروت – 1409هـ.
53- الشرح الكبير/ شمس الدين أبو الفرج عبد الرحمن المقدسي – تحقيق : د. عبدالله التركي، د. عبد الفتاح الحلو – دار هجر- القاهرة –ط1- 1414هـ.
54- الشرح الممتع/ الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين، مؤسسة أسام – الرياض – ط4- 1416هـ.
55- شرح النووي على صحيح مسلم / محي الدين يحيى بن شرف النووي، دار الكتب العلمية – بيروت.
56- صحيح البخاري / الإمام محمد بن إسماعيل البخاري – مطبوع مع شرحه فتح الباري – دار المعرفة – بيروت.
57- صحيح مسلم / الإمام أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري مطبوع مع شرحه للإمام النووي – دار الكتب العلمية – بيروت.
58- الطب محراب الإيمان/ د. خالص جلبي – مؤسسة الرسالة – بيروت – 1401هـ.
59- طب النساء بقلم عشرة اساتذة – ترجمة : أ.د. محمد السنوسي ، أ.د. صادق فرعون – المركز العربي – دمشق – 2007م.
60- طبقات الحنابلة/ ابن أبي يعلى الفراء الحنبلي –دار المعرفة –بيروت.
61- الطبقات الكبرى / محمد بن سعد بن منيع الهاشمي – مكتبة العلوم والحكم- المدينة المنورة –ط2- 1408هـ.
62- الطهارة عند المرأة / جاسم بن محمد الياسين – دار الدعوة – الكويت – ط4- 1408هـ.
63- العناية شرح الهداية/ الإمام أكمل الدين محمد بن محمود البابرتي بهامش فتح القدير لابن الهمام – دار الكتب العلمية – بيروت.
64- فتاوى الحيض والاستحاضة والنفاسِ/ لعدد من أصحاب الفضيلة العلماء – جمع : أشرف بن عبد المقصود – أضواء السلف – الرياض –ط1- 1420هـ.
65- الفتاوى السعدية – سلسلة فتاوى علماء البلد الحرام – إعداد : د. خالد الجريسي – مؤسسة الجريسي – الرياض – ط2- 1427هـ.
66- فتح الباري/ الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني – دار المعرفة – بيروت.
67- فتح القدير/ كمال الدين محمد بن عبد الواحد المعروف بابن الهمام – دار الكتب العلمية – بيروت.
68- الفروع / شمس الدين المقدسي محمد بن مفلح – عالم الكتب – بيروت – ط4- 1405هـ.
69- الفقه الإسلامي وأدلته/ د. وهبة الزحيلي – دار الفكر – دمشق – ط3- 1409هـ.
70- فقه الحيض والنفاس والدماء الطبيعية للنساء/ الشيخ محمد بن صالح العثيمين – دار القاسم – الرياض – ط2- 1417هـ.
71- فقه السنة/ السيد سابق – دار الكتاب العربي – بيروت – ط3- 1397هـ.
72- القاموس المحيط/ مجد الدين الفيروز آبادي – مؤسسة الرسالة – بيروت – ط3- 1413هـ. .
73- القوانين الفقهية / محمد بن جزي الكلبي – دار القلم – بيروت.
74- الكافي/ يوسف بن عبدالله بن عبد البر القرطبي – دار الكتب العلمية – بيروت – ط2- 1413هـ.
75- كشاف القناع/ منصور بن يونس البهوتي عالم الكتب – بيروت.
76- الكفاية/ جلال الدين الخوارزمي الكرلاني على الهداية بهامش فتح القدير – دار الكتب العلمية – بيروت.
77- المبسوط / شمس الأئمة أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي – دار المعرفة – بيروت- 1409هـ.
78- المبدع / برهان الدين إبراهيم بن مفلح الحنبلي – المكتب الإسلامي – بيروت – ط1- 1402هـ.
79- مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية – جمع وترتيب : عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي – طبعة وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف بالمملكة العربية السعودية – 1416هـ.
80- المجموع / يحيى بن شرف النووي- تحقيق : محمود مطرحي – دار الفكر –بيروت-ط1-1417هـ
81- المحلى/ علي بن أحمد بن سعيد بن حزم- تحقيق أحمد شاكر – دار التراث – القاهرة.
82- المحيط البرهاني في الفقه النعماني/ محمود بن أحمد بن عبد العزيز بن عمر بن مازه البخاري – تحقيق : الشيخ أحمد عزو عناية – دار إحياء التراث العربي – بيروت – ط1- 1424هـ.
83- المدونة الكبرى/ الإمام مالك بن أنس الاصبحي – دار صادر – مصر – 1323هـ.
84- المسائل الفقهية من اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية / جمع العلامة ابن قيم الجوزية – دار الصفا – القاهرة – ط1- 1413هـ.
85- مسائل الإمام أحمد/ برواية ابنه عبدالله بن أحمد – تحقيق : زهير الشاويش – المكتب الإسلامي – بيروت – ط1- 1401هـ.
86- مسند الإمام أحمد بن حنبل – مؤسسة قرطبة – مصر.
87- مسند الإمام الشافعي/ محمد بن إدريس الشافعي – دار الكتب العلمية – بيروت.
88- المصباح المنير / العلامة أحمد بن محمد الفيومي المقرىء – المكتبة العلمية – بيروت.
89- المغرب في ترتيب المعرب / أبو الفتح ناصر الدين المطرزي – حققه : محمود فاخوري ، عبد الحميد مختار – مكتبة دار الاستقامة – سوريا.
90- المغني/ موفق الدين أبو محمد عبدالله بن قدامة المقدسي تحقيق : د. عبدالله التركي، ود. عبد الفتاح الحلو – هجر للطباعة والنشر .. ط1 – 1409هـ.
91- مغني المحتاج شرح المنهاج/ محمد الخطيب الشربيني – دار الفكر – بيروت.
92- المطلع على أبواب المقنع / شمس الدين محمد بن أبي الفتح البعلي – المكتب الإسلامي – بيروت – 1401هـ.
93- المنتقى/ أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي – دار الكتاب الإسلامي – القاهرة – ط2.
94- منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار/ أبو البركات مجد الدين بن تيمية . المطبوع مع شرحه نيل الأوطار للشوكاني – دار القلم – بيروت.
95- المهذب/ أبو إسحاق إبراهيم الفيروز آبادي الشيرازي مطبعة البابي الحلبي – مصر .
96- مواهب الجليل/ محمد بن عبد الرحمن المغربي أبو عبدالله- دار الفكر – بيروت –ط2- 1398هـ.
97- موسوعة مسائل الجمهور/ د. محمد نعيم ، محمد هاني ساعي – دار السلام – القاهرة – ط1- 1426هـ.
98- موطأ الإمام مالك – رواية يحيى بن يحيى الليثي – إعداد : أحمد راتب عرموش – دار النفائس – بيروت – ط7- 1404هـ.
99- نصب الراية/ عبدالله بن يوسف الزيلعي – دار الحديث – مصر – 1357هـ.
100- النهاية في غريب الحديث والأثر / أبو السعادات المبارك ابن الاثير- بيت الأفكار الدولية – عمان – الرياض.
101- نيل الأوطار/ علي بن محمد الشوكاني – دار القلم – بيروت.
الأقراص الحاسوبية والمواقع الالكترونية :
– قرص حاسب بعنوان ( مكتبة الفقه وأصوله) – إصدار مركز التراث للحاسب الآلي.
– قرص حاسب بعنوان ( المكتبة الألفية للسنة النبوية) – إصدار مركز التراث للحاسب الآلي
– منتديات الحصن النفسي
– موقع : http://Forum.brg8.com.
– موقع : http://www.a
*قصة حقيقية*
*كل ساق سيسقى بما سقى يوما ما*
يقول أحد الإخوة من قرى الجزائر :
في سنة 1994، مرضت ابنتي، وكان عمرها أربعة عشر عامًا، فوجهني الأطباء لنقلها إلى مستشفى بالجزائر العاصمة، وانا من احدى قرى ضواحي الريف فتوكلت على الله وسافرت إلى العاصمة الجزائر .
وصلت إلى المستشفى الكبير، وسألت عن الجناح المقصود، فوجدته بعيدًا، ولم أكن أعلم أن المستشفى كبيرجدا لهذه الدرجة، مدينة طبية متكاملة يسير فيها الراكب بسيارته، فكيف بشيخ مثلي!؟
مشيت قليلاً، ولم أجد من يساعدني، فتعب الشيخوخة، وتعب السفر، وتعب الحاجة، وتعب المرض الذي ألَمَّ بابنتي، جميعها تجمعت إبتلاءات أرهقتني.
جلست لأستريح في مكان مخصص لركن السيارات،
وكنت بين الحين والأخر أذرف الدمع، وأتوارى عن ابنتي وعن الناس كي لا يرونني باكيًا !
وبينما أنا كذلك، وإذا بسيارة فاخرة تركن بجواري، خرج منها شاب طويل القامة بهي المُحَيَّا، يرتدي مئزراً أبيضاً، شارته
(بطاقته المهنية) تتدلى على صدره، ثم توجه نحوي وسألني عن حاجتي ؟
فخنقتني العبرات ولم أقدر على الكلام ..
سألني: يا عم، هل معك اوراق طبية؟ أعطني بطاقة هويتك ؟
– لمّا سَلَّمْتُ البطاقة للشاب، راح يتأملني ويتفحصني من رأسي إلى أخمص قدمي، وقد بدت عليه علامات الدهشة والاستغراب كثيرا !!
ثم أرسل تنهيدة من أعماق جوفه، وجلس بجانبي وراح يتفرس في ملامحي تارة، ويُقَبِّلُ جبيني تارة أخرى، ولم يتمالك نفسه وذرفت عيناه باكيا !!
سألته: ما بك يا ولدي!؟ هل أصابك مكروه لا قدّر الله!؟
قال: لا، وإنما أشفقت لحالك، ولحال ابنتك ثم حَمَلَ ابنتي بين يديه، وقال: تعال يا عم معي..
دخل الشاب أروقة جناح طبي متخصص، ووضع الطفلة على كرسي متحرك، وأخذ يأمر وينهي، والكل يُحيّيه تحية تقدير واحترام ويتودد إليه، يبدو أنه صاحب مكانة وشأن كبير في هذه المستشفى !
وراح يطوف بالبنت بين قاعات الإستعجالات، ومخبر التحاليل، وجناح التصوير بالأشعة، وقسم التخدير والرعاية ، والجراحة العامة، وفي حدود الساعة الرابعة مساء كانت البنت قد أجريت لها عملية جراحة ناجحة واستعادت وعيها!!
حمدتُ الله حمداً كثيرا، وشكرتُ الشاب الذي كان لي ظهيرًا وسندًا ومعينًا ارسله الله لي ..
قلت له :
( والله، سيبقى صنعك وخيرك يطوق عنقي ما حييت)
فقد كان كل مَن في المستشفى يخدمني خدمة استغربتُ من مستواها الراقي جداً، ولم أسمع بها سوى في مستشفيات الدول المتقدمة في هذا المجال..!!
وبعد ثلاثة أيام، أمرني الطبيب الذي أجرى العملية الجراحية لابنتي بمغادرة المستشفى، فطلب مني الشاب الذي التقيته أول يوم أن تمكث الطفلة في بيته أسبوعًا آخر حتى تسترد عافيتها وتستكمل نقاهتها، لأن السفر متعب والمسافة بعيدة!!
استحييت من كرمه وخيره، وقولت له سنعود لقريتنا افضل لكنه اصر اصرارا شديدا واستجبت له، ومكثت في ضيافته سَبع ليالٍ، وكانت زوجته تخدم ابنتي وكان هو وأولاده يترفقون بي وبابنتي ويعاملونني بمنتهى الرقة واللطف والأدب !!
وفي الليلة السابعة، لمّا وضعوا الطعام على المائدة، وتحلقوا للعَشاء، امتنعت عن الطعام، وبقيت صامتًا لا أتكلم ..
قال لي الشاب : كُلْ يا عم، كُلْ، ما ألمَّ بك ؟!
قلت وبصوت مرتفع ونبرة حادة: والله، لن أذوق لكم طعاماً إلا إذا أخبرتموني مَن أنتم؟ ومَن تكونون؟
أنتَ تخدمني طوال أسبوع كامل، ومن قبل بالمستشفي وأنا لا أعرفك.. تخدمني وتُبالغ في إكرامي، وكانك تعرفني او احد اقاربك وأنا لم ألتقِ بك من قبل سوى مرة واحدة في المستشفى،
من أنت بالله عليك !؟
قال : يا عم كُلْ، هيا كُلْ وبعد العشاء أخبرك..
قلت: والله لن تدخل فمي لقمة واحدة، ولن آكل طعامك إن لم تخبرني من أنت؟ ومن تكون؟
حاول الرجل التهرب من الجواب لكنه وأمام إصراري.. أطرق برأسه قليلا.. ثم قال بنبرة خافتة: يا عمى، إن كنتَ تَذْكُر، فأنا ذاك الطفل الذي أعطيته ( خمسة دنانير ) سنة 1964 ، عندما كنتُ أجلس خلفك في الحافلة،
أنا فلان إبن فلان..
قلت له : آه تذكرت، أنت إبن فلان رحمةالله عليه من قريتنا ..
نعم، نعم، لقد تذكرت ..
يومها كنت في الحافلة متجهاً من قريتنا الريفية إلى إحدى المدن القريبة، وكان يجلس خلفي صبيان عمرهما لا يتجاوز على ما يبدو الخمسةعشرةعاما ، سمعت أحدهما يحدث الآخر قائلاً له: هذا العام شحَّت السماء، والخريف يوشك أن ينصرف، والأرض لا تُنبت شيئًا، وأبي فلاح فقير ليس بيده ما ينفقه عليَّ، ولذلك فأنا مضطر لترك الدراسة هذا العام!! لعدم استطاعت ابي علي مصاريف الدراسة.
لمّا سمعت الطفلين يتحدثان عن الفقر والحِرمان بهذا الوعي الذي لا يدركه إلا الكبار، تأثرت وضاقت عليَّ الأرض بما رحبت!!
وعلى الفور أخرجت من جيبي ( خمسة دنانير ) وأعطيتها للصبي، وقلتُ له: خذ هذه الدنانير والمبلغ آنذاك كبيرا وكان يفي لشراء الأدوات المدرسية كلها..
رفض الصبي أخذ الدنانير، فقلت له: ولماذا يا ولدي!؟ قال: ربما يظن أبي أني سرقتها؟ قلت: قل له فلان بن فلان أعطاني إيّاها لشراء الأدوات المدرسية، فإن أباك يعرفني تمام المعرفة..
تهللت أسارير الطفل وتناول(الدنانيرالخمسة) وابتسم ابتسامة الرضا والسرور ودسّها في جيبه..
ونسيت من يومها هذا الموقف مع ذاك الصبي.
قال الشاب : أنا يا عم ذلك الصبي، ولولا الله ثم تلك الدنانير الزهيدة لما أصبحت اليوم بروفيسوراً في أكبر مستشفى بالجزائر..
وها قد التقينا بعد أن منَّ الله علي بأعلى المراتب في أنبل وأشرف المهن، فقد افترقنا سنة 1964 وها نحن نلتقي سنة 1994 ، بعد 30 سنة بالتمام والكمال!!
والحمد لله أن قدرني ربي لأرد لك بعض الجميل..
يا عم، ( الدنانير الخمسة ) التي أعطيتها لي، صنعت مني استاذا في الطب..
يا عم، والله لو أعطاني أحد كنوز الدنيا لما فرحت بها الآن كفرحي يومها بتلك الدنانير الزهيدة.
يا عم، أفضالك عليَّ كبيرة، والله مهما فعلت فلن أرد لك الجميل.
فأسأل الله أن يجازيك خير الجزاء في الدنيا، والأجر الكبير في الآخرة.
الشاهد من القصة هي
صنائع المعروف تقي مصارع السوء ..
وكما تَدين تُدان .. وكل ساقٍ سيُسقى بما سقى يوماً ما…
تحرص الكثير من الأمهات على تقديم أشهى المأكولات لأطفالها، لكن أحيانا تواجه الأمهات صعوبة في عناد الأطفال لتركيزهم على تناول نوع واحد من الطعام دون غيره، خاصة في ظل جائحة فيروس كورونا المستجد وبقاء الأطفال بالمنزل لفترات طويلة، لذا إليكم نصائح لإطعام الطفل العنيد، وفقا للدكتور أشرف قاسم أخصائى طب أطفال وحديثى الولادة.
١- تجنبى توبيخ الطفل وضربه أو الركض وراءه بالطبق والملعقة إذا رفض تناول الطعام بوقته المحدد، لأن ذلك يجعل الطفل يربط بين الطعام والتوتر ويجعله يكره الطعام.
٢- يتعين عليك تحديد مواعيد محددة للطعام، وإذا رفض الطفل تناول الطعام في وقته المحدد نرفع الطعام من أمامه بمنتهى الهدوء، وفى حالة طلبه للطعام نطعمه في ميعاد الوجبة التالية، ويمكن تعويض الطفل بسناكس ككوب لبن أو عصير طبيعى أو بطاطا بالفرن.
٣- اسمحى للطفل بشم الطعام ولمسه واللعب بيه، ولا تجبريه على تناوله، واتركيه يتعامل، وذلك حال تقديم طعام جديد للطفل، ولا تقدمى هذا الطعام مرة أخرى في حالة رفض الطفل تناوله أو تقديمه بطريقة أخرى.
٤- لا تقدمى طعاما مخصصا للطفل وذلك لحين تناول الأطعمة المتوفرة بالمنزل والتى تتناولها العائلة، واجعليه يجلس طوال الوقت على طاولة الطعام حتى لو كان رافضا للأكل.
٥- تعاونوا سويا في إعداد الطعام وتجهيزه وتجهيز طاولة الطعام.
٦- اجعلى وقت تناول الطعام ممتعا، وذلك من خلال إحضار طبق ملون أو ملعقة ملونة، وإحضار بعض الصوصات التي يفضلها الطفل لمساعدته في تناول الطعام.
٧- احرصى على تناول الوجبات صحية، لأن الأبناء يقلدون آباءهم وأمهاتهم.
٨- تجنبى تشغيل التلفاز أو الأجهزة الإلكترونية، وليكن التركيز على الطعام فقط.
٩- تجنبى مكافأة الطفل بالحلويات وتقديمها ليوم أو يومين بالأسبوع.
١٠- كونى مبدعة بتقديم وصفات جديدة ومبتكرة لطفلك وتحلى بالصبر.